البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

عبداللَّه بن سبأ في الدراسات الحديثة والمعاصرة (نقد النصوص)‏

الباحث :  د. ابراهيم بيضون‏
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  2
السنة :  السنة الاولى صيف 1417هج - 1996 م
تاريخ إضافة البحث :  March / 24 / 2015
عدد زيارات البحث :  1095
عبداللَّه بن سبأ في الدراسات الحديثة والمعاصرة
(نقد النصوص)‏
د. ابراهيم بيضون‏ (*)
لم تعدم «حركة» ابن سبأ اهتماماً من جانب المؤرخين الذين تناولوا مسار الخلافة الراشدية بشكل عام، وتطورات الفتنة بشكل خاص. غير أن أحداً لم يخض في تفاصيلها بما يلقي الضوء كافياً على خلفياتها وتوجّهاتها، فضلاً عن النتائج التي أسفرت عنها، كذلك فإن اختلافاً بين هؤلاء المؤرخين في تقدير حجمها وانعكاساتها على المرحلة. فمنهم من سلّم بها حقيقةً، أو على الأقل جزءاً من المسار التاريخي، ينطبق عليه ما ينطبق على بقية الأجزاء، ومنهم من تجاهلها تماماً (1)، أو دفع بها إلى موقع ثانوي في أبحاثه‏ (2)، ومنهم من ارتاب بحدوثها (3) وتعامل بحذر مع الرواية التي حملت أخبارها، ومنهم أخيراً من رفضها بالمطلق‏ (4) ورأى فيها مجرد تلفيق تعمّده إخباري لا تتمتع رواياته بالثقة التامة. ولعل أبرز من يمثل الاتجاه الأخير السيِّد مرتضى العسكري. فلم يكتف بالطعن في الرواية، وإنما أسقط ذلك على جميع الروايات المنسوبة لصاحبها (سيف بن عمر) ليخلص في النهاية إلى إدراجها في باب القصص الذي يقتل «السأم والفراغ» (5) حسب تعبيره. أمّا رائد المشككين بها فهو طه حسين، ثم انضم إليه مؤخراً، بوتيرة أرفع، هشام جعيط الذي قادته أبحاثه عن الفتنة إلى حسم موقفه إزاءها باتجاه الرفض.
________________________________________
(*)أستاذ في الجامعة اللبنانية
(1)محمد عبد الحي شعبان، صدر الإسلام‏والدولة الأموية.
(2)هشام جعيط، الفتنة، جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر.
(3)طه حسين، الفتنة الكبرى.
(4)مرتضى العسكري، عبداللَّه بن سبأ وأساطير أخرى.
(5)المرجع نفسه، ص 257.

[الصفحة - 141]


ويبقى الاتجاه الداعم لوجود ابن سبأ، وهو متمثل بالأكثرية من المؤرخين، ومعظمهم ينتمي إلى مدرسة لا تعطي كبير شأن للنقد التاريخي، وهي تكاد تكون مجرّد اقتباس عن مدرسة المؤرخين الأوائل، بما صاحبها من مؤثرات داخلية وخارجية، أعاقت عنصر الموضوعية في رواياتها. كذلك فإن احتفاظ أصحاب هذا الاتجاه بالرؤية الدينية نفسها التي سيطرت على أسلافهم، حال بينهم وبين الخروج إلى الرؤية العلمية، فتعاملوا مع النصّ التاريخي بوصفه حقيقةً مطلقة، تماماً كما تعامل الأسلاف مع أحاديث الرسول، بل إن هذه ربما خضعت للنقد أو التمييز بين الصحيح وبين «الضعيف» منها، ما لم تخضع له الروايات التاريخية التي ظلت جامدة ولم يجر عليها النقد لوقت طويل. ولعل هؤلاء تأثروا بالمرحلة التي أعقبت سقوط الخلافة العثمانية في العقد الثالث من هذا القرن، حين بدأ ظهور عدد من المؤرخين والمفكرين، ممن عاش في وجدانهم رمز الخلافة وما يجسّده من تشبث بالتراث إلى حدّ الانفصال أحياناً عن الحاضر.
في ضوء هذا الواقع، جاءت بعض أعمال المرحلة، مطابقة روحاً ومنهجاً، للتراث، لا سيما المصنَّفات التاريخية التي التزمت بحرفية النصّ من دون أن تتوغل في أعماقه أو تمس عناصر الضعف فيه. وهؤلاء قد يمثلهم حسن إبراهيم حسن وأحمد أمين بوجه خاص، إذ إن كلاهما، على أهمية ما قدّمه من أعمال، كان مشدوداً، ليس فقط نحو التراث، ولكنه أقام تحت سقفه وتحدّث بلغته واحترف أسلوبه. ومن اللافت هنا أن الدراسات التي ظهرت مابين الثلاثينات والخمسينات من هذا القرن، سلّم أصحابها ـ باستثناء طه حسين ـ بوجود ابن سبأ وحركته، فيما اهتزت هذه النظرة لدى المؤرخين المعاصرين الذين كانوا أكثر التزاماً بالقواعد المنهجية من الجيل السابق. ويعود ذلك إلى طبيعة المرحلة الجديدة وثقافتها والتيارات الفكرية المتصارعة فيها، ما شكّل دفعاً لحركة البحث العلمي التي كان للدراسات التاريخية نصيب وافر منها.
وسنعرض هنا لمجمل الآراء في قضية ابن سبأ، من خلال أبرز المراجع التي تناولتها، وذلك بدءاً بأصحاب الاتجاه الأول المسلَّم بها.
________________________________________

[الصفحة - 142]


- 1 -
المنحازون إلى الرواية
أ ـ حسن ابراهيم حسن، تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي.
يعتبر هذا المؤرخ أن الخلل الذي أصاب «الدولة الإسلامية» نتيجة لسياسة عثمان المالية وما أسفر عن ذلك من ظهور «طبقة أرستقراطية» و «طبقة أخرى فقيرة معدمة أنشأها عمّال عثمان» (6)، دفع بالمسلمين إلى «التمرّد في المدينة وفي جميع الأمصار، فكان هذا الجوّ ملائماً تمام الملائمة ومهيئاً لقبول دعوة عبداللَّه بن سبأ ومن لفّ لفه والتأثر بها إلى أبعد حدّ» (7). هكذا يظهر فجأة هذا «الداعية»، ومن دون أية مقدمات تجعلنا على معرفة ما بطبيعة دوره وأهدافه، فضلاً عن أسباب حملته على الخليفة. وإذا تجاوزنا قناعات المؤرخ «حسن» بصدد هذه القضية، فإن منطق الحدث سرعان ما يهتز لديه، آخذاً به إلى التناقض حين يقول: إن الثورة على عثمان أذكاها «صحابي قديم اشتهر بالورع والتقوى، وكان من كبار أئمة الحديث، وهو أبو ذرّ الغفاري الذي تحدّى سياسة عثمان ومعاوية، واليه على الشام، بتحريض رجل من أهل صنعاء هو عبداللَّه بن سبأ، وكان يهودياً فأسلم» (8).
والغفاري الذي كان ينتمي أساساً إلى تيار مناهض لعثمان منذ بيعته بالخلافة، وربما قبل أن يعتنق ابن سبأ الإسلام (تقول الرواية إنه أسلم في عهد عثمان)، من الصعب القبول بأن حركته انطلقت بتحريض من هذا «الداعية اليهودي». والمؤرخ حسن، لا يخرج في النتيجة عن إطار رواية سيف، ولكن كونه ينتمي إلى منهج الرواية الخبرية ـ إذا جاز التعبير ـ لا يستطيع ضبط الإيقاع في سياقه الذي يبدو مرة أخرى عرضةً للاختلال أو التناقض، عندما يعقد الريادة في حركة المعارضة لابن سبأ ويصفه بـ «أول من حرّض الناس على كره عثمان» (9)، متجاهلاً ذلك التيار الواسع الذي أخذ يتفاعل فيه هذا الشعور قبل ظهور الداعية السبئي، الطارى‏ء فجأة على المدينة، فهو يرى أن عوامل النقمة تفاعلت في نفس أبي ذرّ، حتى جاء ابن سبأ فعمل على إطلاقها، حيث وقع الأول في شرك الثاني، أو استُدرج للوقوع فيه. وهو ما عبّر عنه المؤرخ حسن
________________________________________
(6)تاريخ الإسلام السياسي، ج‏1، ص 358.
(7)المكان نفسه.
(8)انظر الكتاب نفسه، ج‏1، ص 358.
(9)المرجع نفسه، ج1، ص359.

[الصفحة - 143]


بقوله: «لقد وجد ابن سبأ... الطريق ممهدة لخلعه (عثمان). ولسنا نشك في حسن نية أبي ذرّ، وما كان من استيائه من عثمان ومن سياسته، فقد كان مصدر استيائه ما كان يعتقده في عثمان: هوادة في الدين وتهاون في أحكامه، بخلاف ما كان عليه ابن سبأ» (10).
ولعل هذا المؤرخ استبق الأمور وذهب في اعتقاده بأن حركة الغفاري كانت تدعو إلى خلع عثمان، وهو ما لم يرد على لسان صاحبها أو يلمح إليه على الإطلاق. فقد كانت منطلقاته تصحيحية في الأساس، ولا يرنو من خلالها إلى ما يتعدى تصويب مسيرة الخليفة باتجاه العدل بين رعيته. بل إن مثل هذا الهدف لم يراود قادة الأمصار الذين جاءوا بالحافز الإصلاحيّ نفسه إلى المدينة، ولم يجرؤ أحدهم على التفوه بما يشير إلى خلع الخليفة، ذلك الذي جاء فيما بعد نتيجة للأجواء المشحونة في عاصمة الخلافة، ولم يكن قائماً في وعي الثائرين من قبل.
والمؤرخ حسن يعطي الرواية حجماً قد لا تحتلّه لدى الطبري، خصوصاً ما تعلّق بدور ابن سبأ في الأمصار: «حقق ابن سبأ ما كان يرمي إليه من تأليب الولايات الإسلامية على عثمان» (11). وهو أمر أوحت الرواية بعكسه، ربما باستثناء مصر التي وجد فيها على ما يبدو أرضاً خصبة لدعوته، وذلك لشدة «سخط أهلها على عثمان وعلى عبداللَّه بن سعد بن أبي سرح» (12)، استناداً إلى قول المؤرخ حسن، وهو من هذا المنطلق يكاد يجعل ثورة «المصريين» من نتاج الدعوة السبئية التي اندرج فيها اثنان من أكثر المتحمسين لعلي وهما: محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة (13). وينسب إلى الثاني أنه «قام بتنفيذ الخطّة التي رسمها ابن سبأ» (14)، على نحو يصبح عليّ كأنه ليس بعيداً عن هذه الخطة التي استهدفت بالطبع إطاحة الخليفة عثمان، وفقاً لتصوّر هذا المؤرخ.
إن حسن إبراهيم حسن، وهو الأقرب إلى الاتجاه التقليدي في تفسير التاريخ، تندرج هذه الرواية في كتابه، شأن بقية الروايات، دون أن يخالجه الشك مطلقاً بذلك البروز المقبول لابن سبأ في قلب الأحداث. وعلى العكس من ذلك، فقد أضفى عليها من الأجواء ما أسهم في دعمها وتعزيز حدوثها. ولعله كان أكثر مؤرخي هذا الاتجاه
________________________________________
(10)انظر الكتاب نفسه، ج‏1، ص 359.
(11)المرجع نفسه، ج‏1، ص 362.
(12) المرجع نفسه، ج‏1، ص 360.
(13)المرجع السابق، ج‏1، ص 360 ـ 361.
(14)المرجع السابق، ج‏1، ص 362.

[الصفحة - 144]


اهتماماً بهذه المسألة، مما يتجلى في الحيز الذي اتخذته في سياق «الفتنة»، والتداخل المباشر معها، خصوصاً في تفاصيلها الأخيرة.
ب ـ أحمد أمين: فجر الإسلام وضحى الإسلام.
لم يقف هذا الكاتب طويلاً عند قضية ابن سبأ، وهو أمر لم يكن خاضعاً لموقفه من الأخير، بقدر ما هو مرتبط بالموضوع الذي يخوض فيه، إذ إنّه يهتمّ أساساً بمادة الحضارة الإسلامية، ولا يعنيه من التاريخ سوى الإطار، ومن أحداثه إلا الموظفة في خدمة الهدف الذي تتوخاه دراساته، في الفقه والآداب والعلوم وما إلى ذلك. وهو عموماً يفتقد إلى منهج المؤرخ، جانحاً عن القواعد والضوابط فيه، لا سيما التوثيق الذي تكاد تخلو منه الهوامش مقتصرة في الغالب على توضيحات لغوية ليس أكثر. على أن هذا الكاتب، وقد جال في موضوعاته على مساحة التاريخ، لم يكن باستطاعته الانفصال عنها، حتى ليُدرج أحياناً بين المؤرخين، لما يثار حول أحكامه من جدل في هذا المجال. ولعل مرّد ذلك، إلى أنه قرأ التراث بعينيّ الأديب وليس برؤية المؤرخ الواقعية، الأمر الذي أخذ به أحياناً إلى الإنحياز والإنحراف عن الموضوعية المجردة.
وفي ضوء هذا المنهج يتعرض أمين لشخصية ابن سبأ ودعوته في سياق الفصل الثاني من «فجر الإسلام»، وتحت عنوان: «الشيعة»، ممهداً لذلك بالحديث عن تكوّن فكرة «الوصية» عند هذه الفرقة، تلك التي كان برأيه، عبداللَّه بن سبأ أول المروّجين لها في دعوته إلى «تأليه» علي‏ (15). ومن اللافت هنا، أنه لم يعد إلى الرواية في «تاريخ الطبري» والتي لم يرد فيها ما يشير إلى فكرة «التأليه»، بل اعتمد على ما أورده ابن حزم بشأنها من دون أن يكون الأخير، وهو فقيه وله في النتيجة موقف خاص، المصدر الصالح لهذه المسألة. يقول أمين: «والذي يؤخذ من تاريخه (ابن سبأ) أنه وضع تعاليم لهدم الإسلام وألّف جمعية سرية لبثّ تعاليمه واتخذ الإسلام ستاراً يستر به نياته.. وأشهر تعاليمه الوصاية والرجعة» (16). وبعد شرح مقتضب للفكرتين الأخيرتين لدى «السبئي» وجذور الرجعة خصوصاً في العقيدة اليهودية والنصرانية، ومن ثمّ تطورها «عند الشيعة إلى العقيدة» (17)، يعود إلى زجّ فكرة «الألوهية» دونما تسويغ لهذا الاستنتاج غير المبني على مادة خاصة بهذا الموضوع. ومن ذلك قوله: «والناظر إلى هذا يعجب
________________________________________
(15)فجر الإسلام، ص 269.
(16)المكان نفسه.
(17)المرجع نفسه، ص 270.

[الصفحة - 145]


للسبب الذي دعاه (ابن سبأ) إلى الاعتقاد بألوهية علي، مع أن أحداً لم يقل بألوهية محمد(ص)، وعليّ نفسه يصرّح بالإسلام وتبعيته لمحمد(ص). والعلة في نظرنا ـ والكلام ما زال لأمين ـ أن شيعة علي رأوا فيه من المعجزات والعلم بالمغيبات الشي‏ء الكثير، وقالوا إنه كان يعلم كل شي‏ء، ووضعوا على لسانه ما جاء في نهج البلاغة: «اسألوني قبل أن تفقدوني» (18).
ولعل هذا الكاتب، وهو يتحرك في سياق موقف خاص، لم يأت مبنياً على الوقائع بقدر ما يعبّر عن أفكار لا تنطلق منها في نفسه، يشكك هنا في نسبة «نهج البلاغة» لعلي، كما يحمّل عبارته الشهيرة الشائعة: «اسألوني قبل أن تفقدوني» مغزى «إلهياً» ليس فيها، لتسويغ اجتهاده في هذا السبيل. ذلك أن علياً وهو المتّصف ـ بإجماع الروايات ـ بعلمٍ لم يصل إلى مستواه أحد في زمانه، ومن ثمّ بمعرفة بالإسلام جعلت الخليفة عمر بن الخطاب يعود إليه في المسائل الصعبة، إنما كان يعبّر عن هذا الموقع في العبارة السابقة، وليس إلى «علم بالمغيبات» كما أشار الكاتب.
وما يثير الريب، في الواقع، هو المنهج نفسه لدى أمين، والمتمثل في إدراجه هذه المسألة، على نحو لا يخلو من اللبس المتعمد، إذ يختفي اسم السبئي بعد ذلك ولا يشار إليه إلاّ ضمناً، كما في حديث الكاتب عن التنبؤات قائلاً: «ورووا له أنه أخبر بقتل الحسين وأخبر بكربلاء وأخبر بالحجاج وأخبر بالخوارج ومصيرهم، وبني أمية وملكهم، وأخبر ببني بويه وأيام دولتهم، وأخبر عبداللَّه بن عباس بانتقال الأمر إلى أولاده..» (19). فهو ـ أي الكاتب ـ عدا أنه لم يسند هذه الأخبار ـ الغيبيات إلى مصادرها، فإن المقصود هنا الشيعة الذين اقتبسوا ـ برأيه ـ مثل هذه الأفكار من العراق، حيث الأكثرية من هذه الفرقة، كون هذا الإقليم «منبع الديانات المختلفة والمذاهب الغريبة» حسب تعبيره‏(20).
وفي ضوء ذلك يستخدم أحمد أمين شخصية ابن سبأ لإبراز فكرة «الألوهية» لعلي والحديث عن «المعجزات» التي زعم أن الشيعة ألصقوها به. بل إنه لم يميز بين الشيعة والغلاة منها، والذين آمنوا بمثل هذه الأفكار في وقت متأخر عن المرحلة التي يخوض فيها الكاتب. ومن هنا فهو لا يضيف جديداً إلى هذه المسألة، بل إنه فيما جنح
________________________________________
(18)المكان نفسه.
(19)المكان نفسه.
(20)المرجع نفسه، ص 271.

[الصفحة - 146]


إليه، ابتعد كثيراً عن موضوعة ابن سبأ، وترك من اللبس حول الأخير ما كان محاطاً به في الأساس، هذا على الرغم من تسليمه المطلق بوجود هذه الشخصية.
أما في كتابه الآخر «ضحى الإسلام»، فيكتفي من أخبار السبئي بما تعلق بدوره في الشام، مؤازراً حركة الصحابي أبي ذرّ الغفاري. وقد تطرق هنا إلى الجانب النظري في دعوة ابن سبأ، بوصفه «صاحب القول برجعة النبي إلى الدنيا ووصاية علي على الخلافة» (21). ثم يضيف بشأن موقف معاوية منه: «بعد أن داراه فأعياه، فلما يئس منه ومن ترغيبه أو ترهيبه ضيق عليه ثم أقصاه»(22). ولعل مثل هذا الموقف يحتاج إلى تسويغ لا يتطابق مع نظرة معاوية إلى الخارجين على النظام، ولو عدنا إلى الرواية التاريخية لن نجد فيها ما يشير إلى «مداراة» والي الشام لابن سبأ، أو إلى يأس الأول من «ترغيب» الثاني قبل إقصائه، إذ جاءت على هذا النحو: «فلم يقدر (ابن سبأ) على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتى أتى مصر» (23).
وإذ يكتفي أمين بهذا القدر من قضية ابن سبأ، فإنه ينصرف بعد ذلك إلى تتبع أحداث الفتنة، لافتاً بشكل خاص إلى جهود معاوية في احتواء قبائل الشام، بما يمهّد إلى مشروع دولته التي انطلقت من عباب الأزمة العاصفة بعهد عثمان. وبناء على ذلك لا يشكّل موقف الكاتب من ابن سبأ مادة للنقاش، سوى أنه من المسلمين به وبدوره الدعائي لمصلحة علي وتأكيد وصايته على الخلافة. وهو لا يختلف في نظرته عن معاصره حسن ابراهيم حسن، إذ كلاهما ينتمي إلى مدرسة واحدة، وهي القائمة على الأخذ بركام الروايات التاريخية، دون الالتفات إلى ميول أصحابها أو اكتناه مواقع اللبس فيها، مع الفارق أن حسن كان يعنيه، كمؤرخ، الجانب الحدثي في الرواية، فيما كان هاجس أمين توظيف الجزء المناسب منها في مادة لا تخلو من أفكار، ربما كانت «جاهزة» لديه من قبل.
ج ـ أحمد شلبي: موسوعة التاريخ الإسلامي.
يبدأ هذا المؤرخ متناقضاً مع نفسه، فيرى أن «حِلم» عثمان «وحياءه» شجعا على الفتنة (24). ثم يتحوّل بعد ذلك منتقداً بقوة ـ وإن بصورة غير مباشرة ـ الخليفة (عثمان) الذي توكأ على تراث سلفه. واستمد منه الوهج خلال النصف الأول الهادى‏ء من عهده:
________________________________________
(21)ضحى الإسلام، ج‏1، ص 271.
(22)المكان نفسه.
(23)الطبري، ج‏4، ص 340.
(24)موسوعة التاريخ الإسلامي، ج‏1، ص 625.

[الصفحة - 147]


«وسارت الأمور في السنوات الأولى من خلافة عثمان، مدفوعة بالقوة التي بذلها ابن الخطاب، وظلّ الضوء الذي أشعله عمر ينير للناس، ولكن الخليفة الجديد لم يمدّ المصباح بالزيت، فلما أوشك الزيت أن يجفّ بدأ الظلام يدخل.. (و) بدأت الدولة تهتز وأخذت المشكلة تستعصي، وتقدم الناصحون للخليفة يطلبون منه الاعتزال والراحة، ولكن الخليفة صاح بهم قائلاً: «كيف أخلع قميصاً البسنيه اللَّه» (25).
ليس الغرض هنا الدخول في تفاصيل الفتنة، وإنما الذي استوقفنا هو ذلك الخلل في منهج المؤرخ شلبي الذي تخونه الحبكة فيوغل في التناقض، وإذا بالثورة ليست من محصلات الحقبة الثانية من خلافة عثمان، أي بعد أن جفّ الزيت من المصباح حسب تعبيره، وإنما تصبح كامنة في النفوس منذ عهد الخليفة عمر. هذا ما ينضح به قوله على الأقل حين يتابع تقويمه للمرحلة: «وليس معنى هذا أن أعمال عثمان التي سببت حنق الناس وغضبهم، لم تظهر إلا بعد ست سنوات من حكمه؛ لا، فقد ظهرت في اللحظات الأولى، ولكنها كانت أشبه بالمرض يدبّ في الجسم السليم فيقاومه الجسم»(26).
وهكذا بدلاً من توضيح الصورة، إذا بالأخيرة تحجبها الغيوم آخذةً معها التفاصيل المعروفة، على نحو ما أورده المؤرخ شلبي عن تقدّم «الناصحين» للخليفة طالبين منه التنازل عن الحكم. ذلك أن هؤلاء لم تراودهم هذه الفكرة التي جاءت وليدة التطورات الأخيرة بعد الحصار لدار عثمان. فهل كان عليّ، الأكثر «نصحاً» للخليفة، ممن خاطبه بهذا الأمر؟ هذا ما لم تشر إليه مطلقاً الروايات التاريخية. وعلى العكس من ذلك كان من أهدافه الأساسية (علي) إبان تدخله في الأزمة، تفادي الوصول إلى هذا الخيار، حرصاً منه على موقع الخلافة التي ستصبح ـ لو حدث ذلك ـ تحت رحمة المغامرين والطامحين إلى النفوذ. والمؤرخ شلبي لم ينف هذا الواقع، معترفاً في الوقت نفسه أن عثمان قد تورّط في الخطّ الذي سار فيه، وبدا فاقداً القدرة على الحوار الفعلي مع الجماعة الإسلامية، بل ومتبرماً من توسط عليّ بينه وبين الثائرين. يقول هذا المؤرخ: «وكان عليّ كلما اشتكى الناس إليه من أمر عثمان، أرسل ابنه الحسن إليه. فلما أكثر عليّ عليه، قال له عثمان: إن أباك يرى أن أحداً لا يعلم ما يعلم، ونحن أعلم بما نفعل فكفّ عنا، فلم يبعث عليّ ابنه في شي‏ء بعد ذلك» (27).
________________________________________
(25)المكان نفسه.
(26)المكان نفسه.
(27)المكان نفسه، انظر ابن عبد ربه، العقد الفريد، ج‏4، ص 208.

[الصفحة - 148]


وعلى الرغم من هذه الأجواء التي ينشرها المؤرخ شلبي، وما ساد فيها من نقمة على سياسة الخليفة وتحفّز للتمرد عليه، فإنه لا يتردد في تجيير هذه الموجة لرجل لم نر له مكاناً فيها من قبل، وهو عبداللَّه بن سبأ. أفلا يسقط مرةً أخرى في شرك التناقض؟ قد لا نجد صعوبة في اكتشاف ذلك، لا سيما بعد انتقاله من دون مقدمات إلى الحديث عن الدور القيادي البارز لهذا الرجل، فيقول: «واشتعلت الثورة ضد عثمان، وبدأ منظموها في الكوفة والبصرة ومصر يعلنون ما كانوا من قبل يضمرون، وظهر مع الثائرين أعلام من الصحابة أنكروا بعض تصرفات عثمان، فأسرع ابن سبأ، وهو الزعيم الحقيقي للثورة، فاجتذبهم أو اجتذب آراءهم إليه، لتقوى بهم حجته وترجح كفته، ومن هؤلاء الصحابة: أبو ذرّ الغفاري وعمار بن ياسر وعبداللَّه بن مسعود» (28). ثم يضيف في هذا السياق قائلاً: «وعبداللَّه بن سبأ هو الشخص الذي نقل الثورة من الكلام إلى العمل، ولم يكن ابن سبأ مخلصاً في حركته، فقد كان يهودياً ادّعى أنه دخل الإسلام ولم يكن يضمر للإسلام ولا للمسلمين خيراً، فانتهز هذه الفرصة ليشعل الفتنة وينزل بالعالم الإسلامي ناراً ظلّت متأججة عشرات السنين» (29).
وهكذا يمضي المؤرخ شلبي في إسناد هذا الدور البارز لابن سبأ الذي اخترق ـ كما صوّره ـ صفوف الصحابة وشدّهم إلى أفكاره وإلى زعامته، وهو اليهودي المدّعي للإسلام. كما يضفي على حركته نكهة «فارسية» عندما يقوم (ابن سبأ) بالترويج لقضية علي ووصفه بأنه «خاتم الأوصياء كما كان محمد خاتم الأنبياء» (30)، انطلاقاً من تأثره ـ حسب رأي المؤرخ ـ بالفكر الفارسي في موطنه الأصلي باليمن‏ (31) التي كان يحكمها عشية الإسلام «الأبناء» الفرس. أما هدفه (ابن سبأ) فهو ضرب الإسلام من خلال الدعوة لشخصية تتمتع بالثقة (علي)، وجمع العدد الأكبر من المسلمين حوله. فلما رفض علي الانسياق في الثورة على عثمان وتصدى ـ حسب المؤرخ شلبي ـ «للجموع الساخطة... وشرح لهم أن أي اعتداء على الخليفة هو إضعاف للإسلام وتفرقة للمسلمين.. أدرك ابن سبأ أنه هُزم وأن الفرصة التي عمل لها عدة سنوات أوشكت أن تضيع، ولذلك أعمل الحيلة ودبّر أمره، فيروى أن الثائرين حال عودتهم رأوا رجلا أسود يمشي على بعدٍ منهم وأنه يحاول أن يختفي عنهم، فشكّوا في أمره، فلحقوا به وقبضوا عليه وفتشوه، فوجدوا معه
________________________________________
(28)المرجع نفسه، ج‏1، ص 625 - 626.
(29)المرجع نفسه، ج‏1، ص 626.
(30)المرجع نفسه، ج‏1، ص 627.
(31)المكان نفسه.

[الصفحة - 149]


خطاباً عليه خاتم عثمان، وفي الخطاب أمر لوالي مصر بأن يقتل هؤلاء الثائرين» (32).
ومن اللافت أن شلبي يقتبس هذه المعلومة عن المستشرق الألماني بروكلمان‏ (33)، في حين أن الطبري الذي ذكر تفاصيلها انطلاقاً من رواية سيف، لم يشر إلى هذا «الرجل الأسود» الذي «اكتشف» فيه المؤرخ شخصية ابن سبأ (ابن السوداء في المصادر). فقد جاء في الرواية: «ثم رجع المصريون راضين، فبيناهم في الطريق إذا براكب يتعرّض لهم، ثم يفارقهم، ثم يرجع إليهم.. قالوا له: مالك؟ إن لك لأمراً! ما شأنك؟ قال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر، ففتشوه، فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان، عليه خاتمه إلى عامله بمصر أن يصلبهم أو يقتلهم الخ..»(34).
وهكذا يتصرّف شلبي بالرواية ويخضعها لمصلحة ذلك الدور «الأسطوري» الذي قام به السبئي «الخارق» في قيادة الجموع الساخطة على عثمان. فهو ليس موجّهاً عنده للثورة أو متصدراً لها فقط، وإنما هو حاضر كذلك في تفاصيل خطوطها ومنفذ في الوقت نفسه لدقائق مهماتها. ومن الطريف أيضاً أنه ـ أي شلبي ـ في أحد الهوامش، وفي محاولة للتخفيف من اندفاعه في تضخيم الدور الذي تبوأ ابن سبأ، يلجأ إلى الفصل بين «الشيعة الحقيقيين وبين مدعي التشيع» (35) الذين انحرف بهم الداعية اليهودي. وفي هذا المكان يتعرض لكتاب مرتضى العسكري وما ذكره من اختلاقٍ لرواية سيف، إلا أنه يتفادى الردّ المباشر عليه، وينتهي إلى ترسيخ اعتقاده بوجود ابن سبأ، مكتفياً بمناقشة الإسم الذي حمله الأخير إذا كان صحيحاً أو منتحلاً، وكأن «العسكري» لا يبغي سوى هذه المسألة بالذات. فهو يقول بشي‏ء من الحسم في هذا الصدد: «فأنا أقرّر هنا أن ضالة بدأت هذا الشوط هي عبداللَّه بن سبأ أو شخص ما اطلق عليه هذا الإسم، وأن مريدين كثيرين أخذوا عنه هذا الضلال وساروا فيه أزمنة طويلة وأشواطاً واسعة. فالإسم يهمنا، ولكن يهمنا أن شخصاً قام بالدور الذي نسب إلى عبداللَّه بن سبأ، وأن أشخاصاً قاموا بالأدوار التي تنسب للسبئيين ولأعداء الشيعة وأعداء الإسلام» (36).
د ـ عبد الفتاح عبد المقصود: الإمام علي بن أبي طالب.
من المعروف أن هذا الكتاب الذي استمد شهرته من أن صاحبه شيخ أزهري، وفي الوقت نفسه معجب حتى الافتتان بشخصية علي، لا يمثّل دراسة علمية موثقة، وإنما هو
________________________________________
(32)المكان نفسه.
(33)المكان نفسه.
(34)الطبري، ج‏4، ص 355.
(35)موسوعة التاريخ الإسلامي، ج‏1، ص 626.
(36)) المكان نفسه، (هامش (1)).

[الصفحة - 150]


أقرب إلى الرواية التاريخية، حيث تتوفر عناصرها الفنية الأساسية أو الكثير منها فيه، من دون أن تنسى الأسلوب الشائق الذي يرتقي أحياناً إلى مستوى الجملة الشعرية الأخَّاذة. وفي ضوء ذلك لا تصطدم شخصية ابن سبأ بأي عائق، للدخول في نسيج السياق على مساحة جزء من الكتاب، وسرعان ما تفرض نفسها شخصيَّة بارزة بين أبطال «الرواية».
ولكن «الشيخ»، إذ يعيد صياغة النصّ التاريخي بأسلوبه الخاص، تفادياً لما يعكّر الانسياب فيه، يلتزم بجوهر النصّ ولا ينحرف عنه، على نحوٍ تصبح التفاصيل كاملة في حوزته، كذلك الأجواء المحيطة بالحدث واضحة لا يشوبها غموض. وفي البصرة يكون «المشهد» الأول حيث «بقيت فترة من الزمن خامدة كالرماد تنتظر الإصلاح المنشود... أجل ففي هذه الناحية من الدولة الإسلامية ظهرت أقوى الحركات الهدّامة في تاريخ الإسلام، جاءت كالسموم على يد أسود من إحدى الدويلات التي أنفت حتى في أيام النبي أن تخضع لحكم البلاد المقدسة، وحاولت أن تخلع سيادتها لولا أن قهرها ابن أبي طالب على الطاعة.. من اليمن جاءت، وعلى لسان ابن السوداء عبداللَّه بن سبأ سالت كالسمّ. وانطلق بها الرجل إلى الحجاز يهمّ أن يبثّها، لولا أن وجّهه ذكاؤه إلى بلد أكثر تقبّلاً للدعوة من مهد الدولة، وأبعد عن أيدي الخليفة وأعوانه بالمدينة أن تمتد إليه. فقد كان ابن سبأ خبيراً بنفوس الناس، عالماً بنواحي الضعف التي يستطيع أن ينفذ منها إليهم، ملماً بأحوال البلاد التي انتظمها الإسلام تمام الإلمام، فعرف أي تربة من بينها يمكن أن تنمو فيها بذوره»(37).
ولعل «الشيخ»، وإن تمرّد على نهج سربه متفرّداً بذكر النبي من دون الرمز المألوف المضاف ـ خصوصاً لدى «الشيوخ» ـ إلى اسمه، فإنه يلتزم بروح النصّ التاريخي، متأثراً هذه المرة بطريقة أقرانه عندما يسوق الحدث على أنه حقيقة لا يشوبها ريب. وإذا كان من غريزة المؤرخ، ربط الوقائع ببعضها، فإن «الشيخ» الذي توخى دائماً إبراز شخصيته ـ محور الموضوع، ربما تورّط في زج عليّ في هذا السياق، إذ على المؤرخ حينئذٍ أن يتساءل عمَّا إذا كان عبداللَّه بن سبأ قد عرف شيئاً عنه(علي)، خلال المهمة التي قام بها لحمل اليمنيين (قوم ابن سبأ) على الطاعة، مما دفع الأخير إلى التأثر به، ومن ثمّ الدعوة له كوصي للنبي بعد فترة قصيرة؟ ولكن «الشيخ» سرعان ما يبتعد عن
________________________________________
(37)الإمام علي، ج‏1، ص 60 ـ 61.

[الصفحة - 151]


هذا الظن، ليؤكد أنه غير مأخوذ بفضول المؤرخ، فيتابع محاولة اختراق الداعية ـ الذي «خلع ثياب دينه القديم وأظهر الدخول في الإسلام» (38) ـ لمجتمع المدينة، ولكن دعوته ـ والكلام للشيخ ـ «إن جازت على بعض النفوس في الحجاز، فلن تكون لها مطلقاً حياة لو أن ابن أبي طالب فتح شفتيه، وما كان له أن يأمن علياً السكوت، فضلاً عن موافقته ورضاه، لأن خلقه الكريم حري بأن يثيره على الدعوة ويدفعه لحربها باللسان وبكل سلاح، وإن كانت في ظاهرها قد جاءت لتضع في يديه السلطان» (39).
وهكذا تصبح البصرة المنطلق الفعلي لابن سبأ، يشجعه على ذلك وجود وال لا ينظر إليه أهلها بارتياح هو عبداللَّه بن عامر. فكانت أرضاً خصبة ـ برأي الشيخ ـ لبثّ أفكاره «الهدامة» «عازماً أمره على تقويض بنيان الدولة الإسلامية» (40). وسرت دعوته كالسحر بين المسلمين في البصرة، فكاد الزمام يفلت من يد الوالي الذي تنبه أخيراً لخطورته، ولم يجد بدّاً من نفيه والتخلّص من هذا «الوباء» الذي انتشر سريعاً في ولايته.
و «المشهد» الثاني في الكوفة جاء مقتضباً، لأن واليها (سعيد بن العاص) وقد اتعظ بتجربة البصرة، لم يلبث أن طرده (ابن سبأ)، ليمضي الأخير «بوفاضه الملي‏ء بالخبائث إلى الشام، الأرض التي احتواها معاوية في قبضته» (41). فما كاد يباشر التحرك حتى كان خارج الولاية الهادئة، آخذاً طريقه إلى مصر. و «المشهد» الثالث الأساسي كان هناك، حيث ـ والكلام للشيخ ـ «انتهى المطاف بالسبئية، فحطّ شيخهم رحاله بمصر، وأخذت دعوته تنمو مع الزمن وتهيمن على النفوس المتمردة بكافة الأقاليم الإسلامية، ثم تنتشر انتشاراً نامياً على يد الرسل والرسائل وتمدّ سلطانها في البلاد كما تمتد أذرع الأخطبوط» (42).
وعلى هذا النحو تنتهي السبئية فصولاً في كتاب الشيخ عبد المقصود عن الإمام علي، متتبعاً بدقة مسارها والمحطات الأساسية فيه، كما وردت تماماً في رواية سيف في تاريخ الطبري. فهو يعرض لها كحركة «هدامة» تستهدف تقويض الإسلام ودولته، وفي الوقت نفسه يحرص على الفصل بينها وبين علي، وإن كانت تعمل له وتكرّس أفكارها لمصلحته. على أن عبد المقصود ربما جنح إلى المبالغة في تصوير الهالة التي أصبحت لها في ولايات الخلافة، خصوصاً في البصرة التي أثبتت بعد وقت قصير أنها خارج هذا
________________________________________
(38)المرجع نفسه، ج‏1، ص 62.
(39)المرجع نفسه، ج‏1، ص 63.
(40)الإمام علي، ج‏1، ص 63.
(41)المرجع نفسه، ج‏1، ص 72.
(42)المرجع نفسه، ج‏1، ص 74.

[الصفحة - 152]


التصوّر، بدليل رفعها راية العصيان مبكراً على علي. كما أن ما ورد من تهافت الناس على هذه الدعوة، لا تعبّر عنه مطلقاً الرواية التاريخية، هذا إن لم يكن متناقضاً معها (43).
وهذا يعني أن عبد المقصود كان يحمّل النصّ التاريخي أكثر مما يستطيعه، وذلك استجابة لمنهج الكتاب ـ الرواية، وما يكتنفه من صخب ملائم للمناخ «الدرامي» فيه. وهذا الكتاب لا يندرج حكماً في مصاف الدراسات التاريخية التي تقوم على تحليل الرواية وربط عناصرها بصورة دقيقة، بما يسهّل الوصول إلى النتائج العلمية المقنعة. ولن تكون حركة ابن سبأ خارج هذا التقويم، خصوصاً أن الكاتب لم يبحث في أسبابها، بما يتعدى مضمون الرواية التي جاءت طافية على سطح الأحداث ولم تكن في صميمها بالفعل، كذلك لم يتطرق إلى نتائجها التي ظلت بدورها غامضة، على الرغم مما ختم به القول عن الحركة السبئية، بأنها امتدت في البلاد امتداد «أذرع الأخطبوط».
هـ ـ عباس محمود العقاد: عبقرية عثمان.
هذا الكاتب، وهو مصنف بين أفذاذ عصره من كبار الأدباء والمفكرين، دخل حلبة الدراسات التاريخية وترك آثاراً «خالدة» فيما كتبه من سير الخلفاء وبعض قادة الإسلام، وهي التي اندرجت تحت عنوان «العبقريات». وكان ذلك من سمات هذه المرحلة، إذ توزعت اهتمامات الكاتب بين الأدب والنقد والفلسفة، دون أن تنأى عن التاريخ الذي ربما كان الخوض فيه، منطلقاً من الحافز الديني إلى جانب الرغبة في إعادة قراءة أحداثه بصورة أكثر عقلانية مما كان لدى الأسلاف. ولكن اللافت أن المنهج، وإن اختلف قليلاً لدى كتّاب المرحلة، فإنه ظلّ محكوماً برؤية الأديب ولم يلتزم بقوانين البحث التاريخي وشروطه. نستثني من بين هؤلاء طه حسين الذي ربما كان لدراسته (العليا) عن ابن خلدون والمعري، تأثير على منهجه، فبدا حريصاً على إبراز الرواية وتوثيقها، والتوغل فيها أحياناً كثيرة بنظرة المؤرخ الخاصة ووعيه المرهف، لتجي‏ء أعماله قراءة جديدة بالفعل، لبعض المحطات الأساسية في التاريخ، سواء في الإسلام أم في ما قبله.
تحت عنوان: «وبعد الصدمة» يدلف العقاد إلى موضوع «الفتنة» التي ظهر في
________________________________________
(43)الطبري، ج‏4، ص 326 - 327.

[الصفحة - 153]


ثناياها عبداللَّه بن سبأ، ولكنه في منهاجه يميل إلى الاختصار ويؤثر الاهتمام بمعاني الأحداث من دون تفاصيلها التي لا غنى للمؤرخ عن الإبحار فيها للقيام بدوره. فالدلالة هي ما يعنيه وليس الحدث بعينه، ولذلك يسارع إلى القول مفسرّاً ما جرى في ذلك الوقت على هذا النحو:
«وليست الصدمة العنيفة بالحائل الوحيد دون توضيح هذه الفترة وتمحيص أسبابها وعواملها وتبعات المسؤولين عنها، فالصعوبة الكبرى أننا في هذه الفترة أمام حادثين يرجع كل منهما إلى أسبابه وعوامله، ويتكلم عنهما بعض المؤرخين كأنهما حادث واحد متّحد الأسباب والعوامل. هذان الحادثان هما: التطور السياسي ومقتل عثمان رضي اللَّه عنه. وأسباب هذا لا تكفي لتعليل ذاك، وليس من الحتم أن تؤدي إليه. وقد طال الجدل حول عمل عبداللَّه بن سبأ الملقب بابن السوداء وأثره في هذه الفترة. فرأى بعض المؤرخين أنه أهون من ذاك لأنهم اعتقدوا أن الانقلاب السياسي ومقتل عثمان حادث واحد له أسباب واحدة، وليس هو كذلك. ولو أنهم فصلوا بين الأسباب في كليهما لأمكن تقدير التبعة والاستطاعة في عمل كل عامل ودسيسة كل مشترك في المؤامرة. فابن السوداء ولا شك أهون من أن يحدث التطور السياسي، وغيره ممن هم أعظم منه شأناً وأشد منه خطراً أهون من إحداث ذلك التطور كله، لأنه يرجع إلى أسباب متفرقة عميقة القرار، كثيرة التشعب لا تضطلع بها قدرة رجل واحد ولا عدة رجال متألبين متواطئين. ولكن مقتل عثمان شي‏ء آخر غير التطور السياسي، وفي وسع ابن السوداء ومن هو أقل منه أن يقترفه بيده وأيدي من يستمعون لتحريضه ودسيسته، لأنه في حقيقته «مشاغبة» من مشاغبات الدهماء التي لا تعجز عن أمثال هذه الأفاعيل» (44).
والعقاد هنا يملك النظرة الثاقبة للمؤرخ، وإن لم تكن على المساحة المباشرة للرواية التاريخية. فهو يخالف المؤرخين أو بعضهم، في ربط المتغيرات في دولة الإسلام بمقتل عثمان الذي جاء نتيجة مؤامرة محبوكة تفاصيلها حسب رأيه. وإذا كان من الصعب، فصل حادث عن آخر، لا سيما خلال تلك الفترة التي انعكست مؤثراتها بصورة مباشرة على المجتمع الإسلامي، فإن العقاد، كما يبدو، يؤسس هنا ـ بصورة غير مباشرة ـ لتهميش دور ابن سبأ وحصره بالتحريض على مقتل عثمان، من دون أن
________________________________________
(44)عبقرية عثمان.

[الصفحة - 154]


تكون له مفاعيل أخرى على «التطور السياسي» الذي كان أبعد ـ برأيه ـ من هذه الحادثة العابرة.
وعلى الرغم مما ينطوي عليه هذا التحليل من عمق، يتعدى الدور المحدود للداعية السبئي إلى معطيات أكثر جذرية في تطورات المرحلة وما بعدها، فإن العقاد لا يلقي ما يكفي من الضوء لإزالة اللبس الذي ربما تفاقم بعد مغادرة هذه الصورة المركبة. وهذا المنحى لا يتصل به موضوعنا الأساسي، وهو بالتالي مفصول لدى العقاد عن مقتل عثمان الذي يعتبره الكاتب «شيئاً آخر» غير متصل بالجذور، ولا يعنيه من هذا المنطلق أن يكون عبداللَّه بن سبأ، شخصية حقيقية أم وهمية، إذ يقلّل من شأنه في الأساس، خلافاً للشيخ عبد المقصود الذي يعطي له حجماً لم ينله في الرواية التاريخية أو الدراسات التي تراكمت عليها. ولكن في النهاية يمكن ملاحظة استنتاجين هامين في بحثه:
1 - عدم الانسياق وراء الهالة التي اعطيت لابن سبأ من جانب معظم المؤرخين والكتّاب، فلم تتعد من منظوره هذه المسألة «حادثة محلية قد تتم على أثر مشاغبة جامحة من مشاغبات الدهماء، وقد يستطيعها ابن السوداء ومن هو أقل من ابن السوداء» (45).
2 - بناء على ذلك فإن مقتل عثمان ما كان ليحدث لو توفر القليل من الحماية العسكرية للخليفة، متهماً بصورة غير مباشرة والي الشام (معاوية)، بالتقصير في هذه المسألة «إن عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ ما كان يقتل لو كانت داره محروسة حراسة الدور التي يقيم فيها، ولاة الأمور، وإن هذه الجمهرة التي اقتحمت داره واجترأت عليه بالسلاح، ما كانت لتقتل والياً من ولاته ـ كمعاوية بن أبي سفيان مثلاً ـ لو أنها هجمت على داره وهو بين حرسه وأجناده» (46).
و ـ فلهوزن ـ فان فلوتن.
هذا ما كان من أمر الدراسات العربية الحديثة والمعاصرة، المسلّمة بالدور الذي قام به عبداللَّه بن سبأ في سياق الفتنة الشهيرة، وقد جاءت، على التفاوت في حجم المادة التاريخية، مقتضبة بشكل عام، وتفتقد إلى العمق والنظرة التحليلية الثاقبة. ولعل العقّاد
________________________________________
(45)عبقرية عثمان، ص 32.
(46)المكان نفسه.

[الصفحة - 155]


وحده خرج من حصار الرواية وقارب الأسباب الموضوعية للفتنة، بمنأى عن الدور المنسوب للداعية السبئي.
أما المستشرقون، فكانوا أقل حماسة للخوض في هذه القضية، ربما لأنهم وجدوا في الرواية التاريخية منحى لا يتفق مع نزعتهم العلمية واستنتاجاتهم التي تقوم على المقارنة. ومن اللافت أن يوليوس فلهوزن، المستشرق الألماني الشهير، تجاهلها تماماً في كتابه «تاريخ الدولة العربية»، حيث تندرج فيه مفصلةً أحداث الفتنة. وقد سجل مترجمه‏ (47) ملاحظة هادئة عليه في هذا السبيل، فأورد في الهامش ما نصّه: «والمؤلف أغفل ذكر الدور الذي كان لعبداللَّه بن سبأ (ابن السوداء) في إثارة الفتنة أولاً وتنظيم الاتصال بين الثوار في مختلف مدن الأمصار. ومهما قيل في دور ابن سبأ فهو مذكور في كتب التاريخ ولا يصح إغفاله» (48).
على أن فلهوزن تدارك هذا «الإغفال» في كتابه الآخر «الخوارج والشيعة»، إلا أنه لم يعد إلى منطلقات السبئية في عهد عثمان، بل أشار إليها في سياق الحديث عن حركة المختار الثقفي في الكوفة، خصوصاً إلى العلاقة الوثيقة التي ربطت الأخير بالموالي (الفرس). وتكتسب إشارته أهميتها في نفيه أية علاقة بين التشيع والمصادر الخارجية، سواء كانت عبر الداعية السبئي (اليهودي)، أم عبر المؤثرات الفارسية (الإيرانية) التي نسبها بعض الباحثين إلى التشيع في ما بعد.
يقول فلهوزن: أما أن آراء الشيعة كانت تلائم الإيرانيين، فهو أمر لا سبيل إلى الشك فيه، وأما كون هذه الآراء قد انبعثت من الإيرانيين، فليست تلك الملاءمة دليلاً عليه، بل إن الروايات التاريخية تقول بعكس ذلك، إذ تقول: «إن التشيع الواضح الصريح كان قائماً أولاً في الدوائر العربية، ثم انتقل بعد ذلك منها إلى الموالي، وجمع بين هؤلاء وبين تلك الدوائر» (49). أما السبئية، فأن فلهوزن يعتبرها إطاراً للكيسانية التي نُسب الالتزام بها للمختار، رابطاً بينها وبين الهوية القديمة لابن سبأ، ولكن من دون التوقف طويلاً عند هذه المسألة، مصرّحاً بأنه لا يعيرها «من الأهمية أكثر مما تستحق» (50). ولعله ـ أي فلهوزن ـ كان أكثر توغلاً في المنحى الفلسفي للسبئية،
________________________________________
(47)عبد الهادي أبو ريده.
(48)انظر الكتاب، ص 48، هامش(1).
(49)الخوارج والشيعة، ص 169.
(50)المرجع نفسه، ص 171.

[الصفحة - 156]


فخاض في موضوعة «الرجعة» (51)، ومؤثرات هذه الفكرة في العهد الأول من الخلافة العباسية.
ولا يتجاوز المستشرق الهولندي فان فلوتن هذا الإطار في موضوعة السبئية، فيتناولها كفرقة دينية لها مشروعها السياسي الذي عبّر عنه أولاً المختار الثقفي. على أنه يعارض رأي فلهوزن بأن السبئية «يُسمون أيضاً الكيسانية» (52)، ويرى أن مسافةً «تفصل ما بين العقيدتين.. فإذا كانت الأولى تمجّد الروح الإلهية في الإمام (علي) وتجعل له نصيباً منها، فإن الثانية اعتبرته رمزاً للمعرفة الإلهية» (53).
ليس هدفنا بالطبع البحث في «العقيدة» السبئية وملابساتها، ولكن أوردنا شيئاً من ذلك لإبراز المنهج الذي تناول من خلاله المستشرقان هذه المسألة. فكلاهما جاء متفقاً على إهمال العنصر التاريخي فيها، لا سيما فلهوزن الذي لم يشأ التعرض له برغم احتكاك موضوعه المباشر معها. وكما يتبين فقد نوقشت السبئية لدى الاثنين في سياق حركة المختار الثقفي من دون أن يعود كلاهما إلى جذورها في عهد عثمان.
وإذ نكتفي بما أورده كل من فلهوزن وفان فلوتن عن السبئية، وهما من أوائل المهتمين بتاريخ المرحلة الأولى من الإسلام، فإن ما جاء في دراسات المستشرقين الآخرين، لم يضف جديداً بارزاً إليها. وقد انطلقت جميعها من الرواية نفسها، وما انطوت عليه يندرج في السياق الفكري وليس التاريخي الذي تطابق عموماً لدى المستشرقين، مع النظرة التي سادت معظم الدراسات العربية إلى هذه المسألة.
ـ 2 ـ
المشككون في الرواية
أ ـ طه حسين: الفتنة الكبرى‏
إن موضوع السبئية، كما أشرنا سابقاً، لا يمكن بحثه خارج نطاق المنهج الذي تبقى له على صعيد الدراسات التاريخية مقاييسه وضوابطه، ما لا نجده على المستوى نفسه في فروع العلوم الإنسانية الأخرى. وقد ترافق تطور المنهج في الواقع مع انكفاء
________________________________________
(51)المرجع نفسه، ص 174.
(52)المرجع نفسه، ص 168.
(53)السيطرة العربية، ترجمة إبراهيم بيضون، ص 80.

[الصفحة - 157]


السبئية في الدراسات المعاصرة، وتراجعها أحياناً إلى حدّ الاختفاء أو التهميش، وذلك بناء على ضعف الرواية مصدر المعلومة، فضلاً عن ثغرات لا تخفى على الكاتب أو المؤرخ، المنطلق من نظرة ناقدة وموضوعية إلى أحداث تلك المرحلة الدقيقة من تاريخ الإسلام.
ولعل طه حسين الذي عاد من فرنسا في مطالع القرن، متأثراً بمناهج الكتّاب الأوروبيين، ومتعمقاً في فكر ابن خلدون، ما تجلى على الخصوص في كتابه «الشعر الجاهلي» الذي أثار ضجّةً مدوية، لاختراقه النمط المألوف في الكتابة الأدبية والتاريخية، كان مؤهلاً لإعادة النظر في قراءة التراث بما يتلاءم والتفكير العلمي الهادى‏ء والرصين. فكما كان رائداً من هذا المنظور في دراسته الجريئة عن التراث الشعري للعرب قبل الإسلام، والذي تصدى له المتزمتون بحرب شعواء، كان كذلك في دراسته المتميزة عن «الفتنة الكبرى» التي تناولها في ضوء هذا المنهج الجديد، ملامساً عمق المسائل، ومنها الموضوعة السبئية التي كان أول من أثار حولها الشبهة والارتياب. فأسس لاتجاه جديد في حركة البحث العلمي، يصبح معه الشك وسيلة إيجابية لتفسير التاريخ، وليس عنصر إعاقة أو تشويش له.
ومن الواضح، بدايةً، أن شخصية ابن سبأ لم تأخذ مكانها الطبيعي في سياق بحثه، بدليل أنه كرّس لها سياقاً خاصاً، لصعوبة اندماجها من منظوره في حركة المسار التاريخي للمرحلة. نتعرّف إلى ذلك بغير صعوبة في مستهل الحديث عنها، إذ إن الكاتب لا يتعامل مع الرواية كحقيقة، وإنما كواحدة مما هو معروف بالقصص التاريخي من دون أن يرى ضرورة إسنادها إلى مصدرها، مكتفياً فقط باستخدام عبارة: «قال الرواة» أو «قالوا» (54)، الأكثر ملاءمة لطبيعة منهاجه.
يقول طه حسين: وهناك قصة أكبر الرواة المتأخرون من شأنها وأسرفوا فيها، حتى جعلها كثير من القدماء والمحدثين مصدراً لما كان من الاختلاف على عثمان، ولما أورث هذا الاختلاف من فرقة بين المسلمين لم تُمح آثارها بعد، وهي قصة عبداللَّه بن سبأ الذي يُعرف بـ «ابن السوداء»، قال الرواة: «كان عبداللَّه بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء، حبشي الأم، فأسلم زمن عثمان ثم جعل يتنقل في الأمصار يكيد للخليفة ويغري الناس عليه ويذيع في الناس آراء محدثة أفسدت عليهم رأيهم في الدين والسياسة جميعاً» (55).
________________________________________
(54)الفتنة الكبرى، 138.
(55)المكان نفسه، ص 138.

[الصفحة - 158]


بهذه المقدمة يمهّد الكاتب لشخصية ابن سبأ، منطلقاً من الرواية التاريخية المعروفة بشأنها، ومضيفاً منذ البداية جوّاً تعبق فيه رائحة الشك، قبل أن يتابع بالانسياب نفسه حول إقبال السبئي على الأمصار، حيث التقى أبا ذرّ الغفاري وآخرين من الصحابة في الشام، منتقداً عثمان ومتحدثاً برجعة الرسول ووصاية علي. ثم يضيف الكاتب متعمِّداً إغفال الرواية، فينسب القول إلى «بعضهم» أن ابن سبأ «أحكم كيده إحكاماً، فنظّم في الأمصار جماعات خفية تتستر بالكيد وتتداعى فيما بينها إلى الفتنة، حتى إذا تهيأت لها الأمور وثبت على الخليفة، فكان ما كان من الخروج والحصار وقتل الإمام» (56).
وينتقل الكاتب بعد ذلك من الحدث كمادة خبرية إلى تفكيكه والوقوف، نتيجة لذلك، على عنصر المبالغة الواضح فيه من دون أن يخفي استغرابه من إهمال المصادر الأساسية لهذه الشخصية فيقول: «ويخيل إليّ أن الذين يكبرون من أمر ابن سبأ إلى هذا الحد يسرفون على أنفسهم وعلى التاريخ إسرافاً شديداً. وأول ما نلاحظه أنا لا نجد لابن سبأ ذكراً في المصادر المهمة... فلم يذكره ابن سعد.. ولم يذكره البلاذري.. وذكره الطبري عن سيف بن عمر، وعنه أخذ المؤرخون الذين جاءوا بعده فيما يظهر» (57).
لقد شكَّلت هذه الإضاءة على شخصية ابن سبأ، مدخلاً مهماً إلى عالم هذا «الداعية» الذي «اخترق» بجرأته الغريبة مسرح الإسلام كأنه من روّاده وسابقيه الأوائل، خصوصاً في الإشارة الرائدة إلى تفرد الإخباري سيف بن عمر في روايته عنها من دون أن يقتنع بها المؤرخون الكبار، باستثناء الطبري الذي وجد لها متّسعاً بين رواياته الغزيرة. من هذا الباب يلج طه حسين بثقة إلى هذا الموضوع، ليس مشككاً فقط، ولكن نافياً أن يكون لمثل هذه الشخصية ـ إن وُجدت ـ ذلك التأثير في تطورات المرحلة:
«ولست أدري إذا كان لابن سبأ خطر في أيام عثمان أم لم يكن، ولكني أقطع بأن خطره، إن كان له خطر، ليس ذا شأن. وما كان المسلمون في عصر عثمان ليعبث بعقولهم وسلطانهم طارى‏ء من أهل الكتاب أسلم أيام عثمان، ولم يكد يسلم حتى انتدب لنشر الفتنة وإذاعة الكيد في جميع الأقطار»(58).
وهذا منتهى التحليل الواقعي للدور المنسوب لابن سبأ، والذي ألمحنا إليه في
________________________________________
(56)المكان نفسه.
(57)المرجع نفسه، ص 132.
(58)المكان نفسه.

[الصفحة - 159]


القسم الأول من هذه الدراسة. فالمؤرخ يعجب في الواقع لتلك الليونة التي أبداها ولاة عثمان في الأمصار إزاء التحرك المشبوه لهذا الداعية. وإذا رجعنا إلى الرواية التاريخية، وما كان من أمر السبئي في البصرة، فإننا لا نجد في ردّة الفعل من جانب واليها، ما هو متكافى‏ء مع خطورة حركته، إذ يأمره فقط بالخروج من البصرة (59)، كذلك معاوية الذي خاطبه بهدوء (60)، مما لا يتفق وأسلوبه المعتاد إزاء المشاغبين على الحكم في ذلك الوقت. وقد تنبّه طه حسين لهذا الأمر، مستغرباً أن يقدم هذان الواليان، بما عُرف عنهما من شدّة على المعارضة، على التعامل بمثل هذا الأسلوب مع «الرجل الخطير»، فقال معلقاً على ذلك:
« ولو قد أخذ عبداللَّه بن عامر، أو معاوية، هذا الطارى‏ء الذي كان يهودياً فلم يسلم إلا كائداً للمسلمين، لكتب أحدهما أو كلاهما فيه إلى عثمان، ولبطش به أحدهما أو كلاهما. ولو قد أخذه عبداللَّه بن سعد بن أبي سرح (والي مصر)، لما أعفاه من العقوبة التي كان ينزلها بالمحمدين (محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة) لولا خوفه من عثمان. والذي يكتب إلى عثمان يستأذنه في البطش بابن أبي بكر وابن أبي حذيفة وعمّار بن ياسر في بعض الروايات، خليق ألاّ يعفي من عقوبته رجلاً من أهل الكتاب قد اتخذ الإسلام وسيلةً لإثارة الفرقة بين المسلمين وتشكيكهم في إمامهم بل في دينهم كله. ولم يكن أيسر من أن يتبع الولاة هذا الطارى‏ء ومن أن يأخذوه ويعاقبوه، وهم كانوا مهرةً في تتبع المعارضين وإخراجهم من ديارهم وإرسالهم إلى معاوية أو إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد» (61) (أحد قادة جيش الشام).
ويمضي طه حسين بعيداً في تفكيك الرواية «السيفية»، ليتوقف عند نقطة مهمة أيضاً، تتعارض والمنطق التاريخي، وهي الخاصة بالعلاقة بين عبداللَّه بن سبأ وأبي ذرّ الغفاري والتي تجعل الأخير من أتباع الأول ومن السائرين على هديه، فيقول:
«ومن أغرب ما يُروى من أمر عبداللَّه بن سبأ، أنه هو الذي لقّن أبا ذرّ نقد معاوية فيما كان يقول من أن المال هو مال اللَّه، وعلّمه أن الصواب أن يقول من أن المال هو مال المسلمين‏ (62). ومن هذا التلقين إلى أن يقال إنه هو الذي لقّن أبا ذرّ مذهبه كله في نقد الأمراء والأغنياء وتبشير الكانزين للذهب والفضة بمكاو من نار تكوي جباههم
________________________________________
(59)الطبري، ج‏4، ص 327.
(60)المصدر نفسه، ج‏4، ص 283.
(61)الفتنة الكبرى، ص 132.
(62)انظر الرواية في الطبري، ج‏4، ص 283.

[الصفحة - 160]


وظهورهم... وما أعرف إسرافاً يشبه هذا الإسراف، فما كان أبو ذرّ في حاجة إلى طارى‏ء محدث في الإسلام ليعلمه أن للفقراء على الأغنياء حقوقاً، وأن اللَّه يبشّر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل اللَّه بعذاب أليم، وأن المال الذي يكسبه المسلمون حين يظهرون على العدو، أو الذي يؤديه المسلمون إلى بيت المال زكاةً أو خراجاً، هو مال المسلمين يجب أن يضاف إليهم في القول وأن يردّ عليهم بالفعل» (63).
ويضيف لافتاً إلى ريادة أبي ذرّ في الإسلام، ومعايشته القريبة للرسول، آخذاً التفاصيل عن دعوته وعن تجربته في الحكم:
«لم يكن أبو ذرّ بحاجة إلى هذا الطارى‏ء ليعلمه الحقائق الأولية من حقائق الإسلام، وأبو ذرّ سبق الأنصار جميعاً وسبق كثيراً جداً من المهاجرين إلى الإسلام، وهو قد صحب النبي فأطال صحبته، وحفظ القرآن فأحسن حفظه، وروى السنّة فأتقن روايتها» (64).
ولا يكتفي الكاتب بالتصدي النظري لهذه المسألة، حين يتوجه بالنقد إلى مروّجي هذه المعلومة قائلاً: «فالذين يزعمون أن ابن سبأ قد اتصل بأبي ذرّ فألقى إليه بعض مقاله، يظلمون أنفسهم ويظلمون أبا ذرّ، ويرقون بابن السوداء إلى مكانة ما كان يطمح أن يرقى إليها» (65)، ولكنه يخوض فيها معتمداً على القرائن، مستحضراً ردّ الغفاري على كعب الأحبار ووثوبه عليه، إذ سمح الأخير لنفسه بالتدخل «مجتهداً» بينه وبين الخليفة عثمان بشأن فريضة الزكاة (66). وينتهي الكاتب إلى تحليل منطقي للعلاقة بين الإثنين قائلاً:
«فأبو ذرّ ينكر على كعب الأحبار أن يعلمه دينه، بل أن يدخل في أمور المسلمين حتى بإبداء الرأي، مع أن كعب الأحبار.. أبعد عهداً بالإسلام من ابن سبأ، وكان مجاوراً في المدينة يصبح ويمسي بين أصحاب النبي، وكان معاشراً لعمر وعثمان، ثم ألا يتحرج (أبو ذرّ) من أن يتلقى من عبداللَّه بن سبأ أصلاً من أصول الإسلام وحكماً من أحكام القرآن...» (67).
إن طه حسين في بحثه لموضوعة ابن سبأ، كان قارئاً جيداً للتاريخ، وممسكاً بكافة الخيوط فيه من دون أن يدع طرفاً منها يشذ عن الآخر، فجاء هذا البحث متماسكاً
________________________________________
(63)الفتنة الكبرى، ص 133.
(64)المكان نفسه.
(65)المكان نفسه.
(66)يروي الطبري عن سيف أن أبا ذرّ دخل على عثمان، وعنده كعب الأحبار، فقال لعثمان: لا ترضوا من الناس بكف الأذى حتى يبذلوا المعروف، وقد ينبغي للمؤدي الزكاة ألاّ يقتصر عليها حتى يُحسن إلى الجيران والإخوان ويصل القرابات. فقال كعب: من أدى الفريضة فقد قضى ما عليه. فرفع أبو ذرّ محجته فضربه فشجه.. وقال له: يا ابن اليهودية ما أنت وما هاهنا. الطبري ج‏4 ص 284. انظر: طه حسين، الفتنة الكبرى، ص 133.
(67)الفتنة الكبرى، ص 133.

[الصفحة - 161]


في وحدته وبناه، وذلك في رؤية تحليلية ونقديَّة ثاقبة، حصنته من الوقوع فيما وقعت فيه جمهرة المؤرخين الذين كانت قراءات معظمهم مسطحة وجامدة. لقد كانت الثورة على عثمان ـ برأي الكاتب ـ محصلة لعدة أسباب، قد لا يكون محورها السخط على سياسة الخليفة، بقدر ما هي خاضعة في الأساس للتحولات التي مرّت بها دولة الإسلام في أعقاب حركة الفتوح الأولى، تلك التي فشل عثمان في استيعابها على نحو ما فعله الخليفة السابق، باعتماده معادلة توازنية شمولية، أدّت إلى انحسار كثير من التناقضات في عهده. على أن عثمان بنزعته الفئوية أطاح تلك المعادلة التي أحدث انهيارها شرخاً كبيراً أخذ يتوسع حتى انتهى إلى ما فرق بالفتنة. فهل كان ذلك كله من إنجاز عبداللَّه بن سبأ الذي لا ينفك طه حسين يدعوه بـ «الطارى‏ء» على هذه الموجة. إن صح وجوده بالفعل، واصفاً ما قيل حوله في هذا الصدد بأنه «أمور لا تستقيم للعقل ولا تثبت للنقد ولا ينبغي أن تقام عليها أمور التاريخ» (68).
وهذا التشكيك بشخصية ابن سبأ أو بدوره، إنما هو نابع من الحقائق وليس من الاجتهاد فقط، من دون أن يهمل الكاتب مسألة حيوية، تمسّ الجانب السلبي في حركة التدوين التاريخي الإسلامي، وما تتسرّب إليها من روايات لا تتمتع كلها بالثقة، فيصل بناء على ذلك إلى استنتاج واقعي بصدد هذه الشخصية السبئية قائلاً:
«أكبر الظن أن عبداللَّه بن سبأ هذا ـ إن كان ما يُروى عنه صحيحاً ـ إنما قال ما قال ودعا إلى ما دعا إليه بعد أن كانت الفتنة وعظم الخلاف، فهو قد استغل الفتنة ولم يثرها. وأكبر الظن كذلك أن خصوم الشيعة أيام الأمويين والعباسيين قد بالغوا في أمر عبداللَّه بن سبأ هذا، ليشككوا في بعض ما نُسب من الأحداث إلى عثمان ودلالته من ناحية، وليشنّعوا على علي وشيعته من ناحية أخرى، فيردوا بعض أمور الشيعة إلى يهودي أسلم كيداً للمسلمين. وما أكثر ما شنّع خصوم الشيعة على الشيعة، وما أكثر ما شنّع بعض «الشيعة» على خصومهم في أمر عثمان وفي غير أمر عثمان»(69).
ب ـ محمد عمارة: الخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية.
لم ينل عبداللَّه بن سبأ سوى القليل جداً من اهتمام هذا الكاتب الغزير الانتاج، منطلقاً، شأن طه حسين، من الشك بوجود هذا الرجل، وذلك في سياق بحثه لموضوعة
________________________________________
(68)المرجع نفسه، ص 134.
(69)المكان نفسه.

[الصفحة - 162]


«الشيعة والإمامة» (70)، فهذا البحث يناقش أساساً التشيع كعقيدة دينية تبلورت مع هشام بن الحكم‏(71)، نافياً أن تكون ثمة علاقة بين الأخير وعبداللَّه بن سبأ الذي أسّس ـ بناء على رواية سيف ـ لمبدأ «الوصية» جوهر هذه العقيدة (72)، ويعتقد عمارة أن التشيع كان ما يزال حتى أيام هشام، تياراً سياسياً يمثّل الحزب المؤيد لحق علي في الخلافة، ولم يأخذ وجهته «العقيدية» إلا مع جعفر (الصادق) وأبيه محمد (الباقر) وحفيده (الرِّضا)، إذ هؤلاء «تُنسب إليهم أغلب الروايات التي رواها الشيعة في صورة أحاديث عن النص والوصية» حسب قوله‏ (73).
وفي ضوء هذا التوجّه، يعارض عمارة المقولة التي تربط ظهور التشيّع بحركة عبداللَّه بن سبأ في أواخر خلافة عثمان. وهذا الموقف لم ينطلق من قراءته لتفاصيل رواية سيف في الطبري الذي غاب نهائياً عن هوامش هذا البحث، ولكنه عاد إلى ما اقتبسه المقريزي من هذه الرواية (74). ولسنا هنا في مجال التعرّض لمنهج عمارة الذي يجتهد أحياناً بمنأى عن النصوص التاريخية، ما يؤدي أحياناً إلى اختصار الفكرة أو مراودتها عن بعد. ولكن الرجوع إلى النص الأصليّ ـ عدا أنه من أساسيات المؤرخ أو الكاتب في التاريخ ـ فإنه يفتح آفاقاً لا تتيحها المصادر المتأخرة أو المراجع الحديثة.
ولقد انعكس ذلك على منهج عمارة فيما تطرق له من إشارات إلى ابن سبأ من دون أن يكون خارج اللبس ما صرّح به عن الأصول التاريخية التي عاد إليها قائلاً: «وتنسب أغلب مصادر التاريخ والفكر الإسلامي إلى ابن السوداء هذا نشاطاً عظيماً وجهداً خرافياً» (75). فهو لم يعرّف أولاً لمن هذه المصادر، وثانياً، إن موضوع ابن سبأ لم يرد إلاّ في رواية واحدة شكّلت المصدر الوحيد له، وثالثاً، إن المادة التي اقتبسها ليست مطابقة تماماً لما جاء في الرواية الأساسية. فقد نسبت هذه «المصادر» لابن سبأ دوراً خرافياً بالفعل، ومن خلالها جاءت ترجمته لدى عمارة كما يلي: «تقول (المصادر) أنه أتى الحجاز وتقشف وقام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طلباً للرئاسة. ثم لعب دوراً كبيراً في إيقاع الفتنة بين الصحابة وأكابرهم، ثم حرّض على قتل عثمان وحرّك الناس في هذا السبيل. وفي خلافة علي أفسد المحاولات التي كادت تنجح للصلح في البصرة بين علي وطلحة والزبير. ثم جاء دوره في ظهور التشيع عندما جاء إلى الكوفة يُظهر تعظيم
________________________________________
(70)) الخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية ص 151 وما بعدها.
(71)فقيه من أصل فارسي عاصر الإمام جعفر الصادق.
(72)عمارة، المرجع السابق، ص 153.
(73)المرجع نفسه، ص 153.
(74)المرجع نفسه، ص 154.
(75)المكان نفسه.

[الصفحة - 163]


علي بما لا يرضاه علي، ويستغوي بذلك من ليست له صحبة ولا فقه في الدين، كالبوادي وأهل السواد ويتحدث بينهم، وربما استقر عندهم فعل أبي بكر وعمر وعثمان، ويقدم أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب) عليهم في الفضل. وكان يدعي أن علياً يستخصّه، ويخرج إليه بأسرار لا يخرج بها إلى غيره، وعلي لا يعلم ذلك» (76).
إن هذا التوصيف لدور ابن سبأ والذي اقتبس الكاتب معظمه عن «تثبيت دلائل النبوة» للقاضي عبد الجبار، لا يجنح فقط إلى المبالغة ولكنه يتجاوز ما جاء في رواية سيف من تفاصيل، غير أن الكاتب وقد أورد ذلك لا يبدو مقتنعاً بهذا الدور الذي سرعان ما يصطدم عنده بالشك متعاملاً بحذر مع «داعية» اختلف بشأنه المؤرخون. إذ قاد البحث عنه فريقاً إلى إنكار شخصيته كلياً ورأى «أن مؤرخي السنّة قد اخترعوها كي يعلقوا في عنقها الأحداث والصراعات والدماء التي سبّبها الصراع على السلطة، حتى تظلّ لصحابة رسول اللَّه قدسيتهم وصورتهم المثلى في النفوس. كما قاد هذا البحث البعض الآخر إلى التسليم بوجود هذه الشخصية. ولكن مع رفض المبالغة في الدور الذي لعبه في تلك الأحداث» (77).
وإذا كان هذا التصنيف الذي أورده عمارة يتفق والمبدأ العام لدى الفريقين في النظرة إلى شخصية ابن سبأ، فإنه ليس خاضعاً بالمطلق لهذه الرؤية المجردة. ولعله يغفل من هذا المنظور حقيقة هامة، وهي أن رائد الشك بهذه الشخصية كان طه حسين، مقدّماً قرائن علمية بارزة في هذا السبيل من دون أن يرد كتابه «الفتنة الكبرى» بين مصادر الكاتب ومراجعه، كذلك فإن مؤرخاً غير شيعي نظر إلى ابن سبأ بما يتعدى الشك إلى الرفض وهو هشام جعيط في كتابه القيم عن «الفتنة» (78). على أن عمارة وإن كان مطلوباً منه التعمق أكثر في دراسته لشخصية السبئي، فإنه في وعيه أقرب إلى إسقاطها من الهالة التي أحيطت بها، ذاهباً إلى رفض العلاقة أساساً بينها وبين حركة التشيع.
وقد خلص في تقديمه لشخصية ابن سبأ وارتباطها ـ بما يزعم ـ بحركة التشيع إلى القول: «أما فيما يختص بموضوعنا، موضوع التأريخ لنشأة التشيع، فإن وجود ابن سبأ ـ على فرض التسليم بوجوده ... لا يصلح دليلاً على أن التشيع ظهر في ذلك التاريخ... وحتى الشيعة لا يروون عنه شيئاً من ذلك.. ومن هنا فإن عصره لا يصح أن
________________________________________
(76)المرجع السابق، ص 154.
(77)المرجع نفسه، ص 154 - 155.
(78)الفتنة، جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر، ص 75.

[الصفحة - 164]


يتخذ بدءاً لتاريخ ظهور الشيعة والتشيع بالمعنى الفني المعروف» (79).
ولكن عبداللَّه بن سبأ ـ كصاحب دور يتعدى هذه المسألة ـ لم ينل حظاً من الدراسة المعمقة لدى عمارة، مما كان سبباً في الارتباك الذي ساد أحياناً البحث، وكان ناتجاً في الأساس عن ابتعاد الكاتب عن الرواية الأصلية التي ذكرت أخبار هذا الداعية، ولو عاد إليها، ربما تفادى الوقوع في أخطاء ثلاثة ليس على المؤرخ الوقوع فيها، وهي:
1 - قوله: إن المصادر المعتمدة لم تنسب إلى ابن سبأ القول بالنص والوصية (بل نسبت إليه فقط القول بتفضيل علي على الصحابة) (80). وهذا مخالف لما جاء في الرواية من قول ابن سبأ في هذا المجال: «لكل نبي وصي وكان علي وصي محمد.. محمد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء»(81).
2 - لم يرد في الرواية ما يتعدى تحريض ابن سبأ على الخليفة عثمان، دونما إشارة إلى التعريض بأبي بكر أو عمر، خلافاً لما ورد عند عمارة في هذا السبيل.
3 - ما جاء من تناقض الكاتب مع نفسه، حين رأى أن الشيعة لم يرووا شيئاً من قول ابن سبأ بالوصية والنص، في الوقت الذي وصف الشيعة، من قبل، بأنهم يرفضون بالمطلق وجود هذا الرجل.
ـ3ـ
رافضو هذه الرواية
أ ـ محمد عبد الحي شعبان‏ (82) وهشام جعيط (83).
إنها مسألة منهج يمكن على أساسها تقويم شخصية ابن سبأ، إذا كانت حقيقة أو أسطورة، أو بين الإثنتين كحدث عابر في مسار تلك المرحلة. ومن هذا المنطلق ربما نفسر تجاهل المؤرخ المعاصر محمد عبد الحي شعبان لهذه المسألة، على الرغم من خوضه على نطاق واسع في إشكالية الفتنة والصراعات التي واكبتها. فقد أسقط تماماً الموضوعة السبئية من كتابه، على الرغم من عودته في هذا السياق إلى الطبري وإلى رواية سيف بالذات، دون أن يعني ذلك سوى أنها لم تتلاءم مع المنهج العلمي، ربما
________________________________________
(79)عمارة، المرجع السابق، ص 155.
(80)انظر الكتاب، ص 155.
(81)الطبري، ج‏4، ص 340.
(82)صدر الإسلام والدولة الأموية.
(83)الفتنة، جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر. ترجمة خليل أحمد خليل.

[الصفحة - 165]


المتشدد، الذي اختاره لدراسته، بحيث يصبح التجاهل هنا بمثابة الرفض.
وفي ضوء هذا المنهج، تجنّب مؤرخ معاصر آخر هو هشام جعيط الذي ينحو الاتجاه نفسه في التاريخ، مع رؤية أكثر شمولية وواقعية، التوقف عند هذه الحادثة على الرغم من اتخاذ «الفتنة» التي برز في ظلها ابن سبأ، محوراً لكتابه. ولم تعن وقفته السريعة عندها مدى التأكيد على رفضها وعدم الاقتناع بوقوعها. وقد جاء ما ينمّ عن هذا الموقف في تعقيب المؤرخ جعيط على خطاب أبي ذرّ الغفاري في الشام، المندّد بـ «اكتناز» الأغنياء للمال والنزوع إلى الترف، حيث يقول: «هذه الرواية التي تضع عبداللَّه بن سبأ على المسرح لا يمكن قبولها»، وينتهي إلى اعتبارها رواية «ملفقة» (84) في الأساس.
ب ـ أحمد لواساني: نظرات في تاريخ الأدب.
هذا الكتاب يتعرض لقضية ابن سبأ، على أنها حركة مدسوسة على الإسلام، أبطالها اليهود الذين تظاهروا بهذا الدين وما انفكوا يتآمرون عليه حسب رأيه. ويصل به الأمر ليس إلى الشك بالرواية، ولكن بصاحبها نفسه (سيف بن عمر) متسائلاً بشأنه فيقول: «إذا لم يكن... هذا يهودياً أظهر الإسلام كما فعل كثيرون غيره من أجل افتعال الأحاديث وخلق الفتنة ـ وأحاديثه وأخباره تؤيد هذا الظن ـ فهو على الأقل يفهم نفسية اليهود ويدرك أساليبهم» (85). ولعل مثل هذا الحكم على إخباري هو أحد ثلاثة أو أربعة (86)، اعتمد المؤرخون أساساً على روايتهم فيما دوّنوه من أحداث القرن الأول ومعظم القرن الثاني الهجريين، قد لا يكون مقبولاً، وبهذه السرعة، لدى المؤرخ الذي ربما طعن برواية أو أكثر لأحد هؤلاء الإخباريين، ولكن إسقاط ذلك كلياً عليه سيجنح بنا إلى المبالغة، وبالتالي سيقودنا إلى الطعن بكل الروايات التاريخية، سواء المنسوبة لسيف أو لغيره من أهل الأخبار، وليس على المؤرخ الواقعي هنا، أن يقلّل من أهمية ما أورده إحسان عباس في ردّه على مرتضى العسكري بشأن سيف وطعن الأخير بكل رواياته، إذ يقول عباس:
«هل يكفي إدانة أهل الحديث لسيف بأنه ضعيف متروك، لتحملنا على رفض رواياته التاريخية؟ لقد كان لأهل الحديث مقاييسهم الخاصة في التعديل والتوثيق». ثم
________________________________________
(84)المرجع السابق، ص 75 هامش (1).
(85)نظرات في تاريخ الأدب، 318.
(86)أبو مخنف، عوانة بن الحكم، سيف بن عمر، الواقدي.

[الصفحة - 166]


يضيف: «هل من الممكن أن يكون سيف قد اختلق كل هذا، أي كتب تاريخاً من خياله؟». وينتهي إلى القول عن سيف بأنه «كان يحاول كتابة موسوعة تفصيلية للأحداث ولا يقتصر على ملخص عام... ماذا تقول (مخاطباً العسكري) في سيف حين تتفق روايته مع روايات أخرى لرواة آخرين؟» (87).
لقد نسج اللواساني في الواقع على منوال العسكري، فلم يقم بدراسة الرواية، مفككاً عناصرها ومخترقاً نقاط الضعف فيها، وإنما رفضها بالمطلق وعن سابق تصميم، وهذا ما يعبّر عنه قوله: «في الكذبة الكبرى التي اختلقها سيف بن عمر، حين خلق شخصية أسماها عبداللَّه بن سبأ، وأتباعاً له دعوا السبئيين، نجد حالة تصوّر لنا العقلية التي يمكن أن تخطّط لمثل هذا التدبير وتتوصل إلى مثل هذه النتائج» (88). ويتخذ مثلاً على ذلك، ما رواه هذا الإخباري (سيف) عن دور ابن سبأ في معركة الجمل، مما لا ينسجم «مع الواقع التاريخي» أو ينطبق «مع أي من المصادر الإسلامية» حسب قوله‏ (89).
والكاتب لا يؤرخ لهذه الحادثة، بل هو معني في الصميم بالدور اليهودي المشبوه الذي حاول اختراق الإسلام من خلال شخصيات توزعت المهام في هذا السبيل، وكان من يمثلها برأيه: عبداللَّه بن سلام «الذي تجمع حول اسمه كثير من الأحاديث والأخبار المشكوك بأنها مدسوسة على الإسلام» (90)، وكعب بن مانع المعروف بكعب الأحبار الذي تنبأ لعمر بن الخطاب بمقتله، «وكان أبرز المتهمين بتسرب أخبار وتأويلات يهودية إلى الإسلام على يده» (91)، ووهب بن منبه «الذي يأتي في أوائل الذين ألّفوا كتباً من تلك التي أدخلت في الإسلام أخباراً كثيرة» (92)، بالإضافة طبعاً إلى عبداللَّه بن سبأ. وقد اكتفى الكاتب بما اشير إلى دوره في حرب الجمل، دون أن يتطرق إلى «دعوته» في المدينة والأمصار، محرّضاً على عثمان ومروّجاً لعلي «وصي النبي». وبناءً على هذا المفهوم وعلى غرار ـ العسكري ـ يكون سيف بن عمر، القضية التي استأثرت باهتمام الكاتب، وذلك على حساب السبئي الذي أصبح بداهةً غير موجود، استناداً إلى «اختلاق» الرواية له في الأساس، «وافتعال» صاحبها أخباراً لا تمتّ برأيه إلى الحقيقة بصلة.
________________________________________
(87)انظر رسالة حسان عباس إلى مرتضى العسكري معلقاً على كتاب الأخير: عبداللَّه بن سبأ وأساطير أخرى، ص 247 - 248.
(88)نظرات في تاريخ الأدب، ص 316 - 317.
(89)المرجع نفسه، ص 317.
(90)المرجع نفسه، ص 320.
(91)المرجع نفسه، ص 321.
(92)المكان نفسه.

[الصفحة - 167]


ج ـ السيَّد مرتضى العسكري: عبداللَّه بن سبأ وأساطير أخرى.
عود على بدء، كما يُقال، فالسيد العسكري، وإن لم يكن رائد إثارة الإشكالية السبئية، هو على الأقل مثيرها على نطاق واسع، من خلال كتابه السالف، الذي ربما كان الوحيد الذي طرق مباشرة هذا الموضوع. وهذا ما دفعه ـ استناداً إلى خلفية ظاهرة ـ إلى النقد من منظور سلبي لكافة «أحاديث سيف»، حيث كان «منشأ الأسطورة السبئية» (93) على حد قوله. وإذا كانت قيمة هذا الكتاب تنحصر في هذه المسألة، أي في الجهد الذي سخّره في تقصّي الروايات «السيفية»، وامتدادها في عدد من المصادر والمراجع، بما انطوت عليه من مفارقات ومقارنات في آن، فإنه لم يشكّل بحثاً وافياً ومقنعاً عن عبداللَّه بن سبأ، عنوان الكتاب.
وكما أشرنا في القسم الأول من دراستنا، فإن العسكري تناول شخصيَّته رافضاً لوجودها منذ البداية من دون أن يأخذ بالنقد الرواية أو ينتهي إلى استنتاج بشأنها. فقد استهلّ كتابه بما يشبه التمهيد له، بعنوان «الأسطورة السبئية»، طارحاً أربعة أسئلة هي:
من هو ابن سبأ، من هم السبئيون، وما هي دعاواه، وما هي أهم أعماله؟.
هذه الأسئلة الكبيرة لم تأخذ من الكتاب سوى ست صفحات، ولا نبالغ إذا قلنا إنها لم تجب عن أي منها. فقد لخّص بكثير من السرعة أخبار السبئي كما جاءت في الرواية «المزعومة» لسيف الذي يصفه الكاتب بـ «القاص» (94) والذي ينسج ـ برأيه ـ خيالاً ولا يروي حقائق تاريخية. ثم يعرض بعد ذلك لكبار السبئيين استناداً إلى «الأسطورة» وهم: أبو ذرّ الغفاري، وعمار بن ياسر، ومحمد بن أبي حذيفة، وعبد الرحمن بن عديس، ومحمد بن أبي بكر، وصعصعة بن صوحان ومالك الأشتر. ولعل ما ذكره عن هؤلاء، لم يأت في سياق علاقتهم بالسبئية أو «انضوائهم» تحت رايتها، وإنما اقتصر ذلك على ترجمة لكل منهم، جاءت خارج الموضوع، قبل أن ينتهي إلى تعقيب لا يعبّر عن الأفكار الواردة فيها، إذ يقول:
«هذه هي أسطورة ابن سبأ بإيجاز، وهؤلاء هم السبئيون إلى مئات من أبرار المسلمين من صحابة وتابعين ونظرائهم» (95).
________________________________________
(93)عبداللَّه بن سبأ وأساطير أخرى، ص 35.
(94)المرجع نفسه، ص 31.
(95)المرجع نفسه، ص 34.

[الصفحة - 168]


ولا يقصد هنا بالطبع سوى ما «زُعم» عن هذا «الحزب السبئي» ورجالاته، إلا أن ترجمة هؤلاء ليست بصدد السبئية على الإطلاق. فكيف انخرطوا في هذا «الحزب»، وما كان دورهم فيه، وما كانت وجوه نشاطهم إلى آخر هذه الأسئلة؟ ذلك ما لم تجب عليه «الترجمات» التي يمكن اتخاذ نموذج منها للدلالة على انفصالها التام عن محور الموضوع.
يقول العسكري عن الأشتر: «هو مالك بن الحارث بن يغوث بن سلمة بن جذيمة بن مالك النخعي. أدرك رسول اللَّه(ص). وهو من ثقاة التابعين وكان رئيس قومه. شهد اليرموك فشترت عينه ولقب بالأشتر. صحب علياً(ع) في الجمل وصفين وله مواقف شهيرة فيهما. ولاه على مصر سنة (38 هـ)، فلما وصل إلى القلزم دسّ إليه معاوية السم بالعسل وتوفي متأثراً بالسم» (96).
وما ذكره العسكري عن الأشتر لا يختلف عن بقية «كبار السبئيين» السبعة الذين تحدّث عنهم بمعزل عن الصفة المنسوبة لهم.
بعد ذلك يورد لائحة بأسماء المروّجين للسبئية، دون الالتزام بالتسلسل الزمني، مبتدئاً بالشيخ محمد رشيد رضا ومنتهياً بالذهبي، مروراً بعدد كبير من المؤرخين القدامى والمحدثين مثل: الطبري وأبي الفداء وابن الأثير وأحمد أمين وحسن ابراهيم حسن وفلهوزن وفان فلوتن الخ.. (97). على أن هذه اللائحة من المروّجين، ملخصةً في الجدول الذي ختم به هذا الفصل، لا تبدو مهمة بالنسبة للمؤرخ الذي تعنيه جذور الرواية وليس امتدادها في المراجع، إلا إذا كانت الغاية من ذلك مناقشة الأفكار الواردة فيها، وهو أمر لم أجد العسكري خائضاً فيه أو مقارباً له بصورة جدية.
وإذا كان توسيع دائرة البحث ليشمل دراسة «مقارنة» لأحاديث سيف، قد قصد الكاتب من ورائه تجريد هذا الإخباري من الثقة برواياته، بما يسقط بداهةً على رواية ابن سبأ «الأسطورة»، فإن هذا الموضوع لم ينل ما يستحقه على مستوى العمق والشمولية، ولكن ما حققه العسكري من رصد لهذه الروايات (الأحاديث) وتوثيق لها ومقارنة مع الروايات الأخرى، يعدُّ عملاً جليلاً بحد ذاته. وقد شكل ذلك محاولة قراءة جديدة لشخصية ابن سبأ، بصرف النظر عما انطوت عليه من أفكار مسبقة، سرعان ما تجلت في
________________________________________
(96)المكان نفسه.
(97)المرجع نفسه، ص 37 - 56.

[الصفحة - 169]


السطور الأولى من الكتاب. ومن هذا المنظور، فإن الكاتب على الرغم من أنه لم يكن البادى‏ء في إثارة الإشكالية السبئية، فإنه من دون شك كان أول الطارحين لها على هذا المستوى الجدالي الحاد، مما لم يعد باستطاعة أحد من المؤرخين معه تجاهل ذلك اللبس الذي أحاط بشخصية ابن سبأ، أو الخروج من دائرة الشك، على الأقل بدوره «الطارى‏ء» في واجهة أحداث الفتنة.
د ـ ابراهيم محمود: أئمة وسحرة، البحث عن مسيلمة الكذاب وعبداللَّه بن سبأ.
ونحن نكاد ننهي دراستنا عن عبداللَّه بن سبأ، وصلنا هذا الكتاب، الصادر حديثاً (مطلع 1996)، وقد رأينا لمزيد من الفائدة إدراجه بين مجموعة الدراسات التي تعرضنا لها في هذا السياق، على أن الكتاب، وصياغة عنوانه لا يحتاج أمامهما القارى‏ء إلى التوقف، ليدرك أنه ليس بحثاً في التاريخ، بقدر ما يندرج في فلسفة التاريخ، لا يضيف جديداً بارزاً إلى الموضوعة السبئية، بل إنه ـ أي الكتاب ـ ربما تركنا أكثر بلبلة بشأنها. وهذا ما يواجهنا بالفعل منذ الصفحات الأولى من البحث، والإعلان عن موقف صاحبه من التاريخ، باعتباره «مجالاً مفتوحاً للنظر فيه. يحرّك فينا الأسئلة الكبرى والمتعلقة بما يتضمنه من علاقات وما يثيره من أفكار، وما يقوم عليه من حجب الأفكار وثغرات تتخلل بناءه الفكري، وتداخلات تستدعي المجادلة» (98).
وفي ضوء هذا الموقف، فهو يلج موضوعه بحذر شديد ويميل إلى «المساءلة» و«الاستنطاق»، وهما عبارتان غالباً ما استخدمهما في التعاطي مع النص التاريخي بمجمله، والذي يبقى عنده موضع ارتياب، ولذلك يرى أن شخصية ابن سبأ «بولغ في أهميتها وخطورتها» (99)، كمحرك رئيس للفتنة التي «شكلت المنبع لظهور المناوئين للدولة الإسلامية في طابعها السني» حسب تعبيره‏ (100). هل يرى الكاتب هنا أن عبداللَّه بن سبأ شخصية مختلقة في التاريخ؟ قد لا يبدو ذلك واضحاً، على الأقل في مقارنته مع شخصية واقعية من رموز الردّة، أعني بها مسيلمة الكذّاب، خصوصاً المقارنة بين ما يعتبره الكاتب «منافسة» من الأخير للنبي، و«طعن» السبئي «في شخصية عثمان، بل السابقين عليه، بدعوى أن علياً وصي النبي محمد» (101).
________________________________________
(98)انظر الكتاب، ص 14.
(99)المرجع نفسه، ص 17.
(100)المكان نفسه.
(101)المرجع نفسه، ص 167.

[الصفحة - 170]


والكاتب هنا يعود إلى رواية سيف في حيثياتها المعروفة (102)، أي أنه ينطلق من اعتراف بشخصية ابن سبأ، إلا أنها «تقارب الأسطورة بالنسبة للتاريخ» (103) حسب تعبيره، ويورد دلالات كثيرة في هذا المجال، تقلّل من أهمية الدور المنسوب إليه، ومن ذلك استغرابه من انخراط شخصية صحابية كبيرة، «ومن الموعودين بالجنة» مثل عمار بن ياسر في هذه «الشبكة السبئية»(104). غير أن الكاتب يعود مرة أخرى إلى بحث هذه الموضوعة على مستوى التاريخ وعلاقتها بـ «اليهودية المؤسطرة»، أو ما عرف في الأدبيات الإسلامية بالإسرائيليات، متعمّداً الدخول من هذا الباب إلى عالم عبداللَّه بن سبأ، باحثاً عنه وملامساً حقيقة دوره الغامض.
يقول محمود: «إن ابن سبأ، أو ابن اليهودية، أو ابن السوداء للذم والتحقير، شكّل شخصية اكتسبت كل الأبعاد التي تجعلها، وجعلتها، أسطورية من جهة، وتقدمها وقدمتها الدراسات التي تناولتها داهية في التاريخ العربي الإسلامي، في فترة من أكثر فتراته حساسية ودراماتيكية (في القرن الأول منه) من جهة ثانية، وتسند وأسندت إليها دوراً تآمرياً في تلغيم وتوتير هذا التاريخ، ومن خلال أكثر الرموز الدينية حضوراً (أو من أكثرها على الأقل) في هذا التاريخ، وزحزحةٍ جانبية وتشطياته له من جهة ثالثة. تلكم هي الشخصية الرمز المسمَّاة.. عبداللَّه بن سبأ» (105). وفي ضوء ما تقدم، ينزع الكاتب إلى اعتبار ـ هذه الشخصية، شخصية أسطورية، إلا أن ذلك غير مطابق لوجهة العسكري الذي ينفي وجودها منذ أول كلمة في كتابه، إذ تبقى نظرته (محمود) محكومة بهذا المنحى الجدلي: «ليس الموضوع الذي هو في متناولنا، يقتصر على حقيقة هذه الشخصية.. إنما هو ما يُحرك هذه الشخصية تاريخياً... إذ البحث في موضوع عبداللَّه بن سبأ وما إذا كان فعلاً شخصية حقيقية أم لا، لا يفيدنا، لأن ذلك لن يزحزح هذه الشخصية، بالعلاقات التي عُرفت بها والدلالات الخاصة بها، ولن يغير ذلك فيها موقعاً ودلالة تاريخيين شيئاً وبسهولة»(106).
لا شك أن الكاتب يملك حسّاً مرهفاً مكّنه من الخوض على هذه المساحة «الملغمة» برباطة جأش، دون الانصياع للمسلمات التي بدت شبه قائمة في الدراسات التاريخية بصدد هذه المسألة. بيد أنه يخوض في هذه المسألة على مستوى فكري،
________________________________________
(102)المرجع نفسه، ص 169.
(103)المرجع نفسه، ص 167.
(104)المرجع نفسه، ص 175.
(105)المرجع نفسه، ص 192.
(106)المرجع نفسه، ص 193.

[الصفحة - 171]


مستنطقاً النص في هذا الصخب الجدالي الذي يصبح غاية في معظم الأحيان لديه، بخلاف طريقة المؤرخ ومنهاجه الذي يتوسل إثارة الجدل طريقاً إلى مقاربة الحقيقة التاريخية. ولذلك فهو يمعن في طرح الأسئلة، أو المساءلة ـ كما يؤثرها ـ من غير أن تتوفر له إجابات هادئة، تسهم في إضاءة المدى الواسع الذي يسبح فيه. ولعله يبدو أكثر اقتراباً من موقع المؤرخ، في الصفحات التي يناقش فيها الموضوعة السبئية من خلال النظرة في المصادر إليها، متوقفاً عند ستة من المؤرخين والفقهاء ممن تناولوها في عهود متفاوتة:
1 - الطبري: يلاحظ الكاتب، ـ متأثراً بنظرة طه حسين ـ برغم تقديره للمكانة التي يحتلها «هذا المؤرخ الإسلامي الكبير»، أن ركام الروايات التي أوردها لم ينقذه من الوقوع في «التناقض»، إذ «كيف يمكن ـ والكلام للكاتب ـ الجمع بين يهودي، يُعرف بمثل هذا الخبث والدسّ والنفاق والكذب، وصحابي جليل ورع كان جريئاً في مواجهته للآخرين (أبو ذر الغفاري)... فهل كان بحاجة إلى ابن سبأ وهو نقيضه في نواياه، ليأخذ منه درساً في الثورية العقائدية، وفي وضع حد لظلم المسلم في المسلم وإحقاق الحق» (107). ويمضي في هذه المجابهة مع المؤرخ الكبير، متسائلاً مرة أخرى كيف يمكن الجمع بين جهاز الشرطة الذي أسسه عثمان، والنشاط المكثف الذي كان يقوم به اليهودي ابن سبأ (108)، وبالتالي كيف يُستدعى الغفاري للتحقيق معه أكثر من مرة في الشام، ولا ينطبق ذلك على ابن سبأ الذي اكتفى معاوية بطرده، من «دون تعريضه لعملية تأديب معينة»(109). ويخلص إلى التشكيك في الرواية التي أوردها الطبري من غير تمعن أو تمحيص، بل إن الشك يذهب إلى المؤرخ نفسه الذي لم ينف عنه الكاتب محمود، التأثر بخلفيته «المعتقدية في تجليها المذهبي الرسمي تماماً» (110)، حسب تعبيره.
2 - المسعودي: لا يرى الكاتب عند هذا المؤرخ، علاقة واضحة بين أطراف الأزمة ـ الفتنة (عثمان، أبو ذرّ، ابن سبأ)، إذ يكتفي المسعودي من ذلك بمواجهة بين الأولين وكعب الأحبار، من خلال مروية مقتبسة على ما يبدو عن الطبري. ويعتقد محمود أن النزعة «الشيعية» (111) عند المسعودي، كانت وراء إهماله لإخبار ابن سبأ.
3 - الشهرستاني: يقتصر ما رواه عن هذا الفقيه، على إشارة عن ابن سبأ متزامناً
________________________________________
(107)المرجع نفسه، ص 194 - 195.
(108)المرجع نفسه، ص 196.
(109)المكان نفسه.
(110)المرجع نفسه، ص 198.
(111)المرجع نفسه، ص 199.

[الصفحة - 172]


مع خلافة علي، بوصفه أحد الغلاة الذين ظهروا في عهده، «وكأنه ـ والكلام للكاتب ـ يلجأ إلى الفخر... بإشارته هذه، في ربطه ربطاً خفياً، ومن ثم وظيفياً (بنيوياً) بين نشاطات علي، والنزوع المذهبي «الأيديولوجي» الشيعي باسمه.. أي أنه يؤرخ لوعي انقسامي في حياة الأمة (الإسلامية) وطوائفي ومللي، حيث تجلت الصراعات الدّمويَّة واضحة» (112).
4 - أبو الحسن الأشعري: وقد أشار إلى الغلاة ومنهم السبئية الذين زعموا «أن علياً لم يمت، وأنه يرجع إلى الدنيا قبل يوم القيامة، فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً» (113). أي أن الأشعري يربط، وإن بخلفية أقل بروزاً من الفقيه السابق، بين «هؤلاء الغلاة، وعليّ نفسه ربطاً معتقداتياً... فيجري التركيز على البعد الإنقسامي في أمة الإسلام من جهة، وتنبيه القارى‏ء إلى هذا المنبع اليهودي المؤثر والسلبي للتشيع من جهة ثانية» (114).
5 - ابن الأثير: يختصر، برأي الكاتب، حديثه في هذه المسألة، على العلاقة بين الفتنة و «الداعية» اليهودي، محاولاً ـ كما الطبري الذي تأثر مباشرة به ـ إظهار الهدف التضليلي والإفسادي للحركة السبئية.
6 - ابن خلدون: يتوسع الكاتب في شرح ملابسات الحركة السبئية عند هذا المؤرخ الذي «يبدو ـ برأيه ـ أكثر طواعية مع فكرة الخطر اليهودي المؤسطر... وأكثر صراحة وتشدّداً حول هذا الموضوع، عندما يعظم دور اليهودي (ابن السوداء) ودفعه للناس في طريق الضلالة والفساد والغوغائية والقتل» (115). ويروي عن ابن خلدون أن عبداللَّه بن سبأ «كان متشيعاً لأهل البيت... وكان يجد باستمرار من ينخدع به... ومن بين هؤلاء الذين دخلوا دائرته السرية، عمّار بن ياسر»(116)، أما رأي الكاتب محمود فيما أورده ابن خلدون بشأن هذه الموضوعة، فإنه يردّ ذلك إلى الخلفيَّة «السنية» المتشددة لهذا المؤرخ الذي كان هاجسه، شأن معظم المؤرخين المتحركين في دائرة الخلافة، باعتبارها رمز وحدة الإسلام، وكل مناوى‏ء لها لا يتردّد أحد منهم في تصنيفه خارج الإسلام، ومنهم بالطبع أو «على رأسهم» (117)، عبداللَّه بن سبأ.
ولعل الكاتب محمود، وهو لا يبدو معنياً كثيراً من وجهة نظر المؤرخ ـ كما سبقت
________________________________________
(112)المرجع نفسه، ص 201.
(113)المكان نفسه.
(114)المرجع نفسه، ص 202.
(115)المكان نفسه.
(116)المكان نفسه، انظر ابن خلدون، كتاب الصبر، ج‏2، ص 139 - 144.
(117)المكان نفسه، ص 203.

[الصفحة - 173]


الإشارة ـ بشخصية عبداللَّه بن سبأ، بقدر ما تندرج عنده في العملية النقدية للفكر التاريخي، يراود في وعيه مسألة مهمة في هذا المجال، تأخذ به إلى إشكالية التاريخ برمته، خصوصاً على مستوى العلاقة بين المؤرخ والحدث التاريخي، وما يعكسه الأخير من مؤثرات على الأول تجعله مصنفاً في هذا الاتجاه أو ذاك، وبهذا المعنى ـ كما يرى الكاتب ـ «لا يعود ابن سبأ هو الموضوع الذي يبحث فيه، وإنما هو الفاعل في المؤرخ والباحث عنه، فهو إذ يكتب عن ابن سبأ أو يغض النظر، فإنما يفصح عن كينونته وجبّلتها الإنسانية، عن حضورها الواقعي ومسارها الاجتماعي، ويستنطق ذاته بالتالي، وهل كنا نستطيع أن نعرف المؤرخ على حقيقته هذه، لولا ابن سبأ؟ فهو في الحديث عنه مصنّف للمؤرخين، ومختبر لإمكاناتهم ومدى حضورهم في التاريخ نفسه» (118).
ومن البديهي أن يوصله هذا المنطق إلى التشكيك بالرواية «السبئية» أساساً أو رفضها ضمناً، لا سيما أن الطبري الذي أورد تفاصيلها، حوى «تاريخه» العديد من الروايات المتناقضة، وبينها هذه الرواية بما انطوت عليه من نقاط ضعف واضحة. ويلامس الكاتب هنا المنهج الذي انضوت فيه كتابة التاريخ في ذلك الزمن، باتخاذها وجهة معينة لعدة قرون، واستمرارها على هذا النحو في معظم الدراسات الحديثة. ولكن تفسيره لاشكالية التراكم عند المؤرخ «الإسلامي»، قد لا يكون مقنعاً من وجهة نظر البحث التاريخي الذي يبنى على القارى‏ء «لاستخلاص النتيجة» (119) وفقاً لمنهج الطبري المعروف. ذلك أن مثل هذا التراكم الذي كان بعضه عشوائياً وربما الآخر مقصوداً، أسهم في بلبلة هذا التاريخ، وجعل كثيراً من أحداثه ملتبسة، أو مزدوجة المغازي والأبعاد، مما كرّس لاحقاً مبدأ التوليف والتسوية بين إسلام غير جذري، وبين سلطة سياسة يتروّض فيها وتقوده مصالحها.
والفتنة التي برز بين أركانها عبداللَّه بن سبأ، ربما لم تكن في حجمها الذي بولغ فيه على الأرض، ولكنها تصبح أكثر نبضاً في روايات المؤرخين، إذ تلقفوها ـ كما غيرها من الأحداث ـ بالخلفية ذاتها التي دفعت بهم إلى هذا المضمار، وما توالد عنها، من دوائر كبيرة وصغيرة، جعلت صورتها التاريخية غائمة أو مشوشة.
وإذا كان الكاتب محمود لم يصل في بحثه إلى نتائج ترضي المؤرخ بصدد
________________________________________
(118)المرجع نفسه، ص 204.
(119)المرجع نفسه، ص 205.

[الصفحة - 174]


الإشكالية السبئية، فإن إثارته لهذا الموضوع من زاوية منهج التاريخ وفلسفته، أمر جدير بالاهتمام والتنويه. فالمؤرخ، إنما يعنيه النص بذاته ويؤثر الدوران فيه، ناقداً ومحللاً ومستخلصاً، أكثر من الاستغراق في الجدل حوله، وإن كان على مسافة قريبة منه. ولكن هذا الكاتب ـ كما يتضح من دراسته ـ لم يكن هدفه التأريخ لابن سبأ ودوره في «الفتنة» الشهيرة، بقدر ما توخى الوصول إلى نظرية في التاريخ، وهو أمر حقق فيه بصورة ما نجاحاً، وكان لا بد في النتيجة أن يصب شي‏ء من ذلك في جوهر الموضوع، وأن تحدث «المساءلات» هزة فيه، مما يعزّز إعادة قراءته من خلال رؤية المؤرخ نفسه. قد يتجلى ذلك على الأقل في استنتاجه الأخير بصدد هذه المسألة:
«هكذا رأينا، مع عبداللَّه بن سبأ، حيث كانت حقيقته التاريخية معرضة لأكثر من حالة نهب تاريخية وإضاعة لمعالمها الفعلية وبعثرة لجغرافيتها الاجتماعية والتاريخية، نظراً لتعرضها الكبير لرهانات مختلفة لا زالت تتصاعد وتتنامى وتتصارع تاريخياً في الواقع الراهن نفسه» (120).
________________________________________
(120)المرجع نفسه، ص 254.

[الصفحة - 175]