البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

في نقد الأسطورة السبئية

الباحث :  الأستاذ إدريس الحسيني
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  3
السنة :  السنة الاولى خريف 1417هج - 1996 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 12 / 2015
عدد زيارات البحث :  1027
في نقد الأسطورة السبئية

الأستاذ إدريس الحسيني (*)

نشرنا، في العددين الأول والثاني من المنهاج، دراسة مطولة عن عبداللَّه بن سبأ للدكتور ابراهيم بيضون، وقد وردتنا هذه المقالة التي تتابع البحث في الموضوع نفسه. و«المنهاج» إذ تفتح صفحاتها لكل إسهام يغني النقاش في هذا الموضوع وفي أي موضوع من الموضوعات الأخرى، تنشر هذه المقالة في مجال متابعة بحث الموضوع.
أقدم كثير من الباحثين على إرجاع التشيع إلى ابن سبأ، الرجل اليهودي الذي أسلم نفاقاً في عهد عثمان بن عفَّان. يقول إحسان إلهي ظهير: «وأما دين الإمامية ومذهب الاثني عشرية فليس مبنياً على تلك الأسس التي وضعتها اليهودية الأثيمة بوساطة عبداللَّه بن سبأ الصنعاني، اليمني، الشهير بابن السوداء (والسوداء أمُّه)..» (1).
ويقول الجبهان: «أمَّا نحن، فإننا نقول إن التشيع نشأ وترعرع في أحضان الماسونية، أما غارسو بذرته الأولى، وواضعو حجره الأول فهم: أولاً، شخصيات يهودية تقمصت الإسلام، مقلوباً. فانقلبت به إلى وحوش كاسرة، وصلال تحمل السم الناقع من أمثال عبداللَّه بن سبأ اليهودي، وكعب الأحبار ووهب بن منبه» (2).
________________________________________
(*)کاتب إسلامي من المغرب.
(1)إحسان إلهي ظهير، الشيعة والسنة، ص 24.
(2)الجبهان، تبديد الظلام، ط1، ص 159.

[الصفحة - 275]


أما ناصر بن عبداللَّه القفاري، صاحب «أصول مذهب الشيعة الاثني عشرية»، فيقول: «والذي أرى أنَّ الشيعة كفكر وعقيدة لم تولد فجأة، بل إنها أخذت طوراً زمنياً، ومرت بمراحل. ولكن طلائع العقيدة الشيعية وأصل أصولها ظهرت على يد السبئية باعتراف كتب الشيعة التي قالت بأن ابن سبأ أول من شهد بالقول بفرض إمامة عليّ..» (3).
وسوف أقتصر، في النقاش، على كتاب «أصول مذهب الشيعة..»، لجمعه تلك الافترءات، ولاشتباهه في الكثير من الأمور في هذا المجال!
نبدأ بقوله: «وقد اتفق القدماء، من أهل السنة والشيعة على السواء، على اعتبار ابن سبأ حقيقة واقعية وشخصية تاريخية، فكيف ينفي ما أجمع عليه الفريقان؟» (4).
هذا الكلام يستدعي إقراراً بإجماع المسلمين على اعتبار ابن سبأ حقيقة تاريخية.. فهل أجمع عليها المؤرخون المعتبرون؟
وتردُّ هذه الشبهة، من طريقين أولهما، يتعلق بما يكسر ذلك الإجماع المزعوم، وهو عدم ذكر البلاذري لأي خلفية شيعية لابن سبأ في أنسابه، وهو ممن تعرض لكل أحداث ما يعرف بالفتنة الكبرى، وهو من المؤرخين المعتبرين. ترى، هل كان ذلك جهلاً منه، أو أنه غض الطَّرف عنها؟ فلو اعتقدنا بجهله ذلك، فكيف يستقيم ادعاءٌ كهذا على مؤرخ كبير، وهو من قرأ في مختلف بطون الأسفار التاريخية. وبناء على ذلك، لن يكون البلاذري إلاّ متجاوزاً لها، نظراً لتهلهلها، وتهدّل محتواها.
وثانيهما، هو أن خبر «عبداللَّه بن سبأ»، لم يرد إلاّ في مصدر آحاد، وهو سيف بن عمر التميمي. وهو أول من قال به. وسيف بن عمر هذا الذي جرحه محدِّثو السنة من أمثال النسائي والبيهقي وغيرهما، يُعدّ مصدره الرئيسي عند كل من قال به بعده.
وإذا كان المؤرِّخون الذين أخذوا به، بتأثير من تاريخ الطبري، فإن الطبري باعترافه أخذه عن سيف بن عمر التميمي. وقبل الاسترسال في بحث هذا الموضوع، نحب أن نستعرض جملة من شهادات بعض علماء أهل السنة
________________________________________
(3)عبد الغفاري، أصول مذهب الشيعة الاثني عشرية، ط1، ج‏1، ص 78.
(4)المصدر نفسه، ج‏1، ص 73.

[الصفحة - 276]


المعاصرين في المسألة.
يقول عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر:
«رأينا في أصل الشيعة: ولكنّا نرى أن السَّبب في نشأة «الشيعة لا يرجع إلى الفرس عند دخولهم في الإسلام، ولا يرجع إلى اليهودية ممثلة في «عبداللَّه بن سبأ»، وإنما هو أقدم من ذلك. فنواته الأولى ترجع إلى شخصية «علي»(رض)، من جانب، وصلته بالرسول(ص) من جانب آخر»(5).
وفي السياق نفسه، يقول:
«أمَّا عبداللَّه بن سبأ، الذي يلصقونه «بالشيعة»، أو يلصقون الشيعة به، فهذه كتب الشيعة بأجمعها تعلن لعنه، والبراءة منه. وأخفّ كلمة تقولها كتب رجال الشيعة في حقه، ويكتفون بها عن ترجمة حاله عند ذكره في حرف العين هكذا: «عبداللَّه بن سبأ ألعن من أن يذكر» (6).
أما د. حفني داود، فيقول:
«ولعل أعظم هذه الأخطاء التاريخية التي أفلتت من زمام هؤلاء الباحثين وغمّ عليهم أمرها فلم يفقهوها ويفطنوا إليها هذه المفتريات التي افتروها على علماء الشيعة، حين لفَّقوا عليهم قصة «عبداللَّه بن سبأ» في ما لفقوه من قصص أشرت إلى بعضها في مؤلفاتي» (7).
وهذا يدل على عدم وقوع إجماع في المسألة، إذ ثمة من قال بها، وهناك من أنكرها، من المتقدمين والمتأخرين!
لقد تطرق كثير من الباحثين إلى شخصية عبداللَّه بن سبأ. ولكن، رغم تكاثر القائلين بها، لم تتوضح تفاصيل شخصيته.. من هو؟ كيف نشأ؟ كيف أقنع الأمصار؟ لماذا لم يعاقبه عثمان ولا حتى معاوية؟ من أبوه، من أمه، من عشيرته؟
كل ما يذكره التاريخ، أنه شخصية لا جذور لها، ولا تفاصيل في أحوالها. فكونه عبداللَّه، لا يفيد شيئاً، ما دام لم يذكر بصيغة ابن كذا أو أبوه كذا..
ويقال عنه «اليماني»، وما أكثر عباد اللَّه من اليمن.. أو السبائي. ويقال عنه ابن السوداء، وما أكثر من أطلق عليهم هذا الوصف. إن كتب التاريخ والسيرة والأنساب، لم تعطنا صورة واضحة عن هذا الرجل، وإذا كان العرب يمعنون ويبالغون في ضبط أنساب من هم أقل شأناً
________________________________________
(5)عبد الحليم محمود، التفكير الفلسفي في الإسلام، ص 166.
(6)المصدر نفسه، ص 176.
(7)د. حفني داود، في مقدمة كتاب «عبداللَّه بن سبأ» للسيد العسكري، ص 18.

[الصفحة - 277]


وأهون حالاً، فكيف لا يفعلون ذلك بالنسبة إلى شخصية كعبد اللَّه بن سبأ، الذي ـ في زعمهم ـ كان وراء أخطر حدث في تاريخ الإسلام، كقتل عثمان وإنشاء التشيع؟!
إضافة إلى ذلك، فإن عبداللَّه بن سبأ هذا، عرف خبره اضطراباً حتى لدى من اعتمده. إنَّ عبداللَّه بن سبأ هذا الذي وجد في أذهان بعض المؤرخين، هو ذلك اليهودي الصنعاني الذي أسلم نفاقاً، وهو ذلك الذي كاد الإمام علي يحرقه.. وهو ذلك الذي اختفى فجأة ولم يسمع له بعد الفتنة ذكر.
غير أن بعض مؤرخي السنة، كانوا قد أطلقوا هذا الإسم على أفراد آخرين. مما يعزز الظن بأن عبداللَّه بن سبأ لم يكن سوى عنوان كبير ينضوي تحته عدة أفراد ومصاديق.. ومن تلك المصاديق، المدعو، عبداللَّه بن وهب الهمداني.
قال المقريزي في خططه: «وقام في زمانه ـ أي علي(رض) ـ عبداللَّه بن وهب بن سبأ المعروف بابن السوداء السبئي، وأحدث القول بوصية رسول اللَّه(ص) لعلي بالإمامة من بعده بالنص، وأحدث القول برجعة علي والنبي وأنه حي وأن فيه الجزء الإلهي، ومن ابن سبأ هذا تشعبت أصناف الغلاة من الرافضة» (8).
فالواضح، هنا، أن عبداللَّه بن وهب ـ ابن سبأ ـ كان هو نفسه ابن السوداء، أي أول من أحدث القول بتلك العقائد المذكورة آنفاً. ويترتب على ذلك، أن باقي السبئيين هم أتباعه.
يقول ابن حجر في تبصير المنتبه: «السبئي طائفة منهم عبداللَّه بن وهب السبئي» (9). فهل كان ابن سبأ زعيم السبئية أم رجلاً واحداً منهم؟! طبعاً الأمر هنا على درجة من الغموض، حسب عبارة ابن حجر. ولكن حتى نخرج من هذا الغموض، نقول بترجيح كون ابن سبأ هذا له أتباع سبئيون. فمن هم هؤلاء الاتباع الذين راحوا وراء عبداللَّه بن سبأ ووجدوا في تبشيره ما يشد أعناقهم إلى الفتنة!
يقول مؤرخو أهل السنة، إنهم قوم من الصحابة. غير أن قوماً من السلفية تداركوا ذلك الموقف وأسقطوه، بطريقة وعظية لا مجال فيها للتحليل. ونلاحظ أن ابن حجر آنفاً، يؤكد على أن هناك أكثر من سبئي.. افترضنا أنهم كلهم اتباع عبداللَّه
________________________________________
(8)المقريزي، الخطط، ج‏2، ص 323.
(9)المصدر نفسه.

[الصفحة - 278]


بن سبأ. فمن هم السبئيون اتباع عبداللَّه السبئي هذا؟
يقول ابن خلدون: «إلاّ عماراً، فإنه استماله قوم من الأشرار انقطعوا إليه، منهم عبداللَّه بن سبأ، ويعرف بابن السوداء كان يكثر الطعن على عثمان ويدعو في السر لأهل البيت، ويقول: إن محمداً يرجع كما يرجع عيسى» (10).
ويذكر البلاذري أيضاً: «وأما حجر بن عدي الكندي وعمرو بن الحمق الخزاعي وحبة بن جوين البجلي ثم العرني، وعبداللَّه بن وهب الهمداني، وهو ابن سبأ، فإنهم أتوا عليّاً فسألوه عن أبي بكر وعمر» (11).
ويذكر ابن خلدون في مورد آخر: «وكان ابن سبأ يأتيه ـ أي أبا ذر ـ فيغريه بمعاوية، ويعيب قوله: المال مال اللَّه حتى عتب أبو ذر في ذلك معاوية وجاء به عبادة إلى معاوية وقال: هذا الذي بعث عليك أبا ذرّ» (12).
من خلال هذه الشهادات التاريخية عند العامة. سوف نقع حقيقة في التجني والطعن في بعض الصحابة الأجلاء. لقد تبين من خلال ذلك أن فرقة السبئي واتباعه، تتألف من: عمار بن ياسر ـ وأبي ذر الغفاري، وحجر بن عدي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، ومحمد بن أبي بكر ومالك الأشتر ومحمد بن أبي حذيفة.
ولقد ذكر بعض الباحثين أن ابن سبأ، إنما هو اسم أطلقه الجهاز الأموي على عمار بن ياسر. وذلك لمجموعة قرائن، فابن ياسر، هو عمار بن ياسر العنسي السبائي، من سبأ، وكان عثمان قد أطلق عليه اسم «ابن السوداء» في قوله الشهير: «ويلي على ابن السوداء»، وقد كان عمار بن ياسر من أكبر الدعاة إلى علي بن أبي طالب في زمن عثمان.
إن ابن سبأ، كما تصوره بعض الباحثين، كان يدعو إلى ألوهية علي ابن أبي طالب. ومن القائلين بالرجعة. غير أن ابن سبأ الذي اعتبره البلاذري وابن حجر وغيرهما، «ابن وهب» كان خارجياً..
ذكر الذهبي في المشتبه: «وعبداللَّه بن وهب السبئي رأس الخوارج». ويقول أيضاً: «وفيها كانت وقعة النهروان بين علي والخوارج فقتل رأس الخوارج عبداللَّه بن وهب السبائي» (13).
وفي «تبصرة المنتبه» لابن حجر:
________________________________________
(10)تاريخ ابن خلدون، ج‏4، ص 1027.
(11)البلاذري، أنساب الأشراف، مؤسسة الأعلمي، بيروت سنة 1394، ج‏2، ص 383.
(12)تاريخ ابن خلدون، ج‏4، ص 1028 و1029.
(13)ابن سبأ وأساطير أخرى، ج‏2، ص 322.

[الصفحة - 279]


«السبئي طائفة منهم عبداللَّه بن وهب السبئي رأس الخوارج» (14). وإذا كان عبداللَّه بن وهب رأس الخوارج، وهم من كفّر علياً(ع) وقتله، فكيف يكفِّر هؤلاء إلههم وكيف يقتلونه بعد أن زعموا أنه لن يموت؟!
لقد ذكر ابن خلدون، أن عمار بن ياسر، كان يقول بالرجعة والوصية. ثم ذكر أنه أخذها عن ابن سبأ. وتقول كتب التاريخ السنية أن هذا الأخير، هو عبداللَّه بن وهب. وتبين أن هذا الأخير ممن حارب علياً(ع) وقُتل بالنهروان. فيترتب على ذلك أنّ عماراً قال بالوصية ودعا إليها. فأطلق عليه عثمان بعد ذلك «ابن السوداء» نبزاً لأمه. ولأن عماراً من سبأ، سمي ابن سبأ وابن السوداء.
ويأتي صاحب «أصول مذهب الشيعة» ويقول: «وقد اتفق القدماء من أهل السنة والشيعة على السواء، على اعتبار ابن سبأ حقيقة واقعية وشخصية تاريخية، فكيف ينفي ما أجمع عليه الفريقان»(15).
ثم يبدأ الكاتب في استعراض بعض مصادر الشيعة التي ذكرت ابن سبأ، وهو في ذلك لم يفعل سوى أن نقل عن سلفيه، إحسان إلهي ظهير، والجبهان. وسوف نعالج تلك الشبهة بأعمق من هذا العرض.
لقد اعتمد الكاتب رواية «الكشي»، قائلاً: قال الكشي، بعد ذكر تلك الروايات ذكر أهل العلم أن عبداللَّه بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى عليّاً، وكان يقول، وهو على يهوديته، في يوشع بن نون: وصي موسى، بالغلو. فقال في إسلامه بعد وفاة رسول اللَّه(ص) ـ في عليّ(رض) ـ مثل ذلك. وكان أول من شهد بالقول بفرض إمامة عليّ وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وكفرهم، فمن هاهنا قال من خالف الشيعة: أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية» (16).
ويقول بعدها: «ثم إن هذه الروايات الستّ كلها جاءت في رجال الكشي، والذي يعتبرونه أحد الأصول الأربعة التي عليها المعول في تراجم الرجال» (17). هنا يوجد خلط بين ثقة الرجل وصحة الرواية! فكلام الكشي يثبت أن الشيعة وقعوا ضحية ما شاع حول
________________________________________
(14)المصدر نفسه.
(15)ناصر بن عبداللَّه الغفاري، أصول مذهب الشيعة، ج‏1، ص 73.
(16)المصدر نفسه، ج‏1، ص 75.
(17)المصدر نفسه.

[الصفحة - 280]


الرجل. غير أن الكاتب يأبى إلاّ أن يلوي عنقها ليجعلها وثيقة واقعة في خط الاتهامات التي تحاك ضد الشيعة من كونهم اتباع عبداللَّه بن سبأ. واعترض على هذا المنطق بأكثر من دليل..
أولاً: استحضار وجهة النظر الشيعية في قضية ابن سبأ، لا بد أن تكون عملية شاملة تعبر عن وجهة النظر الشيعية العامة!
ثانياً: وجود هكذا رواية في رجال الكشي، فضلاً عن أنها لا تثبت مدَّعى الكاتب، لا يدل مطلقاً على صحة الرواية، خصوصاً إذا اعتبرنا مدى صحتها من ضعفها.
في الملاحظة الأولى، لا بد أن نقول، إن رواية الكشي لا تعبر عن وجهة النظر الشيعية كلها. ذلك أن الكتب الأربعة المعتمدة لم ترو الأحاديث الخمسة التي رواها الكشي. مع أن رجال الكشي كانوا من المشهورين. هذا فضلاً عن أن في كتب الشيعة روايات عن عبداللَّه بن سبأ تخالف، ما رواه الكشي، بل بل تناقضه. لقد رُوي عن أبي عبداللَّه عن آبائه(ع) أن عليّاً(ع) قال: «إذا فرغ أحدكم من الصلاة فليرفع يديه إلى السماء ولينصب في الدعاء».
فقال ابن سبأ: «يا أمير المؤمنين أليس اللَّه في كل مكان؟».
فقال: بلى.
قال: فلم يرفع يديه إلى السماء؟
قال: أما تقرأ في القرآن: {وفي السماء رزقكم وما توعدون} ، فمن أين يطلب الرزق؟ إلا من موضعه، وموضع الرزق وما وعد اللَّه السماء»Bع‏1(Bع‏81" Type=""/>.
وعن المسيب بن نجبة قال: «قد جاء رجل إلى أمير المؤمنين(ع) ومعه رجل يقال له: «ابن السوداء» فقال: «إن هذا يكذب على اللَّه وعلى رسوله ويستشهدك!» فقال(ع):
«لقد أعرض وأطول، يقول ماذا؟» فقال:
«يذكر جيش الغضب»، فقال:
«خلّ سبيل الرجل» أولئك قوم يأتون في آخر الزمان» (19).
إن هذه الروايات الواردة في كتب القوم معتبرة، ومناقضة لما جاء في الروايات المذكورة في رجال الكشي وغيرها. فمن جهة تثبت أن الإمام
________________________________________
(19)غيبة النعماني، ص 167 و168.

[الصفحة - 281]


علي(ع)، قد نزّه الرجل وأطلق سراحه وهو يخالف ما ثبت في رواياتهم أنّه أحرقه وأصحابه. وتناقضها من جهة أن عبداللَّه بن سبأ هنا ظهر رجلاً منزهاً للخالق، ومعترضاً على الإمام علي(ع) إمعاناً منه في التنزيه.
فإذا أردنا أن نعمم البرهان، كيف يستقيم الأمر مع كل هذه الروايات المضطربة متناً وسنداً. حيث يظهر عبداللَّه بن سبأ في صور مختلفة.. مرة مغالياً ومؤلّها لعلي بن أبي طالب(ع)، ومرة يظهر ناقماً ومحارباً له(ع) ورأس الخوارج.. وتارة أخرى مؤمناً منزّهاً؟! وأحياناً يظهر من خلال الروايات، أنه قتل في النهروان.. وأحياناً أخرى، ينفى إلى المدائن وثالثة لم يُعَب كما في الرواية الأخيرة.. ورابعة أحرق في من أحرقوا بالنار؟!
هذا الاضطراب يدعو إلى التريث وعدم الاستعجال. ويكسر شهرة الرواية وذيوعها.
أما المسألة الثانية، في مجرى ملاحظاتنا على الموضوع فهي أن وجود مثل هذه الروايات في رجال الكشي لا يدل على صحتها المطلقة. كما أن ضعفها لا يخدش في نزاهة المحدث.
وقد سبق أن ذكرنا أن الكتب الأربعة لم ترد فيها روايات الكشي الخمس.. وهذا يدل على أن مصادرها في رجال الكشي لم تكن شيعية.. بل إنها تشبه روايات الطبري المنقولة عن سيف بن عمر التميمي.
ولا يمكن الادعاء أن «الكشي» كان سبّاقاً ولا غير ناقل لتلك الرواية. وقد كان من معاصري الكشي قوم قالوا بتلك الروايات، كابن قولويه (369هـ) وبعد ذلك أصبح الكشي مصدراً لها في من أتى بعده من تلامذته. والذين قالوا بها عند الشيعة إنما أخذوا بها من أقدم مصنف في الرجال، وهو رجال الكشي. يقول السيد مرتضى العسكري:
«ومن ثم انتشرت روايات رجال الكشي عن ابن سبأ في كتب الرجال ورمزوا إليه بـ(كش)، ومنه أخذ ترجمة ابن سبأ كل من جاء بعده من علماء الرجال، مثل التفرشي الذي نقل إحدى رواياته بترجمة عبداللَّه بن سبأ من كتابه نقد الرجال الذي ألّفه سنة (1015هـ) ورمز إليه بـ(كش). والأردبيلي(...) ومن أهل
________________________________________

[الصفحة - 282]


الحديث، أخرج المجلسي (1110هـ) الروايات الخمسة والخبر الأخير عن الكشي في موسوعته الحديثية البحار و.. و..» (20).
ويعترف صاحب كتاب «أصول الشيعة الاثني عشرية» بأنه اعتمد في مجمل ما ذكره على تهذيب الطوسي، إذ قال: «وما نقلناه عن الكشي هو من تهذيب الطوسي واختياره لأن الأصل ـ كما يقولون ـ مفقود لا يعرف له أثر» (21).
هذا فضلاً عن أن الكشي كان يروي عن الضعاف. وهو عند الشيعة ليس كما اعتبره الكاتب. إنه ثقة، أي نعم، لكنه يروي عن الضعفاء أحياناً.
يقول النجاشي بترجمة الكشي من رجاله: «الكشي أبو عمرو، كان ثقة عينا، روى عن الضعفاء كثيراً، وصحب العياشي وأخذ عنه وتخرج عليه، له كتاب الرجال، كثير العلم وفيه أغلاط كثيرة»(22).
وكان يروي عن أهل السنة، ومنهم أخذ رواية عبداللَّه بن سبأ، يقول الشيخ أبو علي الحائري: «محمد بن عمر أقول: ذكر جملةً من مشايخنا أن كتاب رجاله المذكور كان جامعاً لرواة العامة والخاصة خالطاً بعضهم ببعض، فعمد إليه شيخ الطائفة، طاب مضجعه، فلخصه وأسقط منه الفضلات» (24).
إن غاية ما نصبو إليه، وزيدة بحثنا في الموضوع، هو العمل على دحض الفكرة القائلة بالأصل السبئي للتشيع.
فالتشيُّع يعود، في أصوله، إلى فرقةٍ عايشها الإمام علي(ع) وأئمة أهل البيت(ع)، وكانت تشكل مدرسة قائمة لها جذورها في عمق التربة الرسالية، ولها مرتكزاتها في بيت النبوة.
لقد اكتظت رفوف المكتبات والخزانات بما يخرس كالألسنة في إثبات الأصل النبويّ للتشيع، وذكرنا بعضاً من ذلك في مؤلفاتنا السابقة، فما يمكن قوله هو أن علياً(ع) وليس عبداللَّه بن سبأ، هو إمام الشيعة وملهمهم!
________________________________________
(20)عبداللَّه بن سبأ، ج‏2، ص 178.
(21)أصول مذهب الشيعة، ج‏1، ص 76.
(22)رجال النجاشي، ترجمة الكشي، ص 288.
(23)الحائري، منتهى المقال، ص 18.
(24)رجال النجاشي، ترجمة محمد بن مسعود العياشي.

[الصفحة - 283]