البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الإمام الزّهري‏ (1) المستشار التاريخي للبلاط المرواني‏

الباحث :  ا.د. سهيل زكار
اسم المجلة : 
العدد :  1
السنة :  السنة الثانية خريف 1418 هجـ 1997 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  1375

الإمام الزّهري‏ (1)
المستشار التاريخي للبلاط المرواني‏

ا.د. سهيل زكار (*).

الدَّعوة إلى إعادة كتابة التاريخ العربي‏
نشطت، في العقود الثَّلاثة الماضية، بعض الأوساط العربية المثقفة بالدَّعوة إلى «إعادة كتابة التاريخ العربي»، وجاء ذلك في البداية على يد عدد من الاختصاصيين، ثم ما لبث أن قامت بعض الدُّول العربية بتبني الفكرة، فرعت بعض الندوات والمؤتمرات التي حاولت معالجة هذه المسألة الخطيرة. ودار نقاش طويل سار من بيروت إلى دمشق فالكويت، ثم حلّ في القاهرة، وانتقل بعدها إلى الخرطوم، وبعد ذلك إلى غيرها من البلدان، وخمدت حرارة العاصفة أحياناً، لكنها لم تمت تماماً، فما زالت هذه الدعوة قائمة نراها بين آونة وأخرى في أعمال بعض الباحثين في التاريخ العربي، ونسمعها في بعض الندوات.
ويتساءل المرء عن الأسباب التي دفعت ـ وما برحت تدفع ـ إلى هذه الدعوة ثم لماذا خفت الصوت، وإذا ما انبعث انبعث مبحوحاً خجولاً؟
قد يرى بعضهم، في هذه الدعوة، عملاً تمّ الإيحاء به من الخارج، وقد يراه آخرون عملاً أصيلاً أوحت به ـ لا بل تطلَّبته ـ حركة التحرُّر العربية من جميع أنواع التبعيات، ولاسيما التبعَّية الفكرية. ودارت النقاشات حول هذه المسألة دورانا عجيباً، وتناولت العديد من الجوانب، وطرحت أسئلة كثيرة مثل: من أي الزوايا، وحسب أي مدارس التفسير والتعليل التاريخية ستكون الكتابة؟ أو بالحري هل ستتم هذه الكتابة من وجهة نظر يسارية تحررية أم يمينية رجعية؟
________________________________________
(*)أستاذ في جامعة دمشق ـ نائب رئیس اتحاد المؤرخین العرب في القاهرة.
(1)أهم مصادر ترجمة الزهري المعتمدة: السير والمغازي لابن اسحق. مغازي الواقدي، الكامل في الضعفاء لابن عدي. تاريخ الطبري. الأخبار الموفقيات للزبير بن بكار. الفهرس لابن النديم. حلية الأولياء لأبي نعيم. تاريخ خليفة بن خياط. طبقات خليفة بن خياط. طبقات ابن سعد. كتاب العلل لعلي المديني. كتاب مشاهير علماء الأمصار لمحمد بن حبان البستي. كتاب في الطبقات أظنه لحميد بن زنجويه (مخطوط خاص لدي) مروج الذهب للمسعودي. المعرفة والتاريخ للفسوي. الجرح والتعديل لابن أبي حاتم. تاريخ مدينة صنعاء للرازي. تاريخ دمشق لابن عساكر. صفة الصفوة لابن الجوزي. التاريخ الكبير للبخاري. وفيات الأعيان لابن خلكان. معجم الأدباء لياقوت. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير. تهذيب الكمال للمزي. تذكرة الحفاظ للذهبي. تهذيب التهذيب لابن حجر، الوافي بالوفيات للصَّفدي. فهرسة ابن خير. تخريج الدلالات السمعية للخزاعي. بحث في نشأة علم التاريخ لعبد العزيز الدوري.

[الصفحة - 200]


وهنا ندرك بسرعة أسباب هدوء العاصفة، وكيف حلَّت محلها دعوات إلى التاريخ الاقليمي: في قطر، وعمّان، ودمشق والرِّياض، على سبيل المثال.
ثم كان انحسار التيّار القومي ومعه التقدميَّة والرجعية، وعاود التيار الاسلامي ظهوره بأشكال عديدة قوَّية جارفة أحيانا، وهنا توجَّب العمل على إعادة النظر. وفي هذه الأثناء تغير العالم، وقام عصر المعلوماتيَّة، ومن جديد كان لا بد من مراجعة الحسابات جميعاً.
في الحقيقة، جاءت الدعوة إلى «إعادة كتابة التاريخ» منذ البداية انفعالية عاطفية، وهكذا كانت مضلّلة بعض الشي، ومن ثم سارت المناقشات وفق السبل نفسها، فأدت إلى الفرقة في ما أدت إليه، ولم تفلح، ذلك أن التاريخ العربي لم يكتب بعد بشكل كامل، وحسب قواعد نقدية علمية حتى تعاد كتابته، وبالتالي تفسيره وتعليله.
ومقرر أنَّ كتابة التاريخ لا يمكن لها أن تقوم على الإبداع الخيالي، بل تعتمد أصلاً وفرعاً على الوقائع المروَّية بشكل ما، ولا اجتهاد مع النص، إلاَّ ضمن حدوده، ووفق معطياته، والباحث الأصيل في التاريخ لا يمكنه القيام بأي عمل من دون العودة إلى المصدر، ولذلك فإن أول شروط البحث هي جمع المصادر، والعودة إلى ما جاء فيها، ومحاولة استيعاب المواد فهما ودراية.
وبما أنه بات من المقرر أن التاريخ هو سجل لكل ما صدر عن الانسان في الماضي، وارتبط بحياته بشكل ما، ثم لما كانت أعمال الانسان متعددة بتعدد مداركه، وتنوع قواه، لم يعد التاريخ الآن خبراً سياسيا فقط، بل هو الخبر الاقتصادي والاجتماعي، والعقائدي، والحربي، والعلمي، والفني، والأدبي، والثقافي، والغريزي، إلى غير ذلك...
ومن البداهة بمكان أنّ الهدف الرئيسي للباحث في التاريخ هو التوصل إلى معرفة حقيقة ما حدث في الماضي بشكل لا زيف فيه ولا تحريف. وهنا لنفترض، جدلاً، أن باحثاً ما تمكَّن من جمع جميع ما جاء في المصادر ـ وهو أمر محال ـ إنَّ في إقدامه على البحث والكتابة ـ وفي رأسه فرضية محددة، أو تفسير نابع من مدرسة ما أو من عقيدة ما ـ عملاً يستهدف تحقيق رغبة بالبرهنة على صحة صورة معدّة سلفاً، ولا ريب في أن مثل هذا التطبيق هو انحراف عن الواقع، وفيه تشويه وتزوير.
________________________________________

[الصفحة - 201]


مصادر التاريخ العربي والاسلامي‏
وهنا، بما أن التعامل يبدأ أولاً مع المصادر، فما هي مصادر التاريخ، أي تاريخ، وما هي مصادر التاريخ العربي، لاسيما بعد قيام الإسلام بشكل خاص؟ وكيف يمكن التعامل معها؟.
لقد سلمنا، منذ قليل، أن التاريخ هو سجل لكل ما صدر عن الانسان في الماضي، وارتبط بحياته بشكل ما، وعلى هذا يمكن القول: إن كل ما حوى خبراً من أخبار الماضي الانساني بشكل ما فهو مصدر، وذلك على الرغم مما اعتاد عليه الباحثون من تصنيف المصادر إلى نوعين: مباشرة، وغير مباشرة، وقولهم إن المصادر المباشرة هي إما مدوَّنة أو شفويّة غير مدونة، وغالبا ما قُصد بالمصادر المدوَّنة الكتب التي أوقفها أصحابها على رواية الأخبار وصنفوها لهذه الغاية، حتى باتت تعرف باسم «التواريخ»؛ وذلك مع الوثائق والمخلفات الأثرية، وقصد بالمصادر غير المدوَّنة الرّوايات المتناقلة شفوياً جيلاً بعد جيل، أو روايات شهود العيان وسواهم في الأيام الحاضرة.
وعندي أنَّه بات من الضّروري التخلي نهائياً عن هذا التصنيف أو تعديله على الأقل، ذلك أن الرواة في الماضي، حرصوا على رواية ما ظنوه مهما، وما صدف وعرفوه، أو رأوه مهمَّا، أو لا ضرر في حكايته، وسجَّلوا ذلك. وانصبَّ الاهتمام على الأحداث السياسية، أو بكلمة أوضح على أخبار «الرسل والملوك»، وما ارتبط بها من انجازات ومعارك حربية وصراعات متنوعة، ولما كان الانسان عاجزاً عن أن يقوم برواية جميع الأخبار بوعي وحياد وفهم، ثم لمَّا كان الحدث السياسي جاء نتيجة لأسباب بعيدة وقريبة هي في الغالب غير سياسية، فإن السجلات التي تروي بعض محصلات أعمال الانسان، ومن جوانب محدودة، لا يجوز عدّها مصادر رئيسية أو مباشرة للباحث التاريخي، إنما ينبغي تقديرها حسب حجمها الطبيعي، وحجم ما تتضمنه من عطاء مفيد.
ومع الاقرار أن كل حدث سياسي أو حربي أو غير ذلك يتأثر به الحكام وغير الحكام، يظل التاريخ هو تاريخ الشعوب، ولهذه القضية خصوصيتها في تاريخ العرب بعد قيام الاسلام، أو لنقل بشكل محدد منذ العصر الراشدي، فالتاريخ الاسلامي متميز
________________________________________

[الصفحة - 202]


بمسيرته من غيره من تواريخ الأمم، ليس بسبب ارتباطه بنقطة البداية التي انطلق منها أولاً في العصر النبوي، بل للانحراف عن هذه النقطة أولاً ثم الابتعاد الكلي والبينونة شبه المطلقة.
منطلق الحركة الاسلاميَّة وتوجّهها
ونقطة البداية، في تاريخ الاسلام، مرتبطة تمام الارتباط ووثيقه بحياة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وبسيرته، فسيرة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) هي المدخل الطبيعي لدراسة تاريخ الاسلام، وبقدر ما نحيط علماً بهذه السيرة ونتفهم أسرارها وأخبارها بقدر ما نستطيع فهم أحداث تاريخ الاسلام في جميع مراحله، أو بالحري في كل مكان وزمان.
لا يسمح المقام هنا بعرض مراحل تاريخ العصر النبوي، والمهم عندي الاشارة بتركيز إلى أن المتتبع لأحداث قيام الاسلام، يلاحظ أن الحركة الاسلامية توجهت نحو الجماهير وليس نحو النخبة. وظلَّت جماهيرية طوال أيام النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، وأيام أبي بكر وجلّ أيام عمر، لكن الانحراف كان منذ لم يعد بمقدور الخليفة السيطرة على العمال والنخب القديمة والجديدة، وتعطَّل الحال أيام الخليفة عثمان حين تسلَّطت النخبة من بني أمية، مع الطبقة الجديدة، على السلطة.
وللتدليل على ما حدث، في أواخر أيام الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، أذكِّر بمحاسبات الخليفة لعماله ومناصفته لهم، وأسوق القصيدة التالية التي رُوي أن أبا المختار يزيد بن قيس أرسلها إليه يخبره فيها عمّا فعله عمَّاله على الأهواز:
أَبْلِغْ أميرَ المؤمنين رسالةً فأنتَ أمينُ اللَّه في النَّهي والأمر
وأنتَ أمينُ اللَّه فينا، ومن يكنْ‏ أميناً لربِّ العَرْش يَسْلم له صَدْري‏
فلا تدعَنَّ أهلَ الرَّساتيق والقُرى‏ يُسيْغُون مالَ اللَّه في الآدم الوَفر
فأرسل إلى الحجَّاج فاعرفْ حِسَابَه‏ وأرسل إلى جزءٍ وأرسل إلى بِشْرِ
ولا تنسَينَّ النَّافِعَين كليهما ولا ابن غلاَّب من سُراة بني نَصْرِ
وما عاصمٌ منها بصفر عيَابه‏ وذاك الذي في السُّوق مولى بني بدر
وأرسل إلى النُّعمان واعرف حسابه‏ وصهر بني غزوان، إنِّي لذو خَبْر
وشبلاً فسلْه المال وابن محرّش‏ فقد كان في أهل الرَّساتيق ذا ذكر
________________________________________

[الصفحة - 203]


فقاسمهم، أهلي فداؤك، إنهم‏ سيرضون، إن قاسمتهم، منك بالشَّطر
ولا تدعوني للشهادة إنني‏ أغيبُ، ولكني أرى عجبَ الدَّهر
نؤوبُ إذا آبوا ونغزُوا إذا غزوا فأنَّا لهم وفرٌ، ولَسنا أولي وفر
إذا التَّاجر الدَّاري جاء بفارةٍ من المسك راحت في مفارقهم تجري‏
لقد روى البلاذري هذه القصيدة في كتابيه: «فتوح البلدان» و «أنساب الأشراف»، وشرحها وأوضح الأسماء التي وردت فيها (2).
وتحتوي كتب الحديث على عدد كبير من الأحاديث المعزوَّة إلى النبي تعبِّر عن الواقع المشؤوم الجديد، ومن ذلك:
«إذا أراد اللَّه بقوم سوءاً جعل أمرهم إلى مترفيهم» (3)، «الخلافة بعدي في أمتي ثلاثون سنة ثم مُلْك بعد ذلك» (4)، و «الخلافة بالمدينة والملك بالشام» (5).
لقد أخذت الجماهير تبتعد عن السلطة، منذ أيام الخليفة عثمان، وتقلل ثقتها بها، ثم تعاديها، ووصل الحال إلى القول: «إن دعاك الأمير أن تقرأ عليه (قل هو اللَّه أحد) فلا تجبه‏ (6)»، وسنجد في عرضنا لحياة الامام الزهري أمثلة أخرى إضافية.
واستمرت، في العصر الأموي، حركة الفتوحات، وباتت رقعة الدولة الاسلامية شاسعة جداً، وهنا علينا التمييز بين سعة السلطان وبين انتشار الاسلام بين شعوب البلدان المفتوحة وسواها، ومع أننا لا نقصد هنا النيل من بني أميَّة، لأن هذا ليس من أخلاق الباحث المحايد، غير أننا في بحثنا عن حقيقة ما حدث نجد أن السلطات الأموية لم تشجع في الغالب على الدخول في الاسلام لأسباب مالية، ثم إن الثورات ذات الاستجابات الشعبية الواسعة، لم تتوقف يوما ضد الأمويين، وهنا إذا لم تكن السلطة الأمويَّة أو سواها، قد تولت نشر الاسلام، فمن الذي تولى ذلك؟
ويبين البحث، في تاريخ إدارة الدولة الأموية والدول التي خلفتها، أن المؤسسات الإدارية قامت لخدمة السلطات، ولم يكن هناك ولا إدارة واحدة لخدمة الجماهير والدعوة إلى الاسلام. هذا من جانب، ومن جانب آخر، يبين البحث بالمقابل حول بناء المساجد، وقيام مؤسسات الأوقاف أو الحبوس والتعليم أن هذه المؤسسات كانت شعبية، وأن العاملين فيها كانوا من بين أوساط الجماهير.
________________________________________
(2)البلاذري، فتوح البلدان، بيروت: دار الكتب العلميَّة، (1411هـ/1991م،) ص‏377. الحجاج: الحجاج بن عتيك الثقفي. بشر: بشر بن المحتضز. جزء: جزء بن معاوية عم الأحنف، النافعان: نفيع ابو بكره ونافع بن الحرث بن كلده. ابن غلاب: خالد بن الحرث، عاصم: عاصم بن قيس بن الصلت. الذي في السوق: سمرة بن جندب. النعمان: النعمان بن عدي. صهر بني غزوان: مجاشع بن مسعود السلمي. شبل: شَبل بن معبد البجلي. ابن محرش: أبو مريم الحنفي.
(3)المتقي الهندي، كنزالعمال، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1413هـ/1993م، 6/89.
(4)المصدرنفسه، 6/87، حديث رقم (14961).
(5)المصدر نفسه، 6/88، حديث رقم (14966).
(6)إبن الهمّام، تهذيب الكمال، 5/183.

[الصفحة - 204]


هذا، ولم تشجع السلطات الأموية على تدوين أخبار قيام الاسلام ولاسيما السيرة النبوية، لأن سجل هذه الأخبار فيه تفاصيل المواقف المعادية للإسلام التي مارسها الأمويون، ويبدو أيضاً أن تيار التدوين في الحجاز كان قوياً لا يمكن إيقافة البتة، ولذلك كانت استباحة المدينة على أثر معركة الحَرَّة وقتل قادة العلم والعلماء فيها.
ومع هذا بقي التيار التدويني قويا، وهنا قام بنو مروان بتجنيد بعض أعلام الفكر لصالحهم، السنة التي سيتبعها في ما بعد الخليفة العباسي، أبو جعفر المنصور مع محمد بن إسحق بالنسبة لأسر العباس بن عبد المطلب في معركة بدر.
وسأكتفي هنا للتدليل بسوق المثل التالي: جاء في أخبار السيرة قصة منمقة عن لقاء قيل إنه حدث بين هرقل أمبراطور بيزنطة وأبي سفيان، ومعروف أن أبا سفيان، مثله مثل تجار مكة، كان غير مسموح له بتجاوز مدينة بصرى الشام، وأن هرقل لم يزر بصرى، وهنا لا ننفي مراسلة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، لكن يرجح أن دحية الكلبي قابل هرقل في حمص.
ولتوضيح اللبس هنا أشير إلى حملة مؤتة، وكيف أنها لم تحقق عامل المفاجأة، لأن البيزنطيين كانوا على دراية بأخبار الحملة وتفاصيل أهدافها وأسماء قادتها، فقد أورد المؤرخ البيزنطي ثيوفانس خبر هذه الحملة، وأن قرشيَّاً اسمه قطبة كان يعمل بمثابة حاجب لأخي هرقل ونائبه في الشام، وأن قطبة هذا أخبر سيده البيزنطي بأخبار الحملة...
فمن كان قطبة هذا؟ وهل يا ترى قامت اتصالات بين تجار قريش بقيادة أبي سفيان والسلطات البيزنطية؟ هل طمس العاملون في البلاط الأموي أخبار هذه الاتصالات وسواها؟
وأود التذكير هنا بالموقف الايجابي الوارد في رواية السيرة تجاه هرقل عظيم الروم، وأن الأمويين ورثوا الإدارة البيزنطية، فسرجون الرومي وابنه منصور كانا من «وزراء» الدولة الأمويّة لمدة طويلة.
إن هذه المقدمة ضرورية لفهم دور الزهري في البلاط الأموي، ثم لعلاقة عدد كبير من العلماء برجالات السلطة، وأعاود القول: إن الهوة قد تعمقت مع الأيام بين السلطة
________________________________________

[الصفحة - 205]


والشعب، وباتت الصلات فقط عبر جسور غير دائمة، وطوَّر الشعب مؤسساته الخاصة وحياته، ومفيد هنا أن نطلق على الشعب مع مؤسساته اسم «الدولة»، وقامت الدولة بالتأريخ لرجالها، فكان ابداع أدب التراجم، وهو أدب تأريخي لم تعرفه أمة غير الأمة العربية.
وتشعب أدب التراجم، وتطور من كتب الأنساب والطبقات إلى تواريخ المدن، وتحتوي كتب التراجم على مواد تتفوق بالأهمية على مواد ما نطلق عليه اسم كتب التاريخ، واهتمت كتب التاريخ بالدرجة الأولى برجال السَّلطة، ونادراً ما اهتمت برجال «الدولة»، مع أن الذين صنفوا كتب التاريخ انتمى غالبيتهم بالأصل والنشأة إلى «الدولة»، وتبقى اشكالية العلاقة بين «السلطة» و «الدولة» من المواضيع الجديرة بالبحث.
ثم إن مما هو جدير بالتذكير أن على الراغب بالتأريخ للعرب والاسلام أن يعيد النظر بمفاهيم اصطلاحات منها: ما هو الحدث التاريخي وما هو المصدر؟ وأن يعاد النظر أيضاً بعدالة الرواة جميعاً، وأن ينظر إلى الماضي على أنه نتاج أعمال بشر لهم وعليهم، والماضي لا يجوز تقديسه لكن يتوجب معرفته حق المعرفة.
فالكمال في شرعة اللَّه وإبداعه، ولاكمال في شي‏ء أبدعه الانسان واخترعه، الكمال الرباني لا خلل فيه ولا عيب، معصوم كل العصمة، في حين أن الإبداع الانساني بعيد عن العصمة،قريب من الخطأ، والخطأ براق مغرٍ.
والحدث التاريخي ما كان بطله انسان، فكل حدث ليس وراءه إنسان، أو ليس مرتبطاً بانسان، ليس بحدث تاريخي، فصراع حيوانات الغابة وأسماك البحار ليست بأحداث تاريخية، والانسان هذا المخلوق العجيب فيه مجموعة من القوى والحواس والعوامل، وهي متقلبة غير ثابتة ومتحولة، وحياة الانسان فيها طعام وتفكير،وحروب، وعلوم وآداب وفنون، وعبادات، وسياسة وادارة، وغرائز وشهوات مختلفة، وقوى متشعبة إلى غير ذلك، والانسان الذي فقد إحدى حواسه أو قواه أو غرائزه، أو أصيب بخلل بوظائفه ليس انسانا كاملاً بل فيه عاهة، وذوو العاهات بين البشر أقلية، ولهذا فإنَّ تعليل حدث من أحداث التاريخ ـ بطله انسان ـ اقتصاديا فقط أو دينيا أو غريزيا، أو تقدميا، أو رجعيا، أو أصوليا، أو...أو...فيه تشويه وبتر، واعتماده كمن يعدّ ذوي العاهات من البشر هم الأكثرية!
________________________________________

[الصفحة - 206]


الحدث التاريخي الكامل مثله مثل الرقم الكامل، يمكن أن يحوي نسباً من الفعاليات مختلفة ومتباينة متحولة، ولكنها غير متجمدة ولا متبلورة متحجرة، ولقيام أي حدث لا بد من محرض أو دافع، لكن هذا لا يكفي لوحده، فالشعور بالجوع غير كاف للدفع إلى نيل الطعام، والشعور بالظلم والاستغلال لا يؤدي دائماً إلى الثورة، ثم إن حدوث الثورة لا يعني نجاحها، وأكل الطعام لا يعني نهاية الجوع، وتناول الدواء لا يقود دوما إلى نيل العافية. وعليه إذا قلنا لا بد لكل حدث من سبب محرض، نتبع ذلك بالقول بأنه لا بد بعد ذلك من إرادة للتنفيذ، وعزيمة على التحرك، ثم قدرة على التطبيق قائمة على خطة ذات أسس واضحة راسخة. وبعد هذا قد يحصل نجاح أولي، يكتب له التأثير الدائم والخلود إذا ما حُوّل إلى نجاح مستمر، ولا يتأتى هذا إلا بوجود مرتكز عقيدي يملك صفة الاستمرارية والصلاح الدائم لكل زمان ومكان.
ومن يقرأ تاريخ حوادث عصور الاسلام، يسلم بداهة ـ مع الأخذ بعين التقدير تفاوت الأزمان والنوايا والاخلاص مع درجة الفهم ـ أن المحرض المسبب لكل حادثة هو من الاسلام، أو بالحري هو الاسلام، وأن كان شي‏ء قام بعد قيام الاسلام، إنما قام باسمه وبسببه، فالاسلام قام على قاعدة المزج بين المفاهيم، ولقد صنعت أحداث تاريخ الاسلام التي كتبت لها الاستمرارية بأيدي جماهير المسلمين الذين تقمصوا العقيدة عن ايمان، وكان المسلم دائماً يعمل على الأرض وقلبه مشدود إلى السماء، وقد استطاع المسلمون أن يعمل كل منهم في سبيل دنياه كأنه يعيش أبداً، وكان العمل الدنيوي لصدوره عن الايمان عملاً في سبيل الآخرة، كأن صاحبه سيموت غداً.
إن ما أثير حتى الآن بالغ الخطورة تحتاج كل نقطة فيه إلى إيقاف دراسة مخصصة عليه، والذي استهدفته حتى الآن قبل الحديث عن حياة الامام الزهري أن يساعدنا هذا على فهم عصر الزهري، وعلى معرفة حياة هذا العالم الذي كان دوما بحاجة إلى المال، وأن الخلفاء من بني مروان دفعوا له، ثم دفعوا، ولا بد لكل شي‏ء من ثمن ومقابل...
الإمام الزهري: عصره وحياته‏
والزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن شهاب بن عبد اللَّه بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة، يلتقي نسبه بنسب النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) بكلاب بن مرة، ذلك أن زهرة هو الأخر
________________________________________

[الصفحة - 207]


الأكبر لقصي بن كلاب الذي أسكن قبيلة قريش في مكة بعدما قام بطرد خزاعة منها، ثم من زهرة كانت آمنة ابنة وهب أم النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، ومنها كان سعد بن أبي وقاص الصحابي المشهور، وقائد المسلمين يوم القادسية.
وهناك خلاف حول تحديد سنة ميلاده، وأرجح الروايات أن ذلك كان في المدينة سنة إحدى وخمسين للهجرة (671م)، وأمه عربية هي ابنة أهبان بن الديل بن بكير بن عبد مناة بن كنانة. وفي المدينة نشأ، وكان قصيراً، قليل اللحية، خفيف العارضين، وقد وصف في شيخوخته بأنه كان يصبغ رأسه ولحيته بالحناء، كما وصف بأنه كان أَعمشاً.
كان جده عبد اللَّه ـ الأصغر ـ بن شهاب قد شهد أُحُداً مع المشركين، كما كان واحداً من الذين تآمروا على قتل النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، غير أنه أسلم في ما بعد، وقد مات في مكة أيام الخليفة الثالث عثمان بن عفان.
وكان والده مسلم به عبد اللَّه من المناصرين لعبد اللَّه بن الزبير، والمدافعين عن حقه بالخلافة، ولهذا نشأ الزهري فقيرا، وقد زال فقره بعد اتصاله بالمروانيين، فقد خرج إلى عبد الملك سنة اثنتين وثمانين (701م)، وتحدث عن ذلك قائلاً: «نشأت وأنا غلام لا مال لي، مقطع من الديوان، فكنت أتعلم نسب قومي من عبد اللَّه بن ثعلبة بن صُغير العذري، وكان عالماً بنسب قومي وهو ابن أختهم، وحليفهم، فأتاه رجل فسأله عن مسألة من الطلاق، فعيي بها، وأشار له إلى سعيد بن المسيَّب، فقلت في نفسي: ألا أراني مع هذا الرجل المسن يعقل أن رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) مسح على رأسه، وهو لا يدري ما هذا!».
فانطلقت مع السائل إلى سعيد بن المسيب. فسأله فأخبره، فجلست إلى سعيد وتركت عبد اللَّه بن ثعلبة، وجالست عروة بن الزبير، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، حتى فقهت.
«فرحلت إلى الشام، فدخلت مسجد دمشق في السحر، فأممت حلقة وجاه المقصورة عظيمة، فجلست فيها، فنسبني القوم فقلت: رجل من قريش، من ساكني المدينة، قالوا: هل لك علم بالحكم في أمهات الأولاد؟ فأخبرتهم بقول عمر بن الخطاب في أمهات الأولاد، فقال لي القوم: هذا مجلس قبيصة بن ذؤيب، وهو جاييك، وقد سأله عبد الملك عن هذا، وسألنا، فلم يجد عندنا في ذلك علماً.
________________________________________

[الصفحة - 208]


فجاء قبيصة فأخبروه الخبر، فنسبني، فانتسبت، وسألني عن سعيد بن المسيب ونظرائه فأخبرته؛ قال: فقال: أنا أدخلك على أمير المؤمنين، فصلى الصبح، ثم انصرف فتبعته، فدخل على عبد الملك بن مروان، وجلست على الباب ساعة، حتى ارتفعت الشمس ثم خرج الآذن فقال: أين هذا المديني القرشي؟ قال: قلت: أنا ذا، قال: فقمت فدخلت معه على أمير المؤمنين، قال: فأجد بين يديه المصحف قد أطبقه، وأمر به يرفع، وليس عنده غير قبيصة جالس، فسلمت عليه بالخلافة، فقال: من أنت؟ قلت: محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب بن عبد اللَّه بن الحارث بن زهرة، فقال: أوه، قوم نعَّارون في الفتن...ثم قال: ما عندك في أمهات الأولاد؟ فأخبرته، فقلت: حدثني سعيد بن المسيب، فقال: كيف سعيد، كيف حاله؟ فأخبرته، ثم قلت: وحدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فسأل عنه، فقلت: وحدثني عروة بن الزبير، فسأل عنه، فقلت: وحدثني عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، فسأل عنه، ثم حدثته الحديث في أمهات الأولاد عن عمر بن الخطاب، قال: فالتفت إلى قبيصة بن ذؤيب. فقال: هذا يكتب به إلى الآفاق. قال: فقلت في نفسي: لا أجده أخلى منه الساعة، ولعلي لا أدخل عليه بعد هذه المرة، فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يصل رحمي، وأن يفرض لي فرائض أهل بيتي، فاني رجل مقطع، لا ديوان لي، فعل. فقال: إيهاً، الآن امض لشأنك.
قال: فخرجت ـ واللَّه ـ مؤيساً من كل شي‏ء خرجت له، وأنا ـ واللَّه ـ حينئذ مهمل مرمل، فجلست حتى خرج قبيصة، فأقبل علي لائماً لي، فقال: ما حملك على ما صنعت من غير أمري، ألا استشرتني؟. فقلت: ظننت واللَّه أني لا أعود إليه بعد ذلك المقام، قال: ولم ظننت ذاك، تعود إليه فالحق بي ـ أو قال: ائتني في المنزل ـ قال: فمشيت خلف دابته والناس يكلمونه، حتى دخل منزله، فقلما لبث، حتى خرج إليّ خادم برقعة فيها: هذه مئة دينار قد أمرت لك بها، وبغلة تركبها، وغلام يكون معك يخدمك، وعشرة أثواب كسوة...فانصرفت وقد ريشني وجبرني».
وأخذ الزهري، بعد هذا، يتردد على مجلس عبد الملك، ففرض له بالديوان، ثم أمر باثباته في صحابته وأن يجري عليه رزق الصحابة، وأن ترفع فريضته إلى أرفع منها، وإثر هذا سافر الزهري إلى المدينة،وهناك جاء، كما يقول: «سعيد بن المسيب، في
________________________________________

[الصفحة - 209]


مجلسه في المسجد، فدنوت منه لأسلم عليه، فدفع في صدري، وقال: انصرف، وأبى أن يسلِّم علي، قال: فخشيت أن يتكلم بشي‏ء يعيبني به، فيرويه من حضره، فتنحيت ناحية، فقلت: يخلو وأكلمه، فلَّما خلّته الشيعة قام فصلى أربع ركعات، ثم انصرف، وانصرف معه ناس من أصحابه، قال: واتبعته ليخلو، فلما خلا، وبقي وحده، مشيت إلى جنبه، فقلت: يا أبا محمد ما ذنبي؟ أنا ابن أخيك، ومن موديك! قال: فما زلت أعتذر إليه، وأتنصل، وما يكلمني بحرف، وما يرد عليّ كلمة حتى إذا بلغ منزله واستفتح ففتح له، فأدخل رجله، ثم التفت إلىّ فقال: أنت الذي ذهبت بحديثي إلى بني مروان»؟!.
لقد كلف عبد الملك الزهري بالعودة إلى المدينة لزيادة تحصيله، ثم عاد ولزم عسكره، وكان يدخل عليه كثيراً. وبعد وفاة عبد الملك، لزم الوليد ابنه وخليفته حتى توفي، ثم لزم سليمان بن عبد الملك ثم عمر بن العزيز، وبعده يزيد بن عبد الملك، الذي استقضاه، ثم لزم هشام به عبد الملك، وقال الواقدي: «وحج هشام سنة ست ومئة وحج معه الزهري، فصيره هشام مع ولده يعلمهم ويفقههم، ويحدثهم ويحج معهم، فلم يفارقهم حتى مات».
اشتهر الزهري بفصاحة اللسان، كما وصف بالكرم والسخاء الكبير، فكان «يعطي كل من جاء يسأله، حتى إذا لم يبق معه شي‏ء استلف من عبيده، وربما جاءه السائل فلا يجد ما يعطيه، فيتغير عند ذلك وجهه، ويقول: أبشر فسوف يأتي اللَّه بخير، فيقضي اللَّه لابن شهاب على قدر صبره واحتماله، إما رجلاً يهدي له ما يسعه، وإما رجلاً يبيعه وينظره...وكان يمد للناس على الطريق موائد الثريد والعسل»، كما كانت له رحلات إلى البدو يعلمهم ويفقههم، وينظر في أحوالهم ويطعمهم في الشتاء عسلاً وزبداً، وفي الصيف عسلاً وسمنا، ولكرمه الزائد كانت تركبه الديون، وكان يجد نفسه بحاجة أكبر إلى المال، ولهذا وثق صلاته بالبلاط المرواني وكانت له علاقاته برجال دولتهم من ولاة وقادة.
واتصف الزهري، منذ صغره، بالجد والاندفاع نحو التعليم، مع حافظة جيدة ووعي رفيع، وقد أدرك عدداً من الصحابة، وربما سمع من عشرة منهم، ولكن على الرغم من هذا أخذ علمه عن أبناء الصحابة، والتابعين الأوائل، وكان من شيوخه: عبد اللَّه بن عمر، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك، وكثير بن العباس بن عبد المطلب، وسعيد بن المسيب، وسالم بن عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن جعفر، وعروة بن الزبير.
________________________________________

[الصفحة - 210]


وكان أكثر الناس تأثيراً به عروة بن الزبير، الذي فارق خط أخوانه، فهجر السياسة والتفت إلى العلم، فحصَّل ما لم يحصِّله سواه، وبخاصَّة ما رواه عن عائشة أم المؤمنين، لوشائج القربى بينهما، وعلى هذا نحن حين نتحدث عن علوم الزهري ومادته نجدها قريبة العهد جداً من النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، ولهذا كانت عالية المكانة اعتمدها العلماء والرواة ورجال الصحيح من بعد.
وعلى الرغم من ارتباط الزهري بالبلاط المرواني، يرجح أنه حافظ بشكلٍ عام على صدق الرواية والأمانة وشدة التدين، ولهذا أقبل على الأخذ عنه طلاب العلم من عظماء الرجال الذين سيقر لهم في ما بعد بالإمامة على أوسع نطاق مثل: مالك بن أنس، ومعمر بن راشد، والأوزاعي، والليث بن سعد، وسفيان بن عُيينة، وعمر بن عبد العزيز، ومحمد بن الحق وغيرهم كثير.
لقد كان الزهري صبيا عندما انتهى العصر السفياني، وعاصر منذ مطلع شبابه حتى آخر أيامه شباب الدولة الأموية من عبد الملك حتى أواخر عهد هشام، ومعروف أن الخلافة الأموية قد مارست سياسة خاصة تجاه أفراد قبيلة قريش، وأبناء الصحابة من المهاجرين والأنصار،
واستهدفت هذه السياسة منع هؤلاء من النشاط السياسي بكافة ألوانه وصرفهم إلى عمل ليس فيه سياسة، ونفذت الخلافة الأموية سياستها هذه بالعطاء والحرمان، وأمام هذه الحال نجد القوى المعارضة قد تحول أفراد منها عن العمل المعارض بشكل ايجابي إلى العمل السلبي، وأقلع بعضهم عن ذلك كليا، وانغمس في حياة اللهو والشعر والمتعة والعبث وما شابه ذلك.
وصحيح أن الأسرة الأموية لم تشجع تدوين أخبار السيرة النبوية، لكنها عجزت عن ايقاف التيار، واضطر الخلفاء إلى الاستعانة ببعض العلماء لكن من أطراف قريش، ومن هؤلاء كان الزهري، وعلى هذا لم يشهد العصر الأموي نشاط تدوينيا ملحوظاً للتراث النبوي والراشدي، ومدهش حقاً أنه ما أن سقط الحكم الأموي حتى خرجت إلى النور أعداد لا تحصى من الكتب في السيرة والمغازي والحديث وفنون العلم المختلفة الأخرى، حتى ليخيل للمرء أن الحكم الأموي كان أشبه بسد مضاد للنتاج الفكري، ما أن انهار حتى تدفق كل ما تجمع خلفه.
________________________________________

[الصفحة - 211]


لقد ترجم للزهري عدد كبير من العلماء، من أوفاهم ابن عساكر في تاريخ دمشق، ويتبيَّن مما أنتهى إلينا من أخباره، أنه وجه عنايته في بداية حياته إلى حفظ القرآن، حتى أتم ذلك في ثمانين ليلة، وسعى بعد هذا نحو علم الأخبار والأنساب، وبعدما اقتنع بأنَّ معرفة النسب لا تغني عن معرفة الحلال والحرام والأصول، اندفع مجدداً نحو العلوم الاسلاميَّة الأساسية، فطلب معرفة الحلال والحرام، ورواية الحديث وأخبار النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، وبدأ يطوف على الأحياء من الصحابة، كما أقبل على العلماء من أبناء الصحابة.
والذي يثير الاهتمام في حياته كطالب للعلم، هو شدة حرصه على تدوين كل ما كان يسمعه من شيوخه، ومن ثم كان يسهر الليالي الطوال لحفظ ما دونه في دفاتره وألواحه، وبحرص ابن شهاب هذا تجمع لديه مع الأيام خزانة علمية لم تتجمع لدى سواه من قبله، حتى قال فيه أحد الأئمة: «ما أرى أحداً جمع بعد رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) ما جمع ابن شهاب».
كان ابن شهاب يأتي مجالس المسلمين في المدينة ويطرق نواديهم، وكان لا يلقى في مجلس كهلاً ولا شاباً إلا ساءله، وكان يأتي دور القوم من المهاجرين والأنصار فلا يلقى رجلاً و امرأة إلا سأله وجادله، وقد بلغ من شدة حرصه على العلم أنه كان يتطوع لخدمة بعض الشيوخ، وكان دائماً يدور على مشايخ الحديث، ومعه ألواح يكتب عنهم فيها الحديث، حتى صار أعلم الناس في زمانه، واحتاج إليه أهل عصره، لأنه تجمع لديه ما لم يجتمع لأحد قبله.
ثم إن اهتمامه بالتدوين واستخدامه الألواح والدفاتر، وقيامه بتربية بعض أبناء الخلفاء وتعليمهم يشير إلى مرحلة جديدة من مراحل تطور التعليم وجمع التراث العربي والاسلامي، والانتقال من الرواية الشفوية نحو الرواية المدوَّنة.
ويبدو أن عمل الزهري لم يقتصر على التدوين والجمع، بل انتقل إلى مرحلة الفرز حسب الموضوعات والتصنيف،واضطره عمله هذا إلى دمج بعض الروايات والأسانيد؛ الأمر الذي عرضه للنقد والتجريح في ما بعد، المهم أنه مع أيام الزهري أخذت كتلة تراث الاسلام تتوزع إلى أقسام اختصاصية، وأخذت مواد الأخبار والمغازي تنفصل عن مواد الحديث الأخرى، وكان هذا عملاً حاسماً في نشأة علم التاريخ عند العرب.
________________________________________

[الصفحة - 212]


ومع الأيام تحسنت أحوال الزهري المالية، وبدأت، في الوقت نفسه، مرحلة الأخذ والجمع لديه تنتهي، وبدأت مرحلة جديدة هي مرحلة العطاء، وعلت مكانته لعلمه ولموضعه في البلاط المرواني، وأقبل عليه الناس ينهلون من معارفه، فقد بات أعلم أهل زمانه بسنة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وأخباره، وأحسنهم سوقاً للحديث إذا حدث، وتحدث عن نفسه قائلا: «ما صبر أحد على العلم صبري، ولا نشره أحد قط نشري»، و «مكثت خمساً وأربعين سنة أختلف في ما بين الشام والحجاز ما سمعت أحداً يحدثني بحديث أستظرفه».
وطارت شهرة الزهري في أرجاء العالم الاسلامي، وأخذ الناس يثنون عليه: فهذا الامام مكحول يقول وقد قيل له: «من أعلم من لقيت يا أبا عبد اللَّه؟ قال: ابن شهاب الزهري، قيل: ثم من؟ قال: ابن شهاب، قيل ثم من؟ قال: ابن شهاب».
وفي دروسه لم يكتف ابن شهاب الزهري في املاء الروايات على طلاب العلم بل عمد إلى توجيههم وتدريبهم، من هذه التوجيهات قوله: «إن للعلم غوائل، فمن غوائله أن يترك العالم حتى يذهب علمه، ومن غوائله النسيان، ومن غوائله الكذب، وهو أشد غوائله». وعلى الرغم من هذا قال: «ليس بكذاب من درأ عن نفسه»،وقال أيضاً: «إنما يذهب العلم النسيان وقلة المذاكرة»، وقوله: «إذا شرق الحديث زيد فيه وحسن».
واحتاج الناس إلى علم الزهري، وتعاظمت حاجة خلفاء بني مروان إليه، وبما أن هؤلاء الخلفاء كانوا يتجولون في بلاد الشام، فإن الإمام الزهري اضطر إلى ترك الحجاز، غير أنه لم يسكن في دمشق، بل قطن في الشام الجنوبي على أطراف الحجاز، ومن مقره هذا كان يقوم بزيارات لكل من الحجاز أو احدى مدن الشام، فيرافق الخلفاء ويبقى معهم مدداً طويلة...
وأينما وجد الزهري كان يخلو مع دفاتره، ويشغل بمحتوياتها عن كل أمر من أمور الدنيا، حتى ضاقت به زوجته ذرعاً فقالت له ذات ليلة: «واللَّه لهذه الكتب أشد عليّ من ثلاث ضرائر».
وكان الزهري شديد الذكاء، قوي الذاكرة، حتى ضربت به الأمثال، وكان يردد: «ما استودعت قلبي علماً فنسيته»، سأله هشام بن عبد الملك مرة أن يملي على واحد من أولاده شيئاً من الحديث، فأملى عليه أربعمئة حديث، وخلال عدة مناسبات، وعبر
________________________________________

[الصفحة - 213]


أشهر كثيرة استعاد هشام بن عبد الملك من الزهري رواية الأحاديث نفسها، عارضاً الزهري بشكل غير مباشر على الامتحان، فوجد ذاكرته لا تكاد تقع في خطأ يذكر.
وحظى الزهري باحترام الخلفاء، فقد رافقهم بوصفه العالم الصادق فلم يراء أو يتملق، وكان يجهر بالحق عند الحاجة بلا اعتبار للعواقب، مثال ذلك أن هشام بن عبد الملك سأله عن المعنيّ بقوله تعالى { الذي تولى كبره منهم } )النور: 11 (فقال: هو عبد اللَّه بن أُبَي، فقال هشام: كذبت هو عليّ، فرد عليه الزهري بحنق: «أنا أكذب لا أبا لك، واللَّه لو ناداني مناد من السماء: إن اللَّه أحل الكذب، ما كذبت».
لقد رويت هذه الحادثة من غير مصدر، مع خلاف في بعض التفاصيل، وهي كما يبدو صحيحة، انتهت لا بعقوبة من الخليفة، وكان بإمكانه أن ينزل أقسى العقوبات برجل شتمه مثل هذه الشتيمة الكبيرة، لكن ذلك لم يحدث، بل اعتذر الخليفة إلى الامام العالم وأقر بصدقه وصحة تفسيره.
لقد عرف هشام بن عبد الملك الزهري منذ أيام أبيه، وفي عهود أخوته من بعده، ويروى أن الزهري رافق سليمان بن عبد الملك، وحضر وفاته بمرج دابق، وكان له أثره المذكور في تولية سليمان لعمر بن عبد العزيز، وجاء في الأخبار أنه عندما توفي سليمان نودي في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، وحضر بنو مروان كل منهم مشرئب للخلافة، متشوق نحوها، فقام الزهري بالناس خطيباً فقال: أيها الناس أرضيتم من سماه أمير المؤمنين سليمان في وصيته؟ فقالوا: نعم، فقرأ الكتاب، فإذا فيه اسم عمر بن عبد العزيز ومن بعده يزيد بن عبد الملك.
وفي أيام هشام بن عبد الملك كان الزهري يوجه نقده الشديد لولي العهد الوليد بن يزيد ويقدح بأخلاقه، ويذكر أموراً عظيمة عنه، ويحرض الخليفة هشام على خلعه، وكان هشام يتمنى ذلك، لكنه لم يجد القدرة على خلعه، لذلك كان يسكت راضيا عن انتقادات الزهري، وبالمقابل حنق الوليد على الزهري، وعاهد اللَّه لئن أمكنه ليقتلن الزهري.
ولم يعش الزهري حتى عصر الوليد بن يزيد، حيث توفي أيام هشام، وكان ذلك لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة أربع وعشرين ومائة، ودفن بضيعة «أدامي» حيث كان مقر سكناه، آخر حد الحجاز، وأول حد فلسطين، وجعل قبره على قارعة الطريق،
________________________________________

[الصفحة - 214]


وذلك بناءً على وصيته. ليقف المارة به ويقرأوا الفاتحة على روحه، ويحكى أن عدداً كبيراً من الناس وقفوا على قبره بكوه وترحموا عليه، وكان من هؤلاء الإمام الأوزاعي، الذي خاطب قبره بقوله: «يا قبر كم فيك من علم ومن حلم، يا قبر كم فيك من علم ومن كرم، وكم جمعت من روايات وأحكام».
لقد كان لوفاة الزهري رنة أسى ترددت في أرجاء الشام والحجاز وبلدان الاسلام، فهذا الامام مالك بن أنس يقول: «مات العلم يوم مات الزهري، وإن كتبه حملت على البغال». وهذا الامام سفيان بن عيينة يقول: «مات الزهري يوم مات، وما أحد أعلم بالسنة منه».
مكانة الزهريّ العلميَّة وأهميَّته‏
وعلى الرغم من المكانة التي حظي بها ابن شهاب الزهري، فقد وجه العلماء إليه بعض الانتقادات المنهجية، وذلك فضلاً عن مسألة تبعيته للسلطان، فقد جاء عن هشام بن عروة بن الزبير قوله: «ما حدث ابن شهاب عن أبي بحديث فيه طول إلا زاد فيه ونقص».
وجاء عن يحيى بن سعيد قوله: «مرسل الزهري شر من مرسل غيره، لأنه حافظ، وكل ما قدر أن يسمي سمى، وإنما يترك من لا يحسن أو يستحي أن يسميه» وجاء عن الامام الشافعي قوله: «إرسال الزهري ليس بشي‏ء، وذلك أنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم»، وقال الامام يحيى بن معين: «مرسل الزهري ليس بشي‏ء»، وجاء عن مكحول قوله: «إنما الزهري عندنا بمنزلة الجراب، يؤكل جوفه، ويلقى طرفه»، كما جاء عنه قوله: «أي رجل هو لولا أنه أفسد نفسه بصحبة الملوك»، وجاء عن عمرو بن رُديح قال: «كنت مع ابن شهاب الزهري نمشي، فرآني عمرو بن عبيد، فلقيني بعد فقال: مالك ولمنديل الأمرء؟ ـ يعني ابن شهاب».
وبالنسبة للباحث في نشأة مدارس الفقه وتطوّرها عند المسلمين يعد الزهري في الحقيقة أحد المطوِّرين الكبار لمدرسة المدينة، هذه المدرسة التي سترى النور، في ما بعد، على يد أحد تلامذته، وهو الامام مالك، وعلى الرغم من أهمية دور الزهري في التشريع والفقه وعلوم الحديث، فهو مهم لنا أكثر بسبب اسهاماته في مجالات السيرة والمغازي.
________________________________________

[الصفحة - 215]


يعد الزهري رائداً بين مؤسسي مدرسة المدينة التأريخية التي ستعرف باسم «مدرسة المغازي»، ويذهب بعضهم إلى القول بأن الزهري هو الذي وضع هذه المدرسة على أسس راسخة، ورسم لها منهجها الذي ستسير عليه في ما بعد، فهو حين قام بجمع مواد أخبار المغازي لم يقتصر على المواد التي جمعها عروة بن الزبير، بل تقصى روايات أهل المدينة الأخرى، ولم يقتصر في عمله على الجمع، بل زاد على ذلك بالتنسيق والترتيب والتمحيص والتدقيق.
ومن خلال نصوص مغازي الزهري التي روى جلّها الامام عبد الرزاق الصنعاني في مصنَّفه، والتي ورد بعضها الآخر لدى ابن اسحق والواقدي وموسى بن عقبة نصل إلى نتيجة مفادها أن الزهري هو أول من أعطى السيرة النبوية هيكلاً محدداً، ورسم خطوطها بجلاء ووضوح، وما كان عمل الذين جاءوا من بعده إلاّ تقديم بعض التفاصيل الموضحة الشارحة وزيادة عمل التنسيق والتَّعمُّق في الحقبة المكية من حياة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، مع بعض مقدمات ما قبل الاسلام، اعتماداً على المزيد من التراث المحلي لبلاد الشام وبابل وتراث جاهلية العرب.
وخطة الزهري في مغازيه المروية داخل المصنف تبدأ بتناول بعض الأخبار عن مكة وأهلها وأسرة النبي مع حياته (صلي الله عليه و آله و سلم) الخاصة قبل الاسلام، وتناول بعد هذا بعض الجوانب الهامة من أخبار المرحلة المكية من حياة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، إلى وقت الهجرة، وتعرض إثر ذلك لأخبار المرحلة المدنية من تاريخ الاسلام حتى نهاية العصر الراشدي، ولهذا تحدث عن بعض المعارك والسفارات والوفادات، ومختلف أوجه النشاطات أيام النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) حتى مرضه الأخير(صلي الله عليه و آله) ووفاته ثم يوم السقيفة وبيعة أبي بكر، وهكذا حتى استولى معاوية على مقاليد الأمور وأسس حكم الأسرة الأموية، ويلاحظ على عمل الزهري سمة الاختصار تجنّباً للارباكات، ومع هذا قدَّم أحيانا أخبار بعض الحوادث بشي‏ء من التفصيل والدقة.
ويتساءل المرء: كيف صنف الزهري مواد مغازية، وما هو المنهج الذي اتبعه، ثم ما هو الاسم الذي أطلقه على عمله؟، وما جاء في مصنَّف الامام عبد الرزاق يحوي بعض علم الزهري في المغازي، وليس جميع ما توفر لديه، ولعله يحوي زبدة مواده وأحسنها، ويبدو أنه لم يصنف كتاباً بناء على خطة ومنهج كما سيكون عليه الحال في ما
________________________________________

[الصفحة - 216]


بعد لدى تلميذه محمد بن اسحق وموسى بن عقبة، إنه صنف مجموعة من الفتاوى التاريخية، حيث كان يتلقى أسئلة حول جملة من المواضيع التاريخية المترابطة بسبب ما، فكان يقوم بتقديم اجابة واحدة لهذه الأسئلة، ومجموع أجوبته أو لنقل فتاويه، قام هو، أو أحد تلاميذه بتصنيفها واخراجها للناس، وأرجح أن معمر بن راشد هو الذي قام بهذا الانجاز، ولذلك أضاف في بعض الأحيان بعض المواد الاخبارية التي رواها عن غير طريق الزهري بغية تدعيم روايات الزهري، أو الاشارة إلى وجهة نظر أخرى، وهذا بحد ذاته فيه عظيم الفائدة، وعلى أساسه يمكن أن نفترض بأن معمر بن راشد هو الذي أطلق على هذا المجموع اسم كتاب المغازي، ذلك أن هذه العبارة تكاد تكون مرادفة لعبارة «السيرة»، لها المحتوى نفسه والمعاني نفسها، فحياة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) كانت كلها مغازٍ وأعمال جهاد، ذلك أن الجهاد ليس مقصوراً بمعانيه على الأعمال العسكرية فقط بل له سمة الشمول.
ومجموع مغازي الزهري، على صغر حجمه، عظيم الفائدة لا يكاد يعدله في بابه كتاب آخر حتى وإن جاء حجمه أكبر بكثير، إنه يحوي جواهر الأخبار العالية القيمة، ومنه يمكن رصد المستوى الثقافي التاريخي، ونوعية المسائل التي بحث فيها المسلمون في العصر الأموي، وهو الأثر التاريخي الوحيد الذي يصلنا كاملاً من العصر الأموي.
ولقصر المدة الفاصلة بين مؤلفه ووفاة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) مع تاريخ حوادث العصر الراشدي ، ترقى مواده به إلى مقام لا يمكن أن يزاحمه عليه كتاب آخر في الثقافة الاسلامية، ولنتذكر هنا فقط أنه في تراث النصرانية وبين جميع الأناجيل التي فيها سيرة السيد المسيح عليه السلام وأقواله وأعماله مع بعض أقوال حوارييه وأعمالهم، ليس هناك نص، تقل المدة الزمنية بين تدوينه وبين عصر المسيح عن قرن من الزمن.
والذي أبغيه من مقالتي هذه أن مواد كتاب الزهري جديرة بالدراسة والاعتماد، وعلى أساسها يمكن الانطلاق بدراسات تاريخية جديدة، وبوساطتها نأتي بدايات التاريخ الاسلامي من بابها الصحيح، فندخل بشكل أكثر سلامة بداية، وبالتالي من حيث النتائج.
وجاء، في بعض المصادر التي تحدثت عن حياة الزهري، أنه صنف في أنساب قومه، أي قريش، كما هو مرجح، وهذا ليس بمدهش، فالزهري انصرف في مطلع حياته العلمية إلى دراسة الانساب، وقد قيل بأن خالد بن عبد اللَّه القسري ـ أعظم ولاة
________________________________________

[الصفحة - 217]