البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

التيار الاستردادي ـ الفلسفي المصري‏ ودراسة الشيعة الإمامية الاثنى عشرية

الباحث :  د. علي سامي النشار - د. أحمد محمود صبحي - د. زهير غزّاوي‏
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  2
السنة :  السنة الاولى صيف 1417هج - 1996 م
تاريخ إضافة البحث :  March / 23 / 2015
عدد زيارات البحث :  1024
التيار الاستردادي ـ الفلسفي المصري‏
ودراسة الشيعة الإمامية الاثنى عشرية
(د. علي سامي النشار ـ د. أحمد محمود صبحي)
د. زهير غزّاوي‏ (*)
مدخل إلى البحث‏
هل يمتلك إطلاق الصفة الإقليمية على البحث العلمي مشروعيته إذا كنا نودّ صياغة محاولة لدراسة المنهج؟
تنوَّعت الآراء، ولكنها تتفق بشكل عام على أن القطر المصري تمكن من الاتصال بالحضارة الأوروبية بشكل مبكر، ربما بسبب ظروف تاريخية يعتقد بعضهم أن الاحتلال الفرنسي بدايتها، وأن لهذا الاحتلال جانبه الإيجابي الذي أدى إلى الاحتكاك بمستشرقين وإلى توفّر مطابع للكتب وذهاب بعثات علمية إلى فرنسا. كل ذلك أدى، في بعض جوانبه، إلى بروز حركة ترجمة نشطة منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي.
في المقابل، فقد تأثرت الموجة الصاعدة للبحث التاريخي في هذا القطر بمجموعة العوامل التي أشرنا إليها مجتمعة ومنفردة، ما أدى إلى رسوخ نزعة استعلائية ميزت بعض الباحثين المصريين تجاه مدارس البحث العربية الأخرى من جهة، ومن جهةٍ أخرى، ترسخ لدى هؤلاء اتجاه بالمقدرة على فرض وجهات النظر الشخصية ـ خاصة في الأبحاث التي تتعلق بالتراث العربي والإسلامي ـ على أنها حقائق علمية لم يتوصل إليها غيرهم.
________________________________________
(*)استاذ في جامعة دمشق

[الصفحة - 74]


لقد كان لهذا الاستعلاء أن يسم التيارات التي ينتمي إليها هؤلاء الباحثون بافتقاد البحث الدؤوب عن المراجع الضرورية للإحاطة بكافة جوانب القضايا موضع البحث، فغلب على نتاجاتهم طابع الاستسهال وإطلاق أحكام القيمة المتعسفة رغم ادعاءات الحياد العلمي المبثوثة هنا وهناك في زوايا الكتب المنشورة عبر مؤسسات الأبحاث، وكانت كبيرة العدد حقاً بما لا يقاس من ناحية الكم مع نتاجات المؤسسات العربية مجتمعة.
كان للإستشراق الأوروبي تأثيره الحاسم على المنهج لدى العدد الأكبر من هؤلاء الباحثين، ما أدى بالمقابل إلى بروز التأثير السلفي البالغ التعصب على القسم الآخر منهم وخاصة ممن ظل على التصاقه بالمؤسسة الأزهرية التي اعتبرت نفسها دوماً خارج مجال النقد، والمرجع الديني الوحيد في العالم الإسلامي.
هكذا يمكن القول إن تلك التيَّارات من البحث، في التراث الإسلامي اصطبغت بسمة طاغية يمكن أن يطلق عليها مصطلح «الشطارة» أو «الفهلوة» ويتصف «الفهلوي» عادة بشعوره بالقدرة على إرضاء الجميع وخداعهم في آن معاً، مع الحفاظ على خط سيره نحو الهدف الذي حدده لنفسه ضمن نزعته الاستعلائية ونظرته إلى الآخر على أنه كائن مؤهل للإنخداع والتصديق والتبعيَّة.
أما في مجال البحوث التراثية الإسلامية فيتصف «الفهلوي» بأسلوب في المضمون يتجه إلى محاولة إرضاء جميع المذاهب، ورغم أن ذلك لا يعني أنّه لا يدرك الحقيقة أحياناً، لكنه غالباً ما يتجاهلها، فنحن نلمس أنه يشير إليها بوسائل الإشارة المختلفة هنا وهناك، بما يجعله يقع في التناقض في المسار المنطقي لمجتمل النص الداخلي، حتى أن هذا التناقض يبدو أحياناً في الصفحة الواحدة.
يتصف المصريون المسلمون بمحبتهم الكبيرة للإمام الحسين بن علي (رض) وللسيدة زينب (رض) بسبب اتصال لا شعوري بالتراث الفاطمي القديم، هذه المحبة تنسحب أيضاً على الإمام علي بن أبي طالب(رض) والسيدة فاطمة الزهراء(رض). وظل الوجدان الشعبي في مصر ملتصقاً بمقام الحسين وزينب خاصة، إلى درجة أن الدكتور النشار يصف أبا سفيان بالزندقة، رغم أن معظم السنة يصفونه بالذي حسن إسلامه،
________________________________________

[الصفحة - 75]


ويقول: «كان أبو سفيان زنديقاً ممن يؤمنون بالمجوسية والفارسية، ولعلّه رأى بعينه الغادرة أن هذه فرصة نادرة لإلقاء بذور الفتنة بين المسلمين» (1) . والمقصود بالفرصة النادرة حادثة السقيفة. وعادة ما نجد وصفاً لمعاوية ابنه يصل إلى الشتيمة حين يطلق عليه «لقب الطليق»، ومعروف أن طوائف من السنة يمنحونه لقب (رضي اللَّه عنه). ومن الجهة المقابلة نجد الباحثين المصريين جميعاً لا يقبلون مجرد نقد عابر يتعلق بالخليفتين الأول والثاني، فهما (كما سنرى) يصلان في مدرسة البحث الإسلامي التاريخي المصري إلى درجة العصمة.
في المجال التطبيقي، نشير إلى نماذج من البحوث التي تميز المدرسة المصرية، يمكن الرجوع إليها. فقد كتب طه حسين بحثه الشهير في الأدب الجاهلي متأثراً بمدرسة الاستشراق في منهج النفي المطلق، وعندما ثارت ضجة كبيرة في مصر عليه، عاد فكتب مجموعة من البحوث الإرضائية للجميع، على مثال: الفتنة الكبرى، على هامش السيرة، والتي يمكن أن نلمس فيها سمات هذه المدرسة في كل شي‏ء وهذه السمات هي: التوفيقية، قلّة المصادر، الرأي الشخصي العاطفي، الشحنة الوجدانية في محبة الرسول وآل بيته وإيراد الكثير عنهم مما لا يؤمن به الباحث نفسه بكل تأكيد.
كتب الباحث أحمد أمين إسلامياته الشهيرة (فجر الإسلام، ضحى الإسلام، ظهر الإسلام)، وبعيداً عن الآراء المتعسفة والاستعلائية المتضمنة في بحوثه حول الفرق الإسلامية، فقد أدلى الأستاذ الراحل باعترافين مهمّين للصحافة، أولهما: قلّة المراجع العلمية لديه عند كتابة البحث وخاصة حول التشيّع، وثانيهما أن الشيعة حاولوا اغتياله عندما زار النجف الأشرف بسبب ما كتبه عنهم (وهذا ما لم يحدث مطلقاً) سعياً إلى إثارة التعاطف، ليس مع شخصه «الفهلوي» فحسب بل ومع المضامين الواردة في كتبه، وخاصة عن التشيع، ما أدى فعلاً إلى أن يكون كتابه، «ضحى الإسلام» الجزء الثالث، المصدر الرئيسي لدراسة الفرق في كثير من الجامعات العربية، وتحديداً في مرحلة الصعود النهضوي العربي والإسلامي في الأربعينات والخمسينات والستينات من هذا القرن.
أما في الجانب السلفي، فقد جاءت مساهمة الأزهر بشخص الشيخ الراحل محمد
________________________________________
(1)د. علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ج‏2، ط7، 1977، دار المعارف بمصر، ص 31.

[الصفحة - 76]


أبو زهرة بعدة بحوث أهمها كتاباه: «الإمام جعفر الصادق» و «محاضرات في النصرانية». ولكي ندلل على الأهمية العلمية والتبشيرية لهذين الكتابين نقول: إن الكنائس المسيحية الشرقية قامت بطباعة كتاب المحاضرات وتوزيعه، لأنه يقدم خدمة جليلة للنصرانية بسبب تهافت البحث العلمي لدى الشيخ أبو زهرة وانعدام الموضوعية وسيادة الرأي الشخصي المتعسف. ومثل ذلك ينطبق على الكتاب الأول عن المذهب الجعفري، الذي كتب في ظلال فتوى الأزهر بجواز التعبد الإسلامي بمذهب الإمام الصادق. هذا الكتاب الذي يستحق وقفةً منفردةً معه لأهميته.
دراسة في المنهج‏
هذا البحث سيكرس لتحليل تيارين هامين في دراسة التراث الإسلامي يمثلهما الدكتور علي سامي النشار وتلميذه الدكتور أحمد محمود صبحي. والكاتبان غنيان عن التعريف خاصة في مجال البحوث الفلسفية والتراثية الإسلامية، وسوف نتناول كتابيهما «نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، نشأة التشيع وتطوره» و «نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية، تحليل فلسفي للعقيدة» بادئين بإلقاء الضوء على بعض المصطلحات المستخدمة مما قاما بتعريفه في مقدمتي الكتابين عن المنهج العلمي الذي قاما بإجراء دراستيهما على أساسه. والواقع أنه من ضمن أهداف هذه الدراسة المتعددة، بحث في مقدار التطابق العلمي بين ما قالاه عن التزامهما بمنهج البحث وبين المسار المنطقي للبحث نفسه وجوانبه المختلفة. وفي هذا المجال لا بد من الإشارة إلى مصطلح «الغنوصية» المستخدم لدى الدكتور النشار كثيراً في توصيفه لتطور الشيعة الإمامية والتأثيرات الأجنبية عليها.
تعريف بالمناهج‏
1 - المنهج التجريبي الاختباري: يذكر الدكتور النشار أنه يلتزم بالمنهج التجريبي الاختباري الذي يطلق عليه عادة «المنهج الاستردادي». ويعتمد هذا المنهج العلمي في البحث على تحليل الوثائق المتاحة حول موضوع ما، بما في ذلك إجراء عملية
________________________________________

[الصفحة - 77]


نقدية خارجية، وذلك يعني دراسة الإسناد وصحة الوثيقة واتصال النقل ومصداقيته عن المصدر الأصلي، وإذا كانت الوثيقة تتعلق بحدث تاريخي جرى عليه الإجماع بين المؤرخين، أو وردت التقاطعات في مصادر تاريخية مختلفة.
يتضمن هذا المنهج، في ما يتضمنه، دراسة نقدية داخلية للنص نفسه وإعادته إلى عصره، بما يعني بحثاً في المعاصرة والبنية والنسق الداخلي للنص وانسجامه، للدلالة على وحدة عضوية تدل على وحدة المرجعية بالنسبة للقائل أو المرحلة التاريخية مع انعدام التناقض. لكن التجريبية تعني في ما تعنيه أيضاً أن جميع أنواع المعرفة مستقاة من الخبرة (2). وهي تختلف عملياً عن العقلية أو الفلسفة العقلية التي تعتمد على المدركات القبلية غير المستمدة من الخبرة (3). فالحقائق الضرورية تحليلية، مع إنكار قدرة العقل على أن يضمن لنا صدق عبارة تركيبية. ذلك أن التجريبية ترتبط بالخبرة ومعطيات الحواس مباشرة. مع الفصل بين المسائل المنطقية والمسائل النفسية كالعواطف مثلاً. فالتجريبية الحديثة مذهب يقوم على الملاحظة والتحليل والتركيب، وهو معادٍ للميتافيزيقا إلى حد كبير. ويزعم التجريبيون عادة أن طريقتهم هي الأسلم لتطبيقها في الدراسات التاريخية.
2 - البحث الفلسفي: وهو ما يلتزمه الدكتور أحمد صبحي في دراسته للتراث الإسلامي في إطار الحل الممكن عندما تتساوى الاحتمالات في صحة النصوص المتاحة. ذلك أن عقيدة الشيعة الإمامية (كما يقول المؤلف) تشتمل على الكثير من الخرافات والغيبيات، ولا مناص من قالب البحث الفلسفي لتفسير هذه الغيبيات، بنقلها من قلوب المعتنقين ووضعها في الإطار الوحيد الذي يمكن مناقشتها فيه، وهو الفلسفة (4).
أما ماذا يقصد بالبحث الفلسفي تحديداً، فتلك إشكالية لا يمكن الإحاطة بها في تعريف موجز، لأن الفلسفة ترتبط بنظرية المعرفة، وجهد الإنسان منذ فجر التاريخ للإجابة عن الأسئلة المؤرقة التي تعترض وجوده، وقد أصبح لكل ظاهرة في هذا الكون فلسفتها المختصة بها، بما في ذلك فلسفات التاريخ والعلوم.
3 - الغنوصية أو الغنوسطية: وهي مشتقة من اليونانية (معرفة أو عرفان)
________________________________________
(2)الموسوعة الفلسفية المختصرة، ترجمة فؤاد كامل وآخرين، بإشراف زكي نجيب محمود، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، 1963، ص 112.
(3)قام بتنمية التجريبية مجموعة من الفلاسفة البريطانيين وهم: لوك، باركلي، هيوم، جان ستيوارت مل، وكانت هذه الفلسفة هي التقليد السائد في بريطانيا منذ القرن السابع عشر.. ورغم اعتراف هؤلاء بوجود مدركات قبلية كالعلة والجوهر فإنّهم قاموا بتحليلها أو تفتيتها إلى مدركات أبسط مستمدة من الخبرة.
(4)د. أحمد صبحي، نظرية الإمامة لدى الشيعة الإثني عشرية، تحليل فلسفي للعقيدة، دار المعارف بالقاهرة، 1969، ص 13.

[الصفحة - 78]


ويمكن أن تترجم بالعرفانية. وهي عملياً نزعة دينية فلسفية صوفية، وسميت بهذا الإسم لأن شعارها هو أن بداية الكمال هي معرفة أو «غنوص» الإنسان، أما معرفة اللَّه فهي الغاية والنهاية، واهتمام الغنوصيين يتمثل بالوصول إلى الكمال، ويمكن الوصول إلى الكمال بواسطة العرفان. ويبدأ هذا العرفان متدرجاً من الإنسان إلى عرفان اللَّه سبحانه وصولاً إلى النجاة والخلاص لأن اللَّه هو الإنسان، وهكذا فإن أساس «الغنوص» هو معرفة الإنسان بنفسه، بوصفه لها، وهذه المعرفة تؤدي بالمحصلة الأخيرة إلى نجاة الإنسان.
تتسم الغنوصية بثلاث خصائص رئيسية:
الأولى: ما يعرف بالخلاص، أو النجاة، بوصفه معرفة الإنسان بذاته متحداً بالألوهية اتحاداً جوهرياً.
الثانية: ما يعرف بالثنوية، وهي تعني ثنائية العالم بين الخير والشر، النور والظلمة (وهي كما يبدو مشتقة من العقيدة الزرادشتية تبعاً للوثائق المكتشفة عن هذا المذهب في نجع حمادي بمصر وكذلك في مخطوطات قمران).. أما الإنسان فإنه ثنائية الروح والنفس.. الروح والمادة.
الثالثة: تجلّي الألوهية من خلال صاحب وحي، نبياً رسولاً كان أم مخلّصاً للبشرية.
يعدّ الباحثون الغنوصيَّة مذهباً توفيقياً ومزيجاً من أفكار دينية متباينة الأصول، وأنها نزعة قائمة بذاتها لا أصول لها، فيها يتجلى فهم جديد تماماً للعالم ولمعرفة الإنسان لنفسه تنحو إلى انتزاع الصفة الدنيوية عن العالم، وأنها دين عالمي وإسقاط أسطوري لتجربة الذات، والاتصال المباشر بالألوهية في طقوس وأديان وأسرار، وأنها طريقة التفكير والنظر والتركيب واكتناه الباطن، وأنها وليدة تزاوج المسيحية وحركات روحية من أديان مختلفة كاليهودية والفلسفة اليونانية الهلينية والإيرانية. ويقولون إن إدراك سر الإنسان ليس من شأن الجاهل واللاصق بالأرض ولا أولئك الذين لا يعرفون إلا النفس ولا العميان بالطبيعة، بل هو من شأن أولئك الذين يملكون الروح، والذين هم
________________________________________

[الصفحة - 79]


أرواح والذين وصلوا إلى مرتبة الكمال، صفوة الإنسانية والعالم، وتكون المرتبة العليا للغنوصية هي الوحي.
تتمثل المعاني الأساسية للغنوصية بما يلي‏ (5):
1 - الثنوية: وهي الروح والمادة، وتجري أحداث الكون حسب ما بينهما من تعارض، فإذا غلبت المادة كان الشر، وإذا غلبت الروح كان الخير.. صدورات الروح تعمل على مل‏ء الهوة بين الروح والمادة، وتشخصات الروح تسمى الأيونات، نماذج ومثل العالم اللامتناهي في صورة مشخصة.
2 - الصانع: وهو المصطلح البديل للخالق، فهو صانع العالم (اللَّه). وهذه فكرة تبناها أفلاطون.
3 - العرفان: ويتم من خلال الجماعة والإلهام وليس بالتعلم، وعن طريق الطقوس الاحتفالية، اتحاد الإنسان باللَّه هو العرفان، ومعرفة الحقائق الباطنية والتمييز بين الخير والشر.
4 - الخلاص: وهو ما يتمخض عنه الصراع بين النور والظلمة في العالم، ولا بد للإنسان من خلاص بالنجاة من العالم المادي الظلماني ذي الطبع الشرير واللوذ بعالم آخر يتحرر فيه الإنسان من الظلمة والمادة، وهو ما تستطيعه الصفوة من البشر فقط.
أهم شخصيات الغنوصية المعروفة، من خلال كتبها، سيمون الساحر، وينسب إلى مدينة السامرة، قرب نابلس في فلسطين، والمنسوب تاريخياً إلى عهد المكابيين الذين ورد تعريفهم في العهد القديم.
مدى انطباق منهج البحث على واقعه‏
من خلال دراسة متأنية للكتابين المشار إليهما يلمس القارى‏ء وحدة المنهج (ولا بد من أن يكون هناك منهج على أي حال) فيهما معاً. فهما عملياً لا يختلفان مطلقاً عن كل الدراسات التي وضعت للرد على الشيعة والتي بدأت منذ زمن بعيد، ولعلّ أبرز دليل على ذلك هو كونهما ـ في غالبية ما ورد فيهما ـ مجرد عرض مقارن للنصوص التي كتبها
________________________________________
(5)د. عبد الرحمن بدوي، الموسوعة الفلسفية، ج‏1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1984.

[الصفحة - 80]


مؤلفون منسوبون إلى التشيع وردود مؤلفين منسوبين إلى السنة والجماعة، وقد احتل ابن تيمية مكاناً بارزاً إلى درجة تثير الاستغراب باعتباره ممثلاً للسنة والجماعة، رغم اتهام المؤلفين له بالتطرف في العداء.. تتردد في السياق مجموعة من الأسماء التي اتسمت بعدائها الشديد للتشيع إلى درجة السخرية، على مثال غلام ميرزا محمد في كتابه الذي تبدو السخرية من عنوانه: «التحفة الاثني عشرية» والشهرستاني في «الملل والنحل»، والبغدادي في «الفرق بين الفرق» والمستشرق غولدتسيهر الغني عن التعريف في كتابه «العقيدة والشريعة» ثم آراء الدكتورين الباحثين البعيدة عن الحياد (رغم أنهما يؤكدان حيادهما)، وأخيراً غياب التعريف بالمصطلحات الفلسفية للكثير من العناصر موضع البحث، وعلى وجه التحديد ـ ولكونهما في مواجهة بحث مقارن ـ تعريف ماهية السنة والجماعة أو ماذا يقصد الباحثان من هذا المصطلح المثير للجدل.
وحتى لا نغرق في المقولات المجردة نبدأ قراءة البحثين من الخاتمة المفترض أنها تلخيص مكثف لهما. يقول الدكتور أحمد صبحي: «إن الشيعي في العصر الحديث أصبح يعاني من الانفصام بين عقيدته المذهبية وبين ثقافته العصرية، إذ كيف يوفق بين الآراء الديمقراطية الحديثة وبين الاعتقاد بالنص وأفكار الاختيار، وكيف يستسيغ هذه الخرافات والغيبيات التي تتخلل في ثنايا المذهب، ولن يجد الشيعي نفسه إلا أمام أحد موقفين: أولهما أن يبقى على التناقض. وثانيهما أن يخرج من الإسلام طالما يعتبر التشيع هو الإسلام بادعائه التحرر العقلي.
إن كلا الموقفين خطأ، وعلى عاتق علماء الدين تقع المسؤولية، فحري بهؤلاء العلماء (جميعهم) أن يخلّصوا المذهب مما شابه من أساطير بالتزامهم بفكرتين: أولاهما إدراك المغزى الحقيقي لما تنطوي عليه عقائدهم من عداء ملحوظ وبغض دفين لمخالفيهم، ثانيتهما أن يقوم مجتهدو الشيعة بحركة جماعية لاستبعاد ما نسب إلى الأئمة خطأ وكذباً بالالتزام بمنهج علمي قائم على النقد الظاهري والباطني للنصوص المنسوبة إليهم؛ ذلك أن عقائد الأقليّة المضطهدة التي خلقتها الظروف لتوحيد الفكر الشيعي استندت إلى ما نسب إلى الأئمة زوراً. ولكن ليس المطلوب من الشيعة أن يعتنقوا
________________________________________

[الصفحة - 81]


المذهب الأشعري، وإنما عليهم أن يعودوا إلى الأصول الفقهية والنصوص الخالصة التي لا تشوبها شائبة» (6).
ويقول الدكتور سامي النشار، في ختام بحثه في الشيعة الاثني عشرية ما يلي، ملخصاً: «إن اعتبار الإمامة جزءاً من العقيدة أثار ضجة في العالم الإسلامي، فقد راع علماء السنة أن يضاف إلى الإسلام أصل لم يرد به إطلاقاً من قبل، بل إنهم (أي علماء السنة) فتشوا في آراء السلف فلم يجدوا له أصلاً، وليس في العقيدة الإسلامية ما يجعل الإمامة جزءاً منها، ولو كانت كذلك، فهل يقبل الإمام علي بن أبي طالب أن يعيش بعقيدة ناقصة، وقد يقول الشيعة إنه اتخذ التقية في عهد الشيخين. وهذا مرفوض قطعاً، لأن الإمام علياً يأبى الذل والتقيّة في العقيدة!! لقد انتهى لعن علي على المنابر فلماذا يصرّ الشيعة على لعن الشيخين؟؟ وقد يتساءل الإنسان: فيم هذا كلّه؟ وما الذي أثار الشيعة الإمامية للقول بعصمة الإمام ودفعهم إلى الدفاع عنها وبحثها كلامياً وفقهياً؟
إن السنة تنسب العصمة للإجماع استناداً إلى الحديث النبوي «لا تجتمع أمتي على خطأ» بمعنى عصمة الأمة، بينما يقول الشيعة بعصمة الإمام لأنه حامل العلم الإلهي «وارث النور المحمدي والقائم بالحق». وهنا نرى مدخل (الغنوصية) في مصدرها الأفلوطني المحدث، فالإمام مصدر الأحكام وله وحده مطلق التصرف في رقاب المسلمين وتحديد الحلال والحرام. وفي أثناء الغيبة الكبرى فأي أصل يعود إليه الشيعة إذن للحكم والافتاء؟؟ إن الشيعة استحدثوا أصلاً فقهياً غريباً هو: كل ما خالف السنّة والجمهور فهو رشاد، وما أعجب هذا الأصل!! إن فكرة المهدي هي فكرة يهودية تتصل بقول اليهود بعودة إيلياء، وربما هي فكرة مختلطة زرادشتية مسيحية ويهودية كما عبر عنه غولدتسيهر.
إن الضمير القلق هو الذي أبدع فكرة المهدي. أبدعها من لا شي‏ء وبدون استناد إلى أي من النصوص، بل هي من بقايا اليهود في العالم الإسلامي، أدخلوها في التشيع إضراماً للعداوات المتأججة بين المسلمين وعززوها بالحجج والبراهين..» (7).
من خلال نظرة فاحصة إلى النصوص السالفة تتبدّى دلالة واضحة عن مدى الحياد العلمي للباحثين، فلن يجد القارى‏ء كبير اختلاف في النتائج عما وصل إليه أعداء الشيعة
________________________________________
(6)د. أحمد صبحي، مصدر سابق، ص 502.
(7)د. النشار، مصدر سابق، ص 221 - 228.

[الصفحة - 82]


منذ كتاب سيف بن عمر «الفتوح الكبير والردّة» الذي كتب في منتصف القرن الثاني الهجري، مروراً بالشهرستاني وابن تيمية وصولاً إلى محمد بن عبد الوهاب ومدرسته السلفية الشهيرة. فما الذي أضافه المؤلفان من جديد في مجال دراسة التشيع تجريبياً أو فلسفياً؟ بماذا يختلف مضمون الأقوال الواردة في الخواتم في التشيع عن كل ما كتبه المستشرقون في أسلوبهم البحثي المتسم بصيغة منهج (النفي المطلق) في تعاملهم بحثياً مع الإسلام والأيديولوجيا الإسلامية برمتها؟ ولعلّنا نرجح أن هؤلاء كانوا أكثر منهجية علمية (نسبياً) من المؤلفين: النشار، وصبحي.
هل ينسجم البحثان مع مقدماتهما حول التجريبية مثلاً؟ نحن نجد تساؤلات وأحكام قيمة واتهامات، ومقترحات توحيدية للسنة والشيعة والكثير من التناقض والبعد عن الحياد، وتلك النظرة السطحية الساذجة إلى الأيديولوجيا الإسلامية وتطورها تاريخياً من خلال النشوء الفلسفي الكلامي.. حتى أن الالتزام بمناقشة النصوص التاريخية بما في ذلك أحاديث الرسول محمد(ص) لم يجر التقيد به إلا في اتجاه واحد، وأعني الأحاديث المؤيدة للتشيع، بينما تركت نصوص بالغة الأهمية وفيها الكثير مما يستحق النقد في الصحاح المعتمدة وكتب التاريخ والعقائد المتاحة في الجانب الآخر، بما في ذلك نقد المراجع.
يوحي الكتابان للقارى‏ء أنهما مجرد إضافة عادية للمدرسة المصرية في البحث التاريخي العقائدي بكل ما فيها من تحيز وعاطفة طاغية بعيدة عن العلم والحياد العلمي ممتزجة بعناصر «فهلوية»(8). يقصد بها رشوة القارى‏ء في الأطراف المختلفة، كما وجدنا عند النشار قبلاً في وصفه للإمام على بما يصفه به الشيعة وأعني (عليه السلام) بدلاً من رضي اللَّه عنه، كما اعتاد السنة أن يفعلوا.. لكل ذلك لا نستطيع إطلاق صفة «البحث المقارن» عليهما، ذلك أن المراجع التي استقى منها المؤلفان، وهي: رأي السنة والجماعة، تحتاج بذاتها إلى الكثير من التمحيص النقدي التجريبي، والذي لم يقم به الباحثان إلا نادراً أمام الآراء البالغة التعسف وغير القابلة للإيراد دون إبداء ملاحظات.
________________________________________
(8)من أبرز سمات «الفهلوة» في البحوث المشار إليها، اتهام ابن تيمية، في كتاباته المتطرفة، بأنه متأثر بمناخ دمشق المعادي للشيعة من ناحية، ومن جانب آخر وصف استشهاد الإمام الحسين ووفاة السيدة فاطمة الزهراء بطريقة بالغة التأثير والعاطفية بغاية استدرار تعاطف القارى‏ء العادي والإيحاء بالحياد.. وتلك أمثلة قليلة من كثير مما تحتويه الكتابات

[الصفحة - 83]


تحليل المنهج‏
من خلال استعراض منهجي يمكن فرز مجموعة من العناصر التي سادت الكتابين، وهي:
1 - منهج النفي: وهو ما اتصف به المستشرقون في بحوثهم الإسلامية، ويستتبع ذلك إطلاق الاتهامات ورفض كل النصوص التي تخالف ما يعتقده المؤلفان وتكوّن صلب الأدلة الشيعية.
2 - الفصل المتعسف: ويعني فصل الأئمة الاثني عشر عن شيعتهم، بما يوحي بأن المذهب كان مجرد مجموعة من العقائد التي وضعها مجهولون ونسبوها إلى الأئمة.
3 - نظريّة المهدية: وتتضمن الالتزام الكامل بآراء المستشرقين المتطرفة من جهة، وإطلاق حكم قيمة لا يخرج عن وصفها بالخرافة والغيبية إلخ، من جهة أخرى.
4 - نظرية عبداللَّه بن سبأ: تقديم هذه الإشكالية بطريقة تدفع إلى إثارة الشكوك في أصل نشوء التشيع.
5 - إغفال المراجع المهمّة خاصة في الجانب الشيعي والتي شكلت تفسيرات غنية للتشيع، وبالمقابل تقديم نظرية «السنة» من خلال مراجع ليست فوق مستوى الشبهات.
1 - منهج النفي‏
يتفق المؤلفان كلاهما على نفي نشوء التشيع في المرحلة التي تشمل الأئمة الخمسة الأوائل، وهم: علي، الحسن، الحسين، علي بن الحسين، (زين العابدين)، محمد بن علي (الباقر) باتفاق مع رأي لغولدتسيهر يقول: إن الشيعة مجرد فرقة إسلامية، لأنها اختلفت مع جمهرة المسلمين في مسألة الإجماع‏ (9)، فالشيعة هي الطائفة التي تشيعت لعلي خاصة وأفردت الإمامة له ولمن بعده من بنيه فخرجت على إجماع المسلمين، وهكذا خلقت التقابل الحاسم بينها وبين الإجماع.
هكذا، ومنذ البداية، نرى التشوش في البحث في المسألتين الأكثر أهمية:
________________________________________
(9)د. النشار، مصدر سابق، ص 22.

[الصفحة - 84]


«الإجماع» و «نشوء التشيع»، «فالأحاديث الواردة على لسان النبي(ص) لا تدل على أن لعليّ شيعة في زمن الرسول وأن لفظ الشيعة أهمل بعد أن تمت الخلافة لأبي بكر وصار المسلمون فرقة واحدة، فالحوادث التي تمت في عهد الرسول لا تتخذ بداية للتشيع بما في ذلك حادثة غدير خم (مع افتراض صحة كل ما ورد فيها حسب رواية الشيعة) لا تدل على أن من شاهدها وآمن بها كان شيعة لعلي وإلا لكان عمر، وهو المنسوب إليه أنّه هنأ علياً إذ أصبح مولى كل مؤمن ومؤمنة، من الشيعة، وهذا ما لم يذهب إليه أحد وإرجاع التشيع إلى عهد الرسول محاولة من جانب الشيعة لنقض دعوى خصومهم». ويتابع صبحي «فإذا اعتبر هؤلاء عماراً وسلمان، وهم أنصار علي المتحمسون، شيعة، فإن في ذلك تعسفاً، لأنهم لم يؤمنوا بالعقائد المعروفة لدى‏ الشيعة في الإمامة والرجعة والبداء، تلك العقائد التي وضحت في الأدوار الأخيرة من التشيع بما في ذلك دخول العقائد الغنوصيَّة في الزهد أو ظهور علم الكلام الشيعي لدى هشام بن الحكم» (10).
ويؤكد النشار أن اليعقوبي، وهو مؤرخ شيعي، لم يذكر كلمة شيعة على الإطلاق، ومثله المسعودي صاحب مروج الذهب. الذي يقول: «فالواقع أن أناساً غضبوا بعد استلام أبي بكر وعمر الخلافة، ولكنهم لم يلبثوا أن ساروا في ركب الخليفة فعملوا له في كل نواحي الحياة، وذلك حين سار الخليفة على السنة النبوية. أما عثمان فقد أجمع عليه المسلمون واجتهد فأصاب وأخطأ.. أما بدء التبشير بولاية علي فقد وردت لدى اليعقوبي في تاريخه (وإن كنت أشك في هذا) فهو أول نص صريح يذكره صحابي»، ويتابع النشار قائلاً: «يذهب ابن النديم إنه لما خالف طلحة والزبير علياً وحاربهما فسمى اتباعه بالشيعة وكان يقول شيعتي، (ولكني أرى في كلام ابن النديم وهو شيعي بعض الغلو) وحتى حينما اختلف علي ومعاوية لم تظهر كلمة شيعة منسوبة إليه.. ولم تظهر كلمة شيعة إلا حينما توفي الحسين.. كان المسلمون مختلفين فقط حول أشخاص وليسوا سنة أو شيعة ولم تظهر فكرة الوصاية والإمامة فكرياً أو سياسياً إلا بعد مقتل الحسين، وقد سمى أبو خلف القمي أربعة من الشيعة للإمام علي وهم: المقداد، أبو ذر، سلمان، عمار بن ياسر» (11).
يسير المؤلفان، الأستاذ وتلميذه الذي جعل من بحثه رسالته لنيل الدكتوراه في
________________________________________
(10)د. صبحي، مصدر سابق، ص 31 - 34.
(11)د. النشار، مصدر سابق، ص 31 - 35.

[الصفحة - 87]


الفلسفة، على خطين متوازيين في قسر حوادث التاريخ بمزاج تعصبي لا يختلف كثيراً عن المحاولات السابقة لمحاربة التشيع، في سبيل خدمة الفكرة التي وضعت سلفاً، وهي نفي التشيع نهائياً. ببساطة تبدو دراما التاريخ الإسلامي مجرد صراع بين أشخاص على السلطة كما رأينا، لم تسندها أيّ أفكار أو أحاديث نبوية.. مجرد «أناس غضبوا بعد استلام أبي بكر وعمر الخلافة».
لا يتفق المذهب التجريبي (الاستردادي)، أو المذهب الفلسفي في البحث، مع مجموعة الأسئلة الساذجة التي يطلقها الكاتبان هنا وهناك.. «لقد انتهى لعن علي على المنابر فلماذا يصر الشيعة على لعن الشيخين؟» (12) أو «لقد رأى الشيعة في صلح الحسن مع معاوية استجابة لنبوءة الإمام علي للحسن ولكن.. لو كان عليّ يعلم أن معاوية سيملك الأرض تحت قدميه، فما المبرر لسفك الدماء؟ ولماذا حرص أن يوصي أصحابه بمواصلة الحرب؟» (13).
أو كما يتساءل الدكتور صبحي قائلاً: «كيف يزعم من أوتي مسكة من عقل أن أصحاب رسول اللَّه، مع أنهم بذلوا مهجهم وذخائرهم وقتلوا أقاربهم وعشائرهم في نصرة رسول اللَّه وإقامة شريعته والإنقياد لأمره واتباعه، كيف يزعم أنهم يمكن أن يخالفوه قبل أن يدفنوه مع وجود النصوص القطعية في إمامة علي؟» (14).
التجريبية، أو الفلسفية، في البحث العلمي لا تسبغ العصمة على أحد، فكل الناس سواسية أمام نقد النصوص والبحث عن صياغة نظرية معرفية للتراث الإسلامي.. ولكن المؤلفين يبدآن سلفاً بإسباغ العصمة على الصحابة جميعاً (15)، بدءاً من نفي التشيع في المراحل المبكرة وجعله من ابتداع المتأخرين بعد الصادق(رض) بما في ذلك إقرار التأثيرات الأجنبية المتعددة، ثم الادعاء بأن الصحابة لا يمكن أن يخالفوا الرسول أبداً.
تلك الطريقة في البحث تحمل خطورتها من ناحية أنها تسي‏ء إلى الإسلام نفسه، فقد اعترف الرسول(ص) بأنه «تنقسم أمتي إلى بضع وسبعين فرقة جميعها في النار إلا واحدة». وقد غادر الدنيا حزيناً مقهوراً باعتراف الجميع، ومنهم الكاتبان عندما أثبتا حديث كتاب النبي ساعة الموت عن رواية للبخاري وصلت إلى درجة التواتر (16).
________________________________________
(12)المصدر نفسه، ص 227.
(13)د. صبحي، مصدر سابق، ص 325.
(14)المصدر نفسه، ص 248.
(15)عن البخاري، ج‏7، ص 209، ما يلي: «قال رسول اللَّه(ص): بينما أنا قائم على الحوض، فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلمّ، فقلت: أين؟ قال: إلى النار، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى(..) فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم». وعن أبي سعيد الخدري فيقال: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي». ويفسر الشيعة هذا الحديث بأنه يوافق اتهاماتهم لبعض الصحابة بمخالفة الرسول في وصيته، وبخاصَّة الشيخين.
(16)د. صبحي، مصدر سابق، ص 222.

[الصفحة - 86]


والمعروف أن الصحابة خالفوا الرسول لحظة موته عندما رفضوا أن يمدّوه بدواة وقلم ليكتب كتاباً لن يضلوا بعده أبداً.
ولكن، لماذا ينفي المؤلفان الخلاف الحاد على ولاية عليّ بعيد رحيل الرسول(ص) عن هذه الدنيا ما أدى إلى نشوء التشيع؟ ولماذا يجعلانها مجرد خلافات بين أشخاص وليست من صلب العقيدة؟
إن أقرب التفاسير للصحة هو سعيهما إلى جعل بروز التشيع فعلاً من أفعال القرن الثاني الهجري، وهو عصر نشوء علم الكلام، وبذلك يبعدانه عن الأيديولوجيا الإسلامية ليصبح نباتاً بلا جذور، ويجعلانه من إرهاصات العقائد اليهودية والمسيحية والزرادشتية (وسنرى ذلك جلياً عند دراسة نظرية المهدي). وإلا لماذا يرفض المؤلفان كل حديث يستشم منه نشوء التشيع المبكر أو يشككان فيه، حتى أنهما يرفضان أي حديث يجعل من الإمامة نصاً دينياً عندما يقول النشار: «لقد راع علماء المسلمين! أن يضاف إلى الإسلام أصل لم يرد به مطلقاً». إن التجريبية لا تتسق مع استخدام مصطلح الإجماع مثلاً، فهل كان المسلمون مجمعين على خلافة أبي بكر أو عمر أو عثمان؟ أو حتى هل أجمع المسلمون فقهياً على معظم قضايا الخلاف؟.
والواقع أن باقي الشيعة ناقشوا كل هذه الأمور في كتبهم الهائلة العدد، والتي استخدم المؤلفان عدداً قليلاً منها وأهملا الكثير المهم بطريقة الاصطفاء التعسفي.
الاتهام طريقة من طرق النفي‏
إن أية دراسة تجريبية فلسفية مقارنة لا تنسجم مع إطلاق الاتهامات والأحكام المتعسفة دون إيراد الدليل الخاضع بذاته للنقد الظاهري والباطني (تجريبياً) أو المنسجم مع استنباط نظرية معرفية من خلال الأدلّة (فلسفياً)، فهل كان المؤلفان أمينين لمذهبيهما في دراستهما للتراث الإسلامي؟
أوَّلاً: يمتلى‏ء البحثان بمجموعة ضخمة من الاتهامات التي لا تعبر إلا عن رأي المؤلفين، ولم يوردا لها أيّ دليل تاريخي. يقول النشار، مثلاً: إن الشيعة تلعن أبا بكر
________________________________________

[الصفحة - 87]


وعمر حتى بعد انتهاء لعن عليّ على المنابر، فهل هناك نصوص مكرّسة لهذا اللعن حديثاً على الأقل؟
ثانياً: يتهم النشار الشيعة بالكذب، حين يقول: لقد حمّل الشيعة علياً ما يطيق وما لا يطيق من أحاديث تؤيد وجهة نظرهم: الولاية والعصمة والوراثة وتأليف الجفر ومصحف فاطمة وادعاء المهدية إلخ.. وعددوا له من الكرامات والمعجزات التي ترفعه إلى مرتبة الأنبياء (17).
ثالثاً: اتهام الشيعة (جميعاً) بالغلو، فلا تفريق بين شيعة وشيعة، إضافة إلى الاتهام بالتعصب والحقد على باقي الطوائف وخاصة السنة.
رابعاً: اتهام التشيع بالغنوصية والمسيحية والهندية والفارسية.
خامساً: اتهام الشيعة بأنهم صنعوا فكر جعفر الصادق كلّه ونسبوه إليه‏ (18).
سادساً: اتهام تلاميذ جعفر الصادق بتشويه الإسلام، خاصة هشام بن الحكم، رغم أنه لم يثبت عنه أي كتاب منسوب إليه، وكل ما ورد عنه جاء من خلال كتب أعداء الشيعة، ويقول النشار: «أجمع مؤرخو الفكر الإسلامي القدامى جميعاً أن هشام بن الحكم قال إن اللَّه جسم وأنه يشبه شيئاً ما»(19). ومعروف أن الإمام الصادق مدح هشاماً كثيراً وأن الشيخ المفيد نفى عنه ما اتهم به‏ (20).
سابعاً: اتهام الشيعة بفكرة البداء (21). وهذا يعني أن المؤلفين تبنيا، في كتابيهما معظم اتهامات أعداء الشيعة الواردة في المراجع التي سوف نشير إليها، وأنهما اعتبرا ظهور المذهب الأشعري خشبة الخلاص للإسلام، لأنه خلص الدين مما لحقه من آثار مجادلات هشام بن الحكم وتلامذته والمعتزلة ورجالهم والثنوية والفلسفة اليونانية والمسيحية واليهودية (22).
ثامناً: اتهام الشيعة بالقول إن القرآن محرّف، بما أورداه على لسان ابن حزم عن الجاحظ عن أبي إسحاق النظام وبشر بن خالد عن محمد بن النعمان الملقب بـ «شيطان الطاق»، وهو تلميذ وفيّ للإمام جعفر الصادق.
وتهمة أن الشيعة قالوا بتحريف القرآن وأنه ناقص وردت أيضاً على ألسنة
________________________________________
(17)د. النشار، مصدر سابق، ص 42 وما بعدها.
(18)المصدر نفسه، ص 161 - 168.
(19)المصدر نفسه، ص 173.
(20)المصدر نفسه، ص 198.
(21)المصدر نفسه، ص 201.
(22)المصدر نفسه، ص 197.

[الصفحة - 88]


مستشرقين من أمثال غولدتسيهر، «ويدهش غولدتسيهر لتشكيك الشيعة في النص القرآني كما جمعه عثمان من ناحية وعدم تقديمهم نصاً بديلاً، ويعتبر ذلك غموضاً لا يعرف له تفسير» (23).
ولكن الدكتور صبحي يستدرك، بطريقة فيها من الاتهام والتشكيك بما يزيد عما لدى غولدتسيهر فيقول: «إن عقائد الشيعة تحوم حول صحة النص القرآني بالنسبة للإمامة ولا تجرؤ أن تتعداها وإلا انفصلت عن الإسلام نهائياً».
والحقيقة أن هذا الاتهام البالغ الخطورة، والذي ليس في أيّ من نصوص الشيعة قديمها وحديثها ما يصدقه (بل على العكس فقد ورد لدى السنة وفي صحيح البخاري أحاديث تشكك بالتحريف‏ (24)) يقدم دليلاً واضحاً على عدم التزام الكاتبين بالمناهج التي ألزما نفسيهما بالبحث على أساسها، بل إنه يضعهما في خانة أولئك القدامى والمحدثين الذين كرسوا بحوثهم لمعاداة الشيعة وليس لدراستها. ولا يقوم بحث علمي على الاتهام والنفي بل على الشك المنهجي، وهذا ما لا نجده لديهما.
2 - الفصل المتعسف‏
أخفق المؤلفان، ثانية، في استخدام المناهج المعلنة في المقدمات، عندما لمسنا لديهما إصراراً كاملاً على فصل الأئمة الإثني عشر عن أتباعهم أو شيعتهم في معظم الأمور العقيدية تحت مظلة الدفاع عنهم (أي عن الأئمة). وبذلك أدرج الأئمة في تيار السنة وصولاً إلى اتهام جماهير الشيعة التي تعد بالملايين، ممثلة بمراجعها أو مفكريها، بأنهم قاموا بتأليف المذهب ونسبوه زوراً إلى أئمتهم. والحقيقة أنني لم أجد فيما طالعت من بحوث في العقائد مثيلاً يشابه هذه النتيجة العجيبة التي توصل إليها أحمد صبحي وعلي النشار.
يستنتج الدكتور النشار، في حديثه عن الإمام زين العابدين، أنه كان الجانب السني من أهل البيت وأنه قال: «ليس عندنا ما يرمينا به هؤلاء» وأشار بيده إلى أهل العراق وتبع سنّته ابنه زيد، الذي تولى الشيخين (عمر وأبو بكر)، وكان من مشايخه سعيد بن المسيب الذي قال: «ما رأيت قط أفضل من علي بن الحسين، وكان من
________________________________________
(23)د.صبحي، مصدر سابق، ص 201.
(24)عن صحيح البخاري، ج‏4، ص 120، ما يلي، على سبيل المثال: «عن عمر(رض) أنه قال، وهو على المنبر: إن اللَّه بعث محمداً بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل اللَّه آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها. رجم رسول اللَّه(ص) ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: واللَّه ما نجد آية الرجم في كتاب اللَّه فيضلوا بترك فريضة أنزلها اللَّه «والرجم في كتاب اللَّه حق على من أحصن» انتهى.. والمعلوم أن هذه الآية ليس لها وجود في القرآن. ومثل هذا الحديث موجود في مسلم وغيره من كتب الحديث المعتمدة.

[الصفحة - 89]


مشايخ الإمام زين العابدين سعيد بن جبير..» ولم ينسب إليه العلم السري، ووضع نفسه في تيار السنة العام، ولم يظهر في سلسلة الأئمة الغنوصيين لدى الغلاة، وضع كل نواحي حياته أمام الناس فلم يعد ثمة مدخل لغنوصي أو غالٍ أو دسّاس، وقد كره أوائل الكلام العقلي وأنكر مذهب المعتزلة ولم يكن زاهداً (تزوج وتسرّى وتاجر)، ولم يضع الصحيفة السجادية بل نسبت إليه من المتأخرين لأنها لا تثبت أمام (النقد الداخلي) للنصوص، هو من نسل الأكاسرة والنبوّة معاً، وهذا يفسر اتباع الفرس للمذهب الشيعي» (25).
وهنا تبرز مسألة تولّي الشيخين بوصفها شعاراً من شعارات السنة والجماعة. وهكذا نجد هذه الفكرة ترد هنا وهناك ملصقة بالأئمة الخمسة الأوائل، لكن النص السالف يزيد على ذلك إبعاد الإمام زين العابدين نهائياً عن أن يكون داعية لنفسه رغم قوله بأن الإمام سن للشيعة التقيّة، بهدف حفظ دماء الشيعة (26).
عندما يجد القارى‏ء نفسه في مواجهة مجموعة من الأحكام التي تصف المرحلة التي أقرّ فيها المؤلف نفسه وكثير من المؤرخين بأنها بداية التشيع بمفهومه الحالي، فكيف يمكن أن ينسجم ذلك مع تلك الصفات التي ألصقت بالإمام زين العابدين والتي تبعده عن مزيّة أنّه المؤسس للتشيع عملياً؟ فهل كان الإمام محايداً؟ وكيف ثبت عنه أنه لم يقل بالأئمة الإثني عشر بعد النبي(ص) (27)ولم يتحدث عن المهدي (وهو ما يصفه النشار بالغنوصية)؟ رغم أن هذين الحديثين يعتبران من صحاح أحاديث الرسول، ولا بد أنه يعرفهما إذا كان إماماً لزمانه (كما ثبت تاريخياً).
وقبل ذلك بزمن، يقول أحمد صبحي إن الإمام علي(ع)، عندما استشهد، لم يستخلف ابنه الإمام الحسن، قائلاً: «ما استخلف رسول اللَّه فأستخلف، ولكن إن يرد اللَّه للناس خيراً فسيجمعهم بعدي على خيرهم» (28) وعندما أصرّ الناس على أن يستخلف الحسن قال: لا آمركم ولا أنهاكم.. ويتابع المؤلف قائلاً: إن المؤرخين الشيعة لا يذكرون في كتبهم مسألة استخلاف علي للحسن.
وبعيداً عن مسألة تصنيف المؤرخين الأول، كاليعقوبي وابن قتيبة والطبري، على أنهم سنة أو شيعة، فإن الرأي السالف يفصل الإمام علياً ليس عن مرحلته فحسب بل عن
________________________________________
(25)د. النشار، مصدر سابق، ص 108.
(26)المصدر نفسه، ص 110.
(27)من الثابت تاريخياً، في كل المصادر، أن الأئمة لم يكن لهم أساتذة إلا آباءهم، وأنهم عندما أصبحوا أئمة أصبحوا مراجع زمانهم غالباً. عن مسلم ج‏3، ص 1453. «لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش». ويفسر المراجع الشيعة الخلفاء الإثني عشر بالأئمة الإثني عشر، بما في ذلك استمرار الإمام المهدي إلى قيام الساعة.
(28)د. صبحي، مصدر سابق، ص 313.

[الصفحة - 90]


أفكاره وشيعته فصلاً تاماً.. فلماذا خاض معاركه مع الآخرين إن لم يكن ذلك عن عقيدة بأنه أحق منهم بالخلافة بعد رسول اللَّه؟ وبنص من الرسول نفسه الذي ظل يحتج به دائماً؟.
ويتابع المؤلف مسألة الفصل قائلاً: «أما عقائد الشيعة فلا تماثل مبادى‏ء الإمام علي التي ظهرت زمن خلافته، فقد تدخل في صياغتها عوامل فكرية وظروف تاريخية، فقد رفض الإمام أسلوب اختيار الخليفة بعد الرسول وليس مبدأ الاختيار كفكرة» (29).
في الواقع، يبدو المؤلف مصراً على اعتبار الإمام عليّ مجرد شخص يقاتل من أجل السلطة، وليس من أجل العقيدة عندما يقرر الأفكار السابقة عن مبدأ الاختيار في مقابل الوصية الإلهية.. وكم يبدو متناقضاً بشكل حاد عندما يقول قبل ذلك: «إن عوامل موالاة علي لا ترجع إلى سابقته في الإسلام وجهاده مع النبي وقرابته منه، بقدر ما ترجع إلى المبادى‏ء التي من أجلها حارب زمن خلافته والتبس أمر المسلمين فيها ومات هو دون أن يبلغ من تحقيق مبادئه شيئاً»، «فالأحاديث التي ذكرت عن فضله لا تبرر موالاته بل الإعجاب به فقط لأنه كان إماماً صامتاً» «ولو أنه بعد مقتل عثمان بقي محايداً لما احتل مكانته الحالية، فموالاة عليّ يلتمس سببها زمن خلافته وليس قبل ذلك»(30).
ويتساءل القارى‏ء عن ماهية المنهج الذي نسج أحمد صبحي على أساسه بحثه العقائدي حتى وصل إلى تلك النتائج. ذلك أنها مجرد آراء شخصية سبقه إليها الكثيرون ممن عرفوا بعدائهم للشيعة، وكان ذلك العداء الدافع وأساس المنهج الوحيد في بحوثهم العقائدية، علماً أن استخدام طريقة المدح ثم الاتهام ثم الفصل والتشكيك في الإمام، رحمه اللَّه، تبدو منسجمة تماماً مع تقاليد الطريقة الفلسفية المصرية، إذا جاز لنا تسميتها كذلك. فهي ليست من الفلسفة الهادفة إلى صياغة جزء في بنيان نظرية المعرفة، إنها تبدو مجرد آراء بالغة التعسف والتعصب معاً.
عندما يتعرض المؤلف إلى الإمام جعفر الصادق يتلاقى وأستاذه النشار في عرض مجموعة من الأفكار كما يلي: (31).
يقول صبحي، في معرض تحليل عهد الإمام: «لقد شابه الإمام المعتزلة، ولهذا يعتبر كثير من الباحثين القدامى الشيعة معتزلة في أصولهم الفقهية» «ورغم انتقاده
________________________________________
(29)المصدر نفسه، ص 280.
(30)المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
(31)المصدر نفسه، ص 362 - 383؛ النشار، مصدر سابق، ص 161 - 168.

[الصفحة - 91]


للخلفاء الثلاثة في مسألة وصولهم للسلطة فلم يتعرض لأي منهم بالتجريح، لأنه يُنسب من ناحية أمه إلى أبي بكر!! أما عامة الشيعة فلم يرتقوا إلى فكر أئمتهم في عدم الشتم!! ويرى (جمهور المسلمين) أن متكلمي الشيعة ليست لهم المكانة التي لأستاذهم، لأنهم تزيّدوا عليه في العقائد والفقه والحديث وفي الرجعة والغيبة والبداء!! لم يدّع علم الغيب بل غضب من نسبة ذلك إليه وقال: ما يعلم الغيب إلا اللَّه. وظهور عقيدة البداء تبدو تبريراً لما يقع مخالفاً لنبوءات الأئمة واطلاعهم على الغيب.. ويتهم السنة الشيعة بتسرب تلك العقيدة إليهم من اليهودية».
يقول النشار: «كان جعفر ملهماً، ولهذا حمّله الشيعة علم ما كان وما سيكون، فهو منبع المعرفة وواهبها في رأيهم.. إنه الإمام الغنوصي والكوزمولوجي (الكوني)، النور المنتقل في الأصلاب الطَّاهرة. وهكذا جعل الشيعة جعفر الصادق يطلق هذه الغنوصيات ويذكر مصطلح الإمام المستودع، فالنظرية هنا تنطلق بين غنوص الثنوية الفارسية باستخدامها فكرة (النور) وبين الأفلاطونية المحدثة وهي تتكلم عن فكرة الهباء، وبين غنوص المسيحية في الكلمة. وقد وضع الشيعة على لسانه أن الأئمة معصومون، وذلك لم يصدر عنه مطلقاً، فهي من ابتكارات أواخر القرن الثالث والرابع عن الإسماعيلية، ونسبت إليه الرجعة والتقية والبداء وأجزم أنها ليست له إطلاقاً».
بالعودة إلى منهج البحث نتلمس بديلاً هو النفي المطلق والفصل الكامل. والنفي لا يصنع نظرية علمية لأنه لا يضع بدائل عما يتم نفيه. وبما أن الكاتبين قاما بفصل الإمام الأشهر عن شيعته ونفوا معظم آرائه المنسوبة إليه، فقد تركوا القارى‏ء، في حيرة شبه كاملة في مواجهة شخصية عظيمة يفترض أن يقدم البحث تحليلاً لأفكارها إضافة إلى تحليل عصرها. ذلك أن تحليل المرحلة التاريخية لا تغني عن معرفة عقائد الشخصية التي ساهمت ـ بكل تأكيد ـ في صنعها ولم تكن مجرد متلقية أو متأثرة بما هو قائم فيها من أفكار وأحداث.
من هو الإمام جعفر الصادق إذاً؟ وماذا يشكل التشيع بالنسبة إليه من خلال أقواله؟.
الحقيقة أن عدم وجود كتب منشورة للإمام أو لتلاميذه بسبب ضياع معظم تراث
________________________________________

[الصفحة - 92]


تلك المرحلة لأسباب متعددة، يبقي السؤال قائماً ومشروعاً، وهذا الفقد أو ادعاء تزيّد شيعته أو تلاميذه عليه وعلى أفكاره لا يبرر مطلقاً لصاحب منهج في البحث أن يكتفي بالنفي دون أن يبحث عن البديل الصحيح في رأيه، فهذا من أولى واجبات أي باحث في تاريخ العقائد، فأين هي عقيدة الإمام الحقيقية؟ وممن نعرفها؟ وببساطة يتحطم جانب هام من جوانب البحث بانعدام التزامه بالمنهج الذي ادّعى كاتباه أنهما ينهجان للوصول إلى الحقيقة العلمية التاريخية الفلسفية على أساسه.
تبقى فكرة الغنوصية، وهي كما نرى إحدى أهم التهم الموجهة إلى إمام التشيع وفيلسوفه كما يوصف الصادق. وبالعودة إلى المصطلح كما شرحناه وكما سنتطرق إليه عند الحديث عن نظرية المهدي تبدو الفكرة، بالرجوع إلى التراث النبوي المتفق عليه ـ عند إلصاقها بالتشيع ـ مجرد اتهام، ولكنه هذه المرّة يحمل طابع الحداثة والاستشراق، ويحتاج إلى تمحيص وإعادة نظر، ذلك أنها تهمة للإسلام برمته كأيديولوجيا وليست للشيعة وأئمتهم فقط.
3 - نظرية الأئمة
الثابت الوحيد، من مجموعة متحولات تنغرس في ثنايا البحثين، هو أن هناك تشيعاً يتطور تاريخياً من خلال نشوء أفكار حمّلها الشيعة للإسلام وتلاشيها، وكانوا بذلك خارج السنة والجماعة، وبالتوازي هناك أئمة اثنا عشر اعتبروا بالنسبة للمؤرخين والفلاسفة المسلمين أئمة عصرهم وإليهم ينتهي كل علم حتى علم الكيمياء (عند الصادق) ولكن لم يثبت ما نسب إليهم أمام النقد الظاهري والباطني للنصوص كما يقول الباحثان.
نحن هنا أمام إشكالية مؤرقة، هناك تشيع دون أئمة يقودونه. ولكن، هناك أيضاً أئمة يتطورون ـ بالتشيع المعروف للجميع ـ مع الزمن، فلكل زمان مقولاته، وامتدادات عقائده الجديدة ـ في خضم حركة الترجمة والتلاقح الحضاري ـ داخل فلسفة التشيع. وبما أن الإمامة والأئمة لدى الشيعة جزء لا يتجزأ من العقيدة الإسلامية، قامت على أساسها الأيديولوجيا مرتكزة على مجموعة من الأعمدة، قدّم المراجع الشيعة عبر
________________________________________

[الصفحة - 93]


العصور توصيفاً كاملاً لها، متضمنة علم الكلام وصولاً إلى علم الأصول مروراً بعلم التاريخ، وبما أن القرون الهجرية الثلاثة الأولى لم تخل من إمام، منهم بما في ذلك محمد المهدي(رض) من خلال نوّابه، فإن البحثين اللذين بين أيدينا يثيران الإشكاليات الأيديولوجية والتاريخية بدلاً من العمل على حلها وتقديم تفسير مقنع لها.
ليس معقولاً ولا مقنعاً ولا تجريبياً ولا فلسفياً معرفياً أن الإمام الصادق، على سبيل المثال، انتقد الصحابي أبا بكر، ولكن لم يشتمه، لأنه يتصل بنسبه إليه من قبل أمه وحسب، بل لأن الباحثين لم يستطيعا تقديم مفاهيم ونصوص توصف ماهية النقد الذي عبّر عنه الصادق للخلفاء الثلاثة الأول. وهل هو مثلاً عين ما جاء في كتب الشيعة المعتمدة (رغم تزيّدها)؟ ولماذا لم يقوما بفصل التزيّد عن الحقيقة؟ ولماذا اعتبرا شتم الشيخين من أولى إشكاليات التاريخ العقائدي الإسلامي؟ وهما ألصقا الشتم بالشيعة ونفوه عن الأئمة، مع أنه(الشتم) وخاصة من قبل جماهير مضطهدة معذبة طوال قرون لم يؤثر مطلقاً على المسار الأيديولوجي للعقيدة التي هي في الوقت نفسه الإسلام نفسه من وجهة نظر الشيعة على الأقل.
لم يستطع الباحثان إثبات نظرية التطور التاريخي للعقيدة (رغم الإدعاء بأن ذلك دليل على حيويتها) (32). ولكنهما بالمقابل أثبتا في بحثيهما اعتقاد الشيعة «بأن كل شي‏ء لم يخرج عن الأئمة فهو باطل‏ (33)». وبديلاً عن الاتجاه نحو الإثبات انحازا إلى إطلاق الاتهامات (ومنها مسألة شتم الشيخين) انسياقاً مع الدعاوى الإعلامية التحريضية وليس المنهج العلمي. فإذا نظرنا إلى توصيف د.صبحي للإمام الباقر نقرأ أفكاراً متضاربة كهذه: «إن طابع التعصب الذي غلب على الأحاديث المنسوبة للباقر وإن كانت تعبر عن العداء الصريح للمذاهب الأخرى!! فإنها تبدو كأمر لازم اقتضته المرحلة.. إذ أقام الشيعة بعد اضطهادهم حائلاً بينهم وبين سائر فرق المسلمين فكانت آراؤهم المذهبية حماية لكيانهم حتى لا تتسرب إليه معتقدات خصومهم، ولكن شخصية الباقر عند أهل السنة مغايرة لما هي عند الشيعة، إلا أن الأقوال المنسوبة إليه تعبر عن مرحلة من مراحل التشيع في زمنه أكثر مما تعبر عن آرائه نفسه» (34).
إن نظرة نقدية للنص النقدي التحليلي سالف الذكر تبدي مجموعة من التناقضات
________________________________________
(32)المصدر نفسه، ص 500.
(33)المصدر نفسه، ص 358.
(34)المصدر نفسه، ص 360 و361.

[الصفحة - 94]


التي لا يمكن أن يقع فيها باحث جاد. إنه لم يرسم فرقاً بين مصطلح المذهب ومصطلح الفرقة. فهل كانت هناك مذاهب إسلامية في عهد الباقر في النصف الثاني من القرن الأول الهجري؟ وهل كل ما نقله الرواة الشيعة عن الباقر مجرد كذب وضعوه هم بأنفسهم؟! وبالقياس على ذلك هل يكون هذا البنيان العقائدي الشيعي المذهل من ناحية تكامله ومصادره المحفوظة والضائعة مجرد بناء شاده أشخاص مجهولون، ولم يكن للأئمة، رضوان اللَّه عليهم، أيّ دور مؤكد في ذلك؟
وأخيراً يتساءل القارى‏ء: لماذا يقوم الباحثان باستفزازه، وهما يضعان مسألة الموقف من أبي بكر وعمر، مقياساً للإسلام الصحيح، بدلاً من البحث عن الحقيقة؟ وهل تستحق تلك القضية المتهافتة تاريخياً وعقائدياً كل ذلك الجهد الذي قدماه في كتابيهما عبر العديد من الصفحات؟ ثم لماذا يتبنى الباحثان دعاوى الأعداء والحاقدين على الشيعة كاملة دون تمحيص حين يورد د.صبحي نصاً كهذا: «كان عليّ يؤمن بالوحدة بين السياسة والدين، لكن الشيعة ليسوا كذلك، ولو كانوا كذلك لوجدت مبادئهم طريقها إلى التطبيق حين وصل أفراد من الشيعة إلى الحكم، كان الشيعة في الحكم أبعد ما يكونون عن العدل بين الناس أو تأسيس مجتمع بلا طبقات، ولا يوجد ما يدل على اهتمام الحكام الشيعة بالعقيدة إلا الحرص على إقامة بعض الشعائر، ولعل من هذه المتناقضات أن يوالي الشيعة علياً ثم يتمسكون بعقائد لم يقل هو بها، بينما يتخلون عن مبادئه التي حارب ومات من أجلها» (35).
ألا نرى أن البحث يتجه نحو المهاترات وتراشق السباب والتهم ووصم المراحل التاريخية الإسلامية دون محاولة تقديم أي دليل أو حتى التدقيق في التاريخ والمصطلح العلمي. بل إننا نجد أحياناً أفكاراً كوميدية على مثال تحليل المؤلف نفسه لمسألة موالاة الفرس للأئمة واتجاههم نحو التشيع (مع أن ذلك تم في مراحل متأخرة) «إن المظلومين يتعصب بعضهم لبعض فكيف إذا وجد إنسان كعلي مظلوم فالناس تواليه» (36)، والباحثان في الحقيقة لا يكلفان نفسيهما جهد البحث عن ظلامة الإمام علي ومتى بدأت، وما هي حدود العقيدة والسلطة في أسبابها.. الخ.. الخ.. ومع ذلك وإنسجاماً مع التراث المصري في محبة الحسين وعليّ وفاطمة وزينب، ينقلان في كتابيهما أجمل
________________________________________
(35)المصدر نفسه، ص 301.
(36)المصدر نفسه، ص 303.

[الصفحة - 95]


عبارات التعاطف ووصف المأساة، بما في ذلك أشرس عبارات الاتهام لمعاوية ووالده وعبداللَّه بن الزبير ويزيد حتى ليظن القارى‏ء أنهما أصبحا من الشيعة في بحر الحزن التاريخي الساطع الذي ولّدته مذبحة الطف (كربلاء) ومأساة رحيل السيدة فاطمة الزهراء (رضي اللَّه عنها).
4 - نظرية عبداللَّه بن سبأ (السَّبئيَّة)
بمقدار أهمية هذه النظرية التي اعتنقها بعض الباحثين لتفسير نشوء التشيّع والانقسام الإسلامي بمقدار ما هي مجرد فكرة تريح ضمائرهم القلقة وتعطيهم انطباعاً بأن مجتمع المدينة ومكة في صدر الإسلام لا يضم إلا مجموعة من الملائكة استطاع يهودي واحد، دخل الإسلام نفاقاً، أن يشقّهم إلى فريقين فاختلفوا على القشور، ولم يكن خلافهم في صلب العقيدة، وكان من الممكن أن يتصالحوا سريعاً لولا جهوده (ابن سبأ) التفريقية ودسائسه. ورغم أن د. صبحي يورد آراء مجموعة من المستشرقين برفض وجود هذه الشخصية قطعياً مثل «برنارد لويس، فلهاوزن، وفريد لندر» باعتبارها من اختلاق المتأخرين‏ (37)، فإن المستشرق كايتاني اعتبر أن مؤامرة بهذا التفكير والتنظيم لا يمكن أن يتصورها العالم العربي المعروف عام 35فه بنظامه القبلي القائم على سلطة الأبوّة (38).
لكن الباحثين، مع ذلك، يتركان القارى‏ء دون إعطائه حلولاً أو بدائل، حتى أنهما لا ينفيان هذه الفكرة. وبدا التضارب والتشوش بين الكتابين في هذه المسألة عندما ينقل صبحي عن النشار ما يلي: «وقد ذهب النشار إلى عد السبئيّة أول الفرق الغلاة لدى الشيعة إذ يقول: كان اليهود مؤسسي العقيدة الشيعية الغالية الحقيقيين، فقد دخل بعض أحبارهم وكهانهم الإسلام، وتقدموا منتهزين فرصة إبعاد علي عن الخلافة بفكرة الإمام المعصوم أو خاتم الأوصياء، وتكاد تجمع كتب العقائد الإسلامية على أن عبداللَّه بن سبأ هو أول من دعا إلى فكرة القداسة التي نسبت إلى علي، وكان يهودياً.. ومن المؤكد أن فكرة أحقية علي بالخلافة لم تظهر في عهد أبي بكر وعمر، ولكنها نشأت في خلافة عثمان على يد عبداللَّه بن سبأ، ويمثل عبد اللَّه بن سبأ تياراً باطنياً من التيارات التي كانت
________________________________________
(37)في كتابه الهام: «أسطورة عبداللَّه بن سبأ» يحلل السيد مرتضى العسكري سبب نشوء الأسطورة منذ منتصف القرن الثاني للهجرة، عندما كتب «سيف بن عمر» كتاباً في التاريخ هو «الفتوح الكبير والردة» وضع فيه مجموعة من الروايات التي اختص بها وحده، ومنها عبداللَّه بن سبأ، ليفسر من خلالها الفتنة الكبرى ومقتل عثمان وحرب الجمل وغيرها. وقد كتب السيد العسكري كتاباً آخر اسمه «خمسون ومئة صحابيّ مختلق» يكمل دراسته حول الموضوع مثبتاً أن عبداللَّه بن سبأ ورد في تاريخ الطبري ولم يكن من ابتداع المتأخرين كشخصية. ولكن ربما تم تداولها في زمن متأخر نسبياً.
(38)د. صبحي، مصدر سابق، ص 37.

[الصفحة - 96]


تعمل على هدم العالم الإسلامي». ويتابع صبحي نقلاً عن النشار: «إن ما يهمنا أن نقرره أن المجامع اليهودية من ناحية، والغنوصية من ناحية أخرى، وجدت في انقسام المسلمين إبان ذلك الوقت فرصة لا تعوّض لإلقاء بذور الفتنة بينهم، فألقت في مجمع الكوفة والمدائن بآراء يمكننا أن نطلق عليها الآراء السبئية.. سواء أكان صاحب هذا الإسم أكذوبة أم لا..» (39).
وبالعودة إلى كتاب الدكتور النشار الذي هو موضوع بحثنا أيضاً، لم نجد النص الذي أشار إليه تلميذه أحمد صبحي بل وجدنا عوضاً عن ذلك ما يلي: «نفى وجود شخصية ابن سبأ الكاتب علي الوردي في «وعاظ السلاطين» وكذلك كامل الشبيبي في «الصلة بين التصوف والتشيع» وأبرز وثائقه تثبت أن عمار بن ياسر وابن سبأ شخصية واحدة وأن الأمويين هم الذين أطلقوا تلك الشائعة.. والثابت أن آراء ابن سبأ حتى مع الشك في وجوده ظهرت في بيئة صالحة لنموها. وما يهمنا هو أن المجامع اليهودية من ناحية والغنوصية من ناحية أخرى وجدت في انقسام المسلمين في ذلك الوقت فرصة لا تعوّض لإلقاء بذور الفتنة. فألقت في الكوفة والمدائن آراء يطلق عليها السبئية..» (40).
يبدو أن الدكتور علي النشار تراجع عن بعض آرائه في الطبعة السابعة لكتابه، وإلا فإن هناك تزيّداً على آرائه عند تلميذه. والجلي أن الفكرة السبئية مقولة موجودة تاريخياً ولا يعرف متى تم تداولها ولا من استغلها (على الأقل عند الباحثين المذكورين)، حتى أن الدكتور صبحي ينهي المسألة قائلاً: «يبدو أن مبالغة المؤرخين في ابن سبأ تعود إلى ضرورة أن يوجد من تلقى المسؤولية على عاتقه، وهكذا خلق» (41) ولكن.. شتان ما بين المقدمات والنتائج.. بين أن تطرح الفكرة وبين أن يحسم فسادها وضرورة إسقاطها من مسببات حركة بروز التشيع، ورفض ما ينتج عنها من أفكار، عندما يصر النشار على عرضها كما يلي: «1 - الوصية: فالإمامة لعليّ نصاً، 2 - معراج روحي إلى السماء، 3 - إن علياً إله وأنه توارى من خلقه سخطاً عليهم وسيظهر» (42).
وينقل النشار عن مصدر شيعي هو الإسفرايني في «التّبصُّر في الدين» إن ابن سبأ قال لأهل الكوفة بعد مقتل علي: «واللَّه لينفجرنّ لعلي في مسجد الكوفة عينان إحداهما عسل والأخرى سمن يغترف منهما شيعته». ويتابع الدكتور النشار قائلاً: «هي آراء
________________________________________
(39)المصدر نفسه، ص 35.
(40)د. النشار، مصدر سابق، ص 39، يستند إلى علي الوردي، ص 247.
(41)د. صبحي، مصدر سابق، ص 39.
(42)د. النشار، مصدر سابق، ص 40، نقلاً عن الشهرستاني، ج‏1رص 291.

[الصفحة - 97]


فلولكلورية غنوصية محملة بالحشو اليهودي والتي تنتشر ممجدة الإبطال التراجيديين حين يموتون».
وأخيراً يخلص الكاتب إلى ما يلي: «إذن الفرس والنواصب واليهود أضافوا الكثير منسوباً إلى ابن سبأ أو عمار بن ياسر لا فرق» (43).
أما الدكتور صبحي فيستنتج «على أن موقف الذين أرجعوا أصل كل فرق الشيعة إلى آراء ابن سبأ يدعو إلى بعض الشك في حيادهم في الرأي..» ومع ذلك فهو يورد رأياً للشيخ محمد أبو زهرة يقول فيه: «كان الطاغوت الأكبر عبداللَّه بن سبأ الذي دعا إلى ولاية علي ووصايته وإلى رجعة النبي، وفي ظل هذه الفتن نشأ المذهب الشيعي» (44). وهكذا وبإصرار، وفي مواجهة كل معطيات الرفض والدراسات الحديثة حول التشيع ومسألة ابن سبأ، ترك الكاتبان هذه الإشكالية البالغة الأهمية دون حسم نهائي. أو اتخاذ موقف محدد واضح يستند إلى نهجيهما في البحث.
5 - نظرية المهدية
ولد الإمام الثاني عشر سنة 255فه، يقول النشار نقلا عن ابن خلدون: «كانت ولادته مصدراً لأفكار الخوارق التي تجاوزت النبي عيسى.. فهو تكلم في المهد، ودعا اللَّه أن ينجز وعده، ودعا طيراً من السماء (وهو روح القدس) فحمله إلى أعلى عليين، بكت أمه وهو يودعها إلى القدس الأعظم، وكان يعود بين الفينة والأخرى، وعندما غاب نشأت عقيدة الغيبة وعقيدة الرجعة في صورتها النهائية عند غلاة الشيعة الإثني عشرية، أي أن أسطورة محمد بن الحنفية ورجعته، تعود في صورة غنوصية أو أشد في عقائد الشيعة الإثني عشرية، وهكذا نرى أثر الكيسانية في الشيعة الإثني عشرية، يعتقد الشيعة أن المهدي اختفى في سامرا بالحلة(!!!) ويذهبون إلى باب السرداب ويقرؤونه السلام». ويتابع النشار متسائلاً كعادته «عجباً أن تنتهي قصة الأئمة الإثني عشر إلى هذا الحد الأسطوري، وعجباً أن تثير عقائد راسخة متمكنة في عقائد مجموعة من البشر بل أن ينبري لها جماعة كبيرة من متكلمي الإسلام يدافعون عنها وينافحون» (45).
ربما كان سؤال الكاتب، في خاتمة تحليله للإمام المهدي وعقيدة المهدية،
________________________________________
(43)المصدر نفسه، ص 41.
(44)د. صبحي، مصدر سابق، ص 36.
(45)د. النشار، مصدر سابق، ص 531. نقلاً عن تاريخ ابن خلدون 2/217.

[الصفحة - 98]


مشروعاً لو أطلقه على العقيدة الإسلامية جميعاً كما فعل المستشرقون. أما أن يكون الباحث التجريبي مؤمناً باللَّه وعصمة الصحابة جميعاً، منزهاً للأئمة الإثني عشر عن أي خطأ ينسبه إليهم شيعتهم، فتلك المسألة المثيرة للاستغراب، فاللَّه سبحانه ذاته فكرة غيبية بحد ذاتها ويعتبره أصحاب المذهب التجريبي والماديون أسطورة، بينما يدافع عن وجوده وعليائه المليارات من البشر بمن فيهم الكاتب نفسه، فلماذا تعتبر المهدية أسطورة على هذا الأساس ما دامت مدعمة بأحاديث صحيحة عن رسول اللَّه لم يستطع إنكارها حتى أقطاب المؤسسة الوهابية المعادية للتشيع‏ (46).
تنصب التجربة ونقد النصوص بالنسبة لأحاديث رسول اللَّه(ص)، تجريبياً وفلسفياً، على صحتها سنداً ومتناً. أما الفلسفة فتهتم بالميتافيزيقيا ومن بينها فكرة الخلاص الإنساني عن طريق الرسل والمخلصين والمصلحين الملهمين. وبكل تأكيد فإن الكاتبين لا يخفى عليهما كل هذا. وهما لا بد قد أتيح لهما الاطلاع على كتب الحديث النبوي التي ورد فيها جميعاً تقريباً حديث المهدي بشكل أو بآخر، وهي متاحة للجميع، وكتب عن المهدي والمهدية عشرات الكتب، بحيث يبدو تقديم بعض نصوصها في هذا البحث دون كبير جدوى.
أما صلة المسألة المهدية بالغنوصية فتلك مسألة تستحق المناقشة فعلاً. هناك الكثير من العقائد السماوية سبقت الإسلام، وكما أسلفنا فإن الغنوصية ليست مذهباً دينياً، إنها مجموعة من الأفكار التي تسرَّبت أو امتزجت بأديان سماوية متعددة، وكلها تحوي فكرة المخلص العائد بعد غياب قسري عن الأرض، ولعلّ أقربها للإسلام فكرة عودة المسيح التي أقرّها الرسول(ص) في أحاديث عديدة وردت في كل كتب الحديث بما في ذلك البخاري ومسلم‏ (47). فهل يمكن اتهام الرسول بالغنوصية حتى ينسحب ذلك على الشيعة، كما يحلو للدكتور النشار أن يردد في ثنايا كتابه؟
على أية حال يبدو رفض المهدية، بما في ذلك الرجعة مشروعاً فعلاً، باعتبار ذلك من الأساطير إذا رغب المؤلفان في رفض الحديث النبوي أو التشكيك في صحة بعضه على الأقل. ولكن تلك الانتقائية وذلك الرفض يجب أن يشملا كل ما ورد في تلك الكتب من أحاديث يعتبرانها لا تتطابق مع العقل، وهذا ما لم نجده في الكتابين موضع
________________________________________
(46)السيد عبداللَّه الغريفي، أحاديث حول المهدي المنتظر، مكتبة الهداية الإسلامية، دبي 1988، ص 80.
(47)أورد نموذجين من الأحاديث، أحدهما عن مسلم ج‏8، ص 198. «قال رسول اللَّه(ص) عن الدجال: فبينما هو كذلك إذ بعث اللَّه المسيح بن مريم ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين(..) فيطلبه حتى يدركه بباب له فيقتله». أو «يخرج الدجال في أمتي أربعين ليلة(..) فيبعث اللَّه عيسى بن مريم فيطلبه فيهلكه». أما عن الإمام المهدي «عن الرسول(ص) قال: المهدي ولدي، اسمه اسمي وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خلقاً وخلقاً، تكون له غيبة، فتضل الأمم ثم يقبل كالشهاب الثاقب فيملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً»، عن مسند أحمد بن حنبل.

[الصفحة - 99]


بحثنا، فلا يمكن تطبيق المنهج التجريبي أو الفلسفي بطريقة تعسفية انتقائية لمجرد إلزام الشيعة في بحثين مقارنين بين السنة والشيعة في إطار نظرية المعرفة بعبارات اتهامية كالتي طالعناها.
في الكتب الشِّيعية الحديثة، نجد مراجعهم ينفون الكثير مما قيل عن غياب الإمام في السرداب، وأنه يخرج من السرداب ولا يمارسون تلك الأعمال التي نسبت إليهم مثل وضع خيول في انتظار عودة الإمام من غيبته حى يركبها (48) فالشيعة يعتقدون بأن الإمام المهدي يخرج في مكة وتعقد له البيعة عند بيت اللَّه الحرام بين الركن والمقام.
يقول د. صبحي: «وكان موقف الشيعة تجاه الأحاديث المنحولة عن مهدي السفيانيين والعباسيين أنه يقتضي السعي إلى تكذيبها ومحاربتها، ولكنهم بدلاً من ذلك جعلوا من هؤلاء المهديين دجالين يتحتم على مهديهم حربهم وقتلهم، كأن ذلك أدعى إلى أن تتشفى نفوس الشيعة من الأمويين والعباسيين». ثم يقول: «إن المهدية ليست أسطورة ساذجة أفسدت عقولاً يخدعها بريق التشيع فاستجابت لكل ناعق، وليست فكرة هدامه في التاريخ الإسلامي، فالإيمان بمخلص ينتظر مظهر من مظاهر الثيوقراطية ما دامت لهذا المخلص صفة دينية وسياسية معاً. هذه العقيدة لا يؤمن بها إلا الذين يعانون صراعاً نفسياً يمس ضمائرهم نتيجة السخط على تصرفات الحكام واضطرارهم للخضوع لهم!! هذه العقيدة أيضاً رد فعل لنظرية التفويض الإلهي، وهي معبرة عن وجهة نظر المعارضة لتضفي الشرعية على الحركات المضادة للطغاة. إن أصحاب الفرق المؤمنة بالمهدية رووا أحاديث المهدي لأنهم يؤمنون بالعقيدة قبل أن يمحصوا هذه الأحاديث تمحيصاً موضوعياً». ويتابع الدكتور صبحي قائلاً: «إن بعض الشيعة الإثني عشرية صدموا لاختفاء الإمام الثاني عشر فتطلعوا إلى الفرع الآخر أي الإسماعيلية، فالمهدية تتضمن يوتوبيّة وارتباطاً بالواقع معاً، النزعة الواقعية وجدت مأزقاً في اعتقادها ببقاء المهدي حياً مئات السنين، ثم في ماهية مغزى تلك الغيبة الطويلة، فأقامت الفكر الغيبي ليسد بعض الثغرات، بينما أحلَّت فكرة السر الإلهي أو حكمة اللَّه لتجيب على الإشكالات الباقية، فاليوتوبية في العقيدة الإثني عشرية لا تدع مجالاً لإمكان تحقيق
________________________________________
(48)أحاديث حول الإمام المنتظر، مرجع سابق، ص 77.

[الصفحة - 100]


العقيدة في الواقع الملموس يوماً ما، فهي عقيدة وجدت للاعتقاد القبلي لا للتطبيق الواقعي أو التحقُّق الزمني..» (49).
كل تلك الأفكار المهمّة تثير الكثير من النقاش الفلسفي فعلاً في بحث قائم على هذا المنهج. لكن مسألة الثيوقراطية والديمقراطية.. بين الشيعة والسنة تثير نقاشاً مريراً للتاريخ الإسلامي ليس هذا مجاله (ولو أننا سنتعرض له بشكل مكثف). أما أن تلك العقيدة فكرة مبتدعة نتيجة الاضطهاد السلطوي للشيعة فذلك يكذبه ورود الأحاديث الخاصة بذلك في كتب الحديث كلها تقريباً، ونعتقد أنها صحيحة النسبة إلى الرسول، لأن كل المسلمين يؤمنون بذلك ويتداولونه من أزمان بعيدة، ولم يظهر الرفض إلا في العصر الحديث عند بدء ظهور العلمانية في النظم السياسية المعاصرة وظهور دراسات الاستشراق.
بالنسبة للشيعة فإنهم محصوا تلك الأحاديث ويؤمنون بها، أما مفكرو السنّة القدامى فلم يرفضوها ولكنهم رفضوا التشيع من جذوره. وحديثاً برز دور المستشرقين في نسبة الفكرة إلى الغنوصية والمسيحية واليهودية والزرادشتية، ولكن المسيحيين المؤمنين لا يرفضون فكرة رجعة المسيح، ومثلهم اليهود وفكرة ظهور (المسيّا) أو المخلّص الذي يحكم العالم ألف عام.
أما مسألة اليوتوبيا، أو الجمهورية الفاضلة، فقد ظلت حلم النخبة المثقفة منذ أفلاطون، وظلّوا يحاولون تحقيقها على أرض الواقع، وقامت كل الفلسفات المثالية على أساس تلك القاعدة، وهي أن تسعى لتحقيق قيم الحق والخير والجمال على الأرض مع اللجوء إلى فكرة العالم الآخر الملي‏ء بالخير والجمال والحق في الوقت نفسه.
في هذا المجال يسعى البشر إلى عالم أفضل مسلحين بأيديولوجيا الأديان، ومنها الإسلام، حيث يقول القرآن الكريم: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} (50). لهذا يبدو حلم الخلاص والسعي للمثال جهد البشرية وتوقها بظهور المخلّص المدعوم من اللَّه سبحانه، ولم يكن المسلمون بمذاهبهم جميعها نشازاً عن هذا التوجه. وإلا فكيف نفسّر بزوغ الأساطير.. هل جاءت من خارج إطار الحياة، وهل وُوْجهت الأديان ورسلها إلا بهذه التهمة كما واجه العرب الرسول
________________________________________
(49)د. صبحي، مصدر سابق، ص 398و 416 و424.
(50)سورة التوبة، الآية: 33.

[الصفحة - 101]


محمد(ص) بقولهم: {إن هذا إلا أساطير الأولين} .
فلماذا غابت هذه الأفكار عن المنهج الفلسفي للدكتور صبحي في بحثه الذي لم يلتزم به أصلاً، مع التزامنا بضرورة الاعتراف أن الكثير من التزايدات (ولا أقول الخرافات) قد شابت الأصول التي استندت إليها النظرية.
6 - نظرة إلى المصادر
عندما كتب الشهرستاني كتابه الشهير «الملل والنحل» لم يكن ملماً بما سيكون لكتابه هذا من أثر في البحث العقيدي للفرق الإسلامية. ورغم أن أي باحث في التراث الإسلامي لا يجوز له أن يكتفي بهذا المرجع وحده. وأنه عندما اعتمد المستشرقون عليه بشكل رئيسي برز الشهرستاني في واجهة البحث التاريخي باعتباره أبرز المنافحين ضد الشيعة وأكثرهم ثقة في إصدار أحكام القيمة. ولأن الشيعة عملياً ظلوا في المعارضة فترات طويلة من الزمن الإسلامي الممتد إلى أربعة عشر قرناً، يمكن توصيف ذاك الباحث الإسلامي بجهاز إعلامي للسلطات في حربها ضد التشيع، تماماً كما انزلق الإمام الغزالي إلى موقف كهذا عندما كتب «فضائح الباطنية» في ظروف انحطاط الحضارة الإسلامية وأواخر الخلافة العباسية.
أما ابن تيمية، في كتابيه: «منهاج السنة» و «الرد على الملاحدة» وغيرهما، فقد كان مقاتلاً لمصلحة السلطة بمزاجه. كان، كما وصفه معاصروه، مناكفاً وشجاعاً، ولكنه بسبب عدائه للتشيع ارتكب مغالطات علمية وفقهية، ورغم ذلك وصفه مؤرخو السنّة بشيخ الإسلام، وبالمقابل اعتبره المنصفون العدو غير الموضوعي للشيعة حتى أنه أفتى عام 705فه بمشروعية قتالهم وقتلهم، وهذا ما فعله والي دمشق فعلاً عندما جرد حملة ضد قبائل النصيرية على الساحل السوري‏ (51). ولكنه في نهاية أمره أصبح عدوّاً للجميع ومات في سجنه بدمشق.
المستغرب، في بحث ينحو إلى التجريب أو الفلسفة يعتمد كاتباً كابن تيمية، مع كل ما في بحوثه من مطاعن، في مواجهة التشيع ويعتبر ردوده على كل ما قاله الشيعة من مؤيدات لولاية الإمام علي(رض)، وجهة نظر تستحق أن تؤخذ بعين الاعتبار.
________________________________________
(51)صائب عبد الحميد، ابن تيمية حياته وعقائده، الغدير للدراسات والنشر، بيروت، 1994.

[الصفحة - 102]


ومثل هذا القول ينطبق على الشهرستاني وابن حزم والبغدادي وابن خلدون في مقدمته الشهيرة.
فبالرغم من اعتراف هؤلاء جميعاً بأن الأئمة الإثني عشر كانوا فوق مستوى الشبهات وبأنهم أئمة كبار في زمانهم، وقالوا فيهم من المديح والاستدراكات الكثيرة، إلا أنهم فصلوهم عن التشيع ما يجعل أي باحث منصف يتساءل عن مشروعية فصل كهذا، وعن ماهية أولئك الذين قادوا حركة التنظير للعقيدة على مدار قرون ثلاثة في صدر الإسلام، هؤلاء هم الذين تركوا المجال لاتهام جماهير الشيعة المضطهدة وقادتها حقاً، من قبل الملوك الطغاة، من أمويين وعباسيين، بأنهم أخذوا مذهبهم من تسريبات يهودية ويونانية وغنوصية، ما جعل باحثاً كالدكتور النشار يطلق حكماً قاطعاً بأن «علماء المسلمين راعهم اعتبار الإمامة جزءاً من العقيدة الإسلامية»، فهل هؤلاء هم العلماء الذين عناهم بقوله هذا؟ والأعجب من ذلك إستخدام الدكتور صبحي مصدراً للرد على الإمامة كتباً مثل «التحفة الإثني عشرية» للشيخ غلام ميرزا زعيم الطريقة القاديانية في باكستان، بكل ما تحمله تلك الحركة على كاهلها من اتهامات بالدس على الإسلام، فهل ينسجم هذا الاستخدام مع بحث فلسفي يقصد به الوصول إلى اكتناه الحقيقة فعلاً؟
خاتمة
بين الثيوقراطية والديمقراطية
في ذلك العصر السحيق، ورغم ظهور مصطلح الديمقراطية في الفكر اليوناني قبل ذلك بزمن بعيد، لم يكن العرب في الجاهلية أو صدر الإسلام معنيين بالتعامل مع تطبيق فكرة يوتوبية كهذه في حياتهم القبلية، بالإضافة إلى أن مسألة الاختيار في الزعامة لم تكن من ضمن التقاليد العربية، إذا فسر ذلك على أنها انتخاب زعيم القبيلة، وصولاً إلى اعتبارها نهجاً في اختيار الخليفة بعد رحيل رسول اللَّه(ص).
لقد جهد مراجع الشيعة بالرد على آيات الشورى في القرآن بأنها لا يمكن أن تكون قد قصدت تطبيق نهج صناديق الاقتراع بالمعنى الذي نعرفه اليوم، وقد كانوا على صواب. وبالمقابل جهد علماء السنّة، بمسعى واضح الدلالة، لتسويغ ما جرى في
________________________________________

[الصفحة - 103]


حادثة السقيفة المثيرة للجدل دفاعاً عن الشيخين. ومعروف جيداً ما آلت إليه الأمور بعد ثلاثين عاماً لا أكثر من عمر المرحلة التي قادها الخلفاء الراشدون الأربعة. لقد عادت الأمور إلى طبيعتها التاريخية بما ينسجم مع الأعراف الاجتماعية العربية والإسلامية المستجدة، أي أنها عادت إلى النظام الملكي الوراثي، أو كما قيل عنه «الملك العضوض». وبكل تأكيد كان رسول اللَّه يعرف ذلك، ونقل عنه في السنة الأخيرة من حياته ذلك الحزن العميق، فلم يُرَ مبتسماً قط. لقد أثبت النقل التاريخي توصيفاً لطبيعة اختيار الخلفاء الأربعة، الذي لم يكن وببساطة منسجماً مع أي عرف ينطبق على المصطلح الديمقراطي كما نعرفه اليوم، وحتى في تاريخ الممالك اليونانية كما نقل المؤرخون. لقد أصبح معروفاً أن أبا بكر أوصى لعمر بن الخطاب، وأن ستة من الصحابة كان لهم أن يقرروا من هو الخليفة الثالث، وأن حشود الانقلابيين القادمين من الأمصار لمواجهة الخليفة الثالث وقتله هم الذين فرضوا على الإمام عليّ قبول الخلافة.
أما من حيث المبدأ (أي مبدأ الاختيار) فإن من السذاجة القول إن القرآن قد أقرّ به دون أي إيضاح أو إشارات تفصيلية في مسألة قسمت الإسلام إلى شطرين، بينما جرى تفصيل الوضوء وأشياء أخرى بأدق التفاصيل. فهل كان المسلمون أو العرب في حالة من النضج الاجتماعي في تلك المرحلة التاريخية المبكرة لكي تطرح مسألة الديمقراطية والاقتراع في آيات القرآن الكريم بحيث تجري بعد ذلك محاولات غامضة وبالغة التشوش والاضطراب لتفسير ماهية تلك الديمقراطية المغدورة وغير القابلة للتطبيق من قبل علماء المسلمين السنة في عشرات الكتب التي يعرف أصحابها أنهم يعيشون قانعين في ظل أنظمة ملكية استبدادية بعيدة حتى عن حمل صفة أنها إسلامية رغم وجود حضارة إسلامية حقيقية ومبهرة؟
لكل هذا، ألا يبدو إطلاق توصيفات تحمل مصطلحات مثل الديمقراطية والثيوقراطية، عاجزة عن استيعاب توصيف الفريقين: السنة والشيعة، أو عن وصف المرحلة، أو حتى عن استنتاج أن اللَّه سبحانه أراد من خلال الشورى أن يعني المبدأ الديمقراطي والانتخاب كما نعرفه اليوم في بعض بلاد خلق اللَّه الأوروبية، وبالتأكيد ليس في العالم الإسلامي؟!
________________________________________

[الصفحة - 104]


وبعد.. هل التشيع يوتوبيا (بمعنى السعي إلى الجمهورية الفاضلة) غير قابلة للتطبيق كما يقول الدكتور صبحي. أو ليس الإسلام ذاته يوتوبيا يفرض خلق عالم أفضل؟ ثم أليست الديمقراطية نفسها بالتعريف اليوناني يوتوبيا لكونها غير قابلة للتطبيق السليم حتى في أرقى مجتمعات العالم اليوم بالشكل الأمثل؟ قال تشرشل: «الديمقراطية نظام سيّ‏ء ولكن لا يوجد بديل أفضل». وبهذا الاعتبار فكلنا (أقصد النخب المثقفة في العالم) مع الديمقراطية وضد الثيوقراطية. ولكن ماذا تعني الثيوقراطية لدى الشيعة في حقيقتها أو كما طرحت من خلال كتبهم عن حكم الإمام أو خليفته، الفقيه الوليّ؟ أليست هي الاختيار الطبيعي لصعود الأصلح والأفضل إلى سدة الحكم؟ أليست الديمقراطية بأبسط تعريفاتها هي السعي لإيصال الأصلح لخدمة الجماهير وتحقيق العدالة والتكافؤ لهذه الجماهير بما في ذلك عدالة التوزيع للثروات. وإن كان ذلك عن طريق صناديق الاقتراع؟ أليس تاريخ المؤسسة الشيعية في بروز المرجعيات الكبيرة المعروفة دلالة واضحة باعتراف المؤرخين على ذلك الانتخاب الطبيعي لوصول الأعلم والأتقى والأعدل لزعامة الطائفة ليصبح أهلاً للتقليد ومن ثم إلى قيادة الجماهير بعد ذلك؟.
وهل الديمقراطية، بالتعريف الغربي الراهن، إلا أحد الحلول المطروحة للوصول إلى الأفضل لتحقيق أماني الشعب بحيث يبدو أن الشعب يحكم نفسه بنفسه؟ ثم ألا يعترف الباحث د. صبحي بأن مسألة العصمة ضرورية وموجودة دائمة في كل نظام سياسي، أكانت للأمة، للإجماع، للدستور، لمجلس الشعب، للإمام إلخ.. إلخ..! (52) فلماذا يبدو ذلك التناقض في البحثين بالاعتراف بوجود العصمة دائماً وبرفض إسباغها على أئمة الشيعة الاثني عشر من خلال تفسير الآية القرآنية الشهيرة {إنّما يريد اللَّه ليذهب عنكم الرِّجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} . تلك الآية التي أجهد علماء السنة أنفسهم في تأويلها تعسفياً لكي يبعدوا أي تفسير يستنتج منه أنها تخص أهل بيت النبي الذين غابوا.. رحمهم اللَّه وأسبغ عليهم السلام.
فهل خلع الإمام الصادق العصمة على الإمام علي والأئمة من بعده، ولماذا لم يصف الإمام علي نفسه بها؟ (53) ولماذا يعترف المؤلف المذكور بعد ذلك بأن الإمام وصف نفسه بذلك في خطبته المثبتة في نهج البلاغة والتي أوردها ابن أبي الحديد بناء
________________________________________
(52)د. صبحي، مصدر سابق، ص 134 - 139.
(53)المصدر نفسه، ص 140.

[الصفحة - 105]


على تفسير الشيعة لهذه الخطبة (54) ثم يقوم الكاتب بنفي هذا التفسير، بل ربما نفي مرجعية النهج بأكمله للإمام علي(رض) (55).
من خلال كل ما تقدم، هل يمكن أن يثق القارى‏ء المنصف بنية الباحثين: علي النشار وأحمد صبحي بالوصول إلى الحقيقة في منهجهما التجريبي الاستردادي والفلسفي، في ضوء ذلك الكم من التناقض والجدل والتحايل والبراغماتية، ليبدو جهدهما البحثي مجرد إضافة أو تتمة لبحوث الفئات المعادية للتشيع في محاولة لحجب الحقيقة، من خلال التعصّب المقيت ـ ذلك التعصب الذي جهدا في إسقاطه على الشيعة ـ عن الجماهير الإسلامية؟ ثم ألا يبدو رأياً متناقضاً فعلاً ذلك الذي سطّراه في المقدمات عن حيادهما أولاً، وبعدهما عن البناء على نهج المستشرقين في الإساءة للإسلام أخيراً؟
________________________________________
(54)ابن أبي الحديد، شرح النهج، المجلد الثاني، ج‏6، ص 126 - 130.
(55)انسجاماً مع بعض العقلانية، يتساءل القارى‏ء: كيف يمكن للإمام الأول أن يتحدث عن مفهوم العصمة بشكل مباشر في خطابه للناس، وكيف يصل باحث إلى نفيها عنه لأنه لم يتحدث بها رغم وجودها بشكل أساسي في أدبيات التشيع؟ ومعروف أن السنة عبر مفكريهم ينفون العصمة عن الرسول(ص) إلا في مسألة تبليغ القرآن، وكل ما تبقى بعد ذلك خاضع للخطأ والصواب، بحيث يتساوى الرسول مع أصحابه.

[الصفحة - 106]