البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

دور الأمويين في تصفية المعارضة الشيعية

الباحث :  د.سهيل زكَّار
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  1
السنة :  السنة الاولى ربيع 1416هج - 1996 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 9 / 2015
عدد زيارات البحث :  2824
دور الأمويين في تصفية المعارضة الشيعية

د.سهيل زكَّار (*)

يستلزم البحث في «دور الأمويين في تصفية المعارضة الشيعية» كتابة ما لا يقل عن مقدمتين، تبحث الأولى في استيلاء الأمويين على الخلافة، وتهتم الثانية بنشوء المعارضة الشيعية.
وسيكون الحديث عن قيام الدولة الأموية طويلاً؛ الأمر الذي لا يسمح به المقام. ومع ذلك لا بدَّ من توضيح بعض النقاط حتى نفهم خلفيات بطش رجالات الدولة الأموية: سفيانييِّن ومروانييِّن بممثلي المعارضة الشيعية بلا رحمة، وإصرارهم على لعن الإمام علي (ع) على المنابر، علماً أنهم لم يلعنوا لا الخوارج ولا أفراد أي حزب معارض آخر.
المسألة هنا مرتبطة بالمواريث والجغرافيا والحفاظ على الملك المغتصب بأي ثمن. لقد تزعم الأمويون معارضة قيام الإسلام، وكانوا أشد الناس عداوة للنبيّ(ص) ولآله. قتل بعضهم في بدر على أيدي الإمام علي(ع) وعمه حمزة(رض)، وأسلم من ظلّ حيا منهم يوم فتح مكة لا عن طواعية وقناعة.
ووصلوا إلى السلطة عن طريق ولاية الشام ذات المواريث المسيحية البيزنطية، وتذرعوا بكلِّ عذر للانتقام، هم ورجال إدارتهم مثل منصور بن سرجون، من الإسلام ومن آل البيت، فاستباحوا الحرمات في كربلاء والحرة وحصار مكة وغير ذلك من مناسبات.
لقد حاول الأمويون، خلال قرن من الزمان، الوصول إلى الاعتراف بشرعية الأمر الواقع، فأخفقوا وزالوا من دون أن يخلفوا وراءهم أية قواعد أو جذور.
________________________________________
(*)أستاذ في جامعة دمشق.

[الصفحة - 207]


تباينت الآراء حول تاريخ نشوء حزب الشيعة ومن أنشأه، وأين نشأ، والأدوار التي مرّ بها خلال التاريخ. ويمكن القول: «إن أول من وضع بذرة التشيّع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة» (1) على أساس أن الدعوة الإسلامية مثلت في مكة حركة معارضة للنظام الذي سيطر عليه تجار بني أمية وغيرهم من سادة قريش.
وارتبط التشيع ظهوراً بالإمام علي بن أبي طالب(ع)، ابن عم النبي(ص)، وربيبه، وصهره ووالد سبطيه.
فقد كان الإمام علي(ع) أول فتى يعتنق الإسلام، وعاش سنوات الدعوة في مكة، ولازم ابن عمه(ص) بلا انقطاع، فنهل من ينابيع الإسلام الصافية، وكان أكثر الناهلين وأوعبهم، ويوم قرر النبي(ص) الهجرة بات في فراشه، معرِّضاً حياته للقتل. ولقد اتصف الإمام علي بالشجاعة المطلقة وبالصفاء العقائدي، واجتمع في شخصه العلم ومعرفة الإسلام مع النباهة والفتوة والجسد القوي المعافى. وبعد الهجرة إلى مكة آخى النبي(ص) بينه وبينه.
وظهر في المدينة المنورة مفهوم الأمة الإسلامية، وولد مع هذا المفهوم مفهوم آل البيت، وكان النبي(ص) سيد الأمة ورأس آل البيت، وكان الإمام علي(ع) الثاني بعده في آل البيت. الإمام علي(ع) النموذج الكامل للشخصية المسلمة. لهذا كان من الطبيعي أن يتعلق به بعض المسلمين، ويرون فيه استمرار الرِّسالة، بعد انتقال النبي(ص) إلى الرفيق الأعلى.
ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أن النظام الذي كان يتحكم بمكة، وإن هزم يوم فتحها، لم يزل من الوجود، بل حافظ على اعتباره واندس ببراعة داخل صفوف الدولة الناشئة التي احتاجت إلى الكوادر الإدارية والقيادية. وفي الإدارة كسب الأمويون المال والجاه فتهيأت أمامهم الفرص للوثوب على السلطة واغتصابها.
توفي النبي(ص)، وانشغل الإمام علي مع آله بالمصيبة وبتجهيزه. وفي تلك الساعات كانت حوادث اجتماع سقيفة بني ساعدة. ففي هذا الاجتماع تمكن الصحابة: أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة من إحباط خطط الأنصار بالاستيلاء على
________________________________________
(1)محمد حسين آل كاشف الغطاء، أصل الشيعة وأصولها، ط. بيروت (ب ـ ت)، ص 87.

[الصفحة - 208]


السلطة وفرض «واقع أنصاري» بحلٍّ مماثل فرض «واقعاً قرشياً» أوجد مؤسسة الخلافة، لكن من دون شورى كاملة في المسجد كما قضت القاعدة.
وفوجى‏ء الإمام علي(ع) بما حدث، وسكت عنه لأن مصلحة الأمة اقتضت ذلك بسبب تفجُّر حروب الردة. المهمّ الآن عاد آل البيت بزعامة الإمام علي(ع) إلى حال المعارضة، ولئن أفلح النبي(ص) في حكم الأمة كلها لسنوات قصار بعد فتح مكة، لم يتمكن أحد من آل البيت من حكمها كلها بعده، وظلَّ الشيعة يقودون المعارضة المنادية بالإصلاح والعودة إلى المنهج المحمدي.
كانت ولاية أبي بكر قصيرة، وقد عهد أبو بكر بالخلافة من بعده لعمر بن الخطاب. وفي أيام عمر بن الخطاب حدثت تطورات سياسية كبيرة، حيث بات العرب يقبلون بمبدأ توريث السلطة، ولهذا أخذ الناس يتمنون على عمر تسمية ولي عهد له، لكنه تردد بعدما استعرض أسماء أبرز المرشحين، وبعدما رأى علي بن أبي طالب(ع) أجدرهم وأكثرهم أهلية.
ويلاحظ أن عدد أفراد آل البيت كان صغيراً في هذه الآونة مقارنة ببقية أسر قريش لا سيما بني أمية وبني مخزوم، وبعد نجاح حركة الفتوحات بات رجال هاتين العشيرتين الولاة والقادة، أي الطبقة الحاكمة. وبحكم هذا الواقع الجديد مارسوا نفوذاً واسعاً على سكان الأمصار الإسلامية الجديدة، ولاقوا، في الوقت نفسه، معارضة شديدة.
ولدى قراءتي مخطوط كتاب «أنساب الأشراف» دهشت لحجم الثروات التي تجمعت في أيدي رجال الطبقة الحاكمة الجديدة. ومن أخبار هذا الكتاب ومصادر أخرى رأيت أن جميع ولاة عمر بن الخطاب وقادته قد اتهموا باستغلال موارد الدولة وتصرفوا بها، ولم يملك الخليفة على صرامته وحزمه سوى سلاح العزل أو مقاسمة الثروة أو المصادرة. وقد فعل هذا مع كثيرين، ولم ينج منه حتى خالد بن الوليد (2) .
تمركز جند الفتوحات، أيام الخليفة عمر بن الخطاب، في البصرة والكوفة في العراق، والجابية وحمص في الشام والفسطاط في مصر، وأراد الجند
________________________________________
(2)تاريخ دمشق لابن عساكر (مخطوطة الظاهرية) ج‏5، ورقة 281؛ بغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم، ط. دمشق 1988، ج‏7. ص 3157 ـ 3160.

[الصفحة - 209]


إسماع أصواتهم حول إدارة الدولة ومستقبل السلطة. ويرى بعضهم في عدم تسمية عمر بن الخطاب لعلي بن أبي طالب(ع) خليفة من بعده وأخذه بحل شورى الستة مخرجاً في مواجهة المعارضة المحتملة (3) .
اغتيل الخليفة عمر بن الخطاب، واجتمع رجال الشورى بعده. وبعد مناورات سياسية جرى اختيار عثمان بن عفان خليفة (4) ، ووصف ابن عباس ولاية عثمان وسيرته بقوله: «فعمل بعمل صاحبية ستاً لا يخرم شيئاً إلى ست سنين، ثم إن الشيخ رق وضعف فغلب على أمره» (5) .
وأوضح ابن الأعثم الكوفي هذا الوصف الموجز بقوله: «لما صار الأمر إلى عثمان بن عفان، واجتمع إليه الناس، أرسل إلى عمال عمر بن الخطاب، فأقرهم على أعمالهم التي هم عليها مدة يسيرة من ولايته، ثم إنه بعث إليهم فعزلهم عن الأعمال، وجعل يقدم أهل بيته وبني عمه من بني أمية، فولاهم الولايات،... ثم كثر المال عليه، فكان كلما اجتمع عنده شي‏ء من ذلك يفرِّقه... حتى كان يأمر للرجل الواحد بمائة ألف درهم، ثم قدم عليه عبداللَّه بن خالد بن أسيد بن أبي العاص فوصله بثلاثمائة ألف درهم، ثم بعث إلى الحكم بن أبي العاص فرده إلى المدينة، وهو طريد رسول اللَّه، ثم وصله بمائة ألف درهم من بيت مال المسلمين، وجعل له خمس إفريقية» (6) .
ويلاحظ أن عدم الرضا المكتوم للإمام علي(ع) ولمن التف حوله خرج إلى المجاهرة يوم نجح عثمان بتولي الخلافة، فقد خاطب الإمام علي عبد الرحمن بن عوف بقوله: «ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } والله ما وليت عثمان إلاّ ليرد الأمر إليك. وقال المقداد بن الأسود: «يا عبد الرحمن، أما واللَّه لقد تركته من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون... ما رأيت مثل ما أوتي أهل هذا البيت بعد نبيهم، إني لأعجب من قريش، إنهم تركوا رجلاً ما أقول أن أحداً أعلم ولا أقضى منه بالعدل»، واتخذ عمار بن ياسر الموقف نفسه‏ (7) ، وبناء على هذا يمكننا أن نعدّ الساعة
________________________________________
(3)المغازي النبوية للإمام الزهري، ط. دمشق 1981، ص 143 ـ 146.
(4)الزهري، المصدر نفسه، ص 168 ـ 173.
(5)الزهري، المصدر نفسه، ص 169.
(6)الفتوح لابن الأعثم الكوفي، ط. بيروت 1992، ص 806.
(7)تاريخ الطبري، ط. دار المعارف، القاهرة، ج‏4، ص 232 ـ 233.

[الصفحة - 210]


التي وصل فيها عثمان إلى الخلافة ساعة إعلان قيام الحزب الشيعي بمثابة حزب معارض للسلطة القائمة.
وفي أيام عثمان باتت موارد الأمة وثرواتها نهباً بين رجال بني أمية وحلفائهم، ولم يتورع والي العراق عن القول: إن سواد العراق بستان قريش‏ (8) . وجهر المسلمون بالشكوى، وقد مثلها بالشام أبو ذر الغفاري، فكان نصيبه طرده من الشام، ثم نفيه إلى الربذة. وظهرت بوادر للعصيان في مصر، واضطربت الأحوال بالكوفة لأسباب كثيرة تصدرها إقدام عثمان على إلحاق ولاية الجزيرة بمعاوية بن أبي سفيان والي الشام، وبذلك جعل موارد جند الكوفة رهن تصرف معاوية.
وقادت هذه الأحداث إلى البحث عن مخرج، وضغط الشاكون على عثمان، فالتجأ إلى الإمام علي(ع) وأعلن أنه سيغير سياسته ويصلحها، وطلب من الإمام علي كفالته، لكن هذا لم يثمر، فكانت أحداث الفتنة الكبرى ومقتل عثمان. وكان المسلمون أثناء الأزمة قد وصلوا إلى قناعات أن علي بن أبي طالب(ع) وحده القادر على إعادة الأمور إلى نصابها وإصلاح ما فسد وتقويم الإعوجاج، لكن الأوضاع الحقيقية كانت جد فادحة، فقد وضح أثناء حوادث الفتنة الكبرى أن سيطرة الخليفة كانت شبه منعدمة على ولاته وعلى زعماء الجند في الأمصار، وأن النزعات الاستقلالية والطموح إلى السلطة ظهرت عند الولاة وعند قادة الجند، وكذلك عند الأحياء من الصحابة العشرة وسواهم.
تسلم الإمام علي(ع) مقاليد الخلافة وسعى إلى إيجاد الحلول لجميع المشاكل، فحرم من الفرص، وفُرض عليه خوض الحروب الأهلية في الجمل، وصفين والنهروان. وقد اعتمد خلال هذا كله على قبائل الكوفة الممزقة بفعل العصبيات القبلية وغير ذلك، ومع هذا ارتبط تاريخ التشيع خلال العصر الأموي بمدينة الكوفة إلى أبعد الحدود.
والكوفة مدينة تأسست في العراق مع نجاح حركة الفتوحات العربية في العراق، وقامت في البداية على شكل معسكر للجند، أو بعبارة أصح: على شكل
________________________________________
(8)فتوح ابن الأعثم، مصدر سابق، ص 806.

[الصفحة - 211]


مضارب خيم وأكواخ لقبائل الجند، وكان ذلك قبل سنة 17 هر 638 م. وكان قرابة نصف الجند الذين استقروا بالكوفة من القبائل القيسية والبقية من القبائل التي ساندت الإمام علي(ع).
وبالمقابل اتخذت القبائل القيسية موقفاً معادياً، والتحق بعض زعمائها بمعاوية، ونخص هنا بالذكر زُفر بن الحارث زعيم قبائل كلاب.
ولا شك أنه يمكننا، من خلال دراسة الصراع بين اليمانية والقيسية، أن نفهم مصائر حركات المعارضة الشيعية خلال العصر الأموي، ولا شك أن المسألة القبلية كانت وراء الحيلولة بين الإمام علي(ع) وإحراز النصر في صفين، ثم في إخفاق التحكيم، وفي قيادة حملة جديدة ضد معاوية إلى حادث اغتياله في مسجد الكوفة.
وشهدت أرض الكوفة جميع الحركات الشيعية التي استهدفت تغيير السلطة الأموية بوساطة السلاح، ولا شك أن هذه الحركات قد طورت حزب الشيعة وحوّلته من حركة سياسية محصنة لها أسبابها الاقتصادية والاجتماعية إلى حركة ذات محتوى عقائدي وديني.
ومعروف أن الوسط الذي قامت فيه مدينة الكوفة كان وسطاً عميق الجذور في التاريخ، له مواريث بابل وغيرها.
وعندما تحولت الكوفة من معسكر إلى مدينة سكنها الناس من أهل العراق والأمصار المفتوحة، ولا شك أن هؤلاء أثَّروا في الجند وبهم تأثروا، وستظهر بواكير المؤثرات الجديدة في حركة التوابين، ثم أكثر في حركة المختار بن أبي عبيد الثقفي المعروفة باسم «الكيسانية».
بايع أهل الكوفة الحسن بن علي(ع) بعد وفاة أبيه، واضطر الحسن إلى مصالحة معاوية بن أبي سفيان والتخلي عن الخلافة.
وبعد استلام معاوية للسلطة ومغادرة أبناء الإمام علي(ع) العراق إلى الحجاز، هدأت الأمور بعض الشي‏ء، لكن لم تتوقف الزعامات القبلية الموالية للإمام علي(ع) عن تبادل الزيارات والاجتماع لاستعراض الأمور، والشكوى ضد تجاوزات السلطة
________________________________________

[الصفحة - 212]


الأموية وإصرارها على لعن الإمام علي(ع) على المنابر، وحكم العراق بالحديد والنار وبعثرة الأموال والظلم والعدوان. ويمكن أن نصف هذا كله ببداية تكوين لتنظيم سري للمعارضة الشيعية في الكوفة، لكن بمعزل عن المشاركة المباشرة أو الإشراف من قبل أبناء الإمام علي بن أبي طالب(ع) (9) .
ويبدو أن بيوت مدينة الكوفة كانت متلاصقة، وربما كانت غرفها بلا أبواب‏ (10) . ولم يكن من الصعب أن يعرف كل إنسان ما يجري في البيوت المجاورة، أي أن المدينة انعدمت فيها السرية، وأسهم في هذا الوضع القبلي ووشائج القربى والمصاهرات، ولأن الأحياء كانت قبلية سهل التعرف إلى الغرباء والمارة.
ولذلك تيسر للسلطات الأموية الاطلاع يوميا على مختلف تفاصيل الحياة في الكوفة، ومعرفة أوصاف جميع الغرباء الذين وفدوا على المدينة مع أماكن استقرارهم وأسماء الذين التقوا بهم حتى أنهم عرفوا تفاصيل الأحاديث والنوايا، ومنح هذا حكام بني أمية القدرة على رصد تحركات الشيعة بكل دقة لهذه الأسباب ولعوامل أخرى يلاحظ أنَّ الثورات التي تفجرت في الكوفة تحت لواء التشيع، قامت في الأوقات التي اضطربت فيها الأحوال في بلاد الشام حاضرة الدولة الأموية.
حركة حجر بن عديٍّ وأصحابه:
وكانت أهم الثورات الشيعية هي: ثورة الحسين بن علي(ع) مع فاجعة كربلاء، ثورة التوابين، حركة الكيسانية بزعامة المختار بن أبي عبيد، وثورة زيد بن علي بن الحسين. وكان لهذا مقدمات في أيام معاوية أبرزها اعتقال حجر بن عدي الكندي وإرساله مع رفاقه إلى الشام وإعدامهم.
وكان حجر بن عدي صحابياً من زعماء قبائل كندة، شارك في فتوح الشام تحت لواء خالد بن الوليد، ثم عاد إلى العراق بعد اليرموك واستقر بالكوفة. وبعد أحداث الفتنة الكبرى ارتبط بإيمان بالإمام علي(ع)، وحافظ على
________________________________________
(9)الحسين بن علي وحجر بن عدي لابن العديم، ط. دمشق 1989، ص 141 ـ 147.
(10)تاريخ الطبري، ج‏4، ص 69 ـ 72، كما يستفاد من الرواية الخاصَّة بالمغيرة بن شعبة واتهامه بالزنا.

[الصفحة - 213]


إخلاصه لقضيته، فكان أن عارض بشدة إقدام الحسن بن علي(ع) على التصالح مع معاوية.
روى البلاذري أن حجر بن عدي لم يزل: «منكراً على الحسن بن علي صلحه، فكان يعذله على ذلك ويقول: تركت القتال ومعك أربعون ألفاً ذوو نيات وبصائر في قتال عدوك» (11) . وكان معاوية قد أسند أولاً ولاية الكوفة إلى المغيرة بن شعبة، وقد مكث المغيرة في منصبه تسع سنوات، لم يتوقف خلالها حجر بن عدي عن النيل من معاوية وعدّه مغتصباً للخلافة.
وتمكَّن المغيرة، بصبره وحبه للعافية، من تجنب الصدام مع حجر وشيعة الكوفة، ثم إن نشاط هؤلاء لم يتعد الكلام إلى الأفعال. لكن بعد وفاة المغيرة تبدلت الأحوال، فقد أسند معاوية ولايتها ـ إلى زياد بن أبيه.
مارس ابن أبيه سياسة عنيفة جداً بالكوفة، ونال في خطبه وأحاديثه من الإمام علي ابن أبي طالب وآله(ع). وسعى، في الوقت نفسه، إلى استمالة حجر ومهادنته حيث قال له: «يا أبا عبد الرحمن إن الأمر الذي كنا فيه مع علي كان باطلاً، وإنما الأمر ما نحن فيه الآن» (12) .
لم يهادن حجر زياد، وتمسك بمواقفه في تعلقه بالإمام علي وآله(ع) ورفضه لمعاوية، فتهدده زياد وضغط عليه، وكان من عادة زياد إمضاء ستة أشهر من كل سنة في البصرة والبقية في الكوفة، واعتاد المعارضون «الشيعة» (13) على التردد على بيت حجر، أو الاجتماع في المسجد «فيذمون معاوية ويشتمونه، ويذكرون زياداً فيتنقصونه» (14) .
وقبل أن يصل الحال إلى الثورة اعتقل زياد حجراً وأصحابه الكبار، ولم يتجرأ على البطش بهم بل بعث بهم إلى معاوية، وكان عدد الزعماء الذين رافقوا حجر أربعة عشر رجلاً: وقبل تسييرهم إلى الشام كتب زياد محضراً رسمياً حول ما حدث بالكوفة، وضع عليه شهادات عدد من كبار شخصيات هذه المدينة، وجاء فيه: «إن حجر بن عدي خلع الطاعة وفارق الجماعة ولعن الخليفة، ودعا إلى الحرب والفتنة، وجمع إليه جموعاً يدعوهم إلى نكث البيعة، وخلع أمير
________________________________________
(11)أنساب الأشراف للبلاذري، ج‏4، ص 211، (القسم الأول من ط. القدس) محمد بن سعد، الطبقات الكبرى، ط. بيروت 1960، ص 217 ـ 220. تاريخ الطبري، ج‏5، ص 253 ـ 257. تاريخ دمشق لابن عساكر (مخطوطة الظاهرية) ج‏4، ورقة 132 د.ط. بغية الطلب لابن العديم، ج‏5، ص 2109 ـ 2110.
(12)البلاذري، مصدر سابق، ج‏4 ص 211. ابن عساكر، مصدر سابق، ج‏4 ورقة 133 وابن العديم، مصدر سابق، ج‏5 ص 2110 ـ 2112.
(13)البلاذري، مصدر سابق، ج‏4، ص 213. الطبري، مصدر سابق، ج‏5، ص 257 ـ 259.
(14)البلاذري، مصدر سابق، ج‏4، ص 214. الطبري، مصدر سابق، ج‏5، ص 256 ـ 259.

[الصفحة - 214]


المؤمنين معاوية، فكفر باللَّه كفرة صلعاء، وأتى معصية شنعاء» (15) .
سير زياد المعتقلين إلى معاوية ليحكم فيهم، ويبدو أن إرسالهم إليه قد أحرجه، لا سيما وأن جل أعوانه كانوا آنذاك من القبائل اليمانية، ولهذا تحرك معاوية بسرعة وسرية كاملة، فما إن عرف بوصول المعتقلين إلى مرج عذراء، خارج دمشق، حتى بعث من يتولى إعدامهم، وأثارت عملية الاعدام رنة حزن في الشام والعراق والمدينة المنورة (16) .
ويمكن أن نرى، في ما جرى في مرج عذراء، سابقة خطيرة مهدت الطريق أمام يزيد بن معاوية في خرق حرمات المسلمين دون أن يعبأ بآثار ذلك أو بردّات فعل المسلمين.
هذا من جانب، ومن جانب آخر جاء مصرع حجر محرضاً للثأر والثورة، وحين سيجد أهل الكوفة الفرصة المناسبة سيحاولون الانتقام من السلطة الأموية، كما سنرى.
ثم إن المعارضة التي كانت تتفجر أحداثها بالكوفة أخذ زعماؤها الآن يتطلعون نحو تسمية واحد من أبناء الإمام علي(ع) لقيادتهم، والدعوة له، وكان المرشح البديهي هنا الحسين بن علي(ع). وفي الحقيقة ليس في مصادرنا ما يحدثنا عن وجود اتصالات وأعمال تنسيق بين حجر بن عدي والحسين بن علي(ع).
ومهما يكن الأمر كانت حركة حجر بن عدي حركة المعارضة الشيعية الأولى للحكم الأموي، فالأحداث التي تقدمتها ارتبطت جميعاً بالعصر الراشدي، وبالحقبة الانتقالية من هذا العصر إلى عصر الدولة الأموية، وشكلت هذه الحركة، في الوقت نفسه موعد إعادة تشكيل الحزب الشيعي كحركة معارضة للحكم الأموي. ومن هذا الباب يمكن القول إن قيام الحزب الشيعي المعارض للسلطة الأموية كان عام (51 هـ).
توقف الشيعة عن النشاط العلني بعد مقتل حجر بن عدي، لكن ما إن
________________________________________
(15)البلاذري، مصدر سابق، ج‏4، ص 220 ـ 221.
(16)البلاذري، مصدر سابق، ج‏4، ص 223 ـ 230. الطبري، مصدر سابق، ج‏5، ص 265 ـ 277. ابن عساكر، مصدر سابق، ج‏4، ورقة 134 د ـ ط. ابن العديم، مصدر سابق، ج‏5، ص 2110 ـ 2112.

[الصفحة - 215]


توفي معاوية بن أبي سفيان وتسلم يزيد ابنه السلطة حتى تجدد النشاط الشيعي، ولا شك أن انتشار أخبار رفض الحسين بن علي(ع) بيعة يزيد قد كانت له أبعد الأصداء في الكوفة.
كربلاء والنهضة الحسينية:
توفي معاوية بن أبي سفيان عام 60هـ، وكان ابنه يزيد في منطقة حمص، فجاء إلى دمشق حيث وجد الأمور ممهَّدة له تمام التمهيد، فتسلم السلطة، وقام بالكتابة إلى والي المدينة يخبره بوفاة معاوية وببيعته، ويأمره بالحصول على بيعة الحسين بن علي(ع) وبقية أبناء الصحابة وأهل المدينة، وبادر الوالي إلى استدعاء مروان بن الحكم، وكان شيخ بني أمية بالحجاز، فأخبره واستشاره، فأشار عليه باستدعاء الحسين في تلك الساعة من الليل وإرغامه على البيعة أو قتله، وعندما استدعي الإمام الحسين(ع) ارتاب بالأمر، واحتاط لنفسه، ورفض البيعة، ثم لم يبت ليلته بالمدينة بل غادرها إلى مكة المكرمة للاعتصام بها، وعدّ هذا رفضاً معلناً لخلافة يزيد. ونظراً لمكانة مكة وتوافد المسلمين الدائم عليها، سرعان ما انتشرت الأخبار في كل مكان، ولا شك أنها وصلت إلى الكوفة، فتحرك أهلها، وأخذ شيعتها يعدون العدة للثورة (17) .
وأحدث استلام يزيد بن معاوية للخلافة صدمة كبيرة للمسلمين في العراق والحجاز، فأهل العراق عانوا طويلاً من وطأة إرهاب زياد بن أبيه والي معاوية وأخيه بالبغاء، وها هو الحسين بن علي(ع) يرفض البيعة ليزيد، ثم إن والي الكوفة النعمان بن بشير الأنصاري كان رجلاً يحب العافية وعدم سفك الدماء وكان يقول: «أن أكون ضعيفاً وأنا في طاعة اللَّه أحب إليّ من أن أكون قوياً في معصية اللَّه، وما كنت لأهتك ستراً ستره اللَّه» (18) .
وشرع الرافضون لبيعة يزيد من أهل الكوفة يجتمعون ويتباحثون حول ما ينبغي عمله، وبرز الآن بين صفوفهم سليمان بن صُرَد الخزاعي، وأخذ
________________________________________
(17)الطبري، مصدر سابق، ج‏5، ص 325 ـ 327. ابن عساكر، ترجمة الإمام الحسين، ص 210 ـ 215. ابن العديم، مصدر سابق، ج‏6، ص 2580 ـ 2587.
(18)الطبري، مصدر سابق، ج‏5، ص 348.

[الصفحة - 216]


الشيعة الكوفيون يجتمعون في منزله، وبادروا جماعات وأفراداً بمراسلة الحسين ودعوته للقدوم إلى الكوفة لبيعته، وجاء في إحدى رسائل سليمان إلى الحسين: «أما بعد: فالحمد للَّه الذي قصم عدوك وعدو أبيك قبلك، الجبار العنيد، الغشوم الظلوم، الذي انتزى على هذه الأمة فابتزها أمرها وتأمر عليها وغصبها فيئها، وتأمر عليها بغير رضاها، ثم قتل خيارها واستبقى أشرارها، فبعداً له كما بعدت ثمود.
ثم إنه قد بلغنا أن ولده اللعين قد تأمر على هذه الأمة بلا مشورة ولا إجماع ولا علم من الأخبار، ونحن مقاتلون معك، وباذلون أنفسنا من دونك، فاقبل إلينا فرحاً مسروراً، مأموناً مباركاً، سديداً وسيداً، مبراً مطاعاً، إماما خليفة علينا مهدياً،
فإنه ليس علينا إمام ولا أمير إلاّ النعمان بن بشير، وهو في قصر الإمارة وحيداً طريداً، ليس نجتمع معه في جمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولا نؤدي إليه الخراج، يدعو فلا يجاب، ويأمر فلا يطاع، ولو بلغنا أنك قد أقبلت إلينا أخرجناه عنا حتى يلحق بالشام، فاقدم إلينا فلعل اللَّه أن يجمعنا بك على الحق» (19) .
لاقت مراسلات أهل الكوفة القبول من الحسين، لكن آله وأصدقاءه حذروه من الاستجابة ورجوه أخذ الاحتياط، خاصة وأن السلطة في الكوفة ما زالت فعلياً بيد الأمويين، وكون الذين راسلوه هم من اليمانية فقط ولم يراسله أحد من العدنانية، وشجعه عبداللَّه بن الزبير على الاستجابة ليتخلص منه وليغدو السيد في مكة المكرمة.
وقام الإمام الحسين(ع) بإرسال ابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة ليمهد له الأمور. بداية نجح مسلم في مهامه، وراسل الحسين بأخباره ودعاه إلى القدوم.
لكن في تلك الأثناء حدثت تغييرات طارئة في الكوفة، فقد كتب أناس من الكوفة إلى يزيد بن معاوية وأخبروه بأوضاعها، فبادر يزيد بإصدار أوامره إلى عبيداللَّه بن زياد واليه على البصره بالتوجه إلى الكوفة ومعالجة الأوضاع
________________________________________
(19)ابن أعثم، مصدر سابق، ص 1402. الطبري، مصدر سابق، ج‏5، ص 352.

[الصفحة - 217]
فيها، ويرجح أنه أمره بقتل مسلم بن عقيل، ومن ثم استقبال ركب الحسين وقتله ومن معه جميعاً.
نجح ابن زياد فاستولى على مقاليد الأمور بالكوفة، وعرف مكان مسلم بن عقيل، وأقام المحارس حول الكوفة ليمنع الخروج منها والقدوم إليها، وأدام الاتصال بدمشق التي رصدت إدارتها تحركات الإمام الحسين(ع) وسفره نحو العراق، وأرادت إبعاده عن الحجاز وتعمية الأخبار عليه ونجحت في هذا السبيل إلى أبعد الحدود.
توجه الإمام الحسين(ع) نحو الكوفة ومعه جل أفراد أسرته من أبنائه وإخوانه وأخواته، وضم ركبه نحو ثمانين فرداً بما في ذلك النساء، ويروى أن الحسين لقي في طريقه الشاعر الفرزدق، فسأله عما استجد بالكوفة، فأخبره أن قلوب أهل الكوفة معه وسيوفهم عليه، ويقال أيضاً أنه أخبره بمقتل مسلم بن عقيل من قبل ابن زياد (20) .
لقد تعددت الروايات حول هذا الموضوع، ويرجح أنه سواء عرف الإمام الحسين(ع) بما حدث بالكوفة أم لم يعرف، كان موقناً أن السلطة الأموية لديها قرار بتصفيته جسدياً مع آله. وبالفعل ما إن دخل السبط النبوي الوحيد مع آل البيت حدود العراق حتى وجد نفسه مطوقاً بجيش عرمرم أرسله ابن زياد، ومنعت طلائع هذا الجيش الذي قاده عمر بن سعد بن أبي وقاص الحسين من حرية الحركة.
لا شك أنه كان بإمكان جيش عمر بن سعد، وقد تجاوز العشرين ألفاً، اعتقال الحسين وأصحابه بعد حصارهم ومنع الماء والأطعمة عنهم، لكن التعليمات الأموية كانت تهدف إلى قتل الحسين لا إلى اعتقاله. وهكذا نفذت جريمة قتل آخر سبط على وجه الأرض لخاتم الأنبياء، وكانت مذبحة بشعة لا مثيل لها اقترفتها السلطة الأموية عن سابق إصرار وتعمد (21) . لقد كان ما حدث ردة حقيقية عن الإسلام، وأبداً لا يصح القول «إن الحسين قد قتل بسيف جده» (22) .
________________________________________
(20)ابن أعثم، مصدر سابق، ص 1429 ـ 1490. الطبري، مصدر سابق، ج‏5، ص 382 ـ 389. ابن عساكر، مصدر سابق، ص 269 ـ 273. ابن العديم، مصدر سابق، ج‏6، ص 2646 ـ 2655.
(21)أبو حنيفة الدينوري، الأخبار الطوال، ط. القاهرة 1960، ص 244 ـ 261. ابن عساكر، مصدر سابق، ص 287. ابن العديم، مصدر سابق، ج‏6، ص 2625 ـ 2667.
(22)أبو بكر بن العربي، العواصم من القواصم، ط. الجزائر 1974، ص 450 ـ 457.

[الصفحة - 218]


لم يكن الحسين مثير فتنة ولم يقتل بسيف جده، بل بسيف ردة يزيد بخلفياته الوثنية القرشية والمسيحية الكلبية، فالإمام الحسين لم يبايع يزيد بالخلافة، وامتلك الحق في أن لا يبايع، كما امتلك الحق مع آله بالتنقل والسفر، ثم إنه لم يشهر السلاح بوجه أحد، ولم يتوجه نحو العراق على رأس قوة مسلحة، غاية ما كان يجوز للسلطة الأموية فعله إلقاء القبض عليه ومحاكمته.
خلاصة القول أراد يزيد بن ميسون النصرانية إزالة آل البيت من الوجود، وكان يعرف أن الحسين لا يملك المال للإنفاق على أهل الكوفة إذا ما قطع أعطياتهم، وأنه لم يكن بإمكانه ـ حتى إن رغب ـ تجنيد جيش لحسابه.
لقد شكل مصرع الحسين نبعاً لا ينضب من الأفكار والإلهامات، وكان نقطة تحول عظمى في تاريخ التشيع، وقتل الحسين في أرض بابل، وهي أرض ذات مواريث ملحمية معروفة، لذلك ما لبثت أخبار كربلاء أن تحولت إلى ملحمة شعرية نثرية أعيدت صياغتها وروايتها بلا انقطاع (23).
لقد ارتبطت، بنتائج كربلاء، التطورات التي شهدها المشرق الإسلامي طوال العصر الأموي ومن بعده، وكانت الحرمة الأولى التي استباحها يزيد، حيث ثنى بالمدينة وثلث بمكة. وفي أثناء حصار مكة مات وهو لا يزال شاباً.
ومع أن المصادر لا تحدثنا عن أسباب وفاته، ليس من المستبعد أنه تمّ التخلص منه لإيقاف مسلسل الردة الجديدة على الإسلام بوساطة جيوش الإسلام.
وعامل ابن زياد نساء آل البيت بسوء لا يوصف، وكذلك فعل يزيد، فقد حمل جنده نساء آل البيت «على الأقتاب، حواسر، وكشفوا عورة علي بن الحسين حين أشكل عليهم بلوغه، كما يصنع بذراري المشركين إذا دخلت ديارهم عنوة... وقتلوا لصلب علي بن أبي طالب تسعة، ولصلب عقيل بن أبي طالب تسعة... ونقروا بالقضيب بين ثنيَّتي الحسين» (24) .
________________________________________
(23)انظر: محتويات كتاب المقتل المنسوب لأبي مخنف، ط. بيروت، 1983.
(24)المقريزي، النزاع، مصدر سابق، ص 27 ـ 31.

[الصفحة - 219]


حركة التوَّابين، المختار بن عبيداللَّه الثقفي‏
وبعد ما توفي يزيد بن معاوية لم يستطع ابنه معاوية حمل الأعباء. واضطربت الأحوال، فوجد أهل الكوفة الفرصة للتحرك بهدف الثأر والتوبة على خذلانهم للإمام الحسين. ومجدداً تزعم شيعة الكوفة سليمان بن صرد الخزاعي، وتقرر الخروج من الكوفة وقصد بلاد الشام للانتقام من قتلة الحسين، وفي أثناء استعدادهم وصل إلى الكوفة المختار بن أبي عبيد الثقفي مدعياً إرساله من قبل محمد بن الحنفية أخي الحسين لأبيه، وكاد نشاط المختار أن يوقع الفتنة بين صفوف الشيعة، وهو وإن صمت أخيراً آذى حركة سليمان بن صرد التي عرفت باسم «حركة التوابين».
تزعم في الحقيقة «حركة التوابين» خمسة هم: سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب بن نجبة الفزاري، وعبداللَّه بن سعد بن نوفل الأزدي، وعبداللَّه بن وال التميمي، ورفاعة بن شداد البجلي‏(25) .
وتدل أنساب هؤلاء الزعماء أنهم مثلوا قبائل الكوفة العدنانية واليمانية. وفي هذا مؤشر على تحول نوعي في أوضاع الكوفة، وأن الدعوة الشيعية زادت انتشاراً في الكوفة، ما سيجعلها بعد حقبة تصطبغ بالصبغة الشيعية عامة.
وفيما الأوضاع مضطربة في الشام هيأ التوابون أنفسهم لمغادرة الكوفة، وفي هذه الأثناء انعقد مؤتمر الجابية (قرب نوى في حوران ـ سورية) فيه تمت بيعة مروان بن الحكم بالخلافة، ثم تلا ذلك معركة مرج راهط، وسيطرة مروان على بلاد الشام، وبعدها على مصر، وأخذ مروان يتطلع لبسط سيطرته على العراق، فكلف عبيداللَّه بن زياد بهذه المهمة.
عندما غادر التوابون الكوفة قصدوا أولاً كربلاء حيث ضريح الإمام الحسين، وعندما رأوه أخذوا يقولون: «اللهم إنا خذلنا ابن بنت نبينا وقد أسأنا وأخطأنا، فاغفر لنا ما قد مضى من ذنوبنا {إنك أنت التواب الرحيم } اللهم {إن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } (26) .
________________________________________
(25)ابن أعثم الكوفي، مصدر سابق، ص 1557.
(26)سورة البقرة، الآية: 128.

[الصفحة - 220]


أمضى التوابون عند قبر الحسين يوماً وليلة يصلون ويبكون ويتضرعون، ثم نادى فيهم سليمان بن صرد بالرحيل، فازدحموا على القبر وهم يقولون: «اللهم إنا قد خرجنا من الديار والأموال، وفارقنا الأهلين والأولاد نريد جهاد الفاسقين المحلين الذين قتلوا ابن بنت نبينا، فتب علينا وارزقنا الشهادة يا أرحم الراحمين، اللهم إنّا لو نعلم أنه لو كان الجهاد فيهم بمطلع الشمس أو مغرب القمر، أو بمنقطع التراب لكان حقيقاً علينا أن نطلبه حتى نناله، فإن ذلك هو الفوز العظيم، والشهادة التي ثوابها الجنة» (27) .
ويلاحظ أن هذه الحركة لم تسم أمامها من بين الأحياء من آل البيت، ثم إنها سنت سنة شيعية ما برحت قائمة، وهي زيارة قبر الحسين والترحم عليه، ويفيد هذا أن حركة التوابين، أسهمت في تحويل حزب الشيعة من حركة سياسية محضة إلى حركة دينية سياسية.
لقد كان بإمكان التوابين تصفية العناصر الكوفية التي شاركت في قتل الحسين ـ كما فعل المختار بن أبي عبيد في ما بعد ـ لكنهم لم يقدموا على ذلك لأنهم رأوا أن مسؤولية قتل الحسين تقع على كاهل النظام الأموي بدمشق، لذلك قرروا الجهاد ضد هذا النظام، لكنهم لم ينسوا في الوقت نفسه مصالح الكوفة المالية، ولهذا زحفوا نحو الجزيرة الشامية، لأن خراجها كان لأهل الكوفة.
توجه سليمان بن صرد على رأس أربعة آلاف من أتباعه سنة 65فهر 685 م. نحو الأنبار، وسار حتى وصل إلى قرقيسياء (البصيرة= البوسرايا حالياً في سورية حيث يلتقي الخابور بالفرات).
وكان زفر بن الحارث الكلابي معتصماً بها بعد هزيمته في مرج راهط، وقدم زفر بعض المعونات والمعلومات للتوابين.
ملفت للانتباه العدد الضئيل الذي رافق ابن صرد، ومرد هذا لنشاط المختار بن أبي عبيد، ولأن الكوفة باتت الآن تابعة رسمياً لعبداللَّه بن
________________________________________
(27)سورة الأعراف، الآية: 23. ابن أعثم الكوفي، مصدر سابق، ص 1569.

[الصفحة - 221]


الزبير. ولم يملك التوابون بيت مال، بل ملك ذلك ابن الزبير في مكة، وابن الحكم في الشام، المهم أن أربعة آلاف من أهل الكوفة ساروا على طريق الشهادة الذي سار عليه الإمام الحسين(ع)، وما يزال السير على هذا الطريق من أركان الفكر الشيعي.
وعرف التوابون أخبار تحركات الجيش الأموي بقيادة عبيداللَّه بن زياد، وأنَّ مروان بن الحكم قد توفي، وخلفه ابنه عبد الملك، الذي أقرّ ابن زياد في منصبه، والتقوا قرب عين الوردة ـ عين العرب ـ بالجيش الأموي وكان تعداده لا يقل عن عشرين ألفاً، فنشبت معركة غير متكافئة انتهت بمصرع التوابين مع زعيمهم سليمان بن صرد، ولم ينج منهم سوى عدد ضئيل عاد إلى الكوفة للإسهام في حركة شيعية جديدة (28) .
وقاد الحركة الجديدة (التي حملت اسم الكيسانية في ما بعد) المختار بن أبي عبيد الثقفي. وقبل الحديث عن هذه الحركة مفيد أن نشير إلى أن بعضهم يرى أن عدم إعلان التوابين اسم إمام لهم من أحياء آل البيت، أو آل الحسين بالتحديد، يعود إلى الموقف الذي اتخذه علي بن الحسين(ع) والأئمة من بعده، بعد فاجعة كربلاء، بالالتزام بعدم التورط في عمل عسكري مهما كان نوعه حتى يحين الوقت.
وأطلق على خط الأئمة من أبناء علي بن الحسين(ع) اسم الخط الإمامي أو الاثني عشري.
ومع هذا استغل المختار بن أبي عبيد عواطف الشيعة في الكوفة، وكان بارعاً طموحاً إلى السلطة.
حاول أولاً تحقيق مطامحه من خلال عبداللَّه بن الزبير، فأخفق، فتوجه إلى الكوفة وهناك ادعى أنه مرسل من قبل محمد بن الحنفية، يدعو إلى إمامته، وينتقم من قتلة الحسين، وقال إن ابن الحنفية هو وصي الإمام الحسين والإمام من بعده دون مراعاة لقواعد التوريث من الأب إلى الابن وهو ما أخذ به الشيعة الإمامية، فضلاً عن هذا تجاوز المختار قاعدة انتساب الأئمة إلى فاطمة الزهراء، وأن الإمامة وراثة النبوة.
________________________________________
(28)ابن أعثم الكوفي، مصدر سابق، ص 1570 ـ 1580.

[الصفحة - 222]


كان المختار على دراية واسعة بأحوال الكوفة والعراق، متفهماً للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، تنبه إلى أزمات الموالي، وإلى الصراعات بين العصبيات العربية، وأراد استغلال ذلك للوصول إلى السلطة.
ومع تنبه المختار للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية أحسن استغلال العواطف الدينية، بحركات كهنوتية ووسائل جذب وإغراء أخرى، وتحالف في البداية مع ابراهيم بن الأشتر النخعي والقبائل اليمانية، فانتزع السلطة في الكوفة من عامل ابن الزبير عليها (29) .
وشكك بعض أهل الكوفة بما ادعاه المختار، فذهب وفد منهم إلى الحجاز حيث التقوا بابن الحنفية وسألوه، فنالوا منه إجابة عامة في أنه يؤيد كل من خرج للطلب بدم الحسين، واستفاد المختار من هذه الإجابة حيث عزز موقفه بالكوفة، ويبدو أنه لم يفكر بالاستيلاء على غير مصر والكوفة، وعرف المختار أخبار زحف الجيش الأموي نحو العراق، فجند قوة معتبرة من أهل الكوفة أرسلها ضده بقيادة إبراهيم بن الأشتر، وفي الجزيرة انتصر ابن الأشتر على الجيش الأموي وقتل قادته يتقدَّمهم عبيداللَّه بن زياد.
تمركز ابن الأشتر بالجزيرة وتفرغ المختار إلى ملاحقة قتلة الحسين من أهل الكوفة، وقرب إليه الموالي فأغضب أشراف الكوفة فهربوا إلى البصرة التي كان يحكمها مصعب بن الزبير وقالوا له: «لقد تأمر هذا الرجل علينا بغير رضا منا، ولقد أدنى موالينا فحملهم على الدواب وأعطاهم وأطعمهم فيئنا، ولقد عصتنا عبيدنا» (30) .
وفي هذه الأثناء فسدت العلاقات ما بين المختار وابراهيم بن الأشتر، ورفض ابن الأشتر التعاون مع عبد الملك بن مروان، فانضم إلى مصعب بن الزبير، الذي حشد قوة كبيرة قادها نحو الكوفة، وبعد معارك
________________________________________
(29)ابن أعثم الكوفي، مصدر سابق، ص 1581 ـ 1583. البلاذري، مصدر سابق، ج‏5، ص 216 ـ 220.
(30)المصدر نفسه.

[الصفحة - 223]


عنيفة هزمت قوات المختار، وحوصر هو نفسه في قصر الامارة ثم ما لبث أن قتل وكان ذلك سنة 67هـ (31) .
ثورة زيد بن علي‏
لم يقض مصرع المختار على المعارضة الشيعية في الكوفة، كما أن السلطات الأموية مارست حكماً عنيفاً جداً في العراق كتب فصوله الدموية الحجاج بن يوسف الثقفي، وهكذا توفرت الأجواء المشحونة للثورة، وكانت أبرز الثورات الشيعية التي تفجرت بالكوفة بعد قرابة النصف قرن من مقتل المختار، ثورة زيد بن علي بن الحسين.
وحدثت تطورات واسعة خلال هذه المدة الطويلة سياسياً وفكرياً واجتماعياً، فيها عربت الدواوين والنقود، واستؤنفت حركة الفتوحات، وظهرت تيارات الجبرية، والأرجاء، وأهل العدل، وطالب أهل العدل ـ أو القدرية ـ بالمساواة بين المسلمين، ورفع الحيف عن المظلومين، وغالباً ما تعاطفوا مع أئمة الشيعة الذين التزموا بعدم التورط بالأعمال العسكرية، ومع هذا لم يدعهم خلفاء بني أمية وشأنهم، بل عرضوهم للمحن والإهانات والحرمان والمراقبة الدائمة، وهكذا تمكن أهل الكوفة من جذب واحد من أبناء بيت الحسين هو زيد بن علي بن الحسين.
وكان زيد بن علي من ألمع شخصيات عصره، واسع المعرفة والثقافة، بدأ دراسته في المدينة المنورة، وكان أستاذه الأول أبوه علي بن الحسين (زين العابدين) ثم أخذ بعد ذلك على أخيه محمد بن علي (الإمام الباقر)، وتأثر زيد بن علي بأفكار أهل العدل (القدرية) ونظراً لما حظي به من شهرة ومكانة تعرض لمضايقات بعض خلفاء بني أمية خاصة سليمان بن عبد الملك، وأكثر منه هشام بن عبد الملك‏ (32) .
والروايات كثيرة حول أسباب ثورة زيد، خلاصتها أن هشام بن عبد الملك عزل خالد بن عبداللَّه القسري عن ولاية العراق، وأحل مكانه يوسف بن
________________________________________
(31)ابن أعثم، مصدر سابق، ص 1585 ـ 1588. البلاذري، مصدر سابق، ج‏5، ص 214 ـ 273. الطبري، مصدر سابق، ج‏6، ص 5 ـ 16. الدينوري، مصدر سابق، ص 306.
(32)طبقات ابن سعد، ج‏5، ص 240. ابن أعثم، مصدر سابق، ص 2088 ـ 2112. الطبري، مصدر سابق، ج‏8، ص 261 ـ 263.

[الصفحة - 224]


عمر الثقفي، واعتقل يوسف بن عمر القسري وولده وحاسبه بقسوة متناهية، وقيل إن القسري ادعى ـ حتى يخفف عن نفسه العذاب ـ إيداع بعض المال لدى بعض شخصيات قريش، وكان منهم زيد بن علي. وبناء على اطلاع هشام بن عبد الملك على هذه الأخبار استدعى زيداً مع القرشيين، وحقق معه بشي‏ء من الفظاظة، ولم يكتف بذلك بل أرسله إلى العراق لإكمال التحقيق، وفي العراق أساء ابن عمر معاملة زيد وسجنه بعض الوقت، لكن عندما علم هشام ببراءة ساحته أمر بإطلاق سراحه وتسريحه إلى الحجاز، وهنا اتصل به الكوفيون وأغروه بتزعم ثورة أعدوالها (33) .
لم يستجب زيد لعرض الكوفيين، وغادر الكوفة يريد الحجاز، فلحق به بعضهم وأقنعوه بالعودة معهم بعدما قالوا له: «إنا لنرجو أن تكون المنصور، وأن يكون هذا الزمان الذي يهلك فيه بنو أمية» (34) ، والمنصور واحد من الألقاب التي أطلقت على «مهدي منتظر»، وقد تبنى الخليفة العباسي الثاني هذا اللقب، والذي يعنينا هنا رواج النبوءات بزوال الحكم الأموي مع عقيدة المهدي المنتظر في أوساط الكوفة وربما في غيرها، ومن المعروف أن عقيدة المهدي المنتظر شغلت ـ ولا تزال ـ دوراً كبيراً في تاريخ حركات الشيعة.
عاد زيد إلى الكوفة بعدما قال له الزعماء الذين لحقوه: «أين تذهب عنا ومعك مائة ألف سيف من أهل الكوفة يضربون بني أمية دونك، وليس قبلك من أهل الشام إلاّ عدة قليلة» (35) .
وفي الكوفة تولى زيد الإعداد بشكل سري للثورة، ولعله قضى في سبيل ذلك ما لا يقل عن خمسة أشهر، وكانت مكانة الكوفة السياسية والإدارية قد تراجعت بعد ما بنى الحجاج بن يوسف الثقفي مدينة واسط واتخذها مقراً له، ووضع فيها حامية عسكرية شامية لضبط أمور العراق. ولهذا لم يعلم يوسف بن عمر بوجود زيد واختفائه بالكوفة ودعوته للثورة فيها، إلا بعد وقت مديد، وكان زيد قد حدد موعد خروجه في الأول من صفر عام 122هـ، ويروى أن هشام بن عبد الملك وصلته الأخبار عن زيد قبل أن تصل إلى يوسف بن عمر،
________________________________________
(33)ابن أعثم، مصدر سابق، ص 2088 ـ 2093. الطبري، مصدر سابق، ج‏8، ص 261 ـ 263.
(34)ابن أعثم، مصدر سابق، ص 2090 ـ 2103.
(35)ابن أعثم، مصدر سابق، ص 2091 ـ 2112.

[الصفحة - 225]


فكتب إليه يلومه على غفلته ويأمره بالتحرك بسرعة وشدة.
لقد كانت هذه هي المرة الأولى في تاريخ التشيع في العصر الأموي التي تولى فيها زعيم من آل البيت الأشراف المباشر على الاعداد للثورة التي سيقودها لتوصله إلى الخلافة. وبعدما عرف يوسف بن عمر بما كان يجري بالكوفة تحرك بسرعة ومعه قواته، وما إن دخل الكوفة حتى دعا إلى اجتماع في المسجد الجامع، واجتمع الكوفيون، وهنا أمر يوسف بن عمر جنده بتطويق المسجد ومنع الناس من الخروج منه، فاستدرج بذلك زيداً للخروج، واضطر زيد لإعلان الخروج في ليلة شديدة البرد ودون إخطار أتباعه، خرج محاطاً بأفراد قلائل من أصحابه، وأمضى الليل كله وهو يحاول جمع أعوانه، فلم يزدد عددهم على الخمسمائة، وكان جند أهل الشام خمسة عشر ألف فارس.
نشبت في طرقات الكوفة معارك غير متكافئة تخلى خلالها غالبية الخمسمائة من الكوفيين عن زيد. وفي تلك الأثناء أصيب زيد بسهم في جبهته أدى إلى قتله، فدفنه أصحابه خارج المدينة، ثم تواروا عن الأنظار، وعرف يوسف بن عمر موضع القبر، فاستخرج الجثة ومثل بها، وقطع رأس زيد وأرسله إلى هشام بالشام، وبذلك طوى آخر صفحة من صفحات ثورات الشيعة في العراق إبان الحكم الأموي‏ (36) .
استخلاص العبر:
وفي وقفة لمعرفة الأسباب التي أدت إلى إخفاق زيد وثورته ولاستخلاص العبر مما قام به خلفاء بني أمية نحو آل البيت وشيعتهم، نسأل أولاً: هل كان هناك نقص في الجوانب التنظيمية لدى الإمام زيد؟
يبدو أنه لم يوجد نقص من هذا الجانب، وسبب الإخفاق يتمثل في حبس زعماء الكوفة في المسجد. ونرجح أن بعض أهل الكوفة ـ أو لنقل بعض شيعة الكوفة ـ أيدوا تنظيم زيد بن علي، فالذين ارتبطوا بخط الإمامة بزعامة الإمام جعفر الصادق لم يوافقوا زيداً. يضاف إلى هذا عرفت الكوفة في تلك الآونة
________________________________________
(36)الطبري، مصدر سابق، ج‏7، ص 160 ـ 191. أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين، ط. القاهرة 1949، ص 127 ـ 151.

[الصفحة - 226]


تنظيمات سرية أخرى أهمها التنظيم العباسي، حيث حكي أن داود بن علي كان آنذاك بالكوفة، وأنه حذر زيداً من التورط بالثورة اعتماداً على الكوفيين‏ (37) .
وأبرز ما نجم عن ثورة زيد تشكيل فرقة شيعية جديدة، هي فرقة الزيدية، التي نشر فكرها وفقهها في خراسان والجبل واليمن، وهي لا تزال موجودة باليمن.
وإخفاق زيد ثم مقتل ابنه يحيى بعده بوقت قصير زاد من شحن الأجواء المعادية للحكم الأموي، وهو ما استغله دعاة الدعوة العباسية، وقادة ثورتها.
ولا شك أن إخفاق ثورة زيد أفاد من بعض الجوانب الخط الشيعي الإمامي الذي قادة في المتبقي من العصر الأموي الأئمة: علي بن الحسين، ثم ابنه محمد الباقر، ثم ابنه جعفر الصادق، ولجأ هذا الخط، في التصدي للسلطة الأموية، إلى العمل الفكري، وعدم هدر الطاقات العسكرية، وتعامل مع مختلف الأزمات بحذر شديد وحيطة فحافظ بذلك على آل البيت من أبناء الحسين، ثم إن هذا الخط استوعب سياسة بني أمية، وتفهم طبيعة المجتمع الكوفي، فبنو أمية كانوا ينتظرون فرصهم لإبادة آل البيت بلا رحمة، ولم يمتلك آل البيت المال لتجنيد الأتباع، فهم لم يكونوا طلاب ملك، بل كانوا حملة رسالة، لقد أرادوا إنقاذ الأمة، والعودة إلى شريعة جدهم المصطفى ونهجه.
ولعل من بين أسباب إخفاق الثورات الشيعية ازدواجية التنظيم والقيادة فيها، فالإمام علي(ع) لم يزر الكوفة قبل توليه الخلافة، ولم يكن له أية علاقة تنظيمية أو سواها بما حدث بالكوفة وأدى إلى ما يعرف بالفتنة الكبرى.
وبالمقابل كان معاوية بن أبي سفيان يقود جند الشام منذ بداية تاريخ الفتح، لذلك ملك زمام أمورهم، ولم يشك قط من عدم طاعتهم له، في حين أن خطب الإمام علي(ع) حملت صنوف الشكوى من الكوفيين حتى قال: «لا رأي لمن لا يطاع»، فطاعة جند الكوفة كانت للزعماء القبليين، ولسو الحظ إن جل هؤلاء آثروا مصالحهم الفردية على سواها، مثلما فعل الأشعث بن قيس. وهكذا فرض
________________________________________
(37)محمد بن محمد بن النعمان، الشيخ المفيد، كتاب الإرشاد، ط. بيروت 1979، ص 235.

[الصفحة - 227]


هؤلاء على الإمام علي إيقاف القتال في صفين، ثم القبول باختيار أبي موسى الأشعري للتحكيم.
وتكرر الأمر نفسه حين استدعى بعض أهل الكوفة الإمام الحسين، فالإمام الحسين لم يحرض الكوفيين على دعوته أو الثورة بعد وفاة معاوية ابن أبي سفيان، ولم يكن بمقدور مسلم بن عقيل أن يعمل بالكوفة أكثر مما عمله، لقد غرر الكوفيون بالإمام الحسين،
وكان عليهم ألا يستدعوه قبل السيطرة الكاملة على الكوفة، ولم يكتفوا بذلك بل تركوه وآله يذبحون من قبل الجيوش الأموية دون تحريك ساكن، وفقط عندما انفرجت الأجواء على أثر وفاة يزيد بن معاوية أعلن بعضهم التوبة وسألوا اللَّه تعالى أن يغفر لهم ذنب التقصير!
وطبعاً لم يحقق هؤلاء من خلال التوبة أيّ نجاح يذكر، وجاء عملهم متأخراً كثيراً.
ولسنا هنا في حال توجيه اللوم إليهم، بل في استخلاص العبر، من دون أن ننسى أن البطش الأموي بأهل العراق وسياسة الاذلال والحرمان والنفي فعلت فعلها بأهل الكوفة، فلقد قتل زياد بن أبيه من شيعة العراق الآلاف، ونفى عشرات الألوف نحو جبهات خراسان وما وراء النهر، ومارس ضدهم سياسة التجمير، وأطال إبعادهم عن عيالاتهم.
لقد حولت السلطات الأموية جند أهل الشام إلى جيش نخبة منحت قادته وأفراده كل شي‏ء على حساب جنود الأمصار الأخرى، وأصح وصف لهذا الجند أنه تحول عن أهدافه في الفتوح إلى قوات لحفظ الخلافة في الداخل، والبطش من دون هوادة أو رحمة بكل من تحدثه نفسه بالثورة أو بالانتقاد، وما فعله هذا الجند «يوم الحرة» في استباحة المدينة المنورة، ثم في حصار مكة ورمي الكعبة بحجارة المنجنيق شواهد معبرة تمام التعبير.
ومع هذا لم يستطع هذا الجند مواجهة جند الثورة العباسية الحسنة التنظيم، ثم إن الأمويين أرادوا إبادة آل البيت، فأخفقوا، فها هم آل البيت، وخلال العصور الإسلامية في مشارق دار الإسلام ومغاربها، في حين لم يبق على ظهر الأرض من يدعي النسب إلى معاوية أو مروان.
وفي هذا مصداق لقوله تعالى: {إنا أعطيناك الكوثر. فصل لربك وانحر. إن شانئك هو الأبتر } .
________________________________________

[الصفحة - 228]