البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

October / 4 / 2020  |  1286علم الاستغراب هو جهد أبستمولوجي عميق لمعرفة الغرب

الحوار مع :أ. د. أحمد عبد الحليم عطية
علم الاستغراب هو جهد أبستمولوجي عميق لمعرفة الغرب

يتناول هذا الحوار مع الدكتور أحمد عبد الحليم عطيّة مجموعة من المحاور المتعلّقة بالغرب وعلم الاستغراب. وقد سعى في خلال إجاباته على الأسئلة المطروحة إلى الإحاطة بمفهوم الغرب من النواحي الأنثروبولوجية والحضارية والفلسفية ليؤسِّس رأيه بمجموعة من التصوّرات حول مبادئ علم الاستغراب وموقف النخب العربية منه.

وفي ما يلي إجاباته:


* ما معنى الغرب بالنسبة إليكم كمصطلحٍ ومفهومٍ، وما المائز بين كونه تحيُّزًا جغرافيًّا وبين تمظهره كأطروحةٍ حضاريةٍ وثقافيةٍ، وما حدود ومستوى العلاقة بين كلٍّ منهما؟

حين نتحدَّث عن الغرب علينا بدايةً استحضار المعاني اللغوية، وصور المخيال الشعبي والتاريخي عنه. ونؤكِّد على حقيقة التعدّد والاختلاف بين الشعوب والحضارات، هذا التعدّد والاختلاف الذي تحدد من خلال الإنجاز التاريخي والحضاري للأمم والمجتمعات المعروفة تحت عنوان «الحضارات الإنسانية»، سواءً في الشرق أو في الغرب. وبالتالي فإن لدينا ثلاثةَ عناصرَ أساسيةٍ تحدِّد مفاهيم مثل: «الشرق» و«الغرب» و«الشمال» و«الجنوب»، وهي:

أولًا: الجغرافيا الطبيعية التي تميّز مناطق العالم؛ بحيث يمكننا أن نتبيّن حضاراتٍ صحراويةً تقوم على الرعي والترحال، وحضاراتٍ زراعيةً تنشأ حول الأنهار والبحيرات، وحضاراتٍ بحريةً كما نجد حول البحر المتوسط على سبيل المثال. ومن هنا تتحدّد كثيرٌ من السمات والخصائص الحضارية بالعوامل الجغرافية.

ثانياً: «الإنجاز التاريخي» لهذه الحضارات، كما يسمّيه أستاذنا أنور عبد الملك. ويظهر لنا هذا الإنجاز التاريخي في الحضارات المختلفة التي نشأت حول الأنهار بفعل الزراعة، كما نجد في الهند والصين وبلاد الرافدين ومصر، على سبيل المثال.

ثالثاً: العمل، والذي يتمثّل في الجهود المختلفة التي قام بها أهل كل أمةٍ من الأمم للإسهام في الحياة الإنسانية كاختراع الزراعة، والتحول من الرعي إلى الحضارات الزراعية المختلفة.

وانطلاقًا من ذلك، يمكننا التفكير في الغرب كمصطلحٍ وكمفهومٍ، فهو يأتي تاريخيًّا بعد الحضارات الزراعية في الشرق، وينتمي جغرافيًّا للحضارة المتوسطية، وامتدادها في العصر الحديث بعد الاكتشافات الجغرافية، وظهور أمريكا في العصر الحديث.

وإذا أردنا تحديد الفارق بين الغرب نفسه جغرافيًّا وتاريخيًّا، فنحن نستدعي تاريخ العالم، خاصةً في مرحلتَيِ العصور الوسطى والحديثة، باعتباره قبائل أتت من وسط أوروبا وتحدّدت من خلال انتقال المسيحية إلى شمال المتوسط. واستمرت هذه الممالك في حروبها الصليبية في العصر الوسيط ضد الشرق، وحتى مع بدايات العصر الحديث وظهور النزعة الإنسانية والفلسفة الحديثة في القرن السابع عشر والتي قامت أيضًا على فكرة الغزو والهيمنة والسيطرة كما يظهر في الشعار الذي طرحه الفلاسفة المحدثون: ريني ديكارت (René Descartes 1596 ـ  1650)، وفرانسيس بيكون (Francis Bacon 1561 ـ  1626)، من أنّ علينا أن نعرف الطبيعة حتى نسيطر عليها. ومن هنا نستطيع تفسير الكشوف الجغرافية التي قام بها الغرب باعتبارها ميلادًا للاستعمار الحديث، ونهب ثروات الشعوب، ونقل أهله إلى الأراضي الجديدة، وبدايةً لما أسميناه الحداثة.

من هنا علينا التمييز بين الغرب باعتباره مؤسِّسًا للحداثة الإنسانية، التي تتميز بالانتقال من المجتمعات الزراعية إلى المجتمعات الصناعية، ومن حياة العصر الوسيط القائمة على السلطة الدينية إلى العصر الحديث، الذي يؤسِّس للسلطة المدنية، والمجتمع ومؤسساته وتقدّمه، وبدايات المعرفة العلمية ومناهجها وتطوّرها. وكلها جهود أنجزت لصالح تطوّر الإنسانية، وهي ما يمكن أن يعرف بالغرب الثقافي، أو الغرب الحضاري؛ وبين الغرب المستعمر والمهيمن على الشعوب والذي أدّى إلى نتائجَ سلبيةٍ في مناحٍ متعدِّدةٍ، مثل نهب الثروات واستعباد الشعوب الإفريقية، وما أدّى إليه تطوّر الصناعة من أزمةٍ بيئيةٍ طاحنةٍ وتلوثٍ يدفع ثمنه الإنسان. ومن هنا يمكن القول أننا إزاء غربيْن اثنيْن لا غربًا واحدًا: الغرب التاريخي الجغرافي السياسي، وهو الغرب الاستعماري، الذي قامت بيننا وبينه علاقاتٌ عدائيةٌ في معظمها، والغرب الثقافي الذي قدّم إنجازاتٍ عديدةً للإنسانية، يمكننا أن نتطلع إليها ونتحاور حولها ونتعايش معها.

* من أين يبدأ تاريخ الغرب حسب تصوِّركم: مما قبل اليونان، أم من الفترة اليونانية والرومانية، أم من القرون الوسطى، أم ابتداءً من عصر الأنوار مرورًا بأحقاب الحداثة، أم أن هذا التاريخ يشمل هذه الأزمنة جميعها؟

إذا أردنا تحديد تاريخ الغرب، فالمسألة لا تخضع لتصوّر أيٍّ منّا أو مزاجه الفردي أو شعوره الشخصي؛ ذلك أن تاريخ الإنسانية تاريخٌ متصلٌ الحلقات أسهمت فيه كل الشعوب بما فيها الغرب. وإذا ما فهمنا الغرب باعتباره ذلك المحيط الجغرافي الممتد في ما نطلق عليه أوروبا، فإن هذه المنطقة الجغرافية تبدأ منذ بداية التاريخ وحتى قبل اليونان، لكنها اتخذت في الفترة اليونانية الرومانية ـ وعلينا أن نميّز بينهما ـ نظامًا محدَّدًا؛ ففي الفترة اليونانية كان الطابع العام طابعًا ثقافيًّا حضاريًّا يقوم على تميز هذه الحضارة بالتجارة حول المتوسط، ما أدى إلى التواصل الحضاري بين اليونان والحضارات السابقة عليها، خاصةً الحضارة المصرية القديمة. ونجد في كتاباتٍ معاصرةٍ متعددةٍ كيف قامت هذه الحضارة اليونانية على جهود الحضارات الأخرى، كما في كتاب أثينا السوداء لميشيل برنار، والتراث المسروق، وهي فترةٌ تتميز عن الفترة الرومانية التي وصلت إلى إمبراطوريةٍ عظمى، تقوم على الفتوحات العسكرية قريبة الشبه بالإمبراطورية الأمريكية حاليًّا. كلا الفترتيْن المتمايزتين تختلف عن فترة أوروبا القرون الوسطى، بكل ما فيها وما يميّزها خاصةً في علاقاتها بالعالم الإسلامي. نحن إذًا بإزاء حضارةٍ متغيرةٍ تقوم على الدين، وإن كان هذا لا يمنع من ذلك الجدل الذي قام في القرون الوسطى بين الفرق الدينية المختلفة، والانفتاح على الحضارة الإسلامية، التي كان لها دورٌ كبيرٌ في عصر الترجمة الثاني، من العربية إلى اليونانية، ما أدى إلى نشأة المدارس والجامعات الأوروبية داخل الكنائس، وظهور عصر الطباعة، والنزعة الإنسانية، ومهد السبيل إلى بدايات العصر الحديث. إنّ هذا يعني أن الغرب عندي هو تاريخٌ ممتدٌّ يتشكل وفق العناصر الثلاثة التي ذكرناها سابقًا شاملًا الأزمنة المختلفة التي مرت بها الإنسانية، واتخذ في كلِّ عصرٍ شكلًا حضاريًّا متميزًا، يتحدد بالنسبة لنا في العلاقة بينه وبين الشرق الإسلامي.

* هل الغرب كتلةٌ واحدةٌ سياسيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا بحيث إنّنا إمّا أنْ نأخذه ككلٍّ أو أنْ نتركه ككلٍّ؟ أم أنّه بالإمكان فهم الغرب كما هو من أجل تكوين رؤيةٍ استراتيجيةٍ ومعرفيةٍ حياله؟

مما سبق يتضح لنا أن الغرب تاريخيًّا ليس كتلةً واحدةً، على الأقل جغرافيًّا وسياسيًّا، إنما تشكل بفعل العوامل التي حدّدناها؛ منها الترجمة والإحياء وظهور الطباعة والمدارس، وبالتالي يمكننا خاصة في العصر الحديث أن ندرك ظهور «غربٍ أخلاقيٍّ ثقافيٍّ» في قلب «الغرب الاقتصادي السياسي». ونستطيع إن أردنا أن نتعامل معه ككل، أو أن نتعامل معه واضعين العلاقات التاريخية بيننا وبينه بين قوسين إن استطعنا، حتى نفصل بين الغرب السياسي والغرب الثقافي. وإن كنت أرى أننا ربما نجد العديد من العوائق التي تصعّب من هذه الرؤية. وبالتالي فالتعامل مع الغرب الحالي بتضاريسه الجيوسياسية، والأركيومعرفية، ربما تساعدنا في فهمه والتعامل معه، وهي مهمةٌ ولا أريد أن أسبق الأحداث؛ لم نقم بها بعدُ، ذلك لأننا ما زلنا متعثِّرين في تحديد هويتنا وبالتالي إدراك أسس علاقتنا بالغرب.

* ما الأسس والمباني المعرفية والفلسفية التي أخذ بها الغرب لتشكيل حضارته الحديثة، وما الآثار المترتبة على ذلك لجهة نوع وطبيعة العلاقة مع الآخر الحضاري، وبخاصة العالمين العربي والإسلامي؟

إذا أردنا تحديد الأسس التي تشكّل حضارة الغرب الحديثة، سنجدها تظهر بوضوحٍ في التأكيد على الذاتية والأنا، كما تحدّدت لدى ديكارت فيلسوف العصور الحديثة. وهذا يعني غياب الآخر. وظلّ الأنا مسيطرًا على الفكر الفلسفي والإبداع الأدبي والفني، والحضور الاقتصادي والسياسي، حيث كان الغرب ولا شيءَ سواه. ومن هنا يظهر تهميش الآخر وتحويله إلى أداةٍ أو وسيلةٍ، ما ترتب عليه أن تحوّل العالم إلى الغرب واللاغرب. وكان من نتائج ذلك أن أصبح الغرب هو المهيمن والآمر والأقوى، الذي يحدد السلام والحرب، الصديق والعدو، الحضارات التي يتعاون معها، والشعوب التي يعاديها. وتمخض منظروه ومفكِّروه عن فكرة تهاوي الحضارات التاريخية المختلفة، باستثناء الحضارتين الكونفوشيوسية والإسلامية. وصارت هاتان الحضارتان هما المنافس، بل والعدو الأساسي للغرب، بما تملكه كل منهما من عمقٍ تاريخيٍّ، وحضورٍ بشريٍّ. فكان تقدّم الشعوب الشرقية في الصين واليابان، وكان تدهور الشعوب العربية الإسلامية، لأسبابٍ خارجيةٍ وداخليةٍ، تتمثل في الديكتاتوريات الاستبدادية الحاكمة، والصراع والتمزق الطائفي بين أديانه، وداخل كل دينٍ، ما أدى إلى غيابٍ بارزٍ للعالميْن العربي والإسلامي، مع اختلافٍ في درجات التعاون وتنوّع السياسات بين أقطار العالم الإسلامي من جهةٍ، وتبعية وخضوع عددٍ كبيرٍ من الأنظمة العربية للاستراتيجيات الغربية.

* تبعًا لمقتضيات وشروط الراهن العالمي، هل من منفسحٍ لعقد حوارٍ متكافئٍ مع الغرب؟ إذا كان الجواب بالإيجاب فما هي المسوِّغات التي تقدِّمونها، وإذا كنتم لا تجدون ذلك فما هي الأسباب الموجبة لذلك برأيكم؟!

ما يتبادر إلى الذهن: هل العالم مهيَّأٌ اليوم من خلال المقتضيات الثقافية الاقتصادية والسياسية، وشروط الراهن العالمي لعقد حوارٍ متكافئٍ بين الشمال والجنوب والشرق والغرب. يبدو لنا أنّ هناك إجاباتٍ متعددةً، لا إجابةً واحدةً، بحيث تتأسس الإجابات على القوى المادية التي يملكها العالم العربي الإسلامي، التي تتيح له حوارًا متكافئًا. فالحوار، كما تعلمنا في تراثنا القديم من رسائل أبي الوليد الباجي (1013 ـ 1082) وابن حزم الأندلسي (995 ـ 1063)، ومن الجيل الحالي من فلاسفة مدرسة فرانكفورت خاصة يورغن هابرماس (1929  ـ ... ) وكارل أوتو أبل (1922 ـ 2017)، يقتضي شروطًا متعددةً، منها احترام الآخر واحترام اختلافه، والتعامل بمنطق النِّدِّيّة بين الأطراف المشاركة في الحوار، ولا يكون من خلال لغة السلطة واللغة الأبوية، وما يستتبع ذلك من لغةٍ واضحةٍ وظروفٍ متكافئةٍ. هذه هي المسوِّغات التي نقترحها لتأسيس حوارٍ. ومن جانبٍ آخرَ، نحن حاولنا من عقودٍ طويلةٍ التأسيس لهذا الحوار، ونستطيع أن نذكر جهودًا لفلاسفةٍ ورجالِ دينٍ مستنيرين، وجماعاتٍ ومؤسساتٍ رسميةٍ وغيرِ رسميةٍ، لتأسيس مثل هذا الحوار، ولم ينتج عنه شيءٌ. ويمكننا الرجوع إلى الجهود المختلفة في الفكر العربي، وهي محاولاتٌ لم تُسفر عن أيِّ تقدمٍ إيجابيٍّ. لكننا، انطلاقًا من شعارٍ نتخذه هاديًا في حياتنا، وهو تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة، نرى أنّ هناك إمكانيةً على الرغم من العداء التاريخي الذي سبق أن ذكرناه، نحو غايةٍ مستقبليةٍ لتأسيس كونيةٍ جديدةٍ، كبديلٍ عمّا تطرحه أفكار صِدام الحضارات ونهاية التاريخ. إنّها كونيةٌ تطرح شعار العيش سويًّا، والحياة معًا. وإن لم يكن في مقدور الأجيال الحالية تحقيق العولمة الإنسانية الأخلاقية، فقد تستطيع الأجيال القادمة.

* في مناخ الكلام عن الحوار بين الثقافات والحضارات، هل توجد عناصرُ مشترَكةٌ في ما بين العالم الإسلامي والعربي وبين الغرب؟ وإذا كان من نقدٍ لسلوك الغرب، فإلى أي حقلٍ يُوجّه هذا النقد: «الشعوب» ـ «الحكومات» ـ المؤسسات صاحبة القرار؟

في مناخ الكلام عن الحوار بين الثقافات والحضارات، نتساءل ونتأمل: هل توجد عناصرُ مشتركةٌ بين العالم الإسلامي والعربي وبين الغرب؟ وهو سؤالٌ مُلحٌّ يستلزم التأكيد على أننا نحيا حياةً إنسانيةً واحدةً. هذه الحياة الإنسانية، التي ربما ترجع إلى ما قبل التاريخ، وتجمع المجموعات القليلة من البشر لمواجهة كل أخطار الطبيعة والكائنات الأخرى، حتى بداية التاريخ، ورسالات الرسل والأديان التي تنبع من معينٍ واحدٍ، وتعبّر عن وحيٍ واحدٍ؛ يمكننا جميعا أن نصل إليه عبر طرقٍ متعددةٍ لا فرق فيها بين إفريقيٍّ وأمريكيٍّ وأوروبيٍّ وعربيٍّ ويابانيٍّ، إلا باحترام القيم التي كافحت من أجلها البشرية ونادت بها الأديان، ومثّلت غايةً كبرى، هي قيمة الإنسان، وحياة الإنسان الحرة، غير المستعبدة.

ومن هنا، تظهر لنا كوابحُ هذه الغاية، في كياناتٍ دوليةٍ معلَنةٍ وغيرِ معلنةٍ، تتمثّل في دولٍ وأنظمةٍ تسعى للسيطرة والهيمنة، ممسكة بالعصا والجزرة لشعوب العالم، مع استمراء كثير من الشعوب للقيام بالدور الثاني، أو دور السند، وفق ما يقوله ابن خلدون من كون المغلوب مولَعٌ دائمًا بتقليد الغالب؛ ناهيك عن المؤسسات صانعة القرارات، التي تظهر في اللوبيات المختلفة، والجمعيات السرية، والتجارة غير المعلنة. وكأننا ما زلنا في مرحلة (هوبز) الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، ومرحلة (هيغل) صراع السيد والعبد، و (فوكوياما) نهاية التاريخ، و(هنتنغتون) صدام الحضارات، و(المحافظين الجدد) سيادة العالم.

ونحن حالياً في هذه الدراما الكونية، التي يحدِّد نهايتها السعيدة أو الأليمة كفاح البشر نحو حياةٍ إنسانيةٍ واحدةٍ، والسعادة والسلام والإبداع، دون أن يقتصر ذلك على فردٍ دون آخر، أو أمةٍ دون أخرى.

* يجري الكلام اليوم على أنّ الغرب يعيش أزماته التاريخية في الحقبة المعاصرة: (المعرفية، الثقافية، الاجتماعية، الاقتصادية). هل يدل هذا على ما سبق وتوقّعه شبنغلر قبل قرنٍ عن سقوط الغرب أو أنّه يوشك على الانهيار؟

في الإجابة عن هذا السؤال الذي يرى أنّ الغرب يعيش أزمته التاريخية في الحقبة المعاصرة على المستويات المختلفة المعرفية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ما يجعل البعض يرى أن ما توقّعه أوزفالد شبنغلر منذ قرنٍ، عن سقوط الغرب أو اتجاهه للانهيار، نتوقّف ونميّز بين مستوييْن من مستويات التفكير: التفكير بالأماني والرغبات، وهو تفكير البدائيين الذين ينتظرون ويتوقّعون أنّ تحقِّق لهم الظروف والأحداث ما يتمنونه ويعلنونه، أو يخشون من إعلانه، ومع هذا يتوقعون حدوثه ويأملون فيه، وهو ما جعلنا جميعًا حتى كبار الباحثين، ومن نطلق عليهم المفكِّرين، يتبنون مثل هذه الأطروحات التي أعلنها شبنغلر. وهناك مستوًى آخرُ، مستوى التفكير العقلي الناقد، الذي يدرك إنجازات الغرب وقوة الغرب والحضور الكبير له معرفيًّا على مستوى العلوم والمناهج، والتقدم المعرفي في مجالاتٍ متعددةٍ، يجعلهم يصلون إلى أي فرد من أفراد العالم الثالث عن طريق الأجهزة التي توصّلوا إليها، وهو في منزله، بل وفي حجرته الخاصة؛ وتمكنوا منه في حل الشفرة الوراثية في مجال الأحياء والكائنات، وما حقّقوه في حياتهم الاجتماعية من نُظُمٍ وجمعياتٍ ونقاباتٍ لها حضورها القوي، بالإضافة إلى الاقتصاديات الراسخة التي يحياها العالم، والتي تخضع للقوانين الاقتصادية التي توصّل إليها علماء الغرب أنفسهم؛ كلُّ ذلك يجعلنا نرى أن هذا الكلام عن أزمة الغرب هو تغطية عن أزمتنا نحن. فإذا كان الغرب على وشك الانهيار، فمن هو المرشّح لقيادة العالم، ومن هو الذي نتوقّع صعوده ومن نتوقع سقوطه؟ بالطبع فالتفكير التمنياتي لن يسعفنا في الإجابة عن هذا السؤال.

ومن الأجدى أن نفكر في أسباب قوة الغرب وهيمنته على كل الفاعليات الكونية، معرفيًّا وثقافيٍّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا وتقنيًّا، ما جعله يتطلع للانتقال من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على الكواكب والنجوم. ونحن نكتفي بالتمني. ومعرفة هذه الإمكانيات الغربية الهائلة في المعرفة والعلوم تساعدنا على إيجاد رؤيةٍ واضحةٍ، تمكننا من إدراك مكاننا في العالم، ونقاط القوة والضعف التي نتصف بها، والتي تسهم في اكتساب القدرات التي وإن لم تحقق لنا السيادة، يمكن أن تحقق لنا الوجود الكريم المقاوم الذي يجعل لنا مكانًا في عالم اليوم، يهيّئنا للانتقال من التبعية إلى النِّدّيّة، ويجعلنا ننطلق من موقفٍ أقوى يسمح لنا بالسعي إلى التفكير في العيش سويًّا في عالمٍ واحدٍ يحقق السلام والحرية للجميع. وهذا لن يتأتّى في عالم اليوم، عالم التقنية الاتصالاتية والمعلوماتية، إلا بامتلاك المعرفة. إنّ هذا هو الذي يستطيع أن ينظم ويوسع معرفتنا بالشعوب ويمكّننا من امتلاك أدوات السيطرة ويسهل قيادة العالم، والهيمنة عليه. إنّ من يمتلك المعرفة يمتلك قيادة العالم؛ فالمعرفة كما قال ميشيل فوكو سلطةٌ. وإذا نظرنا نظرةً إلى الوراء سنجد أن ما حقق هذه المكانة للغرب الأوروبي والأمريكي والذي سعت إليه كثيرٌ من الأمم والحضارات الآسيوية هو العلم والمعلومات، وكان الاستشراق هو البوابة الكبرى التي من خلالها تعرف الغرب على الحضارات الشرقية، واستطاع امتلاكه بامتلاك المعرفة به.

هذا ما يجعلني أؤكد على أهمية هذا السبيل، والذي قد لا يكون هناك سبيلٌ سواه، سبيل العلم والمعرفة وضرورة أن نساير ما يحدث في العالم اليوم، لا فقط العالم الأوروبي، بل العالم الأسيوي والعالم الأمريكي اللاتيني، الذي استطاع بالفعل أن يبدأ في تحديد موقفه من المركزية الغربية ويضمها في بيئتها الإقليمية المحدودة. أي إنّ علينا أن نقوم بتأسيس سبل معرفة العالم من حولنا لتأسيس علومٍ متعددةٍ، لا فقط لدراسة الغرب، ولكن لدراسة الحضارات الأخرى، مثلما فعلنا في الماضي حين تناول البيروني الهند، وحين تناول صاعد الأندلسي وابن فضلان الحضارة الروسية، لذا والاستفادة من جهود الرحالة العرب على امتداد العصور الوسيطة والحديثة، في التعريف بالشعوب والحضارات المختلفة. وبالطبع سيحظى الغرب بالنصيب الأوفر، بحيث يصبح لدينا علمٌ دقيقٌ لفهم الغرب على مستوى اللغة والفكر والنظم والثقافية والسياسية المختلفة؛ حتى نستطيع أن نتعامل معه ومع غيره من الأمم والحضارات.

* كيف تنظرون إلى فكرة السعي نحو تأسيس هندسةٍ معرفيةٍ لعلم الاستغراب، وهل ثمة ضرورةٌ لتنظيرها، أم إنّ الأمر يتوقّف على مجرّد كونه ترفًا فكريًّا؟ ثم ما هي السبل التي ترونها لتأسيس هذا العلم؟

ينقلنا التحليل السابق إلى ما يطلق عليه البعض حاليًّا «علم الاستغراب» وأهميته الملحة وضرورته بالنسبة لنا، وهل يكون هذا العلم جزءًا من المنظومة المعرفية، أم تقتضيه الكينونة الحياتية التي نحياها؟ والأهم من هذا هو التساؤل عن السبل التي يمكن أن تسهم في التأسيس لهذا العلم ومعرفة منهجه وغايته.

ذكرت منذ قليلٍ أنّ هناك جهودًا عربيةً وإسلاميةً متعددةً منذ عهد الازدهار الأول، الذي نتج عن التلاقي والتلاقح مع العلوم والمعارف الإنسانية المتاحة في هذا العصر، وشهد إقبال المسلمين على نقل معارف الأمم الأخرى، بل ودراسة لغة وتاريخ وثقافة وإنجازات هذه الأمم. ويكفي أن ننظر في عنوان كتاب صاعد الأندلسي «طبقات الأمم»، أو جهود إخوان الصفا، أو جهود أبي حيان التوحيدي في «الحكمة الخالدة»، حتى نرى كيف أسهم الآخر في تكوين الذات، وكيف تحقق وجود حضارة الإنسان المسلم، ووعيه بالعالم من خلال تعرّفه على العلوم السابقة عليه، ثم إبداعه لعلومٍ تتعلق بهذه الأمم والشعوب، وعدم خشيته من التعامل معها أو اعتبارها غزوًا ثقافيًّا.

هناك، إذًا، جهودٌ سابقةٌ تمت، وهناك اليوم إلحاحٌ كبيرٌ من المفكِّرين المسلمين والباحثين الشرقيين، على ضرورة تأسيس علم «الاستغراب». وهناك جهودٌ كبيرةٌ قام بها المسلمون وغيرُ المسلمين لتحديد مكانة الغرب الإقليمية، التي تناقش مدى كونيته، كما يظهر في الدراسات ما بعد الاستعمارية، والنظرية الثقافية؛ خاصةً جهود فرانز فانون
( 1925  ـ 1961 Frantz Fanon)، وهومي بهابها (1949  ـ ...  Homi K. Bhabha)، وإدوارد سعيد (1935 ـ 2003). وفي هذا السياق نذكر عمل حسن حنفي، الذي هو أقرب للتأريخ للفلسفة الغربية من كونه نظريةً منهجيةً في فلسفة الغرب، وهو ما أَطلق عليه «مقدمة في علم الاستغراب». بالإضافة إلى الدورية التي تصدر عن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية «الاستغراب»، والتي نتصور وجود خطةٍ متكاملةٍ وتصوُّرٍ شاملٍ وأهدافٍ متعددةٍ تسعى إلى تحقيقها. ونعتقد أنّ من المهم أن تعلن مجلة «الاستغراب» عن برنامجها المعرفيّ بعيدًا عن الصياغات المتعارف عليها في الكتابات الإيديولوجية التي تسعى لبيان تهافتها، وأنْ تتجاوزها نحو أهدافٍ إنسانيةٍ كونيةٍ تسمح بالحياة الحرة الكريمة لكل الشعوب والأفراد.

الاستغراب، إذًا، ليس ترفًا فكريًّا، ولا طرحًا إيديولوجيًّا موجَّهًا، أي إنه ليس استشراقًا مضادًّا، بل هو تأسيسٌ إبستيمولوجيٌّ ومعرفيٌّ لمعرفة الحضارة الغربية، شخصيتها، فكرها، نظمها، طموحاتها، توجهاتها المستقبلية وموقفها من الآخر؛ توضح لنا الآليات التي يحيا على أساسها الإنسان العادي، والذي يخضع بدوره لهيمنة الأنظمة السياسية والاقتصادية الغربية، وهو في هذا لا يختلف عنا. هناك، إذًا، ضرورةٌ إنسانيةٌ وأخلاقيةٌ تجعلنا نبتعد عن طرح مركزيةٍ مضادةٍ للمركزية الأوروبية؛ لأن هذا يدعم الطرح الغربي في صراع الحضارات. وليس من المطلوب فقط أن ننتقل من مجرد صراعٍ إلى حوارٍ بين الحضارات، فالمطلوب أكثر من ذلك بكثيرٍ وهو ما يمكن أن نطلق عليه «تحالف الحضارات». وتحالف الحضارات هو العنوان الموضح لما يقدمه الفلاسفة اليوم على جانبَيِ المتوسط تحت عنوان «العيش سويًّا».

والسؤال الآن: ما هي السبيل لتأسيس هذا العلم؟ يمكنني القول باطمئنانٍ أنّ أطروحاتِنا جميعًا ستظل أطروحاتٍ فرديةً، ما لم تتألّف بعض الهيئات من خلال عددٍ من اللقاءات بين المثقفين والمفكِّرين العرب والمسلمين من جانبٍ، والغربيين والآسيويين من جانبٍ آخرَ؛ لطرح قضية العلاقات الحضارية والتعدُّدية الحضارية، باعتبارها أساس علم الاستغراب، الذي يسعى للتفكير في الغرب من خلال المناهج المختلفة التي تتجاوز فكرة المركزية والاستعمارية، إثباتًا لتعدّدية الذات الحضارية، والتي تهدف إلى الانتقال من تعزيز العداء والاختلاف إلى الاعتراف بالاختلاف من أجل تجاوزه. وقد قدّمتُ اقتراحاتٍ بذلك بالفعل وراسلتُ عددًا من الباحثين الأوربيين، من أجل تحويل الحوار من مجرد حوارٍ دينيٍّ عقائديٍّ إلى حوارٍّ علميٍّ إنسانيٍّ، لكنني لم أجد استجابةً، حتى من المؤسسات التي تهدف إلى هذه الأهداف نفسها.

* إلى أي مدًى يقع التأسيس لعلم الاستغراب كمسعًى جِديٍّ وضروريٍّ في الاستنهاض الفكري في فضائنا الحضاري العربي والإسلامي؟

إنّ السؤال حول قدرة التأسيس لعلم الاستغراب في نهضتنا الفكرية والحضارية في ثقافتنا العربية والإسلامية، هو سؤالٌ يتعامل مع الواقع في بساطةٍ أو تبسيطٍ شديدٍ للغاية. فالاستنهاض الفكري في حضارتنا العربية الإسلامية موضوعٌ يحتاج إلى جهودٍ متعددةٍ في نواحٍ كثيرةٍ، منها:

أولًا: الناحية العلمية، والإعلاء من شأن العلم ودوره، والتأكيد على أهمية وضرورة الفكر التاريخي والمنهج العلمي والترجمة في ثقافة وحضارة الشعوب.

ثانيًا: التأكيد على أهمية ومكانة الإنسان كغايةٍ في هذا الوجود ورفض كل صور الظلم والحط من قدر ومكانة الفرد في الحضارة الإسلامية، بما يتطابق وروح الإسلام الأصيلة؛ أي التأكيد على الناحية الاجتماعية.

ثالثاً: الشعور بالاستقلالية وبناء الذات وتأكيدها.

ومنها العوامل الاقتصادية، وأيضًا العوامل التقنية. ومنها إدراك العلاقة التاريخية بيننا وبين الغرب، ومواطن القوة والضعف في الإنسان الغربي والأنظمة الغربية، قبل أن نتوقف عند دراسة الفلسفات والمذاهب والنظم الغربية، التي يظن البعض أنها هي الهدف والغاية من الاستغراب.

علم الاستغراب، إذًا، هو نتاجٌ لرؤيةٍ شاملةٍ للكون والعالم، ومكانتنا فيه، وعلاقتنا بالأغيار، والأسس التي تقوم عليها هذه العلاقة، وضرورة دراسة الغير بصورةٍ لا تعلي من صورته الواقعية، ولا تقلّل منها، بل تبرز إمكانياته وقدراته. وقديمًا كتب جالينوس الطبيب: كيف ينتفع المرء من أعدائه؟ بمعنى كيف يستفيد من نقاط القوة التي يتصف بها الغير. إن هذا الغير هو أساسٌ هامٌّ في تكوين الذات. الذات القوية لا تخشى الآخرين، بل تقبل عليهم بفهمٍ وتعاطفٍ. الوصول إلى سمات الغرب وسبل تقدمه، من منهجيته في رؤية الأشياء والتعامل معها، لن يتأتى بصدقٍ وأمانةٍ إلا بمعرفة لغاته وآدابه وفنونه وإبداعاته وطرق حياته وتعامله مع نفسه ومع الآخرين. هكذا نظر إلينا الاستشراق وتناول مناحي حياتنا المختلفة، وذلك ما ينبغي علينا عمله، وفق شرط الفهم والتعاطف حتى يتسنى لنا إدراك الغرب في وضعيته التاريخية الراهنة.

* يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى أنّ علمَ الاستغراب هو المقابلُ الضِّدِّيُّ لعلم الاستشراق، غير أن التمييز بينهما ضروريٌّ لجهة النظام المعرفي والتطبيقي لكلٍّ منهما. كيف ترون إلى هذا التناظر، وما الإشكالات المطروحة في هذا الصدد؟

إن ما سبق أن ذكرته من سبل ووسائل تأسيس الاستغراب لفهم ودراسة سمات الغرب وخصائصه اللغوية والأدبية في واقعه الاجتماعي والتاريخي، وضرورة توفر الفهم والتعاطف، يعني أننا لا نتعامل مع ظاهرةٍ صمّاءَ، بل نتعامل مع ظاهرةٍ إنسانيةٍ حيةٍ، لها طموحاتها ولها غاياتها ولها أهدافها، وتحتاج في فهمها إلى هذا التعاطف. ولن أدخل في الفرق والتمييز بين الاستشراق والاستغراب؛ فالاستشراق ظاهرة تاريخية لها ما يزيد عن خمسة قرونٍ سعى فيها الغرب للإلمام بنواحٍ متعددة من لغات الشرق وآدابه وأديانه وحضاراته. وأيًّا ما كان الأمر والهدف والغاية، وأحكامنا على هذا الجهد العلمي، وهي أحكامٌ تصدر في الغالب عن عقلياتٍ تَقبل وتستمرئ وضعية المقهور والمهزوم والضعيف أمام العدو المتفوق، وترى أن كل ما يصدر عن هذا العدو هو مؤامرةٌ وتبشيرٌ وتشويهٌ للهوية، هذه الأحكام في النهاية لا تقدم ولا تؤخر لا في فهمنا للغرب ولا في تعاملنا معه وعلاقتنا به وموقفنا تجاهه قوةً وضعفًا، بل تبعدنا عن الفهم الحقيقي من الغاية من الاستشراق، الذي يجعل الغرب، بحقٍّ، متفوقًا علميًّا علينا من خلال المعرفة الحقيقية بنا.

وعلى هذا لا ينبغي أن نعتبر الاستغراب نظامًا معرفيًّا مقابلًا، أو استشراقا مضادًّا؛ لأن معنى هذا أن يكون علم الاستغراب المنشود علمًا مرفوضًا منذ البداية؛ لأنه لا يقوم على أساسٍ علميٍّ. وذلك لأننا، في الحقيقة، نتعامل ولا زلنا من موقفٍ انفعاليٍّ عاطفيٍّ حماسيٍّ ضد الغرب، وبالتالي نهاجم علم الاستشراق بتأسيس علم الاستغراب، بينما، في الحقيقة، إنّ هناك أهميةً كبرى لتأسيس الاستغراب لفهم الغرب وفهم أنفسنا في الوقت نفسه، ولتجاوز العداء التاريخي بين الشرق والغرب، بين النظرة المسيحية للإسلام والنظرة الإسلامية للمسيحية، في سياقٍ روحانيٍّ دينيٍّ أخلاقيٍّ إنسانيٍّ، لا من منطق العداء التاريخي.

وعلى هذا، فإنّ كلًّا من موضوع علم الاستغراب ومنهجه وغايته، يتجاوز كلًّا من موضوع علم الاستشراق ومنهجه وغايته، والرد الحماسي الانفعالي الشرقي عليه، وصولًا إلى موضوع الإنسانية الواحدة التي تعاني مشكلاتٍ مشتركةً، والتي تخضع إلى طواغيت متنوعةٍ، وتتعيش حالة تيهٍ وشركٍ وعبادة لآلهةٍ كثيرةٍ هي المال والقوة والسيطرة والنفوذ، ولا ترى لها هدفًا ولا غايةً ولا قيمةً في هذه الحياة سوى اللذة والمتعة والإشباع السريع للرغبات النرجسية التي تستبعد حياة الفطرة السوية، التي على الإنسان أيًّا ما كان أن يتصف بها. الهدف، إذًا، هو إنسانيةٌ أخلاقيةٌ ترفض الكذب والقتل والإبادة الجماعية للشعوب، من أجل حياةٍ واحدةٍ مشتركةٍ حرةٍ كريمةٍ مبدعةٍ.

* هل يعني علم الاستغراب برأيكم الرؤية التي تصوغها النخب المشرقية للغرب، والكيفية التي يتعاملون من خلالها مع الغرب لفهمه ونقد سلوكه حيال الشرق؟

في الحقيقة إن هذا السؤال في غاية التعقيد، فهناك تصوّراتٌ متعدِّدةٌ ورؤًى متنوعةٌ للغرب يمكن بشكلٍ مبدئيٍّ تحديدها في:

أولًا: رؤية النخبة للغرب، أيْ الرؤية الأدبية والفنية والفكرية، والتي تسعى لتقديم نصوصٍ بديلةٍ للنصوص الغربية من أجل فتحٍ ثغرةٍ في الآداب الإنسانية، ومن الأمثلة المبكرة على مثل تلك الرؤى، ما قدمه الأديب السوداني الكبير الطيب صالح في «موسم الهجرة إلى الشمال». وهذا ينطبق أيضًا على الأشكال الفنية المختلفة التي يسعى بها الفنان العربي إلى تصوير الغرب. والأمثلة كثيرةٌ متعددةٌ من الصعب الوقوف على بعض هذه الأمثلة الجزئية التي تصوِّر حياة العربي في أوروبا، وحياة الغربي في عالمنا نحن، وما يمكن أن يتم خلالها من تناقضٍ بين الثقافتين. وكذلك ما يقدمه المفكِّرون العرب والمثقفون من صورٍ متنوعةٍ، تتخذ شكلًا تحليليًّا نقديًّا، وأبرز مثال على ذلك ما قدمه إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق». كل هذا يندرج في إطارٍ واحدٍ هو رؤية المثقفين العرب النقدية للغرب.

ثانيًا: الغرب في المخيال الشعبي، هؤلاء الذين لا يتعاملون مباشرةً مع الغرب إلا عبر وسائل الميديا المختلفة، وعبر المنتجات الغربية التي تقتحم حياتهم، بدءًا من السيارة حتى اللابتوب، وصولًا إلى الموبايل. وبالطبع يضاف إليها الأدوات المنزلية التي تتكدس في المنازل العربية والإسلامية وتحمل ماركاتٍ عالميةً وغيرَ عالميةٍ، يتحدد سعرها بالدولار سيد العالم، وعلى ضوء تراقص الدولار إلى أعلى وإلى أسفل يتمايل المخيال الشعبي قربًا وبعدًا، حبًّا وكرهًا، تجاه هذا الغرب، وتتبلور في ذهنه صورٌ متعددةٌ لهذا الغرب الذي يقدم نفسه باعتباره سيد العالم.

وثالثًا: الغرب كما يتحدد لدى صناع القرار الذي نلهث وراءه في أزمنة الأزمات، ونلجأ إليه حين تشتد بين أقطارنا الخلافات، والذي تتحدد رؤيتنا له من خلال الرد على مواقفه عبر الإدانة والشجب والتظاهرات.

تلك استجاباتٌ ثلاثٌ، ونحن لا نتوقِّف إلا أمام استجابات النخبة، متغافلين عن استجابات العامة واستجابات صانعي القرار. والمشكلة الكبرى في هذه الرؤية التي تقدمها النخبة التي تحكمها عواملُ متعددةٌ ما بين استرضاء النظم السياسية المختلفة، والتطلع للحياة الغربية الفاخرة للتمايز عن العامة، لكننا في النهاية لا نجد أمامنا على الرغم من كل ما يمكن أن يؤخذ على رؤية النخبة إلا أن نتخذ منها مؤقتًا نقطة بدايةٍ، على أن تصاغ هذه البداية صياغةً تتجاوز الاختلافات العرقية والتعددات الدينية، والتباينات في النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتكون المنصة الأساسية التي تنطلق منها هي المنصة العلمية التي لا تهادن في حق الأوطان والأديان والإنسان.

* ألا ترون أنّ من المهمّات المركزية لعلم الاستغراب هي إجراء نقدٍ معمّقٍ لذهنية الاستتباع الفكري من جانب النخب العربية والإسلامية للغرب؟

دعني في البداية أُشيرْ من باب الدعابة إلى أنك بدلاً من أن تُقدّم سؤالًا فقد طرحت إجابةً، حيث أجد نفسي أمام إجابةً وهي أن الطريق إلى باب الاستغراب هو تحليل عقلية النخب التابعة. والحقيقة، أن التحليل والنقد هما الطريق الذي أدركته حركات التحرّر العربية الإسلامية، حيث يواجهنا في البداية كتاب النقد الذاتي للمناضل المغربي علال الفاسي، والذي يمكن أن يدور في فلكه كتابات أمثال مالك بن نبي. وليس بعيدًا عن النقد الذاتي ما قدّمه المفكِّر والمناضل الفلسطيني هشام شرابي تحت عنوان النقد الحضاري، وهو ما تبلور في صورةٍ دقيقةٍ وواضحةٍ في ما قدّمه المثقف المغربي الذي كتب بالفرنسية والعربية عبد الكبير الخطيبي صاحب النقد المزدوج الذي ينطبق على الغرب والهيمنة الفكرية الغربية علينا، مثلما ينطبق علينا نحن، فهو نقدٌ للعقلية التابعة والعقلية المهيمِنة. وما نقد العقل العربي عند عابد الجابري إلا عزفٌ وإعادةُ توزيعٍ للنقد الذي بدأ يسري في ثقافتنا منذ ما يزيد عن القرن ونصف القرن من الزمان.

وما يمكن أن يقال عن نقد العقل العربي الذي قُدّمت عليه أطروحاتٌ نقديةٌ متعددةٌ منذ طرح هشام غصيب المثقف الأردني: هل هناك عقلٌ عربيٌّ؟ والمفكِّر الفينيقي جورج طرابيشي عن نقد النقد؛ يقال على الرغم أننا من لم نقم بهذا بعد، عن نقد العقل الإسلامي عند أركون، ونقد العقل الغربي عند مطاع صفدي، ما قد يُفهم في إطار تبعية العقل العربي أو العقل الإسلامي للعقل الغربي، وللإنجازات الإبستيمولوجية التي تمت في العلوم الإنسانية في الغرب، وهي أحكامٌ في حاجةٍ إلى إعادة القراءة وإعادة النظر، فالإنجازات المعرفية أيًّا كان مصدرها، كما قال فيلسوفنا الأول الكندي في رسالته للمعتصم، تفيدنا تماما في سعينا الذي صار مُلحًّا لتأسيس علم الاستغراب، حيث لا يمكن أن يخشى الباحث من النظر في إنجاز كبار أنبياء الشك، كما يطلق عليهم بول ريكور، نيتشه وماركس وفرويد، وأبنائهم وأحفادهم. ذلك أنّ الأنا لا تتحدّد إلا من خلال الآخر، وأن نقد الغرب لا يمكن أن يتم من خلال رفض واستبعاد المناهج التي نتعامل معها باعتبارها غربيةً، على الرغم من كونها تحمل مع مصدرها الغربي غايتها الإنسانية، وقد أشرنا من قبل إلى ضرورة التمييز بين المركزية الغربية والكونية الإنسانية.

* أيّ المرجعيات الفكرية والفلسفية التي تقترحون مطالعتها ـ سواءً أكانت عربيةً أم أجنبيةً ـ  ولا سيما منها تلك التي قاربت حقيقة الغرب بما فيها من محاسنَ وسلبياتٍ؟

أكّرر، من أجل بيان رؤيتي للمرجعيات النظرية والفلسفية المختلفة التي قاربت حقيقة الغرب، أن علينا أن ننظر إليها في إطارٍ تاريخيٍّ يمتد من عصور الثبات الحضاري، حتى بدايات الاستقلال السياسي والتحرر الفكري والثقافي الذي صاحب حروب التحرير العربية، خاصةً حركات الإصلاح الديني التي علينا أن ننطلق منها انتقالًا إلى المشاريع الفلسفية العربية على اختلاف منهجيتها. يضاف إلى ذلك ما ذكرته عن كتب النقد المختلفة لدى الفاسي والخطيبي وغيرهم، وصولًا إلى إنجازيْن أساسييْن علينا الجمع بينهما، وهما النظرية الثقافية والدراسات ما بعد الكولونيالية، والتي أسهم فيها عددٌ كبيرٌ من مثقفي العالم الثالث. النظرية الثقافية والنظرية ما بعد الكولونيالية، كلاهما بدايتان أساسيتان لا يمكن تجاوزها في التأسيس لعلم الاستغراب، وربما يكونان أخويْن غيرَ شقيقيْن للاستغراب.

هناك بالطبع تفصيلاتٌ كثيرةٌ، وقوائمُ من الممكن إعدادها والرجوع إليها، تُسهم في صياغة الاستغراب علمًا دقيقًا بلغة هوسرل.

* مَنْ مِن المفكِّرين الذين قرأتم لهم وساهموا في تقديم أفكارٍ ومحاولاتٍ جديةٍ في حقل التأسيس لعلم الاستغراب، وبالتالي ما هي الملاحظات والإشكالات التي تطرحونها حيال هذه المساهمات؟

أنت تطرح سؤالًا لا يحتاج إلى دراسةٍ واحدةٍ فقط، بل يحتاج إلى دراساتٍ تشمل المحاولات المختلفة التي قدّمها المفكِّرون العرب والمسلمون في هذا المجال، وتقديم قراءاتٍ تفصيليةٍ عن كل عملٍ من هذه الأعمال، وهو ما يحتاج أن نكلّف فريقًا من الباحثين بهذه المهمة. ماذا تنتظر أن نفعل في السطور المحدودة التالية؟ يكفي من وجهة نظرنا أن نُشير فقط إلى بعض الجهود التي تُقرأ في سياقاتٍ خارج السياق الذي نحن بصدده، لكنها من وجهة نظري تُعدُّ في صلب الموضوع الذي نتناوله. وفي مقدمة ذلك، كتاب المناضل الفلسطيني والمفكِّر العربي هشام شرابي في معظم أعماله، لكننا نخصّ تحديدًا كتابه «النقد الحضاري في القرن العشرين»، الذي طُبع عدة مراتٍ بعناوينَ مختلفةٍ، والذي يعرض فيه أهم الكتابات الاستشراقية التي تتناول مجالاتٍ متعددةً في حياتنا الثقافية والاجتماعية والتاريخية والاقتصادية. وهو عملٌ ثريٌّ يحتاج إلى اتخاذه برنامجًا لتأسيس علم الاستغراب، مثلما يمكن أن نفعل مع كتاب إدوارد سعيد «الاستشراق»، فهو حين يعرض الاستشراق ففي الحقيقة يعرض للأسس التي يقوم عليها الاستشراق، وهي في نظرنا الأسس نفسها التي يمكن أن ينبني عليها الاستغراب. وقد ذكرت من قبل محاولة المفكِّر والسوسيولوجي المغربي عبد الكبير الخطيبي في كتابه «النقد المزدوج»، وبالطبع هناك محاولاتٌ تدخل في هذا الإطار وهي تلك التي قام بها الكتاب المسلمون الأوائل عن الحضارات المختلفة غير الإسلامية، وهي تمثّل نواةً هامةً في هذا المجال. والأمر بالقطع يحتاج إلى تفصيلات كثيرة قد لا يسمح المجال الآن إلى تناولها.

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف