البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

April / 17 / 2022  |  255معضلة الثقافة الغربية أنها انقلبت من مركزية المعرفة إلى مركزية التقنية

الحوار مع :د. محمد الشريف الطاهر
معضلة الثقافة الغربية أنها انقلبت من مركزية المعرفة إلى مركزية التقنية

إذا كانت المعضلة الأصليّة للحداثة هي ربطها بين المعرفة والقوّة القهريّة على الآخر، فإنّ معضلتها الكبرى هي انتهاؤها إلى الانتقال المروّع من مركزيّة الإنسان إلى مركزيّة التقنية. وبهذا أصبح الإنسان مجرّد كائن مطيع لوثن الآلة ولم يعد سوى مجرّد رقم من أرقامها.

حول هذه القضيّة وسواها كان لنا الحوار التالي مع الباحث الجزائري الدكتور محمد الشريف الطاهر في سياق محاوراتنا في هذا الكتاب حول التأسيس لعلم الاستغراب.

«المحرّر»


* ظهرت التقنيّة كفجوةٍ تتوسّع يوماً إثر يومٍ في بنية العقل الغربي الحديث. لعلّ أشدّها وقعاً أن أصبح العقل في مواجهة الإيمان، والتقنية في مواجهة البُعد الرّوحي للإنسان. والنتيجة أنّ وقع العقل الحديث في أحاديّة جائرة ستجرِّده من إمكانات هائلة هي ضرورية لتجدّده الحضاري..... كيف تُعلّقون على هذه الأطروحة؟

- السّؤال جيّدٌ لاعتبار أنّه أشار إلى الفجوة، والتي يُمكن الاصطلاح عليها بالانفصالات التي أقامتها الرؤية العلمانيّة للعالم. فالعلمانيّة بوصفها جوهرَ الحداثة الغربيّة قدّمت رؤيةً تفسّر بها نظام الكون وفق عمليّة انفصالات تاريخيّة كبرى، وهي الفصل بين المعرفة والتقنية والقيمة الأخلاقيّة، وحلّ محلّها التّسيّد على الطبيعة وعلى الكون، والربط والفصل هما من شكّلا الحداثة الغربيّة، وحتى يكون تحليلي أكثر وضوحًا، سأضرب مثالًا عن علاقة المعرفة بالأخلاق في الثّقافة الإسلاميّة ثم أرجع إلى الحداثة الغربيّة.

في الثّقافة الإسلاميّة المعرفة ترتبط بالأخلاق وهو ما يُسمّى التقوى، فالمعرفة تحتاج إلى التقوى لتحقيق النّزاهة العلميّة، وكذلك غاية العلم تحصيل التّقوى، فينبني عن ممارسة المعرفة أن تكون أخلاقيّةً، أمّا في الثّقافة الغربية الحداثيّة فقد ارتبطت بالسيطرة والهيمنة، وهو عينه ما أحدثه ديكارت من خلال الكوجيتو « أنا أفكر إذًا أنا موجود»؛ حيث جعل كلّ ما هو خارج الأنا المفكّر موضوعًا للسيطرة، وذلك أنّ المعرفة لديه تساوي القوّة والسيطرة على الطبيعة ناهيك عن تصريحه بأنّنا نحن أسياد العالم، من هنا نشأ في الثّقافة الغربيّة ارتباط بين القوّة والمعرفة وليس الأخلاق. وما زاد تأكيد هذا الارتباط هو جعل الرياضيات قوام المعرفة، حيث أصبح كلّ شيء قابلًا لأن يتحوّل إلى رقم أيّ تكميم كلّ شيء ومن ثم تشيُّؤه. والأمر نفسه مع فرنسيس بيكون حيث جعل العلم مدخلاً إلى التّسيّد على الطبيعة، متسلّحًا بالتجربة والتي هي أكثر من إجراء للبحث بقدر ماهي رؤية، تتمثّل في تلك الرغبة الجامحة في التّحكّم والسيطرة والهيمنة على العالم، خاصة وأنّ بيكون كان يرى أنّ جنّة آدم الموعودة في الكتب المقدّسة سيحقّقها العلم ذاته بالسيطرة على الطبيعة. ثم مع كانط حصل الانفصال الحقيقي بين الأخلاق والمعرفة، وذلك من خلال كتابيه «نقد العقل المحض» و«نقد العقل العملي»؛ حيث وسّع الهوّة بين المعرفة التي هي من شأن العقل المحض، والأخلاق التي هي من شأن العقل العملي، وهنا حصل الانفصال بين ما ينبغي أن يكون وهو من شأن الأخلاق وما هو كائن وهو من شأن العلم والمعرفة.

هنا كانت الحداثة الغربيّة قد فصّلت بين المعرفة والأخلاق، وارتبطت المعرفة بالقوّة، فنتج عن ذلك ارتباط التقنية كوسيلةٍ للمعرفة المرتبطة بالسيطرة والهيمنة اللّا مشروطة بالقيم الأخلاقيّة والإنسانيّة مما أنتج إمبرياليّة سعت إلى السيطرة على الطبيعة والإنسان خارج الغرب والطبقة العمّاليّة داخل الغرب، وهو ما انتبهت إليه مدرسة فرنكفورت حول انتقال الهيمنة من ساحة الطبيعة إلى ساحة الإنسان، وذلك من خلال العلوم الإنسانيّة والتقنية التي جعلت مساحة الإمبريالية، ليس فقط الطبيعة أو المكان والزمان والمجتمع بل حتى النّفس هي مجال للهيمنة.

أمّا ما بعد الحداثة فلم يحصل الانفصال فقط، بل القلب من مركزيّة المعرفة إلى مركزيّة التقنية، ففي عصر الحداثة سادت ثقة في العلم بأنّه مخلّص الأوروبيين، وأنّه مصدر سعادتهم، فكانت التقنيّة تابعة للممارسة العلميّة، أما وانهيار اليقين العلمي مع بداية القرن العشرين، فقد انقلب الوضع صوب مركزيّة التقنيّة، فالبيولوجيا مثلًا تسعى إلى تطوير عمليات الاستنساخ وتقنياتها، في حين أنّ العلم متأخّرٌ مقارنة بتطوّر التقنية، والأمر نفسه مع إنتاج تكنولوجيا النانو، ومع غيرها من التقنية، والتي أنتجت إمبرياليّة جديدة، وهي إمبرياليّة الشركات الكبرى، والتي أصبحت تُهدّد الدّولة الحديثة بالانهيار، والأدهى والأمرّ هو تهديدها للطبيعة التي تريد تغييرها وإحداث خلل في الكون.

وملخّص التحليل أنّ الفجوة حصلت نتيجة انفصال القيم الأخلاقيّة عن المعرفة، ما أنتج معرفةً وتقنيةً تسعى إلى الهيمنة والسيطرة، فتولّدت إمبريالية تلغي إنسانية الإنسان كقيمةٍ أخلاقيّةٍ عُليا لتحلّ محلّها رغبةٌ جامحة في السيطرة، وتوسّعت الفجوة أكثر مع ما بعد الحداثة عندما أصبحت التقنية سيّدة على المعرفة ذاتها، ما كرّس منطق السيطرة وزاد من الانفصال عن القيم الأخلاقيّة والرّوحيّة والإيمانيّة.

* كثير من المفكرين الغربيين رأوا أنّ التقنية على سبيل المثال يجري التعامل معها وكأنها آخر الحلول المتاحة لترميم الحضارة المعاصرة، ماذا يعني لكم مثل هذا الرأي؟ معارف الغرب في مطلع القرن الحادي والعشرين؟

- سؤالكم يقودنا إلى الحديث عن بنية تنظيم المعرفة سيسيولوجيًّا ضمن الحضارة الغربية، وهنا وجب التمييز بين إنتاج المعرفة العلميّة ثمّ تأويلها فلسفيًا وقيم تطبيقها وأخيرا وسائل تبليغها، وأمام هذه المستويات الأربعة تتّخذ التقنية موقعًا مركزيًا، وهذا ما يمكن أن نلخّصه فيما يلي:

أوّلاً: على مستوى إنتاج المعرفة: في القرن العشرين بدأ تقدّم التقنية على حساب تطوّر المعرفة العلميّة، فتقنية الاستنساخ آخذة في التّطوّر على الرغم من عدم استكمال تمام المعرفة بجسم الإنسان، وطموح هذه التقنية ليس الزيادة في معرفة جسم الإنسان، بل إنتاج إنسان خال من الأمراض، وعليه أضحت التكنولوجيا لا تهدف إلى خدمة المعرفة بل السّيطرة والتّحكّم والتّسيّد.

ثانياً: على مستوى تأويل المعرفة العلميّة: هنا لا تظهر التقنية لاعتبار أنّها مهمّة الفلسفة الأخيرة وضعت تأويلًا للمعرفة حلوليًا، أي أنّها رتّبت بيت الوجود وفق الأنطولوجيا اليونانيّة التقليديّة، والتي تجعل من مبدأ الوجود أي واجب الوجود في ذاته حالًّا في الوجود، وهو ما يعني تحوّل النّسبي إلى مطلق، وقد جعلت موضع الحلول في مواضع عدّة. ففي عصر النهضة، مع الحركة الإنسانوية، تحوّل الإنسان إلى ذلك المطلق، ثم الدولة الوطنية مع العصر الحديث والتي انتهت إلى أكبر تجلي لها مع النازية، وكذلك العلم كان هو موضع الحلول، والآن في العصر المعاصر تحوّلت التقنية، لهذا فالفلسفة الغربية بأنطولوجيتها لم تستطع الخروج من هذه الأزمة، بل هي جزء منها؛ لأنّها هي التبرير المنطقي لتحوّل التقنية من مجرّد وسيلة إلى إله متغوّل يتحكّم ويتسيّد على الوجود الإنساني.

ثالثاً: على مستوى قيم تطبيقها: وهو ما أشرت إليه سابقًا، وهو ارتباط المعرفة بإرادة القوّة، فالتقنية هي التجلّي الأكبر لهذا الارتباط، فهي لا ترتبط بقيمٍ إنسانيّةٍ، بل بقيمٍ ماديّةٍ؛ حيث شيّأت الوجود البشري نافيةً عنه تركيبيته، وأبعاده المتعدية للبُعد المرئي والمادي، لهذا يمكن أن يتسلّع ويتحوّل إلى مادة استعماليّة، وهنا تظهر التقنية بوصفها نزعة تجعل من تشييء الإنسان حقيقة موضوعية، فتمّ تشييء مشاعره ووجدانه وخياله، لهذا فتطبيق المعرفة أصبح رهينًا للنّزعة التقنيّة بوصفها نزعةً تسيديّةً.

رابعاً: على مستوى تبليغها: فالتقنية ليست مجرّد وسيلة بل رؤية للعالم، تنظر إلى الإنسان والوجود ككل، فهي التي تحقّق التّحكم في الكون والسّيطرة عليه والتّسيّد عليه، بل وإعادة صياغته، ويمتدّ أفق السيطرة على الإنسان الذي يمكن التحكم فيه والسيطرة عليه من خلال التقنية فيتم إيقاف الجريمة وإزالة الشرور والأمراض وكل الآلام، من هنا يتم تبليغ التقنية على أنّها رؤيةٌ للعالم وليست وسيلة، مستخدمين السينما والإعلام وغيرها من أنواع الدعاية المباشرة وغير المباشرة.

من هنا يتّضح أنّ التّقنيّة ليست أداة معرفيّة أو وسيلة اجتماعيّة، وإنّما أنطولوجيا تحدّد للإنسان موقعه في الوجود، ووجهته ومآلاته. فقيمة الإنسان تحدّد بمدى امتلاكه للتقنية والقوّة والهيمنة والسيطرة، وعليه يتمّ تصنيف المجتمع والفرد ليس وفق خيريّته أو أخلاقه، بل وفق ما يملكه من تقنية. وعليه، هي من تحدّد مكانك في الوجود، وهي من تصنع سوبرمان إنسان أعلى وسوبمان إنسان أدنى، وهذا التحديد لسلّم الكائنات هو ما سيحوّل التقنيّة إلى غاية، فالغاية امتلاك التقنية لا خدمة الإنسان، لهذا نجد أنّ الغربيّ يعمل أقصى طاقاته العقليّة لكي ينتج آلة ستقتله، وهو قمّة الانقلاب؛ حيث انقلبت الوسائل إلى غايات والغايات إلى وسائل.

* إلى أيّ مدى استطاعت التقنيّة في خلال هيمنتها على بنية الحياة في الغرب، من التأثير على إنتاج المعرفة وخصوصًا الإنتاج الفلسفي؟

- يندرج سؤال التقنية ضمن سؤال الهيمنة والسّيطرة، وهنا سأعتمد مصطلح التّسيّد الذي طرحه طه عبد الرحمان ومن بعده وائل حلاق، والذي يعني التّسلّط المطلق، الذي لا يحكمه لا قانون ولا قيم أخلاقيّة.

فمسار الحضارة الغربيّة الحديثة والمعاصرة كان ينشد تجاوز كلّ أشكال التّسيّد، وذلك بالتّحكّم في الطبيعة، ووضعها تحت سيادة الإنسان الأوروبي، لكن التّسيّد أدّى إلى مجموعة من التّغوّلات، بدأت بتغوّل الدولة القوميّة كما نظر لها توماس هوبز وغيره، ثم تغوّل الرأسماليّة، وأخيرًا تغوّل التقنية، وهو مفارقة العقل الغربي؛ حيث أبدع التقنية لتحرّره لكنّها أسرته؟ فبدلًا من أن تزيد من مساحة حرّيته زادت من خضوعه للشركات الرأسماليّة الكبرى المنتجة للطغيان التقني؟ فأصبحت كلّ حركة وسكون تحت رحمة التقنية؟ وأصبحت هي من تحدّد حاجاته وتفرض عليه مخياله وطريقة إدراكه للعالم، بل حتى مشاعره ومعتقداته.

هنا انقسم الفلاسفة الغربيون على ثلاثة أقسام، كلّ منهم فسّر المفارقة بطريقته، وهم:

أ- طريق الإصلاحيين: وهم الفلاسفة الذين رأوا أنّ بالإمكان إصلاح الحضارة الغربيّة، وبالتالي يمكن إخراج التقنية من وضع الهيمنة إلى وضع الحرية، أي من كونها أداة للسيطرة على الإنسان إلى حرّيته، وهنا نجد كارل ماركس، والذي كان يرى في مشاعية وسائل الإنتاج مخرجًا من الأزمة، ومن بعده مدرسة فرنكفورت والتي استطاعت بفضل عبقريّة الجيل الأوّل أن تتجاوز نقائص الماركسية، لكنّها أخفقت في تقديم الحلول، فأدرنو رأى ضرورة الرجوع إلى الفنّ وهوركهايمر رجع إلى الدين كمخرج، وسعى كل من إيريك فروم وهاربرت ماركوز إلى الجمع بين ماركس وفرويد، ويضاف إليهم المدرسة الوجودية، إلّا أنّ الإصلاحيين لم يعوا جيدًا أنّ الأزمة أعمق، وهي طبيعة الرؤية الحلوليّة التي وسمت الحضارة الغربيّة منذ نشأتها لا مع الأسطورة اليونانيّة.

ب- طريق التشاؤميين: وهم الفلاسفة الذين رأوا الظلمة أصلية ولا يمكن الفرار منها، بل لا بدّ من تكريسها، وهم نيتشه الذي نظر إلى الوجود بوصفه إرادة قوّة، ثم تبعه فرويد والذي أصل البعد الثيناتوسي (نزعة الموت) بوصفه نزعةً أساسيةً في لا شعور الإنسان الغربي، وكذلك اوزفلد شبنجلر الذي رأى أنّ الحضارة الغربية لا بدّ أن تنتهي على الانهيار.

ج- طريق المستسلمين: وهم فئة من الفلاسفة آثروا الفرار إلى الأمام بدلًا من مجابهة هيمنة وظلاميّة التقنية التسيدية، وهم ميشال فوكو وجاك دريدا وفلاسفة ما بعد الحداثة، وكذلك فلاسفة نهاية التاريخ كفوكوياما وصموئيل هنتنغتون.

يظهر أنّ موقف الفلاسفة الغربيين هو موقف متغيّر من مفارقة التقنية. فمنهم من أراد إصلاح الوضع ظنّا منه أنّه يمكن الخروج من عملية الهيمنة واستمرار مشروع الحداثة، وآخرون استسلموا لمآلاته المدمرة واعتبروها حتمية تاريخية، وأما الطرف الثالث رأى وجوب الاستسلام لها. لهذا جاء تنظيم المعارف في الحضارة الغربية على مستوى التطبيق يقدم التقنية على العلم، مع العلم أنّ قيمة العلم لم تتغيّر، فما زالت نزعة التّسيّد تتحكّم في سياسات المعرفة لديهم؛ حيث أضحت التكنولوجيا أداةً لضبط المجتمع من الداخل، وللتحكم في الشعوب المستضعفة من الخارج والاستيلاء على مقدّراتها الطبيعيّة، وأمّا عقل الهيمنة لديهم لا تزال الفلسفة عاجزة عن الخروج من هذه الأزمة على الرغم من محاولة إدغار موران وأكسل هونيث وتشارلز تايلر. فهذه المحاولات من الداخل وفي اعتقادي المتواضع هو أنّ التغيير يحتاج إلى تغيير المنظومة الغربيّة ككل.

* هل هذا يعني أنّ تقنيات التّواصل الاجتماعي باتت تشكّل سلطةً معرفيّةً تستطيع أن تُهيمن على الوعي وتعيد تشكيله من جديد؟

- كما تعلم إنّني أفضل مصطلح تسيّد على السّلطة، وأمّا هيمنة وسائل التّواصل الاجتماعي على الوعي فهذا أمر واضح، لكن يحتاج إلى تفصيل، وذلك أنّ عمليّة التّسيّد تنطلق من البُعد النّفسي على البُعد الاجتماعي، لذلك تجدها فعّالة جدًا، فمساحة التّسيّد لم تعد كما في السابق هي الاستيلاء على الأرض، بل على النّفوس، وعليه فهي سياسة بناء الذوات البشرية بناءً محدّدًا.

هذا البناء يعتمد على عناصر عدّة وهي: تعريف الذات، تحديد الغايات، تشكيل المجتمع، وهذه العناصر الثلاثة تساهم في بناء أيّ مجتمع أو كيان حضاري، فكلّ مجتمع يتحدّد بطريقة نظرة أفراده إلى ذواتهم، والتي هي فرع من رؤيتهم للكون، فالحضارة تبدأ عندما يحدّد الإنسان موقعه في نظام الكون، ومن ثم يحدّد تعريفًا لذاته، على أساس هذا التعريف تتحدّد غايات الأفراد ونسيجهم الاجتماعي.

وفي حالة شبكة التواصل الاجتماعي فإنّ تعريف الذات فيه أمر غريب، وهو أنّنا نعيش مرحلة ما بعد الحداثة أو الحداثة السائلة، والتعبير الأخير هو للفيلسوف البولندي زيغمونت باومان، والذي يعني أن الحداثة السائلة دائمة التغيّر لا تعرف الثبات، ومن هنا فهي لا تملك مركزيات ولا مطلقات ولا معايير محدّدة، وهنا مكمن الخطورة، فمواقع التّواصل الاجتماعي هي كيانات افتراضيّة وخطابها ليس بين كيانات حقيقية، من هنا سيتحوّل العالم كلّه افتراضيًا، وفي هذه الحالة سيختلط الحقّ بالباطل والمقدّس مع المدنّس، ولا توجد معايير محدّدة باستثناء انتشار ثقافة الاستهلاك اللّانهائي، وهنا تظهر ذوات لا تملك تعريفًا ومن ثم خالية من المعنى ومن ثم ستصبح ذوات خاضعة للهيمنة وغير قادرة على تكوين شخصيّة مستقلّة وثوريّة يمكنها أن تثور على الظلم، بل ويمكن تنميطها بسهولة وفق نموذج استهلاكي.

وفقدان المعيار هو حقيقة فقدان الوجهة والهدف، من هنا تصبح أهداف الأفراد تحددها قوى امبريالية، من خلال التنميط الذي يحصل بفعل وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتم إنتاج فرد استهلاكي يرى كلّ شيء سلعة ويسعى وراء السلعة لتلبية لذّةٍ لا يمكن تلبيتها، من هنا تحقّق الشركات الكبرى أرباحها، وهنا ننتقل إلى مركزيّة الرّبح والسلعة والاستهلاك ويتحوّل الإنسان إلى هامش.

وأمام فقدان الهدف أخذت الأسرة تتفكّك، خاصة وأنّها هي الحال للقيم الإنسانيّة التقليديّة، والتي يمكن للإنسان فيها أن يكون شخصيّةً مستقلّةً تملك معايير وفقها تحدّد أهدافها وخياراتها، فكلّ شيء افتراضي مؤقّت زائل، وبالتالي هو عالم الوحدات الجزئيّة الصغيرة، وعليه سيصبح الفرد في عزلة عن أسرته، ويتحوّل للزّوج عالمه الخاص وللزوجة وللأبناء، من هنا يتمّ عزل الفرد عن محيطه الأسري ليتمّ إعادة صياغته وفق عالم افتراضي، فتتفكّك الأسرة، وعمليّة تفكّكها هو واحدة من أهم آليات الامبريالية في عصر الاستهلاك، لكونها تعتمد في نظامها المالي على الادخار، مما يعني أنها تمارس نوع من الكبت الإيجابي الذي يسمح للأفراد أن يمارسوا نشاطاتهم كما أنها تحمي أفرادها، والأخير تقتضي منظومة قيمية، لهذا عملت شبكة التواصل الاجتماعي لعزل الفرد عن محيطه الأسري حتى يبقى عاريًا دون حماية، ويصبح كالشاة القاصية يسهل للذئب أن يفترسها.

وبانعدام المعايير التي فكّكتها افتراضيّة عالم شبكات التّواصل الاجتماعي، يصبح الفرد عاجزًا عن الاختيار، وهنا سيسهل عليها صياغة قناعاته وأهدافه ورؤاه، وهو في الآن نفسه عاجز لعدم امتلاكه الشخصيّة المستقلة، وهنا تتسيّد هذه التقنيات على الإنسان وتصبح تقرّر مكانه وتحلّل مكانه بل وتفكر مكانه، وما عليه سوى الطاعة.

* يبدو مما قدَّمتموه وكأنّ التقنيّة الغربيّة تسير إلى غايتها الكارثيّة بخطى سريعة؛ حيث تحاول تصنيع الإنسان ليكون على شاكلتها، أو في ما يدّعى في الغرب بالإنسان التقني؟

- سؤال جيّد، لكن المسألة أكثر تعقيدًا، فالتقنية هي وجه آخر للإمبريالية، والتي يمكن أن نقسّمها إلى الأقسام التالية، إمبريالية على الطبيعة وذلك بقهرها وإخضاعها للإنسان الغربي. ما أدّى إلى اختفاء الكثير من الكائنات الحية وانقراضها من حيوان ونبات، وكلّها ذات نفع للإنسان فمنها ما فيه شفاء ومنها ما هو طعام لكائن حي آخر، وامتدّت الإبادة حتى بلغت الحيوان الذي انقرضت منه كائنات كثيرة، وناهيك عن التلوّث البيئي الذي دمّر كلّ شيء، ثم تأتي الإمبرياليّة الاستيطانيّة التي استولى فيها الغربي على غيره من البشر، وأباد في الجزائر شعوبًا وفي افريقيا والأمريكيتين وغيرها من الشعوب، والامبريالية الاقتصادية والتي يحتكر فيها الغرب مقدرات العالم، وإمبريالية العقل، والتي يحتكر فيها المعرفة العلميّة ويعمل فيها على إقصاء كلّ أنماط التفكير البشري للإبقاء فقط على نمطه فقط، وآخرها الامبريالية النفسية، التي تعمل على صياغة وجدانيات البشر، بل التحكّم حتى في مكبوتاتهم ولا شعورهم وصنع حاجاتهم وخياراتهم في الحياة.

كل الإمبرياليات لعبت فيها التقنية دورًا حاسمًا بوصفها الأداة الأولى في عملية الهيمنة، لكن في عصر ما بعد الحداثة وعصر الثقافة الاستهلاكية، لم تعد التقنية أداة فقط بل غاية، ودليل ذلك السباق نحو التسلّح الذي كان خفيًا ثم بعد الحرب الكونيّة على سورية تحول علنيًا ومخيفًا، وأخطر من ذلك تغوّل التقنية على صعيدين: الأوّل وهو إنتاج الإنسان الآلة، وتغيير الطبيعة، وقد طرحت المسألة نفسها على مستوى البيوتيقا، وهو إنتاج الإنسان الأعلى، الخالي من الأمراض والذي لا يمرض، وقد تصدّت لذلك كلّ من تقنيات الاستنساخ وتكنولوجيا النانو التي تريد أن تصنع إنسان آلة لا يموت ويخضع لبرمجيات دقيقة، وهنا بدأت تتحقّق أطروحة موت الإنسان، ليحلّ محلّه الإنسان الأعلى الذي هو ليس إنسان، وهنا طموحاتها القضاء على الإنسان الحالي، وتغيير خلق الله. والأمر نفسه على مستوى الطبيعة، فقد بدأت تقنيات الزراعة بالتّطوّر، وتوصّلت إلى زيادة الإنتاج الزراعي، فظهرت معها منتوجات زراعيّة مسرطنة، فلم يتوقّف الأمر هنا، بل تطوّرت التقنية كسعي لإنتاج المناخ وتغييره، لهذا لم تعد هذه التقنية تتهدّد الطبيعة بقدر ما تريد أن تصنع طبيعة جديدة لا نعرف محتواه، سوى أنها طبيعة تقنية.

ومن نتائج «تأليه» التقنية تلوث الطبيعة بشكل خطير. وزيادة التّسلّح، وإخضاع العالم لإرادتها، وتحويل أراضي الشعوب المستضعفة إلى مساحات للصراع ومجال لمكبّ النفايات الصناعية وحقل للتجارب.

والأخطر وهو التلوّث الأخلاقي، وهو ما أقصد به انهيار القيم الأخلاقيات التقليدية، والتي حمت الإنسان من الإمبريالية، وحافظت على مؤسّسة الأسرة، وساهمت في خلق عالم متنوعٍ وثريٍّ، وكان الأساس في تشييد صرح الحضارة الإنسانية، وانهيارها كان من خلال الثقافة الاستهلاكية، التي تحوّلت فيها التقنيّة هي غاية كلّ شيء والمطلق الذي يعبد من دون الله، وتحوّلت اللذّة اللّانهائيّة هي مقوّم كلّ سلوك بل مقوّم الذات، فانهارت أخلاق الواجب. فظهرت المثليّة والإجهاض والمتاجرة بالبشر، واستغلال الهجرة كأداة ضغط سياسي، وغيرها من المشكلات الراهنة، والتّلوّث الأخلاقي هو سعي لمسخ الإنسان عن إنسانيّته.

* بإزاء هذه الوضعيّة الاستثنائيّة نجد أنفسنا في العالم الإسلامي. أمام تحديات تاريخيّة وحضاريّة مفصليّة، أبرزها: كيفية مواجهة التغريب القيمي الذي يجتاح مجتمعاتنا... ما الذي ترونه حيال هذه التحديات؟

- سؤال جيّد، لقد ظهرت العديد من المشاريع الفلسفيّة التي أسّست للمواجهة، ولكن ما نأسف له هو عدم اهتمام الأمّة الإسلاميّة به بالقدر الكافي، منها مشروع محمد أبو القاسم حاج حمد، وعبد الوهاب المسيري وطه عبد الرحمان، ومالك بن نبي، وغيرهم، وقد يطول الحديث عن كلّ مشروع على حدا، لهذا سأكتفي بوجهة نظر في المواجهة، على أمل أن يكون موضوع المواجهة في حوار خاص.

 لكي نواجه يجب أن نعرف عدوّنا جيدًا، فنحن اليوم نعيش ضمن الثّقافة الاستهلاكيّة التي فصّل فيها كثيرًا الفيلسوف «جيل لبوفتسكي»، هذه الثقافة جعلت من اللذّة اللّانهائيّة غاية الفرد ومرادها، فانهارت بفعلها كلّ أخلاقيات الواجب، وأضحى حلم الشباب تحصيل أكبر قدر ممكن من اللّذّة، الأخيرة لا محدودة، فنتجت من ذلك شخصيّة متكبّرة هشة، فهي شخصية تتعالى على الآخرين بقدر تحصيلها على أكبر قدر ممكن من اللذات والتي قد تسميها حقوق، وفي الآن نفسه هشّة؛ لأنّها غير قادرة على تحمّل مشاق الحياة؛ لأّنها تبحث دائمًا عن اللذّة السّهلة المنال والتي سعت التقنية على توفيرها، ونتج عن ذلك اتّساع رقعة قطاع الخدمات على حساب قطاع الفلاحة والصناعة، وانتشار الشخصيات الشهوانية كالمثليين والإباحيّة، وتفكّكت الأسرة بوصفها حاملةً لقيم الواجب وأخلاقياته.

أهم المبادئ الأخلاقيّة الكبرى التي كانت تؤسّس للمنظومات الأخلاقيّة الإسلاميّة الكبرى هي: خلق التواضع، كضدّ للتكبر، والذي يؤسّس للكثير من القيم الأخلاقية، منها الزهد، خدمة الناس، الإصلاح في الأرض، الإيثار، الحلم، الأناة، العفو، وغيرها من الأخلاقيات التي تجعل من المجتمع أكثر ترابطًا وتماسكًا، وفي علاقة الإنسان مع عالم الطبيعة أكثر إصلاحًا؛ لأنّه يتعامل معها وفق حدود حاجات محدّدة، وبمنطق التدوير الذي يجعل من السلعة لها إمكانات التجدّد لا أن تبدّد، وهو عكس عالم الثقافة الاستهلاكية الذي يتعامل مع الطبيعة بمنطق التبديد والذي ينتهي بها إلى الدمار. وكذلك انهيار خلق الحياء، وهو خلق يستحضر الأخلاقي ضدّ اللا أخلاقي، وفيه العديد من القيم محبة الآخرين، الورع عن الإتيان بالفواحش، الستر، احترام الجار الكبير وتوقير الصغير، المروءة واحترام الذات، وتؤسّس لشخصيّة قويّة تؤمن بالواجب وبتحدّي صعاب الحياة، وتستحي من الخذلان، وتوفي بالوعد، وتؤدّي واجبها، وهي عكس الثقافة الاستهلاكية التي تعري الإنسان من إنسانيته وتنشر الرذيلة والإباحية والشذوذ وغيرها.

وهذه الثقافة هي واحدة من أهم أدوات الهيمنة الأمريكية على العالم، والتي بدأت بانهيار القوى الإمبريالية الكبرى ممثلة في فرنسا وإنجلترا، خاصة مع الحرب الغربية الثانية، والتي سعت الولايات المتحدة الأميركية الهيمنة على العالم، لكن الاتحاد السوفياتي آخر مشروعها إلى غاية انهياره سنة 1990، هنا بدأت أمريكا بنشر الثقافة الاستهلاكية، وذلك بواسطة العولمة، وجهزت لذلك ترسانة إعلامية وفكرية لنشر هذه الثقافة، وسعت على تفكيك الحدود الثقافية والدول القومية قصد السماح بالسلع للانتشار، وبدأ إنتاج مفهوم جديد وهو دولة الرفاه، الذي في حقيقته هو دولة ثقافة الاستهلاكية التي تكرس هيمنة القيم الأميركية.

والمواجهة يجب أن تكون أساساً أخلاقية، وهو ما يمكن أن أصطلح عليه بالمقاومة الأخلاقية، وأقصد بها تلك المقاومة التي تستعيد القيم الأخلاقية لمواجهة التلوّث الأخلاقي الذي أحدثته الثّقافة الاستهلاكيّة، وهي تحمل عنوان أساسي الحرية الأخلاقية، وهو مفهوم طرحه مالك بن نبي في «كتابه شروط النهضة» لكنّه لم يفصل فيه، والمقصود منه هو استعادت حريّة الأخلاق والالتزام بها، بعدما حاصرتها الثّقافة الاستهلاكيّة وضيّقت عليها، لإحلال محلّها قيم اللذّة اللامتناهية، وقد كرّس لها الغرب العديد من الفلسفات منها نبتشه فوكو ديريدا جاك لاكان فرنسوا ليوطار وغيرهم كثير.

والمقاومة الأخلاقيّة لها تاريخها، فقد ظهرت مع سقراط؛ حيث واجه الثقافة الاستهلاكية التي سادت في أثينا والتي أدّت إلى انهيار الأخلاق وتزعّمت السفسطائيّة المشهد الثقافي، فكان من سقراط أن سعى إلى تجديد الأخلاق من خلال المعرفة، والأخيرة هي خير والجهل شر، فجعل المعرفة أخلاق وهي لفتة فريدة من نوعها داخل الثقافة الغربية، والمواجهة الثانية هي لسيدنا المسيح عليه السلام، الذي واجه الثقافة الاستهلاكية التي سادت في روما وتصدت لها الفلسفة الأبيقورية المتأخرة، والتي تعلي من شأن اللذّة الحسيّة على حساب اللذّة الرّوحية، فكانت المواجهة بأخلاق المحبة.

أما في عصرنا هذا، فإنّ أخلاق التّواضع هي الأساس، ولنا في خطبة أمير المؤمنين علي عليه السلام المسماة بالقاصعة معاني جليلة يمكن أن تتوسّع لتصبح فلسفة أخلاقيّة مقاومة، وسمّيت كذلك؛ لأنّها تقصع التكبّر كما يقصع الماء العطش، وهي على صغر حجمها، كبيرة في محتواه، حيث تؤسّس للأخلاق ككل وفق مبدأ التواضع، الذي هو ضدّ للتكبر والاستكبار، وتعرفنا الخطبة على منظومة التكبر والتي تحكم الثقافة الاستهلاكية، والفاصل بين الأساسين الأخلاقيين هو الصلاح فأخلاق التواضع تؤدّي إلى صلاح الأرض والبشر، والتّكبّر فيه فساد الأرض والمجتمع والإنسان.

وأما سلّم القيم الأخلاقية المتأسّسة على مبدأ التواضع أسمى تجلٍّ لها وأعلى رتبة فيه هو الحياء، وهو عكس الإباحيّة، فالحياء هو معيار المعايير، فكلّما اقترب منه الإنسان ازداد تخلقًا، وكلّما ابتعد عنه ازداد تلوّثًا، وهو ما يقف ضدًا للثقافة الاستهلاكية ودمارها للأخلاق، فكلّما شاع التّواضع شاع الحياء، فانكسرت اللذّة اللامتناهية التي تبني شخصيّة متكبّرة إباحيّة.

وأمّا عمل تحقيق هذه المنظومة نحتاج على العمل التزكوي، والذي يحقّق تقوى النّفس وهو ضدّ لفجورها، فالتزكية تطهّر النّفس ما يحمل اتّقاءها الوقوع في الفساد، ويحجب عنها الفجور الذي هو فساد في الأرض وقتل للنفس، فالتقوى هي عمل تحرير الأخلاق وتحويلها من الوجود بالقوّة إلى الوجود بالفعل، ما يعني بناء مجتمع مقاوم للثقافة الاستهلاكية وقيمها التدميرية.

* تعرّضت الحضارة التقنيّة إلى النّقد من جانب فلاسفة وعلماء اجتماع منذ النصف الأوّل من القرن الماضي، ثم تضاعفت وتائرها خلال العقود الماضية.. هل تعتبر مثل هذا النقد إشارة تاريخية جدية على اندلاع ثورة ثقافية تعيد الاعتبار للقيم في المجتمعات الغربية؟

- صحيح أنّ هنالك نقد الحضارة الغربية، ومراجعتها واضح لمتتبع الدرس الفلسفي، والدليل على ذلك ما طوّره فلاسفة الغرب من مفاهيم نقديّة، ولعلّ أبرزها مفهوم الاغتراب وهو إحساس الإنسان بغربته عن ذاته، وقد ظهر مع فيورباخ وماركس وفلاسفة الوجودية، ومفهوم الاستلاب الذي يعني سلب الإنسان قيمة عمله أو سلب إمكاناته، وكذلك مصطلح التشيّؤ، وهو تشييء الوجود البشري، ومصطلح العدميّة وفقدان المعنى في الحياة، الإنسان ذو البعد الواحد لهاربرت ماركوز، والعقل الأداتي لمدرسة فرنكفورت، وغيرها من المفاهيم التي ابتكرها العقل الغربي ليعبّر بها عن ممارسته النقدية.

لكن يبقى السّؤال هل بإمكانها إخراج الإنسان الغربي من أزمته الحضاريّة؟ في تصوّري المتواضع غير ممكن، والمشكلة متجذّرة في عمق الرؤية الحضاريّة الغربيّة للعالم، والتي تؤطّر حتى هذه الممارسات النقدية، لهذا لا بدّ للنقد أن يكون من خارج الحضارة الغربية حتى لا يكون منبعثًا من رؤيتها، وإلا فإنّه سيبقى رهينًا لها، وهذا لا يعني إهمال كلّ هذه الممارسات النّقديّة وإنّما هو زيادة في قوة النقد.

وما أذهب إليه أنّ مشكلة الحضارة الإنسانيّة عبر تاريخها هو مشكلة الألوهية، وذلك أنّ كلّ حضارة تحدّد موقع الإنسان في نظام الكون من منطلق نظرتها إلى الإله، فيجد الإنسان نفسه أمام ثلاث علاقات، علاقته بالإله وعلاقته بالطبيعة وعلاقته بنفسه، مما يولّد نظامًا حضاريًا تتحدّد فيه مواقع الحياة الاجتماعية من سياسة وتربية واقتصاد وثقافة، وهذا النّظام الحضاري بدوره يفعل طاقات ممكنة من الإنسان فتبرز عجائبها، وفي الآن نفسه يقمع ويكبت طاقات أخرى لا تستسيغها رؤيته الكونية، فيكون دمار تلك الحضارة وفناؤها مكنون في بذور نشأتها وهو تحديد علاقتها بالإله ومن ثم موقع الإنسان وفعاليته.

فالحضارة الغربية المعاصرة قامت في عصر النّهضة إمّا بتهميش الإله أو إلغائه، ومع العصر الحديث بدأت سلطة الإله تنتهي ليحلّ محلّها سلط أخرى أهمّها سلطة الدولة القوميّة ثم سلطة التقنية، أي استبدلوا إله بإله آخر، وذلك أنّ تصور الألوهيّة في الغرب لا يزال حلوليًا أي حالًا في شيءٍ ما، وميزة الحلوليّة أنّها استيلابيّة، فعندما يحلّ الإله في شيء ما إما أن يختفي الإله لصالح ذلك الشيء وهو ما سيحدث، وإمّا أنّ الشيء يتألّه وهو عينه ما سيحدث، أي أنّ الحلوليّة تؤدّي إلى الطغيان، فحلول الإله في الدولة الحديثة ألغى الإله، ولكن منح صفاته للدولة الوطنية أو للتقنية أو الجنس أو الاستهلاك.

ونجد في قوله تعالى تفسيرًا مهمًا لما حدث في الغرب وهو قوله تعالى: (وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ) [الحشر الآية 19] فالحضارة الغربية كما انتبه إلى ذلك الفيلسوف المصري عبد الوهاب المسيري، قد نسيت الإله مع نيتشه الذي قال بموت الإله، فأدّى ذلك إلى موت الإنسان مع ميشال فوكو، علمًا أنّ الأخير متأثّر بنيتشه، ففلسفة الأخير التي أماتت الإله تنتهي بالضرورة بموت الإنسان مع مفهومه للسوبرمان، لذلك فمسار الحضارة الغربية بدأ بموت الإله وانتهى بموت الإنسان.

وأمّا عن الثورة فلا أظنّ أنّها ستكون من الغرب من داخله، بل من رؤيةٍ بديلةٍ للعلاقة مع الإله، وهنا أعتقد أنّ الرؤية التوحيديّة هي القادرة على أن تحمل بذور الثّورة، لكونها تمنع الحلول، وبالتالي تسمح لوجود الحيز الإنساني، وهو مساحة حريته، ولكنّها تضع حدوده حتى لا يطغى، فالإنسان مستخلف عن الله وليس سيّدًا، ولهذا ستسعى هذه الرؤية لمحاربة كلّ أشكال الطغيان التي أنتجتها الحضارة الغربية بما في ذلك التقنية، وخاصة أن عنوان الرؤية التوحيدية هو لا إله إلا الله، ومعناه كسر كلّ أشكال الطغيان على الإنسان وهو شقّ لا إله، والشقّ الثاني نفي الطغيان عن الإنسان وذلك بتسليم الأمر إلى الله، وتسليم  الوجه لله لا يعني إلغاء الإله للإنسان؛ لأنّ الله لا يحلّ في مخلوقاته، وإنّما هو تحديد مساحة الإنسان حتى لا يطغى فيفسد في الأرض ويقتل النفس.

* حسب كثيرين من النقّاد الغربيين، إنّ الحضارة الحديثة أنجبت أوثاناً تكنولوجيّة قاسية تدفع البشر نحو البربرية. فالتقنيات التي أنتجها الإنسان، مثلها في ذلك مثل الأفكار، ترتدّ ضدّه، وتنفلت من عقالها لتلتهم الإنسانية المنتجة لها»... إلى أيّ مدى تعتبر مثل هذا التوصيف كشفاً لحقيقة الحضارة الغربية المعاصرة؟

- هنالك كتاب مهم للفيلسوف الفرنسي إدغار موران عنوانه « ثقافة أوروبا وبربريتها»، وقد تكلّم أنّ لكلّ حضارة ثقافتها وبربريتها، لذلك من المبالغ فيه أن ننفي عن الحضارة الغربية الكثير من الإيجابيات، كما لها الكثير من السلبيات، لهذا وجب أن نمتلك معادلة لتقييم السلبيات والإيجابيات، وهنا نجد أن عبد الوهاب المسيري قد وضع لنا معادلة مهمّة، وهي تقدّم غربي وتخلّف كوني، وذلك أنّ الحضارة الغربية هي الوحيدة التي استفادت من تقدّمها التقني والعلمي، في حين أنّ هذا التّقدّم أذاق الويلات لشعوب العالم الآخر من قتل وإبادات وكذلك احتكار، وحتى الطبيعة عرفت تضرّرًا كبيرًا، والأمر نفسه للإنسان الغربي، حيث ظهرت طبقيّة أدّت إلى إنتاج طبقةٍ مهمشةٍ وأخرى مالكة، طبقة تعيش البذخ وأخرى تحت خط الفقر، ما أدّى إلى تخلّف كونيٍّ مسّ حتى الإنسان الغربي.

فالتقدّم التقني كانت له مساهمة إيجابيّة لا يمكن إنكارها، فكانت له ثقافته التي خدمت الإنسان لكن خاصة الإنسان الغربي، في حين أنّه أدّى إلى إنتاج بربريّة كونيّة مدمّرة، ولا أدلّ على ذلك من إنتاج أسلحة الدمار الشامل، والأسلحة الكيماوية، وغيرها من الأسلحة الفتاكة، وهو ما يثير الدهشة والاستغراب كيف لحضارة تنشد حقوق الإنسان، تنتج أسلحة تقتله.

لهذا فسؤالكم نسبي، فالتقنية حقّقت تقدّمًا أوروبيًا ولكن تخلفاً كونياً وقيمياً وإنسانياً، وهي لحدّ السّاعة لم تخرج من مفارقتها، وهي أنّ الأصل فيها تحقيق سعادة الإنسان، إلّا أنّها تحوّلت إلى آلة بربريّة تدمّر الإنسان، ناهيك أنّها في راهننا تحوّلت إلى إله فهي النّاصر والحافظ والرازق واللطيف والخبير والعليم و... أي أنّها نازعت الله في أسمائه الحسنى، لذلك لا بدّ أن تتحوّل إلى طغيان مدمّر للوجود، لأنّها نازعت الإله مكانه وهي ليست إله.

* كان العقل الأوروبي الصناعي مهووساً بمصنوعه حدَّ التطيُّر. الأمر الذي حدا باللاَّهوتي الإنجيلي ديتريش بونهوفر الذي قضى ضحية النازية عام 1945، إلى القول: لقد صار سيد الآلة عبداً لها، وأمست الآلة عدواً للإنسان، وحرية الجماهير انتهت إلى رعب المفصلة، والتحرير المطلق للإنسان سيختم مساره بالدمار الذاتي»...

- تحوّل الآلة إلى التّسيّد المطلق هو نتيجة للرؤيا الكونيّة الغربية، التي سبق وأن ذكرتها، لكن سنستهدي بالقرآن ليقدّم لنا سنن الأمم ومساراتها، في سورة «اقرأ» وذلك في قوله تعالى: «كـَلَّآ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَيَطۡغَىٰٓ(6) أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰٓ(7)» [سورة العلق الآية 6-7] فقد انتبه كلّ من محمد أبو القاسم حاج حمد وطه عبد الرحمان إلى أهمية المعادلة، وهي أنّه كلّما زاد استغناء الإنسان عن الإله زاد طغيانه، ويمكن أن نضيف إلى المعادلة عاملاً آخر، وهو كلما زاد الطغيان زاد الفساد، والأخير كلما تحقّق الفساد بلغ درجته العليا وهو قتل النّفس.

من هنا يمكن تقييم طغيان التقنية على الإنسان، فالتقنيّة جعلت الإنسان الغربي يشعر بالاستغناء عن الله في البداية، فأدّى إلى طغيانه على العالم بحركة امبرياليّة مدمّرة، إلّا أنّ الهيمنة آخذة في التحوّل نحو الإنسان الغربي، وأصبح طغيانها يزداد بازدياد استغناء التقنية عن الإله، وهذا الطغيان ازداد أكثر فأكثر بظهور الفساد في الأرض، من خلال التلوّث البيئي انقراض الحيوان والنبات، وقد بلغ أوجه في قتل النّفس، والذي ظهر مع بداية تطوّر التقنية من خلال إبادة شعوب الأمريكيتين، والأفارقة، القتل الهمجي الذي تمارسه إسرائيل على الفلسطينيين الحربين الغربيتين المدمّرتين، حادثتا هيروشيما وناكازاكي، وغيرها كثير.

لهذا فالتقنية -أو قل النّزعة التقنيّة حتى نميّزها عن التقنية بوصفها وسيلة- قد جعلت من نفسها إلهًا مستغنيًا عن الله، فأدّى ذلك إلى طغيانها، ونتج بذلك فساد في الأرض انتهى إلى قتل النّفس المحرّمة.

* في ظلّ هذا المناخ المعقّد، يجري الكلام الآن على التأسيس لعلم الاستغراب، وهو العلم الذي يُقصد في وجه من وجوهه إنشاء منهج يقوم على فهم الغرب كأطروحةٍ حضاريةٍ، وعلى نقده في الوقت نفسه ... والسؤال: هل ترون أنّ نقد عصر التقنية يدخل كمحور من محاور التأسيس لهذا العلم؟

- علم الاستغراب علمٌ مهمٌّ، من زاوية أنّ الغرب فرض نفسه على العالم بمنطق القوّة والقهر وآن لنا أن نؤسّس لعلم نفهم به الغرب لكي نتحرّر منه، ولكي نستفيد – كذلك- من تجربته الحضارية، إلّا أنّ أقوَمَ المناهج في فهم الحضارة الغربية هو منهج النماذج المعرفيّة المركّبة، والتي تسعى إلى فهم الحضارة الغربية بطريقةٍ مركّبةٍ أي في تعقيدها لا تبسيطها واختزالها، وهنا يمكن استغلال منهج كارل سميث فيما يسمّيه بالبؤرة المركزيّة أو النطاق المركزي.

فالحضارة الغربيّة في تطوّرها نقلت مركز النّشاط الحضاري من مجال إلى مجال آخر، فهي نقلت السّلطة من الدين إلى السياسة والاقتصاد، وأصبح المجتمع لا يخضع للقيم الدينيّة بل للقيم الاقتصادية، وعليه فإن البؤرة المركزيّة هي قيمتي الربح والخسارة، ولتعزيز القيم الاقتصادية طوّر الغرب التقنية التي تحوّلت إلى بؤرةٍ مركزيّةٍ ثانية، وذلك أنّها انتقلت من مثل الدين وهو تحقيق خلاص الإنسان إلى الهيمنة على العالم، من هنا تظهر قيمة التقنية كواحدةٍ من أهمّ العناصر الدّالّة على الحضارة الغربية. بل ولا يمكن فهم الحضارة الغربية ولا تفسيرها إلا بحضور النزعة التقنية بوصفها نزعةً امبرياليةً، تسعى للهيمنة على العالم من خلال التقنية، وهي واحدة من مقومات الظاهرة الغربية، فالأخيرة أقامت وجودها وفق المبدأ النيتشوي إرادة الهيمنة، لهذا ستتحوّل التقنية إلى أحسن معبّر عن هذه الإرادة، لكونها ليست مجرّد أداة بل غاية في حدّ ذاتها، لهذا تتصارع الدول الغربية وحتى غير الغربية المندمجة في نموذجها الحضاري على تحصيل أفضل التقنيات والتكنولوجيات، ولهذا لم يعد الهدف هو الإنسان وسعادته، بل الهدف هو تحصيل التقنية لزيادة السيادة والسلطة. ومن هنا يمكن لعلم الاستغراب أن يرصد الظاهرة الغربية ويستوعبها ويفسّرها، من خلال مركزية التقنية داخل الحضارة الغربية.