البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

أثر كربلاء في خطابة آل البيت والتوَّابين‏ رؤية عناصر الواقعة واللغة الفنية

الباحث :  د. علي مهدي زيتون‏
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  5
السنة :  السنة الثانية ربيع 1417 هجـ 1997 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  1144

أثر كربلاء في خطابة آل البيت والتوَّابين‏
رؤية عناصر الواقعة واللغة الفنية

د. علي مهدي زيتون‏ (*)

صفات الأدب وموقع النصّ الخطابيّ‏
الفن معرفة، ولعلَّه الوسيلة المعرفية الأولى التي استخدمها الإنسان قبل أن يهتدي إلى الوسيلة المنطقية، وقبل أن يصل إلى المعرفة البحتة المتخلصة من كل ما هو فنّي؛ لأن المعرفة المرتكزة على الفن، وإن كانت معرفة حقيقية لها حقلها الذي تستكشفه دون أن يشاركها فيه أي منهج معرفي آخر، فهي قائمة على إسقاط ضمنيّ للذات وللعلاقات الاجتماعية على الطبيعة، أي على إسقاط (الأنا) الفردية و«الاجتماعية على العالم، أي على(اللاأنا)» (1). ولذلك تكون الحقائق التي تأتي بها حقائق من نمط خاص، مشوبة بما هو ذاتي، ولا يستطيع الدخول في آلية الحقائق البحتة ووسائلها في توليد المعرفة وتكثيفها وتطويرها للتعجيل في حركة التاريخ الآلية خدمة للإنسان في الوصول إلى دنيا الرفاه والحرية.
وحين نفهم العمل الفني بهذه الطريقة، إنما نطرح على أنفسنا سؤالاً آخر يتعلق بماهية الأدب بوصفه عملاً فنياً. حاول تودوروف أن يقدم مفهوماً للأدب يُشكّلُ موضعَ قبول الاتجاهات النقدية المختلفة. ولم يقصد بذلك التعميمَ أو الخروج من الصعوبة التي تحدث عنها. وهي «الاتفاق حول الهوية المحددة لموضوع الأدب» (2) ، ولكنه حاول مقاربة ما تجمع عليه تلك الاتجاهات ليجعله منطلقاً لبحثه الذي يريد أن يلفت انتباهها إليه. وهو حين قال: «إن هذا الاسم [يعني به الأدب‏] أو ما يجري مجراه، استعمل دائماً للدلالة على كلام يبعث اللذة أو يثير الاهتمام لدى سامعه أو قارئه، ويكون الخلود مصيره، وبناء على ذلك فهو قول أكثر صناعة من الكلام العادي» (3). لم يكن اختياره لطريقة التعبير عن أفكاره
________________________________________
(*)رئيس قسم اللغة العربية وآدابها في الجامعة اللبنانية ـ افرع الرابع.
(1)غيورغي غاتشف، الوعي والفن، ترجمة نوفل نيوف، مجلة عالم المعرفة، العدد 146، سنة 1990، ص 18.
(2)تزفيتان تودورف، الشعرية، ترجمة شكري المبخوت ورجاء بن سلامه، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 1990، ص 10.
(3)م.ن.، ص.ن.

[الصفحة - 173]


عفوياً؛ لأن استخدامه لفظة(كلام) بصيغة التنكير للدلالة على ما يرتبط بطبيعة الأدب، يقلل كثيراً من الطبيعة اللغوية لصالح ما هو خارج عنها سواء أتعلق الأمر بالمتلقي الذي يجب أن تُثار لذته واهتمامه، أم التَّقنيّة الفنية التي يُتعامل بها مع القول ليكون أكثر صناعة من الكلام العادي. فالعلاقة بين النص والجمهور الموجه إليه هو ما يشغل باله بشكل أساسي.
تلك العلاقة المعرفية التي تتأكد من خلال إشارته إلى أن «الخصوصية الأدبية ليست من طبيعة لغوية، وإنما من طبيعة تاريخية ثقافية» (4).
ولا نستطيع أن نقبل هذه المقولة بأكملها، خصوصاً وأنها تدق باب نظرية المحاكاة الأرسطية بعد أن بدأ النقد الأدبي الحديث يتخلى عنها لصالح العلوم اللسانية والأسلوبية.
ما هو مقبول من نظرية تودوروف هذه هو الالتفات الجدّي إلى خصوصية الأدب ذات الطبيعة التاريخية الثقافية، وإن كان لا يجوز التركيز عليها وحدها؛ لأن ذلك لا يميّز خصوصية الأدب بما هو فن مادته اللغة عن خصوصيّة غيره من الفنون التي تقوم على مواد أخرى مختلفة عن اللغة.
فالأدب «خصوصيّة نصيّة» (5) وفاعلية لغوية تقتضي أن يكون النص «عمقاً ثقافياً» (6). وإذا كانت هذه هي الصِّفات الأساسية لطبيعة الأدب، فما هو موقع النص الخطابي من هذه الحقيقة؟.
تقوم الخطابة على الشفوية التي تقيم علاقة بين صاحب رأي ما، وجمهور يكون غالباً من الناس العاديين. وحين يكون صاحب الرأي هذا ممن ألمّ بعلوم عصره ومعارفه، فالخطابة هي رأي الثقافة المحتضنة لموقف ما في قضيّة محدّدة يقدّم إلى الجمهور بلغة يفهمها.
ولذلك فإن خصوصيّة النص الخطابي، بما هو موقف محدد من قضيّة محددة، هي من طبيعة تاريخية، وبما هو رأي الثقافة المحتضنة لموقف ما، هي من طبيعة ثقافية، وبما هو رأي يُقدّم إلى الجمهور بلغة يفهمها عن طريق المشافهة، هي من طبيعة لغوية. فالخطابة لقاء الثقافة والتاريخ واللغة وما يتضمنه ذلك اللقاء من تفاعل عميق.
وحين نصل إلى النصوص الخطابية التي نشأت على ضفاف كربلاء سواء أتعلق الأمر برجال ونساء من آل بيت الرسول(ص) وجدوا أنفسهم بُعيدَ تلك الواقعة مسوقين كما الأسارى إلى الكوفة فدمشق، أم تعلق برجال من الكوفة دعوا الإمام الحسين(ع) لينصروه على أعدائه فخذلوه، ثم تابوا بعد أربع سنوات وأعلنوا الجهاد فسُمّوا بالتوّابين.
نجد الثقافة الإسلامية وقد شكلت العمق الفكريّ الذي رأوا من خلاله أشياء العالم وأحداث التاريخ،
________________________________________
(4)م.ن.، ص 16.
(5)كمال أبو ديب، في الشعرية، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت الطبعة الأولى، 1987، ص 18.
(6)أدونيس، سياسة الشعر، دار الآداب، بيروت، الطبعة الأولى، 1985، ص 60.

[الصفحة - 174]


ونجد الموقف من أحقية الخلافة، بما هو حساسية مرهفة، قد استقطب تلك الثقافة حول محوره ومهّدها لتكون لسان حاله في مواجهة المواقف المغايرة. وتشكل اللغة، في كل الأحوال، المُفْصِحَ عن ذلك الموقف التاريخي وعن عمقه الثقافي. ونعني بها اللغة الخطابية بالذات، بما تتمتع به من حساسية متناهية في علاقتها بالواقع، وشفافية بالغة في التعبير عن الهموم.
ويقتضي هذا الفهم أن نبحث في أمرين أساسيين: الرؤية التي نظر الخطيب من خلالها إلى الأمور، واللغة الفنية التي عبّر بها عن تلك الرؤية. وهذا منسجم مع خصوصية النص الخطابي القائمة، بشكل أساسي، على تفاعل كلٍ من الثقافة والموقف واللغة.
أ ـ رؤية كل من خطباء آل البيت والتوابين:
يتناول هذا المبحث رؤية كل من خطباء آل البيت والتوابين لعنصرين أساسيين من عناصر واقعة الطف: الحسين وآل البيت(ع) من جهة، والحدث بين الكوفيين ويزيد من جهة ثانية.
1 - صورة الحسين وآل البيت(ع)
هل ستكون نظرة هذين الطرفين واحدة، أم أن مسافة ما ستفصل بينهما، أملتها ظروف كل منهما؟.
وقفت السيدة زينب(ع) أمام الكوفيين قائلة: «أنى ترحضون‏ (7) قتلَ سليل خاتم النبوة ومعدنِ الرسالةِ، وسيد شباب أهل الجنةِ، وملاذِ حربكم، ومعاذِ حزبكم، ومقرّ سلمكم، وأسى كلمكم، ومفزع نازلتكم، والمرجع إليه عند مقاتلتكم، ومدرةِ (8) حججكم، ومنار محجتكم» (9) ، مختَزلةً الشهداء جميعهم في الإمام الحسين(ع). فهو الإمام والقائد والركن الشديد والمأوى. وضعت شهادتُه المشروعَ أمام سبل متفرقة. تلمست السيدة الحدث من خلال شهادته ونظرت إليه من خلال أهمية النبوة، والإسلام، فهي لم تذكر النبي(ص) باسمه، بل كنَّت عنه بكنايتين هما: «خاتم النبوة»، و«معدن الرسالة» لتبرز مقام الرسول(ص) المتفوّق على سائر الأنبياء(ع)، وهي لم تعمد إلى هاتين الكنايتين بشكل عفوي، ولكنها قصدتهما لتحمّل كلمة «سليل» التي أضيفت
________________________________________
(7) ترحضون: تغسلون. ابن منظور، لسان العرب، مادة رحض.
(8)المدرة: المكان الذي يؤخذ منه المدر أي الطين للتطيين. م.ن.، مادة مدر.
(9)السيدة زينب(ع) في الطبرسي، الاحتجاج، شركة الكتبي للطباعة والنشر، بيروت، 1993، 2/30.

[الصفحة - 175]


إليهما، الدلالة التي تراها لذلك السليل. فلم تعد سلالة دموية جسدية فحسب بل صارت سلالة عقيدية إيمانية وانتماء إلى أرقى ما في النبوة منذ وُجدت النبوة أيضاً. وتأتي الجملة «سيد شباب أهل الجنة» المعطوفة على «سليل خاتم النبوة» لا لتذكر برأي الرسول(ص) في الحسين(ع) فحسب، ولكن لتقدم مظلومية هذا الإمام ومقامه عند ربّ العالمين أيضاً، ولتضي‏ء كلمة «سليل» إضاءة جديدة فتجعلها «سليلاً مميزاً» تومى‏ء إلى العصمة وإلى الدور الذي ترتبه العصمة على المعصوم في الحياة الدنيا، ممهدة بذلك للحديث عن صورة الحسين(ع) ببعدها العملي الدنيوي عبر سلسلة من أسماء المكان المضافة إلى القضايا الأساسية التي تشغل بال الكوفيين. فإذا نحن أمام ستة منها: «ملاذ، ومعاذ، ومقر، ومفزع، ومرجع، ومنار» تعطيه هوية الحصن الحصين بالنسبة إليهم. يأمَنُهُمْ من خوف ويحميهم من ضياع. إنه البعد المقدس المريح المُطَمئِنُ. وتأتي التشابيه «أسى كلمكم»، «مدة حججكم» و«منار محجتكم» لتغني صورة الإمام الحسين(ع) بأبعاد جديدة هي قوة الشفاء والرأي والهداية، فتخرجه من هويته البشرية مضفية عليه بعداً روحياً يصير معه قضيّة إيمانية كبرى تعيد الضائع إلى رشده وتقوّي منطقه في مواجهة الآخرين.
يعني كل ذلك أن الإمام الحسين(ع) كان محور القضيّة بالنسبة إلى السيدة زينب(ع)، يختصر كل الشهداء ويعبر عنهم، ويظل علامة فارقة لا تلتبس بمن ينتمي إليها.
أما الإمام زين العابدين(ع) فيكفكف عبرة عمته زينب(ع) قائلاً: «إن البكاء والحنين لا يردّان من قد أباده الدهر» (10) ، وينبري مخاطباً الكوفيين، معرّفاً بنفسه من خلال بنوته للإمام الحسين(ع): «أنا عليٌّ بنُ الحسين المذبوح بشطِ الفراتِ من غير ذحلٍ ولا تراتٍ» (11) مسمّياً أباه بما حدث له في كربلاء. وتضمر هذه التسمية امتلاك الروع في تلك الظروف الصعبة، لا ما قد يتبادر إلى الذهن من أنها صرخة تفجعيَّة على ما جرى. وتعني تسمية الأشياء بأسمائها رباطة الجأش والشجاعة أمام الأزمات.
ويختصر مكان الذبح الذي أشار إليه(شط الفرات) كلّ المعاناة التي واجهها الحسين(ع). وقد يكون العطش أقلها شأناً. حتى ليعد الأجر العظيم الذي ناله الإمام في مواجهة الظالمين أمارةً أساسية من أمارات تكوين هذه الصورة التي قدّمها الخطيب عن أبيه(ع).
________________________________________
(10)الطّبرسيّ، الاحتجاج، الطَّبعة الحجرية في النجف، ص 165.
(11)زين العابدين، في الطبرسي، الاحتجاج، 2/32.

[الصفحة - 176]


وحاول زين العابدين(ع)، حين عدّد أسماء جديدة لأبيه، «أنا ابن من انتهك حريمُه، وسُلِب نعيمُه، وانتُهب ماله، وسُبي عياله» (12). أن يعطي هذه الأسماء (الصفات) التي تشكل إشارة مهانة عند العربي أبعاداً مناقضة من خلال قوله: «وكفى بذلك فخراً» (13) ، موضحاً أن رؤيته التي تستقي من الإسلام الحنيف شعاع ضوئها إنما تقيس الأمور بغير المقياس الجاهلي الذي يتشبث به أعداؤه.
ويؤكد هذا ما ذهبنا إليه من أن زين العابدين(ع) ممتلكٌ لروعه، ناظرٌ إلى الإمام الحسين بالمنظار الإسلامي دون أن يكون للحدث أي تأثير ضبابي عليه. ويشكل تعريفه بأبيه الوجه الآخر «لسليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة». وهو موضع اعتزازه كما كان «السليل» موضع اعتزاز العقيلة الهاشمية(ع).
ولا يعني اختصار صورة آل البيت في صورة الحسين(ع) أنهم قد حُجبوا تماماً عن الحضور في النصوص الخطابية التي توجه بها الأسرى إلى الكوفيين، ولكنهم حضروا معه في جوانب عديدة من تلك النصوص.
قالت فاطمة الصغرى(ع)، بوصفها واحدة من آل البيت: إن اللَّه قد «جعل علمه عندنا، وفهمه لدينا. فنحن عيبةُ علمِهِ، ووعاء فهمِهِ وحكمتِه، وحجتُهُ في الأرض في بلاده لعباده. أكرمنا اللَّه بكرامته، وفضّلنا بنبيّه على كثير من خلقه تفضيلاً» (14) ، مستندة في جانب من قولها إلى لغة علي(ع) حين رأى في آل البيت(ع) عيبة علم اللَّه ووعاء فهمه وحكمته‏ (15). مومئة بذلك، وبطرف خفيٍّ، إلى سلالة علمية من نمط قدسيّ. وإضافة «العيبة» و«الوعاء» إلى «علم اللَّه» و«فهمه وحكمته» لا تنفذ إلى وصف آل البيت بالقدرة على إدراك علم اللَّه وحكمته فحسب، ولكن إلى وصفهم بالقدرة على حفظه واستمراريته أيضاً، وصولاً إلى وصفهم بأنهم المؤتمنون على إرث النبوة العلمي والدينيّ.
ويفسّر لنا هذا معنى أن يكونوا حجة اللَّه في الأرض، وأن يكرمهم بكرامته ويفضلهم بنبيّه. وهي حين تستجمع مثل هذه الصفات إنما تريد النفاذ إلى تقديم آل البيت بقيّة للَّه على الأرض يستطيع أهل الكوفة أن يروا على ضوئها مقدار السوء الذي حاق بهم نتيجة ما فعلوه في كربلاء. ولم تستند فاطمة الصغرى(ع) في نظرتها هذه إلى الواقع وحده، إذ يعدّ قولها: «قوم زكاهم اللَّه وطهّرهم وأذهب عنهم الرجس» (16) صدى واضحاً للآية الكريمة:
________________________________________
(12)زين العابدين(ع) في م.ن.، ص.ن.
(13)زين العابدين(ع) في م.ن.، ص.ن.
(14)فاطمة الصغرى(ع) في م.ن.، 2/27.
(15)علي بن أبي طالب(ع)، نهج البلاغة، شرح صبحي الصالح، دار الهجرة، قم، 1412ره، ص 47.
(16)فاطمة الصغرى(ع) في م.س.، 2/27.

[الصفحة - 177]


{إنما يريدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكم الرّجسَ أهل البيتِ، وَيُطَهِّرَكُمْ تَطهيراً} [الأحزاب/33] .
وحين تجد السيدة زينب(ع) نفسها كالأسيرة أمام يزيد في الشام تغيب صورة الأفراد لتتركّز صورة الجماعة والمشروع فتقول: «استأصلتَ الشَّأفَة بإراقتِكَ دماءَ ذرية محمدٍ(ص)، ونجوم الأرضِ من آل عبد المطلب» (17). حيث يتراءى يزيد أموياً جاهلياً تتبدى جاهليته بموقفه مما يمثله محمد(ص) وذريته، وبحقده القديم على آل عبد المطلب الهاشميين. ويبدو آل البيت، في المقابل، رساليين محتضنين للرسالة. لقد استشعرت العقيلة المستقبل، وفي أكثر المواقف سوءاً، بنظرة متفائلة ترى ما حلّ بهم في كربلاء انتصاراً. كيف لا، وهم {حزب اللَّه النجباء} (18) و {حزب اللَّه هم الغالبون} [المائدة/56] كما ترى الآية الكريمة. وهي حين أشارت بـ«نجوم الأرض من آل عبد المطلب» إلى النسب الطاهر الذي اختاره اللَّه حضناً لرسالته مسمية إياهم «ذرية محمد(ص)» إنما أبرزت البعد النبوي الإيماني المتدفق في عروقهم، فلا تكون ثمة أية مسافة تفصل صورتهم عن صورة الإمام الحسين(ع) في أذهان الأسرى، اللهم إلاَّ تلك المسافة التي تميز القائد عن المقود.
أما التوّابون، وبعد أربع سنوات من محنة كربلاء، وبعد أن عصفت بهم ريح الندم وآنسوا أن الفرصة مؤاتية للثأر، تداعوا وتبادلوا الرأي مشيرين في كلماتهم إلى الحسين وآل البيت بتعابير عديدة: «ابن ابنة نبيّنا» (19) «ولده وحبيبه وذريته ونسله» (20) ، «آل نبيّنا» (21) «ولد نبيّنا وسلالته وعصارته وبضعة من لحمه ودمه» (22) ، «ابن بنت نبيكم» (23) «ذا صدق وصبر، وذا أمانة ونجدة وحزم، ابن أول المسلمين إسلاماً وابن بنت رسول رب العالمين» (24) ، «أهل بيته» (25) ، «أخواننا بالطف رحمة اللَّه عليهم» (26). تركز هذه الإشارات على صلة النسب بالرسول(ص) دون أن تغفل طبيعة هذه الصلة وحقيقتها. فالحسين ابن بنته، والجماعة أهل بيته. وأن يكون الحسين ابن بنته يعني أن يكون ولده وحبيبه وعصارته وبضعة من لحمه ودمه، وفي هذا إشارة واضحة إلى أنه امتداد للرسول(ص) في الوجود دينياً ودنيوياً. وأن تكون الجماعة أهل بيته يعني أن تكون ذريته ونسله وسلالته، وفي هذا إشارة إلى أنهم المزكون المطهرون من اللَّه سبحانه وتعالى. ينظر التوّابون إلى الحسين وأهل بيته(ع) إذاً نظرة آل البيت إلى أنفسهم بوصفهم نتاجاً طهرياً إيمانياً علمياً للدوحة المحمدية المباركة. ومن يراقب التوابين عشية معركتهم مع ابن زياد يلاحظ روحاً جديدة تمازج تضاعيف الوصية التي أوصى بها سليمان بن صرد رجاله: «لا تقتلوا أسيراً من أهل دعوتكم
________________________________________
(17)السيدة زينب(ع) في م.س.، 2/36.
(18) م.ن.، ص.ن.
(19)المائدة، 5/56.
(20)المسيب بن نجبة الفزاري في، جمهرة خطب العرب لأحمد زكي صفوت، دار الحداثة، بيروت، الطَّبعة الأولى، 1985، ص 59.
(21)سليمان بن صرد في م.ن. ص 60.
(22)م.ن. ص.ن.
(23)عبيداللَّه بن عبداللَّه المري في م.ن. ص 63.
(24)م.ن. ص.ن.
(25)م.ن. ص 64.
(26)سليمان بن صرد في م.ن. ص 72.

[الصفحة - 178]


إلا أن يقاتلكم بعد أن تأسروه، أو يكون من قتلة إخواننا بالطف رحمة اللَّه عليهم» (27). ولا تكمن هذه الروح في النفس العلوي وحده، ولكن في تبدّل الإشارة إلى أهل الطف: من «أهل بيت نبيّنا» إلى «إخواننا بالطف». ولعل هذه النقلة مرتبطة بالنقلة التي تمت داخل نفوس الكوفيين. فقد تحوّلوا من متخاذلين إلى مقبلين على الموت: {إن اللَّه لا يغيّر ما بقومٍ حتّى يغيّروا ما بأنفسهم} [الرعد/13/11]. وإذا ما حملوا السلاح واتخذوا قرار الشهادة انتقاماً للطف أعادوا الاعتبار إلى ذواتهم فباتوا يسمون شهداء واقعة كربلاء إخوانهم جرياً على القاعدة القرآنية التي تقول: {إنما المؤمنون إخوة}[الحجرات/49/10] .
وإذا ما تراءت الصورة الحسينية، عند آل البيت من خلال الاعتزاز بها والانتماء إليها، تراءت عند التوابين من خلال تَرَجُّحِهِم بين عقدة الذنب والنجاح في التغلب عليها، حتى لكأنهم أرادوا أن يحققوا أخوّتهم للذرية النبوية الطاهرة عبر الشهادة على طريقها.
2 - الحدث بين الكوفيين ويزيد
بدت صورة الكوفيين، غداة الحدث، جلية في مخيلة آل البيت، قدموها، في خطابتهم، بأسلوب مباشر بعيد عن أي شكل من أشكال التلوين الكلامي. نادتهم السيدة زينب(ع): «يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر والخذل» (28). وقال لهم زين العابدين(ع): «كتبتم إلى أبي وخدعتموه وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه وخذلتموه» (29). وكانت كلمة أم كلثوم(ع) الأولى لهم: «ما لكم خذلتم حسيناً؟» (30). ولئن استطاعت الصفات الأربع الأساسية التي وصفوا الكوفيين بها: (الختل، والغدر، والخذل، والمخادعة) أن تقدمهم وقد ارتكبوا خطأ غير عادي بفاحشته، إلا أن هذه العناوين الأربعة، وإن سمّت ما فعلوه باسمه الذي وضعته له اللغة، فإنها غير قادرة على تقديم خصوصية هذا الفعل بوصفه حدثاً تمّ فيه قتل الحسين(ع) وسَبْيُ نسائه. وتأتي التشابيه لتعوّض قصور تلك المفردات في التعبير عن خصوصية واقع الكوفيين: قالت لهم السيدة زينب(ع): «إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً» (31) ، فتراءوا من خلال تشبيههم بتلك المرأة وقد أضاعوا موقفهم القويّ سدى. ويسمهم هذا الأمر بالغباء لتحوّلهم من الحق إلى الباطل الذي لا ينفعهم. وهذه الوضعيّة التي قدمها التشبيه لم تكن معروفة من خلال المفردات الآنفة. ولا تستعين السيدة(ع) بالذكر الحكيم وحده
________________________________________
(27)م.ن. ص.ن.
(28)السيدة زينب(ع) في م.س، 2/29.
(29)زين العابدين(ع) في م.س، 2/32.
(30)أم كلثوم(ع) في عباس القمي، نفس المهموم، دار المحجة البيضاء، بيروت، 1992، ص 363.
(31)السيدة زينب(ع) في م.س، 2/39 ـ 30. والتشبيه إشارة واضحة إلى آية قرآنية: ولا تكونوا كالتي نَقَضَتْ غَزْلَها من بعدٍ قوّةٍ أنكاثاً، النحل، 16/92.

[الصفحة - 179]


لتقديم صورة الكوفيين، ولكنها تستعين بالحديث الشريف أيضاً، حيث تشبههم قائلة: «أو كمرعى على دمنةٍ» (32). وإذا أشار المرعى إلى قوة الخير والعطاء التي كان يمكن أن يمثلها الكوفيون لو وقفوا الموقف السليم، أشارت الدمنة إلى قوة الإتلاف والتخريب التي حوّلت ذلك المرعى من مصدر للخير إلى نفاية مؤذية، مستحضرة بهذه المشابهة حديث الرسول(ص) بكل عمقه وتكامله وما ينزله على ذلك المرعى من صفات الغش والأذيّة والعواقب السيئة. أما تشبيهها لهم قائلة: «أو كفضّة على ملحودة» (33) فإن الفضة وإن اختزنت من المعاني الإيجابية ما تختزنه، إلا أنها باتت قيمة ضائعة عندما كانت على ملحودة. فقد تعطّلت وظيفتها الأساسية بوصفها زينة أو قرشاً مدّخراً.
ومن الجدير بالذكر أن التشابيه قد تدرّجت بالكوفيين من نقض الغزل، إلى مرعى على دمنة، إلى فضة على ملحودة تدرّجاً يومى‏ء إلى بعدٍ إيجابي معطّل، ويحمل لوماً شديداً يلقي على الحدث ظلالاً سوداء ويقدّمه فعلاً مستهجناً ومستنكراً. ولو عدنا إلى الصفات الأربع: (الختل والغدر، والخذل، والمخادعة) وقرأناها من جديد على ضوء التشابيه الثلاثة لرأيناها موجهة بأذيتها إلى ذات الكوفيين بقدر توجهها إلى الحسين(ع)؛ لأن الضعف الذي عراهم لحظة الحسم جعل موقفهم يمثل ختلاً وغدراً وخذلاً ومخادعة لحقيقة الموقف الذي تمنوا أن يقفوه ولم يقدروا عليه. وهو بالتالي خيانة للذات وإضاعة لصالحهم قبل أن يكون خيانة للحسين(ع).
وصوّرت السيدة زينب(ع) هذا الضعف بواسطة تشبيهين آخرين: «ملق الاماء وغمز الأعداء»(34) مقدّمة بذلك صورتهم البشعة التي لا يحسدون عليها. فالملق المعطوف على الغمز الموجه إلى آل البيت يكشف عن الدرك الذي انحدر إليه الكوفيون بخذلهم الحسين(ع).
والخذل هو الذي أسمته السيدة بالصفقة حين خاطبتهم: «خسرت الصفقة» (35) مختصرة بهاتين الكلمتين الخطأ الفادح الذي ارتكبوه. فالخسارة مركبة؛ لأن التجارة بغير مرضاة اللَّه خاسرة، وإن ربحت، فكيف إذا لم يتحقق لهم ما مناهم به ضعفهم لحظة التخاذل؟
ولا تتكامل خصوصية الخذل الكوفي، ولا تتجلّى كل أبعادها من خلال اللغة التصويرية وحدها، إذ لابد من أن نتبيّن كل ذلك على مرآة اللَّه ورسوله. خاطبتهم السيدة
________________________________________
(32)م.ن. ص.ن. والتشبيه إشارة إلى حديث شريف «إياكم وخضراء الدمن».
(33)م.ن. ص.ن.
(34)م.ن. ص‏30.
(35)م.ن. ص.ن.

[الصفحة - 180]


قائلة: «بؤتم بغضب من اللَّه، وضُرِبت عليكم الذلة والمسكنة» (36) فقدّمت الحدث جريمة نكراء أثار سخط اللَّه، وجعلهم يتراءون أمام أبصارنا على مرآة القرون البائدة من عاد وثمود وغيرهم، عبر آصرة النسب التي تربط الذلة والمسكنة بريح الصَّرصر العاتية. ورأت فاطمة الصغرى(ع) عملهم «اجتراء منكم على اللَّه ومكراً» (37) فأضاء كلامها عناصر الحدث كلها: الإمام الحسين(ع) الذي تراءى موقفه ببعده الإلهي الواضح، والكوفيين الذين بلغ الإثم بهم درجة الاجتراء على اللَّه والشجاعة في عصيانه، والحدث الذي تبدى جريمة بحجم اجتراء قوم لوط على نبيهم. ولقد دفعها ذلك لتقول:
«فانتظروا اللعنة والعذاب فكان قد حلّ بكم وتواترت به السماء نقمات فيسحقكم بما كسبتم ويذيق بعضكم بأس بعضٍ» (38). ويسألهم الإمام زين العابدين مستغرباً: «بأية عين تنظرون إلى رسول اللَّه(ص) إذ يقول لكم: قتلتم عترتي، وانتهكتم حرمتي فلستم من أمتي» (39) وإذا غشي النظر ما يمنعه عن الرؤية الواضحة، حضر الرسول(ص) ليزيل تلك الغشاوة. فالذين قُتلوا هم عترته، والحرمةُ التي انتهكت بسبي نساء الحسين(ع) حرمته. وحين تبلغ الأمور هذا الحدّ هل تبقى من علاقة تربط القاتل بمن قُتِل أبناؤه؟ إن تبرأ الرسول منهم يعني أن يتبرأ الإسلام منهم. وهل هناك صفة تعد أقسى من الصفة التي رآها زين العابدين للكوفيين؟ وتتكلم السيدة أم كلثوم(ع) باللغة نفسها: «أتدرون أي دواهٍ دهتكم؟ وأي وزر على ظهوركم حملتم؟ وأي دماء سفكتموها؟ وأي كريمة أصبتموها؟ وأي صبيّة سلبتموها؟ وأي أموال انتهبتموها؟ قتلتم خير رجالات بعد النبي»(40). فيخرج الاستفهام الإنكاري إلى التقريع ليشير كما أشار استفهام زين العابدين إلى عدائية عملهم للرسول، ويقدمهم مارقين مع ما يعنيه المروق من سخط ولعنة.
وتدفعنا هذه الصورة التي تبدّت للكوفيين على لسان آل البيت لنتساءل إن كانوا يحمّلونهم المسؤولية كاملة عما جرى لهم في كربلاء. فنجد أن العقيلة(ع) توجه الاتهام مباشرة إليهم: «أتدرون ويلكم أي كبد لمحمد(ص) فرثتم، وأيّ عهد نكثتم، وأيّ كريمة له أبرزتم، وأيّ حرمة له هتكتم، وأيّ دم له سفكتم؟» (41) ، معيدة ضمير المخاطب في هذه العبارات إلى الكوفيين وحدهم دون أن تترك أية إشارة إلى احتمال وجود مشاركين فيه، مع أنها تعرف ويعرف الكوفيون أيضاً أن العملية قد تمت بأمرٍ من يزيد. وهذا ما يعطي الكلام لازماً دلالياً له. مفاده أن السيّدة تريد أن تبرز ذنبهم على مقدار الخطأ الذي ارتكبوه. فهم
________________________________________
(36)م.ن. ص.ن.
(37)فاطمة الصغرى في م.س، 2/28.
(38)م.ن. ص.ن.
(39)زين العابدين في م.س، 2/32.
(40)أم كلثوم في عباس القمي، نفس المهموم، ص 363.
(41)زينب(ع) في م.س، 2/30.

[الصفحة - 181]


يتحملون من مسؤولية القتل ما يتحمله يزيد. فلولا رسائلهم وخذلهم لما وصلت النتائج إلى ما وصلت إليه. وهي لم تحملهم مسؤولية بسيطة عندما أسندت الأفعال إليهم، وعدّتها إلى ما يرتبط بالرسول(ص): (كبده، وعهده، وكريمة له، وحرمة له، ودم له)، فالأمور التي وقع الاعتداء عليها جوانب غير منفكة عن شخصيَّته النبوية، والاعتداء عليها اعتداء على الإسلام،
إن اتهام السيدة للكوفيين اتهام صائب وإن تغافل عن يزيد، فهي في أثناء هذه الخطبة إنما تواجه الكوفيين ولا بد من أن تحدثهم بما يعنيهم هم دون غيرهم. ونجد الفاعل نفسه للفعل نفسه عند كل من فاطمة الصغرى(ع) (42) ، وأم كلثوم(ع) (43). أما عند الإمام زين العابدين(ع) فالأمر مختلفٌ نسبياً. يعرّف بنفسه أمام الكوفيين: «أنا ابن من انْتُهِك حريمُه، وسُلب نعيمُه، وانتُهبت مالُه، وسُبي عيالُه»(44) مستخدماً الفعل الماضي المبني للمجهول الذي يترك الفاعل غير محددِ. ولو شاء التركيز على الكوفيين لاستخدم الصيغة المعلومة للأفعال وأسندها إليهم. ولكنه قصد استخدام الصيغة كما استخدمها؛ لأنه حدد اتهامه للكوفيين بشكل واضح: «هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه وخذلتموه؟» (45) مسمياً الأشياء بأسمائها، حتى كلمة«قاتلتموه» فهي لا تشكل اتهاماً بقتله، بل جاءت موقّعة بما تدل عليه؛ لأن دلالتها غير دلالة «قتلتموه». تبدأ مسؤولية الكوفيين بالمكاتبة، وتنتهي بالخذلان والمقاتلة. يعني أنهم أسهموا بكل ما جرى للحسين(ع) وأهل بيته، ولكنهم ليسوا وحدهم. يضمُّ الفاعل غير المحدد يزيد ومن والَوه والكوفيين وربما قصد كل من أسهم بمسيرة الانحراف في الحياة السياسية الإسلامية؛ لأنه أدى، وبطريقة غير مباشرة، إلى حصول ما حصل للحسين(ع). ولعل تتويجه للتعريف بنفسه قائلاً: «أنا ابن من قتل صبراً فكفى بذلك فخراً» (46) إنما هو افتخار بانتماء أهل بيت الحسين(ع)، الذين حل بهم ما حل، إلى مسيرة الصواب في الحياة السياسية الإسلامية في مواجهة مسيرة الانحراف. ويعني ذلك أن التضحية قد وقعت في سياقها التاريخي الإسلامي، ولذلك كانت موضع فخره. أما ما قام به الكوفيون فقد يقع على هامش تاريخ الإنحراف لا في صلبه. وأن تكون رؤية زين العابدين(ع) متميزة عن رؤية السيدة زينب(ع)، وفي الموقع نفسه، هو من قبيل تميّز الإمام المعصوم على من سواه من أبناء العترة الطاهرة.
ولقد بلغ الأمر بالخطباء من آل البيت أن يصلوا حد تقريع الكوفيين، فترددت عبارة
________________________________________
(42)فاطمة الصغرى(ع) في م.س، 2/27 ـ 28.
(43)أم كلثوم(ع) في القمي، نفس المهموم، ص 363.
(44)زين العابدين(ع) في م.س، 2/32.
(45)م.ن. ص.ن.
(46)م.ن. ص.ن.

[الصفحة - 182]


«تباً لكم» في معظم كلماتهم‏ (47). واستعاضت عنها السيدة زينب(ع) بالتعبير القرآني «تبّت الأيدي» (48) متوصلة بذلك إلى أقصى التقريع، لأن إسناد الفعل (تبّت) إلى (الأيدي) دون إضافتها إليهم إنما تفتح الباب على مصراعيه لصب جام غضبها على كل جارحة من جوارحهم. ولقد عبّرت السيدة(ع) عن نقمتها هذه بأساليب مختلفة: دعاءً ساخطاً «فلا رقأت العبرة ولا هدأت الزفرة» (49) ، وتبكيتاً لضمائرهم «إلا بئس ما قدمت لكم أنفسكم» (50) مستخدمة التوكيد: «تعساً تعساً ونكساً نكساً» (51) لتبلغ بذلك النقمة أشدها.
ومن الجدير بالذكر أن هذه الأمور لم تُسَقْ في هذه الخطب للتنفيس فحسب، ولكنها سيقت لوظيفة محددة. فلو أن الكوفيين كانوا مصرين على غيّهم من «الصلف والعجب والشنف والكذب» (52)كما هي حال يزيد، لما رأى آل البيت حاجة إلى مثل هذا الكلام. والحقيقة أن الكوفيين، وبعد أن «خسرت الصفقة»، تنبهوا إلى جسامة ما اقترفوه فرقّت قلوبهم حتى وجدنا شيخاً من شيوخهم تخضلّ لحيته بالبكاء بعد أن استمع إلى خطبة السيدة زينب(ع) (53) ، وسمعنا أصوات الناس وقد ارتفعت بالبكاء عند كلام زين العابدين(ع) (54) وبعد خطبة فاطمة الصغرى‏ (55) ، وضجّ الناس بالبكاء والنوح، ونشر النساء شعورهن ووضعن التراب على رؤوسهن وخمشن وجوههن... وبكى الرجال ونتفوا لحاهم بعيد خطبة أم كلثوم‏ (56).
ولئن دل هذا على شي‏ء فإنما يدل على أن آل البيت قد آنسوا شيئاً من التحوّل الإيجابي في نفوس الكوفيين فتوجهوا إليهم بالتقريع، لعله ينفع في حثهم على الجهاد الحقيقي.
وحين وصل الموكب الحزين إلى دمشق وقفت السيدة زينب(ع) أمام يزيد متحدثة، فغابت صورة الكوفيين تماماً لتحل محلها صورة المسؤول الأساسي عما حدث، يزيد: «وكيف ترتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء، وكيف لا يُستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن والأحن والأضغان» (57). وحين تستعير السيدة(ع) ليزيدٍ فاه جدته إنما تقدمه حاملاً لأرث تلك الجدة في الحقد على الإسلام. ولقد أوضحت السيدة ذلك الحقد من خلال حشد أهم المفردات التي وضعتها العربية للتعبير عن أنواعه ودرجاته: (الشنف، والشنآن، والأحن، والأضغان). ولم تكتف
________________________________________
(47)زين العابدين في م.ن، ص.ن؛ فاطمة الصغرى في م.ن، 2/28، أم كلثوم في القمي، ص 363.
(48)زينب(ع) في م.س، 2/30.
(49)م.ن. ص.ن.
(50)م.ن. ص.ن.
(51)م.ن. ص.ن.
(52)م.ن. ص.ن.
(53)عباس القمي، نفس المهموم، دار المحجة البيضاء، بيروت، الطبعة الأولى، 1992، ص 359.
(54)م.ن. ص 360.
(55)م.ن. ص 363.
(56)م.ن. ص 364.
(57)زينب(ع) في م.س، 2/36.

[الصفحة - 183]


بتقديمه في الموقعية السلالية الحاقدة على الإسلام، بل عمدت إلى تقديمه ثمرة غير مباركة للتاريخ الأموي ودوره في سفك دماء الشهداء: «ونبت لحمه من دماء الشهداء». إن إسناد الفعل(نبت) إلى الفاعل (لحمه) أكسب هذا الفاعل هوية الشجرة الغريبة التي لا تسقى بالماء، لأن تعدية هذا الفعل إلى (دماء الشهداء) من خلال حرف الجر(من) أعطى الدماء هوية الريّ الغريب الذي يسقي تلك الشجرة. ويخرج كل ذلك بلحم يزيد ليجعله الإرث الأموي المتحدّر عبر سواقي دماء الشهداء جيلاً بعد جيل. وإذا ما وضع التركيب شخصية يزيد في موضع ضدي مع دماء الشهداء، يعني أنه قدّمها بذرة للشر. وشتان ما بين بذرة الشر المتجلية في يزيد، وروح «الختل والغدر والخذل» التي رأتها في الكوفيين. وإذا ما تحدّثت في الكوفة وسط مناخ من الندم الذي عرا الكوفيين تحدّثت في دمشق في ظل مناخ من الصلف والتجبر والكبرياء عند يزيد لا لتؤثر عليه وتحوّله عن موقفه، ولكن لتقول كلمتها بشجاعة، وتعلن انتصار آل البيت عليه: «أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تُساق الأسارى، أن بنا على اللَّه هوانا وبك عليه كرامة، وأن ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلان مسروراً؛ حيث رأيت الدنيا لك مستوثقة والأمور متسقة وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلاً مهلاً» (58). ظنُّه في غير محله، وذلك لسوء فهمه لحقائق الأمور وأسرارها.
ويزيد هو من ارتكب جريمة كربلاء النكراء بكل أبعادها في نظر السيدة(ع) مستبعدة الكوفيين عن دائرة الضوء هذه المرة: «نكثت القرحة واستأصلت الشأفة بإراقتك دماء ذرية محمد(ص) ونجوم الأرض من آل عبد المطلب» (59) مضيفة الإراقة إلى ضمير المخاطب يزيد، معدّيةً المصدر المضاف إلى «دماء ذرية محمد(ص)» قصد الإشارة إلى أن استئصال الشأفة المحمدية الإسلامية مستهدف من قبل يزيد من خلال تلك الإراقة. وتغييب الكوفيين ليس تبرئة لهم، ولكنه بسبب التركيز على الأهداف الأساسية التي أريقت الدماء الزكية لأجلها، وهي استئصال شأفة لطالما حقد عليها الأمويون ومنهم يزيد سواء أتعلق الأمر بشقها النبوي الإسلامي أم بشقها الهاشمي العائلي.
وتحمّله مسؤولية أخرى: «وسوقك بنات رسول اللَّه سبايا قد هتكت ستورهن، وأُبديت وجوههن، تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفن أهل المناهل والمناقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد والدنيّ والشريف، ليس معهن من رجالهن ولا من
________________________________________
(58)م.ن. 2/34.
(59)م.ن. 2/36.

[الصفحة - 184]


حماتهن حمي» (60) مشيرة إلى جريمة إضافية تكاد توازي جريمة إراقة الدماء بحجمها. كيف لا، وبنات رسول اللَّه(ص) يسبين؟.
ولا يعني ذلك نصراً ليزيد. فرؤية السيدة(ع) للنتائج ليست كما يتصوّر هو، واجهته قائلة: «كد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فواللَّه لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها» (61). فإذا بها تحدّد أهداف يزيد من واقعة كربلاء بقدر ما تعلن فشله وانتصار المقتول على القاتل. فالأمور التي تقضّ مضجعه: ذكر آل البيت، والوحي الذي نزل في أبياتهم، وكرامتهم عند اللَّه، والتي استهدفها بقتل الحسين(ع)، لم يفشل في تحقيقها فحسب، ولكنه ابتُلي بعارٍ لا يستطيع غسله مهما فعل أيضاً.
ولا تقف السيدة(ع) عند هذا الحدّ، ولكنها تستمر في توهين أمر عدوّها: «وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد؟» (62) واضعة كلَّ إنجازاته على مرآة الموت الذي سيجرده منها جميعاً فيبدو سلطانه علامة وهن خصوصاً وأنه لا يقوم على مرضاة اللَّه. وإذا ما اطمأنت إلى أنها قد أرته انتصاره فشلاً، أعلنت انتصارها عليه: «الحمد للَّه رب العالمين الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة» (63). حيث يومى‏ء «حمد اللَّه» إلى أعلى درجات الثقة بالنفس. فالشهادة والرحمة مثار للعزة والفخار قبالة من يتمنى الشلل والبكم لكي لا يكون قد قال ما قال وفعل ما فعل.
يبقى أن خطباء آل البيت قد رأوا الواقعة والكوفيين ويزيد على مرآة الإسلام بشكل عام. ولا يعني ذلك أنهم قدّموا صورة واحدة عما تناولوه بحديثهم. فلكل خطيب منهم موقعه الديني والقيادي الذي أعطى رؤيته خصوصيّة تميّزها عن رؤية سواه.
وإذا تراءى الحدث كما رأيناه عند خطباء آل البيت، تتحدد معالمه على ضوء الخطيب مرّة: زين العابدين أو السيدة زينب أو السيدة فاطمة الصغرى، أو أم كلثوم عليهم السلام، وعلى ضوء المخاطب مرّة أخرى: الكوفيين أو يزيد. فكيف سيتراءى عند التوّابين؟ وما هي الأمور الأخرى التي استرعت انتباههم؟.
حاول المسيب بن نجبة الفزاري أن يرسم صورة للكوفيين في أثناء اجتماع التوابين للتداول في أمر الثأر للحسين(ع): «كنا مغرمين بتزكية النفس، وتقريظ شيعتنا، حتى بلا اللَّه
________________________________________
(60)م.ن. 2/35.
(61)م.ن. 2/37.
(62)م.ن. ص.ن.
(63)م.ن. ص.ن.

[الصفحة - 185]


أخيارنا، فوجدنا كاذبين في موطنين من مواطن ابن ابنة نبينا(ص). وقد بلغتنا كتبه، وقدمت علينا رسله، وأعذر إلينا يسألنا نصره عوداً وبدءاً، وعلانية وسراً فبخلنا بأنفسنا، حتى قتل إلى جانبنا، لا نحن نصرناه بأيدينا، ولا جادلنا عنه بألسنتنا، ولا قوّيناه بأموالنا، ولا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا» (64). عدّى الخطيب فعل (غرام الكوفيين) إلى أمرين بواسطة حرف الجر الباء: (تزكية النفس) و(تقريظ شيعتهم). يعني أن إقبالهم على هذين الأمرين قد تعدّى حدود العلاقة العادية ليصبح شغلهم الشاغل وموضع اهتمامهم، لأنه قد تجاوز دائرة الاقتناع إلى دائرة الميل النفسي. فهل ستعطي هذه العلاقة أكُلَها؟ وهل وصلوا بتزكية أنفسهم درجة بيعها للَّه؟ وهل بلغ بهم تقريظهم لشيعتهم درجة الشهادة؟ يدلُّ الذي حصل على فشلهم إزاء التجربة. وفي محاولة منه لمحاسبة النفس قال: «وبلغتنا كتبه وقدمت علينا رسله، وأعذر إلينا يسألنا نصره» (65). وأول ما يلفت انتباهنا في هذا الكلام أن المسيب قد ذكر كتب الإمام إليهم ولم يذكر كتبهم إليه ووعدهم إياه بالنصرة. يحمّل نفسه المسؤولية بحدود التزامه بالتشيع، فيكون التقصير، من وجهة نظره، محصوراً بعدم نصرهم إياه بأيديهم، ومجادلتهم عنه بألسنتهم، وتقويتهم إياه بأموالهم وعشائرهم، أي بعدم إمدادهم إياه بأي شكل من أشكال الدعم أو العون. وإذا أراد أن يسمِّي حقيقة هذا الموقف استخدم كلمتي(الكذب) و(البخل). ولئن ألمحت الكلمة الأولى إلى الغدر، فإنها لم تسمه باسمه وأبقته احتمالاً غير مؤكد. ولا تشكل الكلمة الثانية توغلاً أشدّ في القساوة من (الكذب). فهي وإن احتملت الخذل في تضاعيفها إلا أنها لا تحتمل المعاني التي أطلقتها السيدة زينب(ع) على الكوفيين: الختل والغدر والمخادعة. يعني أن المسيب لم يستطع أن يصل بنفسه وبالكوفيين إلى الصورة التي قدّمها آل البيت(ع) عنهم. فهي صورة مخففة للخطأ تحمل في طياتها دعوة إلى النهوض والثأر.
أما سليمان بن صرد الخزاعيّ فيقول: «إنا كنا نمدّ أعناقنا إلى قدوم آل نبينا، ونمنيهم بالنصر، ونحثهم على القدوم، فلما قدموا وَنَيْنا وعجزنا وأدْهَنَّا وتربَّصنا وانتظرنا ما يكون حتى قُتل فينا... إذ جعل يستصرخ النصف فلا يعطاه... ألا انهضوا فقد سخط ربكم... واللَّه ما أظنه راضياً دون أن تناجزوا من قتله أو تبيروا» (66). إنه يشير إلى مسألة أغفلها المسيّب، وهي حقيقة دعوتهم الحسين(ع) للقدوم. أن يمدوا أعناقهم إلى قدوم آل نبيهم كناية عن شوقهم الشديد إليهم وتمسكهم القويّ بهم. وهذا ما أدى إلى أن منّوهم
________________________________________
(64)المسيب بن نجبة في جمهرة خطب العرب، ص 58 ـ 59.
(65)م.ن. ص.ن.
(66)سليمان بن صرد في م.ن، ص 60."66

[الصفحة - 186]


بالنصر وحثوهم على القدوم إلى الكوفة. وحين يواجه سليمان بن صرد إخوانه الكوفيين بهذه المعلومات فإنه لا يقدم لهم معلومات يجهلونها، ولكنه يريد النفاذ من خلال كلامه هذا إلى الاعتراف، باسمهم، بالخطأ الكبير، خصوصاً وأنه يلجأ إلى الحجة، يعرض القول ثم يقارنه بالفعل «فلما قدموا ونينا»، لكي لا يكون ثمة مجال للنقاش. حتى لكأنه يقول: أفحمنا الحدث ولا نملك ما ندافع به عن أنفسنا، نفاذاً من كل ذلك إلى تقريع الأنفس وحثها على الجهاد. ولكن بم وصف هذا الخطأ؟: «ونينا وعجزنا، وأدْهنا، وتربّصنا وانتظرنا ما يكون». حيث نجد كلمتين مترادفتين تقريباً في البداية: (ونينا) و(عجزنا) وهما لا تدلاّن على أن التقصير قد جرى بسبب الوني والعجز الموجودين، ولكنهما تدلاّن على أن الكوفيين قد اصطنعوهما اصطناعاً. وهذا ما ينفي العذر عن التقصير.
ونجد كلمتين أخريين مترادفتين تقريباً: (تربّصنا) و(انتظرنا) وهما تشيران إلى الحيادية التي اصطنعها الكوفيون حيال الحدث طلباً لحفظ رؤوسهم. وتتوسط الكلمات الأربع كلمة(أدهنّا) التي تختزن الخبث الذي يتدخل في توجيه دلالة تلك الكلمات ودفعها تجاه مزيد من السلبية ملمحة إلى الختل والغدر والمخادعة وإن لم تسم هذه المعاني بأسمائها. وسليمان بن صرد وإن تقدّم المسيّب في اتهام نفسه واتهام الكوفيين إلا أنه لم يصل إلى ما وجّهه إليهم آل البيت(ع).
حاول الكوفيون أن يقدّموا صورة مخفّفة نسبياً عن خطأهم وإن رأوا أنهم قد اقترفوا «الذنب العظيم» (67) مستقلين قتل النفس في سبيل الخروج منه لو كان قتل النفس محلّلاً (68).
وحاول التوّابون مراقبة ما جرى، على ضوء الإسلام، فرأى عبيداللَّه بن عبداللَّه أن الذين ارتكبوا القتل «لم يراقبوا فيه ربهم ولا قرابته من الرسول» (69). ولم يحمّل مسؤولية هذا السلوك غير الإسلامي للأمويِّين وحدهم، لأن «اللَّه لم يجعل لقاتله حجه، ولا لخاذله عذراً» (70) مفرّقاً بين القاتل والخاذل محملاً كلاً منهما ما يجب أن يتحمله. وتضيق هذه المسافة عند رفاعة بن شداد عندما يسمّي موقف الكوفيين إزاء الحدث(الذنب العظيم). ولا توضح هذه التسمية عمق العلاقة التي تربط الحسين باللَّه وقوتها فحسب، ولكنها تقدم الحدث جريمة تفوق كل تصوّر، وتقدم الكوفيين طرداء اللَّه على أرضه فكيف يكون الأمر
________________________________________
(67)رفاعة بن شداد في م.ن، ص 59.
(68)خالد بن سعد، في م.ن، ص 61.
(69)عبيداللَّه بن عبداللَّه في م.ن، ص 63.
(70)م.ن. ص 63.

[الصفحة - 187]


بمقترفها من الأمويين. ويترك سليمان بن صرد الباب مفتوحاً على غير احتمال: «ألا انهضوا فقد سخط اللَّه... واللَّه ما أظنه راضياً دون أن تناجزوا من قتله أو تبيروا» (71). ولئن اختزن هذا الكلام بعداً تحريضياً تثويرياً يتوخى دفع الكوفيين إلى القتال ثأراً للحسين(ع) إلا أن إسناد الفعل (سخط) إلى (اللَّه) دون تعديته إلى موضوع ذلك السخط يضع الكوفيين على قدم المساواة مع الأمويين في موقف اللَّه منهما. وهذه المساواة عامل تثوير يضع التوّابين أمام تحدّي تمييز الذات عن الأمويين وتحدّي دفع سخط اللَّه عنهم خصوصاً وإن (قد) التي تلعب دوراً تحقيقياً للفعل رسّخت ذلك السخط في إذهانهم.
وميّز التوّابون أنفسهم عن قتلة آل البيت. ويعني هذا التمييز نظرة محددة إلى القتلة، فما هي؟ استخدم التوّابون في وصف يزيد وابن زياد والموالين لهما ألفاظاً عديدة أهمها: المحِلّون، والمارقون، والفاسقون، والقاسطون. وتحدد هذه الألفاظ موقع هؤلاء القوم من الدين إما تجاوزاً لحدوده، وإما عصياناً لأمر اللَّه، وإما جوراً عن خط العدالة المستقيم. وهي كلمات لا تقفل الباب تماماً أمام هؤلاء القوم، بل تبقي خيط أملٍ، ولو كان دقيقاً جداً، يربطهم بالدين. فهل كان هذا حقيقة رأي الكوفيين بيزيد ورجاله؟ عندما سمّى عبيداللَّه بين عبداللَّه قتالهم جهاداً في قوله: «إنا ندعوكم... إلى جهاد المحلين والمارقين» (72) ، إنما أسبغ على ذلك القتال صفة القداسة التي ستسبغ بدورها بعداً عدائياً للإسلام على المحلين المارقين. ولا يعني استخدام المسيب بن نجبة كلمة (قاتل) في وصفهم تخفيفاً عنهم: «وقد قُتل فينا ولدُه وحبيبه وذريته ونسله، لا واللَّه، لا عذر دون أن تقتلوا قاتله والموالين عليه... فعسى ربنا أن يرضى عنا عند ذلك» (73) ، لأنه وإن تبادر إلى الذهن بأن هذه التسمية تسمية حيادية موضوعية، إلاّ أنها سرعان ما تستخلص حقيقتها الدلالية من مختلف أجزاء التركيب. وقوله: «فعسى ربنا أن يرضى عنا» إنما يقدمهم مذنبين ذلك الذنب الذي قد يكون خارج دائرة الذنوب التي يغتفرها اللَّه. وحين يربط إمكانية الغفران بقتل قاتل الحسين(ع) إنما يعود ليضي‏ء كلمة(قاتل) التي تبدّت لأول وهلة مخففة. فإذا كان قتل القاتل قد لا يرضي اللَّه تعالى ولا يشكل كفارة عما اقترفه الكوفيون وهو دون القتل، فما هي وضعية القاتل عند اللَّه؟ إنها وضعية غير قابلة للتصور تذهب بالخيال كل مذهب.
بات التوّابون أسيري عقدة الذنب إذاً، فبأي اتجاه سيندفعون؟ وهل سينصب سخطهم على الدنيا وعلى التمسك بأهدابها؟ هل سيتخذون قرار الموت؟ بادر المسيب بن نجبة إلى
________________________________________
(71)سليمان بن صرد في م.ن، ص 60.
(72)م.ن. ص.ن.
(73)المسيب في م.ن، ص 59.

[الصفحة - 188]


رسم الطريق الذي يجب أن يسلكه التوابون: «لا واللَّه لا عذر دون أن تقتلوا قاتله والموالين عليه، أو تُقْتَلوا في طلب ذلك» (74). إنها الدعوة إلى الجهاد يعلنها الخطيب دون أن يكون مهتماً بأبعادها السياسية. كل ما في الأمر أن إحساساً بغضب اللَّه قد انتابهم، وعليهم أن يحاولوا كسب مرضاته «فعسى ربنا يرضى عنا». وإذا تطلب الجهاد قائداً طلب المسيب: «أيها القوم ولّوا عليكم رجلاً منكم» (75) محدداً الأولويات المطلوبة: الجهاد وقائد مسيرة ذلك الجهاد.
وكان أن أمروا سليمان بن صرد الذي اتخذ قرار الموت: «ألا انهضوا فقد سخط ربكم، لا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتى يرضى اللَّه، واللَّه ما أظنه راضياً دون أن تناجزوا من قتله أو تبيروا»(76). والذي يلفت الانتباه في هذا الكلام أن القائد قد وضع قرار الموت في موقع ضدي مع الدنيا: «لا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتى يرضى اللَّه» ولن يرضى إلا «أن تناجزوا من قتله أو تبيروا». ويشكل الانتصار على الدنيا انتقاماً منها، لأنها حالت بينهم وبين نصرة ابن بنت نبيهم(ص). وتأتي استجابة خالد بن سعيد بن نفيل نموذجية على هذا القرار: «إن كل ما أصبحت أملكه، سوى سلاحي الذي أقاتل به عدوّي، صدقةٌ على المسلمين أقويهم به على قتال القاسطين»(77). وتحويل كل ما يملكه، سوى سلاحه، إلى صدقة يعني قطع كل صلة له بالدنيا، واندفاعةً لا هوادة فيها تجاه الموت، حتى لكأن الدنيا منافية لمرضاة اللَّه. ولعل من رسم الطريق بهدوء وقدّمه هادفاً يرمى إلى تحقيق الأهداف التي استشهد دونها الحسين(ع) هو عبيداللَّه بن عبداللَّه: «إنا ندعوكم... إلى جهاد المحلّين والمارقين، فإن قتلنا فما عند اللَّه خيرٌ للأبرار، وإن ظهرنا رددنا هذا الأمر إلى أهل بيت نبيّنا» (78). لم تعُدْ القضية عنده ردّاً عفوياً ينحو منحىً ثأرياً، صارت مشروعاً سياسياً. والذي جعل رؤية عبيداللَّه أكثر وضوحاً هو أنه لم يكن كوفياً. كان الكوفيون مغرمين بتزكية أنفسهم، وتقريظ شيعتهم حتى بلا اللَّه أخيارهم، فكانت النتيجة تخاذلاً سبّب لهم عقدة ذنب لم يعرفها الشيعة من غير الكوفيين. ففي المدائن كانوا «مجمعين مزمعين على نصر الحسين... واللَّه مثيب [هم‏] على حسن النية» (79). عاش الكوفيون إذاً أزمة عقدة الذنب التي لم يعشها الشيعة الآخرون، وكانوا قادرين على وعي الأبعاد السياسية لعملهم الجهادي.
ومهما يكن من أمر، فإن خطابة آل البيت قد فعلت فعلها ونجحت في تسعير عقدة
________________________________________
(74)م.ن. ص.ن.
(75)م.ن. ص.ن.
(76)سليمان بن صرد في م.ن، ص 60.
(77)خالد بن سعيد في م.ن، ص 61.
(78)عبيداللَّه بن عبداللَّه في م.ن، ص 64.

[الصفحة - 189]


الذنب الكوفية وتحويلها إلى فعل جهادي. فانتقلوا من خاذلين متخاذلين إلى توّابين عازفين عن الدنيا مقبلين على الموت. واستطاعت خطابتهم في الشام أن تنغّص على يزيد نشوة انتصاره وأن تحوّله إلى أسير جريمته.
ولم يقلّ دور خطابة التوابين نجاحاً عن خطابة آل البيت. فقد استطاعوا أن ينتصروا على ذواتهم وعلى الدنيا وأن يتخذوا القرار الصعب، قرار الموت أو قتل القتلة.
ب ـ اللغة الخطابية بين آل البيت والتوابين‏
اكتشف الرمّاني، ومنذ القرن الرابع للهجرة، الإمكانات التي يختزنها التركيب فقال: «إن دلالة الأسماء والصفات [أي الكلمات‏] متناهية، أما دلالة التأليف فلا نهاية لها» (80) ، محدداً من خلال هذا الفهم كيف تكون الكتابة ناجحة تتصف بالابداع، وكيف لا تكون. إن لا نهائية الدلالة التي يقدمها التأليف تضعنا أمام إمكانية مفتوحة لإنتاج أبكار الدلالات وتوجب علينا ألا نكرر ما قلناه، أو ما قاله سوانا. فالمتسع الذي تتيحه آلية التركيب متوفر للجميع، خصوصاً إذا أدركنا أن تعديل وضعية كلمات التركيب نفسه تقديماً أو تأخيراً، تعريفاً أو تنكيراً يجرّ إلى تعديل واضح ودقيق في الدلالة (81). وإذا أضفنا إلى هذا الأمر أن مفردات اللغة التي تشكل بطبيعتها عناوين شديدة العمومية لأشياء الوجود وهي في موقع ضدي مع حاجاتنا التعبيرية حيث كل شي‏ء نسبيّ وشديد الخصوصيّة. لمسنا بدقة البعد الإبداعي في الكتابة. فالإنسان الذي يواجه أمور الحياة وقضاياها بشكل حيادي غير موجود. تتم قراءاتنا للحدث أو لأشياء العالم من خلال شبكة معقدة، لعل أهم أمرين فيها هما: الثقافة والموقف، وقلما نرى الوجود من خارج هذين العاملين. فالثقافة هي كل ما حصله الإنسان من المعرفة وتقنياتها وأدواتها، والموقف هو تلك القناعات التي ترسّخت في نفسه بناء على ثقافته الخاصة ومنطقه الخاص. وحين يكون الأمر على هذه الشاكلة لا بد من أن يرى كل منا أبعاداً خاصة من الحدث أو من أشياء الوجود لا يستطيع الآخرون أن يروها. يعني أن «تنتمي أشياء الوجود عنده إلى عالمه الخاص وتستقي منه دلالاتها» (82). وتكمن قدرة المبدع في استخدام اللغة استخداماً يمكنه من تقديم تلك الأبعاد الخاصة التي رآها. واللغة، بدلالة مفرداتها، وبناء على ذلك، حركة مستمرة لا تعرف الانقطاع، وهي موازية لحركة الإنسان ونموه النفسي والخلقي والاجتماعي والاقتصادي والمعرفي. يعني
________________________________________
(79)سعد بن حذيفة في م.ن، ص 62.
(80)الرمَّاني، النكت في إعجاز القرآن، ثلاث رسائل، تحقيق خلف اللَّه وسلام، دار العارف، مصر، ص 107.
(81)عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، 1987، ص 108 و136.
(82)علي زيتون، مقاربة من معجم النهج، المنطلق، العدد 111، 1995، ص 161.


[الصفحة - 190]


أنها مرتبطة بقدرتنا على اكتشاف أبعاد جديدة لأشياء العالم. حيث نجد الكلمات (العناوين) غير قادرة على التعبير عن خصوصية ما رأيناه ولا بد من أن نلجأ إلى ما أوجدته اللغة نفسها لتعويض هذا القصور. عنيت بذلك الاستعارة والتشبيه والمبالغة والطباق وغير ذلك.
ونحن في كربلاء أمام حدث فريد له خصوصيته الواضحة بكل جزئياته وعناصره البشرية والنفسية والسياسية والدينية. فهل استطاع الخطباء من آل البيت والتوّابين، أن يعبروا عن هذه الخصوصية؟ وهل كانت تسميتهم لمختلف عناصر هذا الحدث منتمية إلى ثقافتهم وموقفهم، وإلى خصوصية ذلك الحديث؟.
1 - لغة آل البيت الخطابية
كان لخطابة آل البيت معجم خاص بها. استقطب المفردات اللغوية المتعلقة بخصوصية واقعة كربلاء من جهة (83) وبخصوصية الأطراف المرتبطة بهذا الحدث سلباًف (84) ، أم إيجاباًف(85) من جهة أخرى، فكان معجماً دالاً على مدى الإبداع الذي يتمتع به هؤلاء الخطباء. فهل سيكون التركيب اللغويّ موازياً لذلك المعجم من الناحية الابداعية؟.
من يتصفح النصوص الخطابية التي تحدّث بها آل البيت، بُعيد الواقعة، يجد نفسه أمام لغة خاصة لها مقوماتها سواءً أتعلق الأمر باستنطاقهم المشاهد للتعبير عن مشاهداتهم، أم بإعادة شحن الكلمات بدلالات جديدة خاصة، أم بتحميلها مهمة التعبير عن نظرتين متناقضتين:
أولاً: استنطاق المشاهد:
حاول هؤلاء الخطباء من خلال تقديم بعض المشاهد أن ينفذوا إلى التعبير عن نظرتهم إلى بعض عناصر الحدث الكربلائي: خاطبت السيدة زينب(ع) الكوفيين قائلة: «لقد جئتم شيئاً إدّاً، تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخرّ الجبال هدّاً» (86) فلم تكتف بوصف عملهم بالشي‏ء الإدّ (الفظيع)؛ لأن ذلك يدرجه من بين أمور فظيعة كثيرة. وتسمية الحدث بهذه الطريقة هي مجرد تقديم عنوان عام لا يضعنا أمام حرارة التفاصيل أو خصوصية ما جرى. ويأتي الفعل الناقص (تكاد) لتجعلنا المقاربة التي ينطوي عليها نترقب
________________________________________
(83)مثل: «فرثتم، نكثتم، سفكتم، انتهك، سُلب، سبيَ، قُتِلَ، ذبحوا المذبوح، المسلوب، المقتول، كذبتمونا، انتهبتم، سبيتم، نكبتموه، تساق، سوّق، هتكت، ستورهن، وجوههن، يتصفح، نكأت، استأصلت. (إراقتك، فريت، حززت) تستحضر هذه المفردات إلى الذاكرة كلَّ جلاّدي التاريخ وسفّاحيه بكل ما ارتكبوه من بشاعات وجرائم.
(84)مثل: (تزرون، خاب، تبّت، خسرت، بؤتم، بغضب، اجتراء، نقمات، العذاب، الختل، الغدر، الخذل، الصلف، الشنف، العجب، الكذب، الملق، الغمز، العار، الشَّنار، المكر، الشهوة، الخيلاء، الحقد، الظلم، القساوة، الغلظة الشنآن، الإحن، الأضغان). وتلخص هذه المفردات واقع حال كل من الكوفيين ويزيد غداة كربلاء.
(85)مثل: (ملاذ، معاذ، مقر، مفزع، مرجع، مدرة، منار، العلم، الفهم، الحجة، الكرم، الفضيلة، التزكية، الطهر، الأخيار، الطيبون، المحمود، المشهور، هداية، زهد، استقامة، سليل، سيد، اكرم، النبوة، الرسالة). وتشير هذه المفردات إلى مقام آل البيت ودورهم الرسالي.
(86)زينب(ع) في م.س، 2/30.

[الصفحة - 191]


مقدار فظاعة ذلك الحدث من خلال الخطورة التي كان يمكن أن نواجهها لو أن تلك الفظاعة كانت أكثر من ذلك بقليل. فالمسألة غير قابلة للحصر أو التقدير، لأن تفطر السماء وانشقاق الأرض وانهداد الجبال ليست من الأمور التي يصادفها الجيل أو مما يحدث كل عدة أجيال. إنها غضب اللَّه الكبير الذي أرادت الخطيبة أن ترينا على مرآته صورة كل من الكوفيين ويزيد التي رأتها لهم. ولا يقدم هذا المشهد صورة مَنْ غضب اللَّه عليهم فحسب، ولكنه يقدم صورة مَنْ غضب اللَّه لأجلهم أيضاً. تلك الصورة التي تقارب صورة الأنبياء، الذين أباد اللَّه لأجلهم الأمم والقرون الخالية.
وتقف بنا السيدة(ع) أمام مشهد آخر، وإن كان عند يزيد هذه المرّة: «فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، والأفواه تتحلب من لحومنا» (87). يحمّل المجاز المرسل، في التركيبين: الأول والثاني، يزيد المسؤولية الكاملة عما حدث لآل البيت في كربلاء. والتركيبان تجاوزا العلاقة السببية ليقدّما لوحة ناطقة ببشاعة ما أقدم عليه يزيد. فهما كنايتان: تشير الأولى منهما إلى كثرة ما أريق من دماء آل البيت، وتبدل الثانية هويّة الأمويين الموضوعية بهوية فنية موحية هي هوية الكواسر. وتتعاون هاتان الكنايتان مع المجاز المرسل لتقدم صورة مجزرة رهيبة، وجزاراً من طراز فريد.
لعبت المشاهد التي رسمها الخطباء وظيفة بالغة الأهمية في خطابتهم، لأنها استطاعت أن تقدم لنا خصوصية بعض العناصر الكربلائية التي لا تستطيع اللغة العادية أن تسميها لنا، سواء أتعلق الأمر بوضعية الكوفيين على ضوء غضب اللَّه، أم بوضعية يزيد على ضوء الأيدي التي تنطف دماء والأفواه التي تتحلب من لحوم آل البيت.
ثانياً: إعادة شحن الكلمات:
هل نجح آل البيت في شحن الكلمات التي استخدموها في خطابتهم بدلالات جديدة تعطيها أبعاداً خاصة بهم وبواقعة الطف. وصفت السيدة(ع) الكوفيين قائلة: «ملق الاماء، وغمز الأعداء» (88). تستدعي كلمة (إماء) نقيضها (الحرائر)؛ لأن الإضافة (ملق الإماء) إشارة إلى علاقة الأمة بسيدها وولي نعمتها. فإذا تأسست علاقة الحرائر بالأزواج على قاعدة الاعتزاز بالانتماء والتكافؤ الاجتماعي، تأسست علاقة الاماء بأسيادهن على قاعدة الذلة والإحساس بالدونّية. يضاف إلى ذلك أن الملق قائم على الافتعال لا على
________________________________________
(87)م.ن، 2/35.
(88)م.ن، 2/30.

[الصفحة - 192]


العفوية والاستجابة الطبيعية. ويرتب كل ذلك دلالة قائمة على المكر والختل والمخادعة. وإذا عرفنا أن السيدة(ع) تصف رجالاً بهذا النوع من الملق، أدركنا الوضعيّة السيئة التي قدمهم التركيب من خلالها، خصوصاً إذا نظرنا إليها على ضوء الحديث الشريف: «ليس من خلق المؤمن الملق» (89).
أما كلمة(غمز)، فإنها تشكل إشارتين في إيماءة واحدة: الأولى إلى اعوجاج الآخر وخطأه، والثانية إلى ترفع الغامز وتعاليه عن الخوض بالمغمز. وفي الحالين إيلام للآخر وإثارة لنقمته، وإذا اقترنت هذه الكلمة بالملق بواسطة حرف العطف، تبادلت معها الإضاءة والاستضاءة، وتزاوجت دلالتاهما، فتبدت شخصية الكوفيين شخصية غريبة يصعب التعامل معها حتى لكأنها الرمال المتحركة يستدرج الحسين(ع) إلى الخوض فيها. ومما يجدر ذكره أن وضعية الكوفيين التي قدمتها لغة السيدة زينب(ع) من خلال هذين التركيبين هي وضعية خاصة بهم وفي تجربة محدّدة. وهي لا تعني مختلف أجيال الكوفيين ولا أية جماعة كوفية ممن لا علاقة لهم بما جرى في كربلاء، إنها تخص أولئك الذين راسلوا الحسين(ع) ودعوه ثم خذلوه وقاتلوه. يعني أن كلمات النصّ (ملقراماءرغمزرأعداء) بما أدّته من دور وبما حمّلها إياه التركيب من دلالة قد باتت منتمية إلى هذا النص دون سواه.
ويتكيّف الفعل(رحض) مع خصوصية الذنب الكوفي في كلام السيدة نفسها(ع): «أبليتم بعارها، ومنيتم بشنارها، ولن ترحضوها أبداً، وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة»(90). لقد أسندته إلى الكوفيين وعدّته إلى الجريمة التي اقترفوها، فأعطت الذنب هوية الوسخ، والتخلص منه هوية الاغتسال. ويشكل الاغتسال تعبيراً أكيداً عن الرغبة في التخلص من الوسخ. وهو عملية سهلة يمارسها جميع الناس، ولأنها كذلك استعارتها السيدة(ع) للتعبير عن رغبة الكوفيين في التخلص من الذنب، ولتضعهم بين ما يتمنون (سهولة التخلص) ويفكرون به(الرحض)، وبين استحالة تحقيقه (أنى ترحضون؟). فالاستفهام الإنكاري المتلبس بهذه الاستعارة تعدّى الإنكار إلى الاستحالة؛ لأن ما يرغبون رحضه غير قابل للرحض(قتل سليل خاتم النبوة). ولقد سبق هذا الاستفهام الإنكاريّ نفيٌ لهذا الفعل (لن ترحضوها) بعد توضيح لهوية ما يراد غسله (أبليتم بعارها ومنيتم بشنارها). فلا يكمن هذا الوسخ فوق جلود الكوفيين ولكنه يمازج أرواحهم حتى صار ميسماً لها وعلامة تعرف بها وجزءاً من هويتها. وهذا ما جعل الفعل(رحض) محملاً بالقلق الذي
________________________________________
(89)ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، المكتبة العلمية: بيروت، 4/358. والمَلَق هو الزيادة في التودّد والدعاء والتضرّع فوق ما ينبغي.
(90)زينب(ع) م.س، 2/30.

[الصفحة - 193]


انتاب الكوفيين إزاء ذنبهم والغصّة التي يتجرّعون حرقها وعقدة الذنب التي حوّلت حياتهم مرارة وجحيماً. كيف لا؟ وهي لم تكتف بإضافة كلمة(قتل) إلى (سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة) فحسب، ولكنها أضافتها إلى كل الأسماء التي تعبّر عن الحسين(ع). فهو سيد شباب أهل الجنة، وملاذ حربهم، ومعاذ حزبهم، ومقر سلمهم، وأسى كلمهم، ومفزغ نازلتهم، والمرجع إليه عند مقاتلتهم، ومدرة حججهم، ومنار محجتهم. وبقدر ما تتراكم هذه الصفات النوعية معبّرةً عن حقيقة الحسين(ع) المقدسة يُشحن هذا الفعل بمعاني الصعوبة والاستحالة. حتى نشعر كأنه يستعمل لأوّل مرّة في اللغة العربية.
وتأخذ كلمة(مدرة) مثل هذا البعد في وصف الإمام الحسين(ع) «مدرة حججكم». لأن إضافة(مدرة) إلى (حججكم) إنما أبدلت الهوية الموضوعية بهوية فنيّة هي هوية المدر أي(الطين). ولم يجر هذا الإبدال بشكل عبثيٍّ ولكن وُظّف توظيفاً دلالياً محكماً. فمدْر الحوض يجعله محكماً ويمنع تسرّب الماء منه، وكذلك الحجة المأخوذة من مدرة الإمام الحسين(ع) حجة قائمة على الإحكام والدقة. وتضي‏ء الحجة المدرة مثل ما أضاءتها. فلا تحتفظ المدرة بهويتها الموضوعية بل تستبدلها بهوية فنية هي علوم الحسين(ع) ومعارفه التي تكسبها المدرة صفة الاتساع والعمق وعدم النفاد.
ولا تسمّي زينب(ع) الحسين(ع) «مدرة حجج» الناس إلا لأنها مقتنعة بأنه وريث علم الرسول(ص). فهي تسمية شديدة الخصوصيّة أكسبت كلمة(مدرة) دلالة خاصة لا نجدها لها خارج هذا النص، خصوصاً إذا أدركنا دور الحجة الكبير في الجدل الذي كان دائراً في حياة المسلمين الدينيّة والسياسيّة في تلك الحقبة.
وتتصف كلمة (لتودنّ) التي وجهتها السيدة زينب(ع) إلى يزيد بمثل هذه الخصوصيّة، قالت له: «فلتردنّ وشيكاً» موردهم ولتودنّ أنك شللت وبكمت، ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت» (91)، معدّية الفعل(لتودّن) إلى مفعولين هما: اسم أن وخبرها ـ وحين يتعدّى هذا الفعل إلى الفعلين الواقعين في محل نصب مفعول به ثان (شللت) و(بكمت). إنما يحيلهما من دلالتهما السلبية المخيفة (الشلل والبكم) إلى دلالة محببة إيجابية. وحين يصير الشلل والبكم أمرين مرغوبين يعني أننا أمام قول وفعل ليزيد ينطويان على ذنب لا يمكننا تصوّر حجمه. ويعود كل ذلك ليضي‏ء الفعل (لتودّن) إضاءة
________________________________________
(91)م.ن، 2/36.

[الصفحة - 194]


جديدة، فلا يبقى قائماً على الراحة النفسية، بل ينتفي منه كل بعد إيجابي. أن يود المرء ما لا يود يعني أن الوداد قد دخل مناخاً مرضيّاً يقدم يزيد في أقصى درجات الوهن والضعف.
ويدخل، في هذا السياق، موقف السيدة زينب(ع) من «مخاطبة» يزيد: «لئن جرّت علي الدواهي مخاطبتك. إني لأستصغر قدرك وأستعظم تقريعك، واستكثر توبيخك» (92). تنتمي كلمة (مخاطبتك) في هذا النص إلى خصوصية الموقف النفسي الزينبي من يزيد، فإسناد الفعل (جرّت) إلى (الدواهي) وتعديته إلى (مخاطبتك)، إنما يقدّم تلك المخاطبة مخاطبة خاصة لا يمكن أن نجدها خارج هذا التركيب، لأن ارتباط المخاطبة بالدواهي جعلها مخاطبة بالغة الصعوبة حتى لتكاد تساوي ما تخشاه السيدة(ع) وهي لا تخشى الموت. والسبب في ذلك أن السيدة تستصغر قدر يزيد وتستعظم تقريعه وتستكثر توبيخه. وهذا ما يجعلنا نحس وكأننا نسمع هذه الكلمة لأوّل مرّة.
يتبيّن مما تقدّم أن آل البيت، ومن موقع البداهة التي واجهوا بها الحدث الكربلائي، كانوا مخلصين للكلمة، بقدر إخلاصهم لأنفسهم ولدينهم فجاءت مخلّصة مما حمّلته إياها التجربة الإبداعية قبلهم ليعاد شحنها بما يتناسب وثقافتهم وموقفهم ورؤيتهم.
ثالثاً: كلمات اللغة أمام دلالتين متناقضتين:
تشير نصوص آل البيت الخطابية إلى وجود لغتين: لغتهم، ولغة الآخرين. ويتجلّى هذا الأمر من خلال المفردات التي وضعتها هذه النصوص أمام رؤيتين متناقضتين. حيث ينشق الفعل(ابتلى) في كلام فاطمة الصغرى(ع): «إنا أهل بيت ابتلانا اللَّه بكم وابتلاكم بنا فجعل بلاءنا حسناً» (93) إلى بعدين دلاليين مختلفين من خلال تعديته إلى آل البيت في مواجهة الكوفيين مرّة، وتعديته إلى الكوفيين في مواجهة آل البيت مرّة أخرى. حتى لنحس أن جدلاً يدور داخل دلالة هذا الفعل. إنه امتحان الطرفين. ولكن شتان ما بين مضموني الامتحانين. ابتدأت السيدة فاطمة من الفعل نفسه (ابتلى)؛ لتبرهن على أن لغة آل البيت مناقضة للغة الكوفيين، مؤكدة أن التمايز اللغوي قائم على تمايز نفسي وعقائدي يضعنا أمام جدل(المنصور/النصير) و(المقدم/الخاذل) و(الخاسر/الرابح) و(المنتصر/المهزوم)، نواجه سلمين للقيم يستدعي كل واحد لغته الخاصة به.
ونجد هذه الحقيقة عند زين العابدين(ع): «أنا ابن من انتُهك حريمُه، وسُلب نعيمه،
________________________________________
(92)م.ن، 2/37.
(93)فاطمة الصغرى(ع) في م.ن، 2/27.

[الصفحة - 195]


وانتهب ماله، وسُبى عياله، أنا ابن من قُتل صبراً، فكفى بذلك فخراً» (94) ، حيث عدّل الافتخار دلالة الأفعال السلبية بأبعاد دلالية إيجابية. والذي أدّى إلى هذا التعديل نظرته المختلفة إلى الأفعال التي رآها وقد أكسبت آل البيت أجراً متناسباً بسموِّه عكسياً مع مقدار بشاعتها. حوّلها الأجر إلى موضع فخر الإمام(ع) على عكس ما يراه يزيد برؤيته ولغته. وتتجلى قدرة رؤية الإمام على تحويل دلالة الكلمات إلى أضدادها في قوله: «خدعتموه وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه وخذلتموه» (95). فلو وُجد التركيب (أعطيتموه) مع ما تعدى إليه من مفاعيل منفرداً لأدّى دلالة إيجابية. أما وقد عُطِفَ على (خدعتموه)، وأسنِد مثله إلى الفاعل نفسه (أهل الكوفة) وتعدّى مثله إلى المفعول نفسه الإمام الحسين(ع)، صار امتداداً للخديعة متلبساً السلبية متخلياً عن كل بعد إيجابي.
وكذلك الفعلان: (قرّت) و(فرحت) في كلام السيدة فاطمة الصغرى(ع): «قرّت بذلك عيونكم، وفرحت قلوبكم اجتراءً منكم على اللَّه» (96) نظرت إلى حالهم على ضوء مرضاة اللَّه فوجدتها اجتراءً منهم عليه، فدفع هذا الاجتراء الفعلين لكي يتخليا عن مضمونيهما الحقيقيين وما يستتبعه ذلك من راحة وطمأنينة ليتحولا إلى عهر نفسي يخفي أبعاداً مأساوية تضج بالقلق ويعصرها الحزن. وتصبح بذلك قرارة العيون وفرح القلوب حالاً مرضيّة لا دليل صحة وعافية.
وتقرأ السيدة زينب(ع) جذل يزيد وسروره بلغتها قائلة: «فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك جذلان مسروراً» (97). وهي حين تسوق ليزيد خبراً يعرفه، إنما تريد النفاذ إلى دلالة تكمن فيما وراء ذلك الخبر. ينفي الفعل(ظننت) المسبوق بهمزة الاستفهام أن يكون على اللَّه هون بآل البيت وكرامة بيزيد. وحين ينتفي الظن الذي بنى يزيد شموخه وجذله وسروره عليه تصبح هذه المشاعر مفرغة من مضمونها الحقيقي وتتحوّل إلى حال مرضيّة تضع السيدة زينب في موضع الهازئة الساخرة. وهذا من أقوى المواقف التي يقفها أسير في مواجهة جلاده.
وتأخذ القسمة بين اللغتين أبعاداً أخرى. فكما انشقت الكلمة الواحدة إلى دلالتين مختلفتين، التقت الكلمتان المتناقضتان حول دلالة واحدة، تقول السيدة ليزيد: «لئن اتخذتنا مغنماً لتجدنا وشيكاً مغرماً» (98). فالمغنم في عين يزيد هو مغرم في عين آل البيت.
________________________________________
(94)زين العابدين في م.ن، 2/32.
(95)م.ن، ص.ن.
(96)فاطمة الصغرى(ع) م.ن، 2/28.
(97)السيدة زينب(ع) م.ن، 2/35.
(98)م.ن، 2/37.

[الصفحة - 196]


والعكس بالعكس؛ لأننا أمام رؤيتين متناقضتين ننظر من خلالهما إلى هاتين الكلمتين اللتين ألغيت ضدتيهما. فالمغنم مغنم ومغرم، والمغرم مغرم ومغنم.
ونجد مثل هذا في قولها ليزيد أيضاً: «ما فريت إلا جلدك، ولا حززت إلا لحمك» (99) ، حيث يكون قتلُ الحسين(ع) فرياً لجلده وحزاً للحمه في عين الدنيا، وفرياً لجلد عدوّه وحزاً للحم ذلك العدو في نظر الآخرة. لقد وحّدت الرؤيتان المتناقضتان دلالة ما تناقض من الكلمات كما فرّقت دلالة ما ائتلف منها. ولنعد إلى النصوص نجد أن كل كلمة قد انقسمت على نفسها لتجر اللغة كلها إلى مثل ذلك الانقسام: النصر، الهزيمة، القتل، السبي، الانتهاك، الانتهاب، الجذل، السرور، الهوان، الكرامة، الصفاء. لكل واحدة دلالتان: واحدة تخصّ آل البيت وأخرى تخص الآخرين. لقد استطاع آل البيت أن يعبروا عن نظرتهم إلى الخطب الذي ألمّ بهم في كربلاء بلغةٍ تخصهم. نطقت بثقافتهم وموقفهم وطبيعة التجربة التي خاضوها. إنها لغة شديدة الخصوصية. وفي ذلك تكمن قيمتها الفنيّة الراقية.
2 - لغة التوابين الخطابية
التقى معجم التوابين مع معجم آل البيت حول حقل الدين‏ (100) ، متدخّلاً مثله في توجيه دلالة سائر المفردات. وكان لهذا المعجم خصوصيته سواء أتعلق الأمر بانتشار كلمات حقل القوة (101)، وما يعنيه من تمسّك بأهدابها خصوصاً بعد أن أفاق الندم من رقدته‏ (102) أم بانتشار كلمات حقل الدنيا التي طالما دفعتهم إلى ربقة ذلك الندم‏ (103). ويدل هذا المعجم على أمرين رئيسين: حرارة الموقف الذي استدعى الكلمات التي تناسبه، وعقدة الذنب التي حكمت سلوكهم ولغتهم. تلك العقدة التي استقطبت مفردات خطابتهم حول مناخها، فجاءت وفق دلالة تخصهم بوصفهم جماعة ترى نفسها في صف آل البيت، وقد دعت الحسين(ع) ثم خذلته حتى قُتل مع جمع من أهل بيته ورجاله فاستبيحت حرمته. وهذه المفردات هي أشبه ما تكون بعناوين تعبر عن همومهم الأساسية في تلك المرحلة: (التوبة، القائد، الذات، العدو، الدنيا، الآخرة، الحق، الجهاد، الشهادة، الحرب، الموت) وإن كنت سأقتصر من بينها على: الذات والتوبة والعدو لأنها قادرة على إعطائنا فكرة واضحة عن لغة التوابين الخطابية في تلك المرحلة.
________________________________________
(99)م.ن، 2/36.
(100)مثل: (ربنا، تزكية، شيعتنا، نبينا، الأبرار، الصديقون، الرشد، السداد، الصواب، التوبة، الجهاد، خلق، حق، اللَّه، المرسلون، رسول اللَّه، ثواب، الآخرة، رضوان، ساع، قائم، قاعد، راكع، ساجد، ذكر، عقوبة، ابتلاء، الذنب).
(101)مثل: (قاتل، الخيل، يجاهد، الجهاد، عواتق، رماح، كف، دم، تبيروا، السيوف، الأسنة، الصبر، السلاح، الحد، يقتلوا، يحفون، تفزعون، الجنود، شوكة، العزيمة، الخروج).
(102)مثل: (أعذر، عذر، ملامة، معذرة، التوبة، همّه، نصح، مشورة).
(103)مثل: (العمر، أخرنا، الدهر، الحلائل، الأبناء، الدنيا، حرثها فيئنا، بلغة، دينار، درهم، تجار، يشترون، ثمناً).

[الصفحة - 197]


كان المطلوب، في بداية الأمر، أن يعي التوّابون ذاتهم. وتجلّى هذا الوعي في حديث سليمان بن صرد: «من كان إنما أخرجته إرادة وجه اللَّه وثواب الآخرة، فذلك منا ونحن منه» (104) الذي اكتشف في أثناء بحثه عن مضمون الخروج(ذات) التوّابين. فليس المهم أن يكون خروجٌ، مع أهمية الخروج بالنسبة إلى من تخاذل يوم الطف ولم يخرج، ولكن المهم أن تكون إرادة وجه اللَّه وثواب الآخرة وراء ذلك الخروج. لقد وضع الخطيب الخروج في آلية الجدل الكبير الدائر ما بين الدنيا والآخرة، حاسماً إياه لصالح الآخرة. ونلمح قباله (أخرجته إرادة اللَّه...) الضدّ (أخرجته إرادة الدنيا...). ولا يمكننا أن نفهم ما رمى إليه سليمان بن صرد إلاّ من خلال تعريضه بالدنيا مميزاً من يكون من التوّابين عمّن لا يكون منهم، ونحس وراء هذه القسمة عقدة الذنب التي أوقعتهم بها الدنيا. ويخصّ تعريفه هذا للذات التوّابية الكوفيين في ذروة الندم الذي عصف بهم بعد مقتل الحسين(ع) دون أية مرحلة أخرى.
وإذا أرادوا لذواتهم أن تكون على هذه الحال، فكيف سيكون سلوكهم؟ تأتي (التوبة) على رأس المفردات التي تخصّ ذلك السلوك. فهل سيكون لهم توبتهم الخاصة، خصوصاً وأنهم قد استقوا اسمهم (صفتهم) منها؟ انتشرت الكلمة بشكل لافت في خطابتهم. وأوّل من طالعنا بها رفاعةُ بن شداد في أثناء تعقيبه على المسيب بن نجبة: «إن اللَّه هداك لأصوب القول، ودعوت إلى أرشد الأمور... دعوت إلى جهاد الفاسقين، وإلى التوبة من الذنب العظيم» (105). يدل كلامه على أنه قد عنى ب (أصوب القول) و(أرشد الأمور) (جهادَ الفاسقين). وهو لم يُعَدِّ دعوة المسيب إلى (جهاد الفاسقين) فقط، بل عدَّاها إلى (التوبة من الذنب العظيم) أيضاً. يعني أن التراكيب جميعها مترادفة تنطوي على حقيقة واحدة هي (السلوك المطلوب) من الكوفيين. وإذا كان(الجهاد) من خلال صيغتي افعل التفضيل: (أصوب) و(أرشد) هو الحقيقة الكبرى الباقية في حياتهم، كانت (التوبة) هي (جهاد الفاسقين) ولا شي‏ء غيره. وهذه التوبة التي تلبست بدلالة الجهاد وقرار الموت ليست أية توبة. إنها التوبة التي لا تنفي سلوكاً فحسب ولكنها التوبة(الكفّارة). وتعطي هذه الدلالة التوبة بعداً شديد الخصوصية لا يتعدى نصوص التوّابين إلى غيرها.
ولا تقوم هذه التوبة عند عبيداللَّه بن عبداللَّه على طمأنينة المستريح إلى باب اللَّه يدقه
________________________________________
(104)سليمان بن صرد في جمهرة خطب العرب، ص 68.
(105)رفاعة بن شداد في م.ن، ص 59.

[الصفحة - 198]


ساعياً إلى عفوه إذ يقول: «فويل للقاتل، وملامة للخاذل. إن اللَّه لم يجعل لقاتله حجة، ولا لخاذله معذرة إلا أن يناصح للَّه في التوبة فيجاهد القاتلين وينابذ القاسطين، فعسى اللَّه عند ذلك أن يقبل التوبة ويقيل العثرة» (106). صحيح أنه ميّز القاتل عن الخاذل، فأقفل باب العفو في وجه الأول وتركه مشرعاً أمام الثاني. إلا أن ذلك بشروط. فلا معذرة للخاذل «إلا أن يناصح للَّه في التوبة». ولا يعني ذلك أن الأمر قد هان، طالما أن باب التوبة مفتوح. الأمر غير ذلك، إذ لم يكتف الخطيب بخصوصية التوبة التي عرفناها عند رفاعة (التوبة/الجهاد) و(التوبة/الكفارة)، ولكنه أمعن أكثر فأكثر في تخصيصها: «فعسى اللَّه عند ذلك أن يقبل التوبة ويقيل العثرة» فهذه التوبة، وإن كانت نصوحاً، إلا أنها لا تحمل على الطمأنينة والرّاحة؛ لأن(عسى) تختزن من احتمالات الرفض بقدر ما تختزنه من احتمالات القبول.
وإذا أرتنا(عسى) حجم الذنب الاحتمالي، فإنها قد أرتنا، في الوقت نفسه، أن هذه التوبة توبة منغّصة بعقدة نفسية مرّة لا تلبث أن تكشف عن نفسها على لسان صخير: «ما لنا خير في صحبة من الدنيا همّتُهُ ونيّتُهُ. أيها الناس: إنما أخرجتنا التوبة من ذنبنا والطلب بدم ابن بنت نبينا» (107). إذ لا تقتصر دلالة (التوبة) على البعد الجهادي التكفيري الذي يقدمه إسناد الفعل(أخرجتنا) إليها. ولكنها تكتسب من النفي الذي يطالعنا به هذا النص أبعاداً أخرى. فالخروج للطلب بدم ابن بنت نبيهم سلوك مضاد لصحبة «من الدنيا همته ونيته» وضدية الخروج المسند إلى التوبة مع الدنيا يكسب التوبة نفسها هذه الضدية لأنها فاعل الخروج. والتوبة العادية لا تعني في أي حال من الأحوال معاداة الدنيا. وحين تكون توبة الكوفيين معادية للدنيا، فإنها توبة خاصة بهم تنطلق من عقدة الذنب التي عرفناها لهم.
والتوبة المعقدة بهذا القدر المتلبسة بالجهاد والتكفير تفترض عدواً له خصوصيته. فما هي الدلالة التي أضفتها خطابتهم على كلمة(عدو).
استخدم التوّابون مفردات كثيرة في تسمية ذلك العدو فهو: المحلّ، والفاسق، والقاسط، والقاتل. وتتناول هذه الكلمات صفات متعددة تشمل مختلف الخصائص التي يراها التوابون لقتلة الإمام الحسين(ع)، وهي خصائص عامة لا تقدم لنا العدو الذي يتوجهون إلى قتاله بلحمه ودمه والجرم الذي ارتكبه، ويستدعي ذلك أن نتوغل أكثر في النص التوّابي لاكتشاف خصوصية ذلك العدو.
________________________________________
(106)عبيداللَّه بن عبداللَّه في م.ن، ص 63.
(107)صخير بن حذيفة في م.ن، ص 68.

[الصفحة - 199]


وصف سليمان بن صرد التوابين قائلاً: «من كان إنما أخرجته إرادة وجه اللَّه وثواب الآخرة فذلك منا ونحن منه» (108) وهو لم يصفهم بالإقبال على الآخرة فحسب، ولكنه وصفهم بالعزوف عن الدنيا أيضاً: «فواللَّه ما نأتي فيئاً نستفيئه ولا غنيمة نغنمها ما خلا رضوان اللَّه ربّ العالمين»(109). وحين يستأنف كلامه قائلاً: «وما هو إلا سيوفنا في عواتقنا، ورماحنا في أكفنا وزاد قدر البلغة إلى لقاء عدونا» (110) إنما يريد أن يوحي إلينا بأن هذا العدو يتصف بصفات مضادة لصفات التوابين حتى لكأنه الدنيا التي يجب أن يُثأر منها. والعدو في نظرهم كما يراه خالد بن سعيد بن نفيل من خلال كلامه: «إن كلَّ ما أصبحت أملكه، سوى سلاحي الذي أقاتل به عدوي، صدقةٌ على المسلمين أقويهم به على قتال القاسطين» (111). عدو ذو أبعاد جديدة. فحين سمّى التوابين(المسلمين) ولم يسمهم (الشيعة) أخرج الصراع من دائرة الفتنة الداخلية ليعطيه أبعاداً جهادية في مواجهة الكافرين. ويعني أن (القاسطين) لم يظلوا في حدود الجور داخل الدائرة الإسلامية، ولكنهم خرجوا من الانتماء الإسلامي إلى انتماء مضاد له؛ لأن ماله «صدقة على المسلمين [يقويهم‏] به على قتال القاسطين» أي غير المسلمين بالطبع.
فهل يعني ذلك أن عدوهم قد تحدد على ضوء مشروع سياسي يعيد السلطة إلى آل البيت؟
تستفيق عقدة الذنب قوية حين يتشاور التوابون في أمر من يتوجهون إلى قتاله أوّلاً، أهو عمر بن سعد الموجود في الكوفة نفسها، أم عبيداللَّه بن زياد؟ حيث يرى سليمان بن صرد أوّلية الخروج إلى ابن مرجانة على حد تعبيره: «فسيروا إلى عدوكم على اسم اللَّه» (112) فهل يعني كلامه هذا أن ابن زياد هو العدو دون عمر بن سعد؟ نعم العدو في نظره هو من يعني قتلُه ثأراً لدم ابن بنت النبي(ص). تتحدّد أبعاده الدلالية على ضوء مشروع التوابين الذي لا يهدف إلى رد أمر الخلافة إلى آل البيت، لأنهم لم يقصدوا يزيد. كما أنه ليس فورة عاطفية تكتفي بعمر بن سعد. قتل ابن زياد يعني الثأر لابن بنت نبيهم(ص). فهو العدو المقصود. يعني أن دلالة كلمة(عدو) متناسبة مع مشروعهم الثأري. وهذه خصوصيّة لا نراها لهذه الكلمة في أي نص ما خلا نصوصهم.
نستنتج مما تقدم أن للتوابين لغتهم الفنيّة الخاصة بهم التي تنتمي إلى ثقافتهم
________________________________________
(108)سليمان بن صرد، م.ن، ص 68.
(109)م.ن، ص.ن.
(110)م.ن، ص.ن.
(111)خالد بن سعد في م.ن، ص 61.
(112)سليمان بن صرد في م.ن، ص 69.

[الصفحة - 200]


وموقفهم والحدث الذي يحاورونه، تماماً كما كان لآل البيت لغتهم الفنية الخاصة بهم.
خاتمة
ومهما يكن من أمر، فإن النتاج الخطابي الذي نجم عن واقعة كربلاء، وإن تغذى بلبان القرآن والحديث والنهج فإنه يتمتع بخصوصية فنيّة تميزه عنها، وتشده إلى المرحلة التي نشأ فيها، وإلى الحدث الذي كان سبباً لوجوده. وينتمي هذا النتاج كما النهج إلى مرحلة التأسيس النثري لكلام المسلمين على ضوء الإسلام.
ولعل أهمية الرجال المؤسسين لذلك النثر: النبي(ص)، وعليّ وغيره من رجالات آل البيت(ع) قد أدّت على نحو ما إلى نجاح الخطابة في أن تكون إسلامية، وأن تكون مختلفة عن الخطابة الجاهلية موضوعاً ولغة فنية، بعكس الشعر الذي لم يستطع أن يتخلص من المثال الجاهلي الذي استمر في الوجود بشكل من الأشكال وبمستوى من المستويات.
وهكذا وجدنا نتاج كربلاء الخطابي إسلامياً برؤيته ولغته. استطاع أن يؤسس لمنهج رؤيوي واضح، يرى في الإسلام قاعدة راسخة تتحدد على أساسها المواقف، وإن قدم فهماً شفافاً للتاريخ يتبيّن على أساسه السداد والاستقامة والارتداد والانحراف. وإذا وقع التوابون فريسة عقدة الذنب التي انتابتهم فكانت رؤيتهم للمستقبل غائمة ترى الأمور من منظار الثأر والتكفير، استطاعت رؤية آل البيت، مع قرب خطابتهم من زمان الحدث أن تتخلص من شائبة الحزن والغيظ وهول المفاجأة وأن تكون واضحة في استيعاب الواقعة، وإدراك أبعادها وما تحمله للمستقبل من مواسم واعدةٍ. سموا الخلافة حقهم، ورأوا في انتصار يزيد هزيمة، وفي قوته ضعفاً، وفي صفاء ملكه عكراً.
ولعل خطابتهم التي عبّرت عن معارك الإسلام المبكرة مع أعدائه الذين تلبسوا بلبوس شتى، كانت التأسيس السليم للرؤية الإسلامية المستقبلية. خصوصاً وأن لغة تلك الخطابة مثّلت عناد الحق في وجه الباطل وعرّت الكلمات من كل ما تحمله من أوهام الرؤية الغائمة التي رأيناها عند التوابين لتجعلها تشف بحساسية متناهية عن صدق الموقف وحرارته. ولذلك وجدنا أنفسنا، ونحن نواجه خطابتهم، نحس بوجود مواجهة قاسية بين
________________________________________

[الصفحة - 201]


لغتين: لغة آل البيت، ولغة الآخرين. حتى لكأن المواجهة العسكرية التي شهدتها كربلاء قد انتقلت إلى جسد الخطاب الكربلائي فجعلت الكلمة الواحدة تنشق على نفسها فهي الحقيقة وهي ضدها، كما أزالت الضدية من بين الكلمات المتناقضة: فالحق والباطل هما الباطل والحق. ولا يُعدُّ ذلك غريباً فكلام آل البيت أول حاشية على هامش ما سطره الحسين(ع) بالدم، كيف لا، وهناك آصرة واضحة النسب ممتدة من وقفة السيدة(ع) في الشام، إلى وقفة الحسين(ع) في كربلاء. وهذا ما أسس لخطابة حمّالة للهموم بعيداً عن كل مظهر من مظاهر الترف التي شهدها غيرها من الفنون الأدبية.
________________________________________

[الصفحة - 202]