البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

نقاط الاتقاء بين المذاهب الاسلامية

الباحث :  د. وهبة الزحيلي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  3
السنة :  السنة الاولى خريف 1417هج - 1996 م
تاريخ إضافة البحث :  March / 25 / 2015
عدد زيارات البحث :  1104
نقاط الاتقاء بين المذاهب الاسلامية
د. وهبة الزحيلي (*)
فقه الوفاق‏
ليس هناك أمة، على وجه الأرض، لها من مقدمات الوحدة والوفاق، والبناء المشترك والعمل الموحد مثل الأمة الإسلامية؛ لأن دينها واحد، وعقيدتها واحدة، وأخلاقها وتطلعاتها واحدة، وانتماءها إلى جذع واحد أو أرومة واحدة، ووجودها يفرض عليها وحدة المسيرة والاتجاه، وتاريخها واحد، ورقعتها الجغرافية واحدة أو متقاربة الحدود والامتداد من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، ومصادر ثقافتها ومعارفها واحدة لا تعدد فيها ولا ازدواجية، ونصوص شريعتها واضحة في الأصول والجوهر والغاية، ومصيرها واحد، وهو لقاء رب العالمين، وإيمانها بمبعث الخلق أجمعين.
ومصادر الاجتهاد فيها واحدة أيضاً، وإن شابها شي‏ء من الإختلاف في التطبيق، أو الخلاف في الفروع، ما عكّر صفاء الفكر ووحدة العمل، فعُني الكثير من الأمة بمظاهر الاختلاف الواهية أو المحدودة، وتركوا الجذور والأصول والمنطلقات، وصعب، في مسيرة التاريخ، التخلص من هذه الشوائب، وبعُد الناس عن المنبع، واشتغلوا بالسواقي والجداول.
ولم يتخلَّص العلماء بالذات، فضلاً عن العوام، من العناية بالخلافات، وضخّموا مسائل الاختلاف، وهوَّلوا وقائع النزاع، وتركوا نقاط الاتفاق والتلاقي، وصنفوا العديد من المصنفات في بيان أسباب الاختلاف بين الفقهاء، إما بحسن نية ليعذر الناس العلماء في ما اختلفوا فيه، أو بسبب الولع بتتبع الخلافات، الأمر الذي أنسى الأمة في خزانة الفكر
________________________________________
(*)رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه في جامعة دمشق ـ کلية الشريعة.

[الصفحة - 32]


الإسلامي أو الإنساني ظاهرة الوفاق والتوحد، ورصدوا الكثير من مسوِّغات الخلاف، ما جعل المسلم يعنى بالاختلاف، وينسى الاتحاد أو الوحدة.
لذا لم أجد مصنفاً واحداً، في القديم والحديث، غني بالأمر البدهي أو الأصيل الإسلامي، وهو وحدة الفكر والمصدر والاستنباط، لحمل الناس عليه، علماً بأن نقاط الاتفاق والاتحاد أكثر بكثير من نقاط الخلاف والخصام والتعصب المذهبي.
وإذا كنا، اليوم، نعاني الكثير ممَّا خلفه التاريخ العلمي والواقع المجزّأ المبني عليه، فقد آن لنا في رصيد الصحوة الإسلامية الحاضرة أن نعود للأصول الواحدة، والمشاعر الواحدة، والأفكار الواحدة، لنبني تاريخاً جديداً قام صرح الإسلام العظيم في الماضي على أصوله الواحدة، وثوابته القائمة التي لا تتغير ولا تتبدل.
ونحن، اليوم، أكثر من أي وقت مضى بأشد الحاجة للوقوف صفاً واحداً، أمام التحديات الكثيرة والمدروسة التي تهدف إلى القضاء على وجودنا، وزعزعة استقرارنا، ونهب ثرواتنا، وإضعاف بنيتنا، والتشكيك في مقدراتنا، بل وفي عقائدنا ومقدساتنا، وعلومنا وشرعنا، وتاريخنا وسيرة سلفنا.
وإذا وجد، في هذا التاريخ المضي‏ء، بعض المآسي والجروح، فإن ذلك أقل بكثير مما نجده في تاريخ الأمم الأخرى ولا سيما أهل الغرب. ولكن إلى متى تظل مآسي التاريخ الجانبية تفرِّق بين الإخوة، وأبناء الدم الواحد، والاعتقاد الواحد، والمصدر الواحد؟! وإلى أي مدى يسمح علماؤنا، من أي مذهب كان، بأن نظل أسارى تلك النقاط المظلمة في تاريخنا، والمعكّرة لصفونا، والتي تباعد بين الإخوة، وتبقي الفرقة، كأنها الأصل، وتنسى الوحدة وهي الجذر؟!
إننا، نحن العلماء، آثمون أشد الإثم من حيث ندري أو لا ندري إذا لم نُعِد حساباتنا، ونفكر في مصائرنا، ونعمل من جديد على إعادة وحدة الأمة في السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والاعتقاد، والاجتهاد والاستنباط، والتربية والتعليم، والتوجيه والتثقيف، وبناء حياة مزدانة بكل عناصر القوة، والمجد، والجدية، والنهوض من الكبوات، ونسيان الخلافات الماضية التي ليس لإثارتها أو إحيائها أو التحدث فيها أي معنى، بل إنها سُمٌّ زعافٌ، وضرر محض يؤدي لإحياء الحديث في تلك الخلافات، التي
________________________________________

[الصفحة - 33]


تفرّق ولا تجمع، وتهدم ولا تبني، وتمزق ولا ترقأ، وتضعف ولا تقوِّي أو تعالج، وتثير النزاع ولا تؤاخي أو تضمد الجراح.
إنني أشك في أمانة العالم أو المؤرخ الذي يكثر من الحديث، أو التحقيق، أو الإعلان أو المقال الآن عن جراح الماضي، وما أدت إليه من الفرقة المذهبية، والتشتت الوجداني، والضياع القاتم، وما على العالم أو الفقيه إلا أن ينبه إلى العمل بأوجه اللقاء والتفاهم، والترفع عن الأحقاد والخصومات؛ وتناسي الثارات، والعمل على صعيد مشترك يحقق الوحدة الإسلامية.
إنني أعيد الحساب بنفسي، لعل غيري يقلدني، ويبدأ الجميع في نسج فكر واحد، وبناء مجد واحد، والتصدي لعدو شرس خطير واحد، فهل من متذكر أو مستجيب؟!
إن الصلح في الفكر والتراث وكل النزاعات، ولا سيما أمام المخاطر، هو جوهر صفاء الدعوة إلى اللَّه وإلى الإسلام الحق، وإلى الوجود الدولي الإسلامي الواحد.
نقاط الاتفاق والالتقاء بين المذاهب الإسلام‏
1 - وحدة الدين‏
إن الدين عند اللَّه الإسلام، والإسلام واحد وهو جوهر جميع الرسالات الإلهية، وهو دعوة جميع الأنبياء والمرسلين، إنهم دعوا إلى إله واحد، ورب واحد. فاللَّه هو الإله الواحد، والخالق الواحد، والرب الواحد، وأركان الإيمان في الإسلام واحدة، إنها إيمان باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأركان الإسلام بالمعنى الخاص الذي عليه المسلمون الآن بجميع فرقهم ومذاهبهم واحدة، إنها شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمداً رسول اللَّه، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً من المسلمون.
والمسلمون، بمختلف مذاهبهم، في الماضي والحاضر، متفقون في أركان الإيمان والإسلام، وعناصر الاعتقاد، وإن اختلفوا في تفاصيل الفكر الإيماني والفلسفي، فإن الخلاف بين من يُسمّون بالسلفية، والأشاعرة، والماتريدية، والمعتزلة قريب الجوانب.
________________________________________

[الصفحة - 34]


وإذا كان الشيعة الإمامية والزيدية والإباضية، اليوم، على مذهب المعتزلة، فليس ذلك بموجب للتباعد بيننا، فهو مذهب قوي الحجة، يمكن قبوله بسهولة، إذا فهم، كما يمكن أن يكون ملتقياً مع مذاهب أهل السنة في الهدف والجوهر.
وقد تفضل اللَّه على المسلمين بإتمام النعمة وإكمال الدين، وهو الأساس، فلا داعي للابتعاد عنه بسبب الخلاف في الفروع، قال اللَّه تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً..} (1).
وجاءت النصوص القرآنية تؤكد ضرورة الالتقاء على أصول الدين، فقال اللَّه تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللَّه حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. واعتصموا بحبل اللَّه جميعاً ولا تفرقوا..} (2). وقال الإمام الرازي: «أمر اللَّه، في هذه الآيات، المؤمنين بمجامع الطاعات، ومعاقد الخيرات، فأمرهم أولاً بتقوى اللَّه، وهو قوله: «اتقوا اللَّه، وثانياً بالاعتصام بحبل اللَّه، وهو قوله: «واعتصموا بحبل اللَّه» وثالثاً بذكر نعم اللَّه، وهو قوله: «واذكروا نعمة اللَّه عليكم». ولما أمرهم اللَّه تعالى بالاتقاء عن المحظورات، أمرهم بالتمسك بالاعتصام بما هو كالأصل لجميع الخيرات والطاعات، وهو الاعتصام بحبل اللَّه. وحبل اللَّه: يشمل كتاب اللَّه وعهده ودينه وطاعته وموافقته لجماعة المؤمنين»(3).
وفسَّر العلامة الطباطبائي «حبل اللَّه» بأنه التمسك بآيات اللَّه ورسوله (الكتاب والسنة). «وحبل اللَّه: هو الكتاب المنزل من عند اللَّه، وهو الذي يصل ما بين العبد والرب، ويربط السماء بالأرض. والتمسك بذيل الرسول: تمسك بذيل الكتاب، فإن الكتاب هو الذي يأمر بذلك في مثل قوله تعالى:{وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا} (4).
وفي سورتين متجاورتين، أو متقاربتين في الترتيب التوقيفي، أعلن الحق سبحانه أن ملة التوحيد والإسلام واحدة، فلا يصح أن تكون مدعاة للتفرق والتشتت، فقال اللَّه تعالى: {إن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاعبدون. وتقطعوا أمرهم بينهم زُبُراً كل إلينا راجعون} (5). قال الرازي‏ (6): «إن هذه أمتكم» خطاب للناس قاطبة، والإشارة إلى ملة التوحيد والإسلام. والأشهر، في تفسير الأمة، أنها الناس المجتمعون على أمر أو في زمان، وإطلاقها على الدين نفسه مجاز. وظاهر كلام الراغب الأصفهاني أنه حقيقة أيضاً،
________________________________________
(1)سورة المائدة، الآية: 3.
(2)سورة آل عمران، الآية: 102.
(3)الإمام الرازي، التفسير الكبير، 8/160 ـ 163.
(4)العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 3/368 وما بعدها. والآية الواردة في الاقتباس هيالآية 7 من سورة الحشر.
(5)سورة الأنبياء، الآيتان: 92 و93.
(6)الرازي، مصدر سابق، 17/89.

[الصفحة - 35]


وهو المراد هنا. وأريد بالجملة الخبرية: الأمر بالمحافظة على تلك الملة ومراعاة حقوقها. والمعنى أن ملة الإسلام ملتكم التي يجب أن تحافظوا على حدودها، وتراعوا حقوقها، فافعلوا ذلك.
وفي سورة «المؤمنون»: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاتقون. فتقطعوا أمرهم بينهم زُبُراً، كل حزب بما لديهم فرحون. فذرهم في غمرتهم حتى حين} (7) قال الطباطبائي: «والمعنى أن هذا النوع الإنساني أمتكم معشر البشر، وهي أمة واحدة، وأنا ـ اللَّه الواحد عز اسمه ـ ربكم، إذ ملكتكم، ودبّرت أمركم، فاعبدوني لا غير، واتقوني، لكنهم لم يأتمروا بأمره، وقطّعوا أمرهم بينهم قطعاً، وجعلوه كتباً اختص بكل كتاب حزب، وكل حزب بما لديهم فرحون. والزُبُر: الكتب، أو الفرق، أي وتفرقوا في أمرهم جماعات وأحزاباً» (8).
تضمنت الآيات أمرين مهمين جداً، الأول: أن الملة واحدة والدين واحد، والثاني: الحملة الشديدة بالتأنيب والتوبيخ واللوم على الناس الذين تجاوزوا وحدة الملة والدين، وتفرقوا جماعات وأحزاباً. قال القرطبي: «والمراد جميع الخلق، أي جعلوا أمرهم في أديانهم قطعاً، وتقسموه بينهم، فمن موحّد، ومن يهودي، ومن نصراني، ومن عابد مَلَك أو صنم. والكل إلى حكم اللَّه راجعون فيجازيهم» (9).
وإذا كان هذا في الأمم جميعاً، فالأولى بأمة الإسلام أن تتحد، وتمتنع عن الفرقة والتمزق، وتسعى لرأب الصدع، وتجاوز الخلافات، وإنهاء المنازعات.
وعبّرت السنة النبوية عن وحدة المسلمين بأنهم كالجسد الواحد المتماسك، فقال النبي(ص)، واضعاً أولاً أساس الوحدة وهو الأخوة: «المسلم أخو المسلم» (10)، وهذا يلتقى مع قول اللَّه تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} (11) ثم عقد النبي بين الإخوة عقدة لا تنفصل فقال: «المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً» (12) وهذا الوصف تعبير بالإسلام، وفي حديث آخر تعبير بالإيمان: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (13).
وبرأ القرآن الكريم رسوله من الصلة بالمشركين وأهل الملل الأخرى، والمتنازعين المتخالفين، فقال اللَّه تعالى: { إن الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً، لست منهم في شي‏ء،}
________________________________________
(7)سورة المؤمنون، الآيات: 52 - 54.
(8)الطباطبائي، مصدر سابق، 14/322 و15/35.
(9)القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 11/339.
(10)رواه أبو داود.
(11)سورة الحجرات، الآية: 10.
(12)رواه الشجري في أماليه.
(13)رواه مسلم وأحمد.

[الصفحة - 36]


{ إنما أمرهم إلى اللَّه، ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} (14). قال المراغي: «أي أن الذين فرقوا دينهم، فأقروا ببعض، وكفروا ببعض، كما فعلت اليهود والنصارى، إذ تفرقوا فرقاً، وكفّر بعضهم بعضاً، وأخذوا بعضاً، وتركوا بعضاً، كما أخبر بذلك الكتاب الكريم بقوله: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} (15).
2 - وحدة الانتماء
المسلمون، في أنحاء العالم، إما عرب لحماً ودماً وموقعاً جغرافياً وتاريخاً حضارياً، وإما مسلمون من جنسيات مختلفة، ولغات مختلفة، وبلدان متباعدة أو متقاربة، ولكن الإسلام صهر الجميع في بوتقة واحدة هي الانتماء للأمة الإسلامية، ذات المبدأ الواحد، والنظام الواحد، والخُلق الواحد، والتاريخ الواحد، والآلام والآمال الواحدة، يلتقون جميعاً على مائدة الإسلام العظيم الذي ضم بجناحيه جميع المسلمين في المشارق والمغارب، وحمَّلهم جميعاً أمانة تبليغ الدعوة إلى اللَّه في جميع الأزمان والأمكنة. وآخى بينهم برابطة الاخوة الإيمانية، كما في قول اللَّه تعالى: {إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم، واتقوا اللَّه لعلكم ترحمون} (16).
وكان المسلم، في صدر الإسلام، لا يعتز بغير انتمائه للإسلام، فيقول قائلهم:
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو معدّ
وجعل اللَّه، تعالى، لهذه الأمة ما دامت متمسكة بدينها، ملتزمة بشريعة ربها عزة خالدة، ونصراً مبيناً، فقال اللَّه تعالى: {وللَّه العزة ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين لا يعلمون} (17).
ووحدة الانتماء التي تظللها عزة الإسلام، وتأطرها وثيقة الارتباط بدين واحد ورب واحد، مدعاة لعقد أواصر الود والتفاهم والتضامن، والعمل الواحد في ميدان واحد، ميدان الجهاد لإثبات الذات، والوقوف صفاً واحداً في مواجهة قوى الشر والعدوان، وتحطيم نزعة الاستكبار العالمي، والطغيان المعادي للدين الحق، والقيم الإنسانية العليا.
ووحدة الانتماء للدين الإسلامي الواحد تحقِّق هويّة الأمة الإسلامية وتثبت ذاتيتها.
________________________________________
(14)سورة الأنعام، الآية: 159.
(15)المراغي، تفسير المراغي، 8/85 والآية الواردة في الاقتباس هي الآية 85 من سورة البقرة.
(16)سورة الحجرات، الآية: 10.
(17)سورة المنافقون، الآية: 8.

[الصفحة - 37]


3 - وحدة النصوص التشريعية
الوحدة التشريعية من أهم ركائز الوحدة بين المجتمعات أو الجماعات والأمم والشعوب، وقد توافرت للأمة الإسلامية وحدة التشريع، بما حفظه اللَّه لها في مصدريها الأصليين، وهما القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، لذا أمر اللَّه تعالى باتباعهما، تحقيقاً لخير الأمة، في آيات كثيرة، مثل قول اللَّه سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اللَّه وأطيعوا الرسول} {أطيعوا اللَّه ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون} (18). وذلك لأن النص هو المرجع الأول للمجتهدين جميعاً، وعليه مدار استنباط الأحكام الشرعية، فإذا صح ثبوته وصرحت دلالته، وسلم من المعارض، كان عليه الاعتماد في الحكم بالاتفاق.
وإن من أهم ما يبرز الشخصية الإسلامية في العالم الإسلامي، أن قاعدة التعامل بين أفراد الأمة واحدة ثابتة واضحة، تتمثل في نظام العقود المدنية والشخصية والاقتصادية والاجتماعية، وفي نظام العقوبات، فأنى اتجه المسلم في أرض الإسلام، يجد احترام عقود المعاملات على أساس من التراضي، والبعد عن التدليس والغش، والاحتكار في أصل النظام، والامتناع عن الربا والغرر (بيوع الأشياء الاحتمالية) وإخلاء العقد من الجهالة والعجز عن التسليم، وانعدام المعدوم، في ما عدا المستثنيات كعقود السَّلَم والاستصناع، وعقود الاستثمار المشروع من مضاربة وشركات، وعقود استغلال الأراضي بطريقة المزارعة والمساقاة والمغارسة، وحماية مصالح الدائنين بالتوثيقات الثلاثة: وهي الشهادة، والكفالة، والرهن، ومنع التعسف في استعمال الحق، وتجنب الضرر والضرار، والأذى في علاقات الجوار.
وتطبيق قواعد الإسلام الكبرى، في نظام الحكم، من مراعاة العدالة في القضاء والحقوق والواجبات، وتحقيق المساواة أمام الشريعة، والتزام قاعدة الشورى في الحكم ومختلف الأنشطة.
والحرص على تنمية الاقتصاد وقوة المال من طريق البحث عن الموارد، وإقامة المصانع والمشاريع، وإنهاء البطالة، والتغلب على مشكلات الفقر والمرض والجهل، بطريق استخدام وسائل التنمية الاختيارية من زكوات وأوقاف وهبات وصدقات ونذور ونحوها.
________________________________________
(18)سورة النساء، الآية: 59 وسورة الأنفال، الآية: 20.

[الصفحة - 38]


هذه الظاهرة تجدها واضحة في المجتمع الإسلامي إما نظرياً وعملياً، وبخاصة نظام البنوك اللاربوية والتأمين التعاوني الإسلامي، أو نظرياً؛ حيث يتطلع كل مجتمع بحنين بالغ إلى الوقت الذي يجد فيه الناس شرع اللَّه مطبقاً في جميع جوانبه.
ولقد خطت بعض البلاد الإسلامية خطوات سديدة ومشرفة في هذا المجال، ولا يزال الكثيرون ينتظرون إقرار الأنظمة المستمدة من شريعة اللَّه ودينه، ويومئذ يفرح المؤمنون.
4 - وحدة العمل ضد عدو مشترك واحد
وهذا من أولى الواجبات في خط المسيرة الإسلامية الظافرة. والمعلوم أن أعداء العالم الإسلامي صنفوه في مواجهة العالم الغربي، أو الصليبي ـ الصهيوني. وإذا كنا، في هذا التصنيف، لا خيار لنا، وإنما زُجّ بنا في حمأة الكراهية والتعصب، وفي دوامة الحقد الصليبي ـ الصهيوني، فعلينا، في قاموسِ أبسط الأشياء والبدهيات، أن نستعد لهذه المواجهة بمختلف الوسائل وبذل كل الطاقات والإمكانات لصد الخطر، والانتصار على البغي والظلم والعدوان.
والسبيل المتعين، أمام الأمة الإسلامية، هو شي‏ء واحد نفتقده جميعاً ألا وهو وحدة العمل، ووحدة التخطيط، وصلابة القوة والإرادة، وعزيمة الأشداء، وجهاد الأقوياء الشرفاء، من غير خيانة أو طعن من الخلف، أو هرولة لإرضاء العدو، أو مبادرة فردية للتنصل من مقتضيات العمل الواحد.
وليكن التزامنا أول ما نتصور بالبعد عن الخيانة، قال اللَّه تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا اللَّه والرسول، وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون} (19).
وإن من الواجب أن يبدأ المسلمون، في عالمهم، بالعمل على وحدة اقتصادية أو سوق مشتركة، والتعاون، في جميع الأصعدة السياسية والدفاعية والداخلية والخارجية، على إقامة وحدة أو اتحاد إسلامي، قد يسمى بهذا الإسم أو بغيره من الأسماء، مع تقدير الظروف الدولية، والبدء بالأولويات الضرورية، ثم «الحاجية»، ثم التحسينية، وهذا هو
________________________________________
(19)سورة الأنفال، الآية: 27.

[الصفحة - 39]


نظام مقاصد الشريعة المطهرة. وكل ذلك في مظلة جيش قوي سريع التحرك، مزوَّد بمختلف الأسلحة الملائمة. ومما لا شك فيه أن الاعتماد على الذات، والتصنيع الداخلي، ضرورة حتمية لأي توجه صحيح.
وينبغي أن ندرك إدراكاً جازماً أن العدو الذي أعلن العداوة للعالم الإسلامي في حلف الناتو (الحلف الأطلسي) مهما جاملنا، فإنه يمكر بنا ويتآمر على مصالحنا. فلا بد من فهم مداخل الأعداء ودراسة مخططاتهم، ومحاولة إحباط أهدافهم في المدى القريب والبعيد.
وليس هناك للأعداء هدف أكثر من إثارة الاختلافات، وتمزيق الصفوف، والنفاذ إلى وحدة الأمة بأساليب مختلفة، ونحن الآن واقعون في شراكها، ولا ندري أمن إدراك لهذا أم نحن في غباء وبلادة وسذاجة؟!
وأستبعد الغباء، ولكني أؤكد الحرص على دعم النظام القائم، مهما كانت الوسيلة شريفة أم دنيئة، أمينة أم خائنة، متآمرة أم مستضعفة، ونستعين باللَّه تعالى من حب الدنيا، وكراهية الموت، وحب السلطة، والبعد عن شرع اللَّه، إلا من رحم ربك من قلة فذة ذكية وواعية، وذات أفق بعيد، وحرص على المصالح الأساسية للأمة.
5 - وحدة المصادر الاجتهادية
إن مصادر الاجتهاد، واستنباط الأحكام التي يجب على كل مسلم احترامها وتنفيذها، إما نصية أو اجتهادية في ما لا نص فيه.
أما النصوص الشرعية فواضحة كل الوضوح في بيان ما يجب وما يمتنع، وما يجوز وما لا يجوز، لأن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، ولسنا نعجز مهما كنا بعيدين عن أصالتنا وتشريعنا عن معرفة ما هو متفق مع شرع اللَّه ودينه، وما يخالفه ويعارضه، أو يتصادم معه.
وعلى كل حال، فإن نقاط الالتقاء والتفاهم بين المذاهب الإسلامية كثيرة، ونقاط الخلاف والتباعد قليلة محدودة، كما سبق إيضاحه، وكما يتبين مما يأتي:
اتفق المسلمون جميعاً، من مختلف المذاهب والفرق، على حجية القرآن والسنة،
________________________________________

[الصفحة - 40]


فهما مصدرا التشريع الأساسيان، ولا يستطيع مسلم إنكار حكم صريح ثابت فيهما، وإن اختلف المسلمون في بعض المقصود من البيان الشرعي، أو طريق وصول السنة النبوية إلينا، أو تحديد المراد بالسنة، والعبرة بالنتائج فلا نجد خلافاً كبيراً في الأحكام الشرعية المستمدة من هذين المصدرين، فإن وجد اختلاف، فهو في بعض الفروع والجزئيات، لا في الجوهر أو المضمون، ولا في الغاية والمقصود، ولا في حكمة التشريع.
أما القرآن الكريم فلا خلاف إطلاقاً بين أهل السنة والشيعة على المسائل القطعية فيه، المعلومة من الدين بالضرورة، أي البداهة، مثل الشهادتين، والشرك باللَّه، وفرض الصلوات الخمس، والزكاة، والحج، وصوم رمضان، وتحريم الزنا، والقتل، والسرقة، وشرب الخمر، وتحريم الربا والغيبة والنميمة، وإساءة الظن، والغش، وأكل أموال الناس بالباطل، وشهادة الزور، والضرر، وتطفيف الكيل والميزان، واحترام الوصايا العشر المذكورة في آيات سورة الأنعام الثلاث وهي: {قل: تعالوا أتل ما حرّم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً، وبالوالدين إحساناً، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، ذلك وصاكم به لعلكم تعقلون. ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده، وأوفوا الكيل والميزان بالقسط، لا نكلف نفساً إلا وسعها، وإذا قلتم فاعدلوا، ولو كان ذا قربى، وبعهد اللَّه أوفوا، ذلكم وصّاكم به لعلكم تذكّرون. وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، ولا تتبعوا السُبُل، فتَفَرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} (20).
وإيجاب الكفارات مثل كفارة القتل، وكفارة الظهار، وكفارة اليمين، وفرض عقوبات الحدود، مثل حد الزنا والسرقة والحرابة، والقذف، وتشريع الزواج وإباحة الطلاق وتعدد الزوجات، ورجعة المرأة المطلقة طلاقاً رجعياً، ونفقة الزوجة، والميراث، وتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وغيرها في قول اللَّه تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير اللَّه به، والمنخنقة والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع إلا ما ذكّيتم، وما ذُبح على النُّصب، وأن تستقسموا بالأزلام، ذلكم فسق، اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون..} (21).
وإحلال الطيبات والصيد، وتحريم الخبائث، وحل الزواج بالكتابية، ووجوب أداء
________________________________________
(20)سورة الأنعام، الآيات: 151 - 153.
(21)سورة المائدة، الآية: 3.

[الصفحة - 41]


الشهادة وتحريم كتمانها، وإشهاد ذوي عدل، وإباحة البيع والشركة والإجارة والصلح ونحوها من عقد المعاملات، وإيجاب فرائض الوضوء، والغسل من الجنابة والحيض، والترخيص للمسافر والمريض بالإفطار في نهار رمضان وإيجاب القضاء في أيام أخر، والتيسير على الشيخ الكبير بأداء الفدية، وإباحة التيمم لفاقد الماء والعاجز عن استعماله والمريض، ونحو ذلك كأنواع العدد: (عدة الطلاق وعدة الوفاة وعدة الحامل).
كل هذا مما ورد به النص صراحة، فلا خلاف فيه بين المذاهب الإسلامية. أما ما ورد به النص الظني الدلالة في القرآن فهو كل اجتهاد، مثل تفسير القرء بحيض أو طهر في العدة، ومقدار النفقة الزوجية، ومقدار الكفارة بالطعام، وإيجاب الإيمان في عتق الرقبة في كفارة الظهار واليمين ونحو ذلك، فالخلاف فيه هيِّن يسير، ولا مانع في مجال الاجتهاد في الظنيات من وقوع الخلاف، وهو مسموح به شرعاً، ومرفوع فيه الحرج، بل يثاب كل مجتهد، سواء خطأ أم أصاب في اتجاه أكثر العلماء، ولا إثم على مقلد أي مجتهد، لأن الحق أو اليقين لا يعرف بعد انقطاع الوحي وانتهاء النبوات. ولا يصح أن يكون مجال الاجتهاد المعفو عنه سبباً للتفرقة وإساءة الظن، والمبادرة بالتكفير أو التفسيق لمن أخطأ، فذلك إثم وبهتان وزور.
والنص الظني الدلالة: هو اللفظ الوارد في القرآن الكريم الذي يحتمل أكثر من معنى واحد في مجال التأويل، مثل لفظ «المشترك» كالقروء في قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}فلفظ القرء في اللغة العربية مشترك بين معنيين: الطهر والحيض، فتكون دلالة اللفظ على أحد المعنيين ظنية لا قطعية. ومثل لفظ الميتة في قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} يحتمل تحريم كل ميتة، ويحتمل تحريم ما عدا ميتة البحر، لأن اللفظ عام. وكذا لفظ الدم يحتمل إرادة الدماء كلها الجامدة والسائلة، أو المسفوحة فقط، فيكون اللفظ المشترك أو العام أو المطلق ظني الدلالة، لدلالته على معنى، واحتمال دلالته على معنى آخر، فيكون محل اجتهاد واختلاف، ولا حرج ولا إثم ولا عيب فيه.
وأما النص القطعي الدلالة: فهو اللفظ الوارد في القرآن الذي يتعين فهمه على النحو الوارد، ولا يحتمل إلا معنى واحداً، كآيات المواريث والحدود والكفارات، قال اللَّه
________________________________________

[الصفحة - 42]


تعالى: {يوصيكم اللَّه في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة) (والذين يرمون المحصنات، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} (22). فهذه نصوص قطعية الدلالة على أنصباء الميراث، وقطع اليد في السرقة، والجلد مئة في الزنا، وثمانين في القذف، وعتق الرقبة في كفارة الظهار أو الصيام أو الإطعام.
واتفق الفقهاء على قواعد معينة في الاستنباط من النص الشرعي، وهي:
أولاً: كل فعل عظمه اللَّه أو مدحه أو أحبه أو وعد به خيراً أو وصفه بالاستقامة أو أقسم به، فهو مشروع، مشترك بين الوجوب والندب.
ثانياً: كل فعل طلب الشارع تركه أو ذمه أو لعنه أو شبَّه فاعله بالبهائم أو بالشياطين، أو أوعد به، أو هو رجس أو فسق، فهو غير مشروع مشترك بين التحريم والكراهة.
ثالثاً: كل ما أحله اللَّه، أو أذن به، أو رفع الحرج أو الجناح أو الإصر أو الإثم عنه، فهو مباح مأذون فيه شرعاً.
وأما السنة النبوية: فهي واجبة الاتباع بالإجماع كالقرآن الكريم في استنباط الأحكام الشرعية، لكن دلالتها على الأحكام منها القطعي وهو ما دلت عليه الأحاديث المتواترة: وهي ما رواها عن النبي(ص) في العصور الثلاثة الأولى جمع يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب، مثل السنة العملية المروية عنه(ص) في الوضوء والصلاة والصوم والحج والزكاة والأذان والإقامة ونحوها من شعائر الدين، ومثل الأحاديث المتواترة، كحديث: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» وحديث «ويل للأعقاب من النار» وعدد هذه الأحاديث (309 أحاديث).
وبعض الأحاديث دلالتها ظنية وإن كانت متواترة، كما أن الحكم في الأحاديث المروية بطريق الآحاد مظنون، وسنة الآحاد: هي ما رواها عن الرسول(ص) أحاد، كواحد أو اثنين أو جمع لم يبلغ حد التواتر. وأكثر الأحاديث آحاد، وتسمى خبر الواحد. ويرى الشيعة أن كل ما رواه آل البيت حجة في التشريع، وسنة. وقد يقع الخلاف في الأحكام
________________________________________
(22)سورة النساء، الآيتان: 11 و12؛ المائدة، الآية: 38؛ النور، الآيتان: 2 و4؛ المجادلة، الآية: 3.

[الصفحة - 43]


المستفادة من السنة، وليس في ذلك ضرر، ويعذر العلماء في ما اختلفوا فيه، وأغلب تلك الأحكام متفق عليه بين المذاهب، مثل السنة العملية والقولية لبيان كيفية العبادات وضوابط المعاملات، وتخصيص عام القرآن بها كتخصيص آية: {وأحل لكم ما وراء ذلك} (23) بحديث «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا على ابنة أخيها، ولا على ابنة أختها». ومثل تقييد مطلق موضع قطع يد السارق من الرسغ عند أهل السنة، والأصابع فقط عند الإمامية. وقد تنسخ السنة آية، كحديث «لا وصية لوارث» فإنه نسخ آية الوصية للوارث، وهي: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموتُ إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين} (24). ولم ير الإمام الشافعي هذا النسخ، وإنما الناسخ آيات المواريث.
وأجاز الإمامية الوصية للوارث ولو بغير إجازة الورثة. وقد تستقل السنة ببيان حكم جديد سكت عنه القرآن، مثل أخبار رجم الزاني المحصن، والحكم بشاهد ويمين، وتحريم لبس الذهب والحرير على الرجال، وصدقة الفطر، وإيجاب الدية على العاقلة (عصبة القاتل) وتحريم لحوم الحمر الأهلية، وفكاك الأسير ونحو ذلك.
كل هذه نقاط اتفاق مضيئة بين العلماء، وأما الخلاف فيقع في جزئيات أخرى من الأحكام الشرعية بين المذاهب، ولا عيب في ذلك، وإن كان مع الأسف يعتني طلاب العلم بالفروع ويتركون نقاط الاتفاق، فيتصورون الخلاف قبل الوفاق، ويبتعد عن أذهانهم نواحي الالتقاء بين المذاهب، وتحشى الأفكار والعقول والذاكرة بالخلافات، وتنسى مواطن الاتفاق.
وأما مصادر الاجتهاد في ما لا نص فيه: فتنحصر عند الإمامية بالعقل أي بدلالته القطعية، وتتفرع عند أهل السنة إلى مصادر كثيرة بأسماء متعددة، وهي الإجماع والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة، والعرف، والاستصحاب، وشرع من قبلنا، وسد الذرائع، ومذهب الصحابي، ونحو ذلك كالعمل بالأقل، وإجماع أهل المدينة، وإجماع آل البيت.
وهذه المصادر في الواقع ليست أدلة مستقلة، كما حقق علماء السنة، وإنما هي قواعد كلية، وهذا متفق عليه. وحكم العقل المقابل للكتاب والسنة بوصفه دليلاً مستقلاً عنهما على أنه مدرك لا حاكم، مقبول عند الشيعة الإمامية والزيدية.
________________________________________
(23)سورة النساء، الآية: 24.
(24)سورة البقرة، الآية: 180.

[الصفحة - 44]


واتفقت المذاهب الإسلامية على الأخذ بحكم العقل إذا كان بناء على ما جاء به الشرع من عموميات، ولم يرد نص بالتحليل أو بالتحريم، فإذا كان في شي‏ء مصلحة، ولم يرد نهي عنه، وكان خالياً من الفساد، فهو بحكم العقل مباح، وعكس ذلك إذا كان في شي‏ء مضرة كتعاطي المخدرات، ولم يرد نص بتحريمه، كان بحكم العقل حراماً، لأن اللَّه لا يرضى لعباده الضرر، ولا تهديد الفساد.
ويمكن قسمة الاجتهاد بالاتفاق إلى قسمين: عقلي وشرعي.
أما الاجتهاد العقلي: فهو ما كانت الحجية الثابتة لمصادره عقلية محضة، غير قابلة للجعل الشرعي، كالمستقلات العقلية، وقواعد لزوم دفع الضرر المخمل، وقبح العقاب بلا بيان، وإباحة الأشياء النافعة، وتحريم الأشياء الضارة أو الخبيثة.
وأما الاجتهاد الشرعي: فهو ما احتاج إلى جعل حجيته من الحجج الشرعية، ويدخل ضمن هذا القسم: الإجماع والقياس والاستحسان والاستصلاح، والعرف، والاستصحاب، وشرع من قبلنا، والذرائع وقول الصحابي، ومنه اجتهاد آل البيت.
ومن المتفق عليه، في هذا المجال، بين المذاهب أن الأخذ بالقواعد الشرعية الكلية، مثل المشقة تجلب التيسير، والعادة محكّمة، والضرر يزال، واليقين لا يزول بالشك، والأمور بمقاصدها، كل ذلك وغيره من القواعد، يحتاج إلى ضابط كل قاعدة بما يتفق مع أصالة الأحكام أو النصوص الشرعية الثابتة.
رفع الإثم عن الخطأ في الاجتهاد: يرى جماهير أهل العلم، من أجل الحرص على مبدأ الوفاق ونبذ روح الخلاف بين المجتهدين، وتشجيعاً على الاجتهاد والإقدام عليه، من غير تهيب ولا توجس خيفة أو شعور بالقلق: أن كل مجتهد مثاب على اجتهاده، حتى ولو في حال الخطأ غير المقصود، لأنه بذل جهده وأقصى ما في وسعه للوصول إلى الصواب، لكنه لم يصادف الحق، بدليل ما ثبت في السنة من أحاديث كثيرة، منها ما رواه البخاري ومسلم أن النبي(ص) قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد» وفي رواية قال لعقبة بن عامر ورجل آخر من الصحابة في فصل الحكم في مسألة بين خصمين: «فإن أصبتما، فلكما عشر حسنات، وإن أخطأتما فلكما حسنة واحدة».
________________________________________

[الصفحة - 45]


وقال الآمدي: «اتفق أهل الحق من المسلمين على أن الإثم محطوط عن المجتهدين في الأحكام الشرعية. وذهب بِشْر المرّيسي، وابن عُلية، وأبو بكر الأصم، ونفاة القياس كالظاهرية والإمامية: إلى أنه ما من مسألة إلا والحق فيها متعين، وعليه دليل قاطع، فمن أخطأه فهو آثم غير كافر ولا فاسق. ولا يضر هذا الخلاف لأن التأثيم مرجعه إلى اللَّه، فإن شاء لام المخطى‏ء وإن شاء لم يفعل»(25).
مجال التخطئة والإنكار: إن مراعاة الخلاف أمر متفق عليه بين العلماء، والحرص على الوفاق يقتضي عدم التسرع أو المبادرة إلى التخطئة والإنكار في الخلافات الفقهية الظنية الناجمة عن النصوص الظنية، ولا قطع فيه، ما لم يكن هناك مخالفة لنص صريح من كتاب وسنة صحيحة صريحة، وإجماع قديم: فإن للاجتهاد آفاقاً واسعة، يعذر فيها المجتهدون إن اختلفوا، قال العلامة ابن رجب الحنبلي، في كتابه النفيس «جامع العلوم والحكم»، «والمنكر الذي يجب إنكاره: ما كان مجمعاً عليه، فأما المختلف فيه، فمن أصحابنا من قال: لا يجب إنكاره على من فعله مجتهداً أو مقلداً لمجتهد تقليداً سائغاً، واستثنى القاضي أبو يعلى في الأحكام السلطانية: وما ضعف فيه الخلاف».
وقال ابن قدامة رحمه اللَّه: «لا ينبغي لأحد أن ينكر على غيره العمل بمذهبه، فإنه لا إنكار على المجتهدات» (26).
التوسط في الحكم على المجتهدات: قد يغالي بعض الناس أو يتخذ موقفاً شاذاً في التعصب لمذهبه، وتخطئة الآخرين، فيرى أن مذهبه هو الحق وغيره باطل، أو هو الصواب بعينه وغيره خطأ صريح، وهذا ناجم عن الغلو في العصبية المذهبية، والمطلوب شرعاً وعقلاً وواقعاً البعد عنها، لأنه لا يستطيع مجتهد أن يجزم بأن اجتهاده هو الحق وغيره هو الخطأ المتيقن، لأن ذلك لا يعلم به إلا اللَّه تعالى أو رسوله، ولا سبيل لذلك العلم بعد انقطاع الوحي. ويتطلب الأمر التوسط والاعتدال وعدم التورط في الإفراط والتفريط، حفاظاً على وحدة العلماء، وإبعاداً لهم عن قالة السوء والسفهاء.
فمن الإفراط: أن يقول أتباع المذهب: مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيرنا خطأ يحتمل الصواب. والواجب القول: إن كل المذاهب تحتمل الخطأ، والحق فيها أو الصواب غير متعين، وتلك العبارة المتداولة منشؤها التعصب المذهبي، والتعصب داء
________________________________________
(25)الآمدي، الأحكام في أصول الأحكام، 3/146.
(26)ابن مفلح، الآداب الشرعية، 1/186 وما بعدها.

[الصفحة - 46]


يؤدي إلى النزاع والشقاق والفرقة، وعلى المسلم أن يحرص على لمّ الشمل ورأب الصدع، والتسامي فوق الخلافات.
ومن التفريط: ما يشيع بين الجهلة والعوام من ضرورة توحيد المذاهب، والتخلص منها، واعتبار الخلاف العلمي من الخلاف في الدين والتفرق إلى شيع ومذاهب، الذي ذمه اللَّه تعالى.
وهذا ينافي المنطق، فإن رجال القانون وأهل الحكمة والفلسفة كثيراً ما يختلفون: وتتعدد آراؤهم ونظرياتهم، ولم يعب أحد ذلك عليهم، فإن الاختلاف في مجال الفكر دليل الحرية والنضج والخصوبة، وليس أمراً معيباً أو مذموماً، وقد اختلف الصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان في كثير من أحكام الفروع، وإنما العيب في الاختلاف في الأصول وفي قضايا الأمة الكبرى، ورسم سياستها، وتحديد موقفها من أعدائها، أما الخلاف الداخلي فلا يضر، لأن الشأن في العلماء الإخلاص والتقوى.
الخلاصة
إن نقاط الاتفاق بين المذاهب كثيرة، وهي الأصل العام في الشريعة الإسلامية، ونقاط الاختلاف محدودة، وهي تبع للأصل.
ليس الخلاف عيباً في مجال الفكر والاجتهاد، وإنما هو ظاهرة صحية طيبة تدل على إعطاء العقل أفقاً رحباً، وحرية كاملة.
الخلافات المذهبية، بين المذاهب الإسلامية، ليست خلافات في الجوهر والأصول: وإنما هي خلافات في الجزئيات والفروع.
فليس الخلاف بين أهل السنة والشيعة والإباضية، وفي نطاق كل مذهب من المذاهب الأربعة، أو بين الجعفرية والزيدية، ليس هذا كالخلاف بين طوائف المسيحية مثلاً، من كاثوليك وأرثوذكس وبرتستانت، فهذه الطوائف مختلفة في أصل الاعتقاد كالاختلاف في طبيعة السيد المسيح، عليه السلام، أهي بشرية أو ناسوتية أو إلهية؟
إن دائرة الخلاف تضيق بحق إذا حسنت النية، وتحقق التفاهم، وزال الحقد
________________________________________

[الصفحة - 47]


والكراهية، وانطفأت جذوة التعصب المذهبي المكروه شرعاً وعقلاً وفطرة. وإذا كان الخلاف الاجتهادي بين أهل الاجتهاد من سنة وشيعة محموداً، فإن التعصب والتباعد وزرع الشكوك وهز الثقة، والتورط في التكفير أو التفسيق مذموم وممنوع. واللَّه سبحانه يحاسب كل امرى‏ء على ما قدم، والمهم أن يبقى الإسلام والقرآن والشرع الإلهي وسنة النبي المصطفى، صلى اللَّه عليه وآله وسلم، هو دستور الأمة الإسلامية، ومنهج أهل الحق، ودعاة الهدى والتوحيد.
________________________________________

[الصفحة - 48]