البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

May / 29 / 2021  |  404للإسلام حضور حاسم في معارف القرون المسيحية الوسطى

الحوار مع :د. إبراهيم الموسوي
للإسلام حضور حاسم في معارف القرون المسيحية الوسطى

يهتمّ هذا الحوار بواحدة من أهمّ القضايا التأسيسيّة في المعرفة الفلسفيّة والتي دار السّجال حولها في حقبة القرون الوسطى بدءاً من القرن الأوّل الميلادي وصولاً إلى القرن الخامس عشر. وهذه القضيّة تتركّز على ظاهرة الاحتدام بين الفلسفة والعلم والآثار المعرفيّة التي نجمت عنه.

الحوار جرى مع الدكتور إبراهيم الموسوي، وهو حائز على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة طهران، وعضوٌ في الهيئة العلميّة لجامعة المفيد. من مؤلفاته: «الإدراك المحسوس في فكر أفلاطون»، «الاتجاه العملي للنفس في فكر أرسطو»، «غربة الذات في فلسفة الغرب»، «النظريات الكلاسيكية في باب الصدق»، «مقارنة بين نظريتي الصدق عند أفلوطين والملا صدرا»، و... ومضافاً إلى قيامه بتدريس الأبحاث العامة للفلسفة والكلام، فقد عمل بالتدريس والتحقيق على مدى عقدٍ من الزمن في مجال الفلسفة والكلام في القرون الوسطى. وقد شارك في كثير من الجلسات والندوات والمقابلات واللقاءات العلمية المرتبطة بهذا المجال العلمي.

«المحرّر»


وفي ما يلي وقائع الحوار:

* على أيّ فترة من تاريخ أوروبا يتمّ إطلاق مصطلح القرون الوسطى؟ وما هي أبرز خصوصيّات عصور القرون الوسطى؟

يُطلق مصطلح القرون الوسطى (mediaeval) إجمالاً على الفترة الواقعة بين القرن الأوّل والثاني الميلاديين إلى حدود القرن الخامس عشر الميلادي. وطبعًا فهذا الأمر يتوقّف على كيفيّة تحديدنا لفترة النهضة المعروفة. وعلى كلّ حال، فهذه الفترة تشمل أربعة عشر أو خمسة عشر قرنًا. والثقافة خلال هذه الفترة كانت تقع تحت تأثير نفوذ المسيحيّة، وقد أصبحت مسيحيّة بشكل كامل منذ القرن الثالث. أُطلق اسم «القرون الوسطى» على هذه الفترة بعد عهد النهضة. وكانت دعوى عصر الحداثة إهمال الفترة الدينيّة، والعودة إلى عهد اليونان بعنوان التجديد والإحياء العلميين. وكأنّ العصور الوسطى كانت فترة دينيّة وغير علمية، وأنّ عهد اليونان كان عصرًا علميًّا. ولكنّه بالنسبة إلى اسم هذه الفترة، وكذلك بالنسبة إلى هذه الدعوى؛ فلا بدّ من القول بأنّ الاسم قد بقي على حاله، وأمّا الدعوى فلم تبقَ هي ذاتها الدعوى السابقة، وهذا الموقف أقرب إلى الواقع. ولهذا السبب فلا بدّ من إجراء مقدار من التغيير في الاسم أيضًا. وأنا أميل إلى تسمية هذه الفترة بـ «عصر النّفوذ الكبير للثقافة الدينيّة»، بل عصر النفوذ الكبير لثقافة الدين التوحيدي. وعلى كلّ حال، فالدين كان موجودًا في العصور القديمة أيضًا، ولكن الدين التوحيدي له خصوصيّة تُميّزه عن سائر الأديان الأخرى. والمسألة الثانية هي أنّ العصر الجديد للنهضة ـ خصوصًا في مجال الفلسفة ـ لم يكن عصر إنكار الدين، بل كان يُعتبر بنحوٍ ما استمرارًا لهذا العصر نفسه، ولكن من زاوية أخرى. وأمّا مسألة الأدوار التي تنقسم إليها القرون الوسطى، فالمشهور أنّها تنقسم إلى ثلاثة أدوار: الأوّل: عصر الآباء، ويمتدّ من القرن الأوّل والثاني الميلاديين إلى القرن السادس الميلادي. وخلال هذا العصر - بلحاظ الدين التوحيدي والوجود المسيحي - فقد كان للمفكرين الدينيين وللمتكلمين منهم خاصّةً وجود بين المفكرين المسيحيين. ورغم ذلك فقد كان الفكر اليوناني حاضرًا أيضًا في الوقت نفسه. ومع القرن الثالث فقد بدأ الصراع بين المفكرين المسيحيين أو المدارس المسيحية مع المدارس اليونانية التي كانت عمدتها ضمن الاتّجاه الأفلاطوني الجديد. ولهذا السبب فقد أغلقوا هذه المدارس حوالي سنة 525 ميلادي، وفي سنة 530 ميلادي أغلقوا المدارس المسيحيّة المخالفة للكاثوليك أيضًا. وهذه الأحداث ترتبط بالقرن السادس، حيث كان هناك وجود لليونانيين ذوي الاتّجاه الأفلاطوني الجديد إلى جانب هذه المدارس أيضًا، وطبعًا فقد كان هناك صراع بينهم أيضًا. الثاني: عصر الظلام، حيث تمّ تحجيم الفكر الفلسفي والعلمي من خلال إغلاق المدارس، واستمرّ ذلك حتى القرن التاسع الميلادي. وفي القرن التاسع الميلادي، وهو عصر انبثاق الحضارة الإسلاميّة؛ حيث كان قد مضى قرنان على ظهور الإسلام. كان عصر الازدهار الذي أظهر للغرب كم كان فقيرًا ومهزومًا، حتى إنّهم قد اضطرّوا إلى التّراجع في بعض الحالات. فقد انتبهت الإمبراطوريّة الفرنسيّة - في عهد شارلمان المقارن لعصر هارون الرشيد - إلى أنّ سبب تقدّم المسلمين هو اهتمامهم بالعلم، وأنّ سبب هزيمتهم هم هو اهتمام الإسلام بالعلم والفكر. ومن هنا، فقد لجأ الغربيون إلى التقليد، وأنشأوا المراكز العلمية الأولى تحت اسم المدارس العلميّة لا المدارس الأكاديمية ـ التي كانت موجودة في عصر اليونانيين ـ ويمكن تسمية هذه المرحلة التي بدأت من القرن التاسع إلى القرن الخامس عشر باسم النهضة الغربية، وتسمية النهضة المعروفة باسم النهضة الثانية. وعلى كلّ حال، فهذه المرحلة وهي العصر الثالث للقرون الوسطى معروفة باسم «العصر المدرسي»، وعلى هذا، فالمراحل الثلاث للقرون الوسطى عبارة عن: عصر الآباء، وعصر الظلام، والعصر المدرسي. والملاحظ أنّه في العصر المدرسي لم تكن المدارس من جهة الشكل فقط تقوم على التقليد لما في العالم الإسلامي، بل كان هناك حضور لفكر خاص باسم الفكر المدرسي أيضًا. وإذا اعتبرنا أنّ مرحلة الآباء كانت تميل إلى البُعد الكلامي أكثر، وأهملنا عصر الظلام؛ فلا جَرم تكون المرحلة التالية، أي العصر المدرسي هي المرحلة الفلسفيّة والمنطقيّة القائمة على التقليد للعالم الإسلامي. وأنا أقسّم العصر المدرسي إلى ثلاث مراحل - وطبعًا فهناك أسماء مختلفة لهذه المراحل ويمكن تقسيمها إلى أربع مراحل -، الأولى: مرحلة «بداية التقليد» وهي تمتدّ إجمالًا من حدود العام 800 ميلادي إلى 1050 ميلادي، أي ما يقارب 250 عامًا. وخلال هذه المرحلة كان يتمّ إنشاء المدارس بشكل مماثلٍ لمدارس العالم الإسلامي، وانتشرت في مختلف أنحاء أوروبا. ويمكن تسمية هذه المرحلة بـ «أوج التنظير وانتشاره في الفلسفة الغربية». وأنا أقسّم هذه المرحلة إلى ثلاثة اتّجاهات أساسيّة: أدوار «السينوية»، و«الرشدية»، و«الإشراقية». وهذه الأدوار تدلّ بشكل واضح على أنّ عصر أوج الفلسفة المدرسيّة وهي أهم جزء للقرون الوسطى كلّها؛ كان متأثّرًا بنحوٍ كامل بالعالم الإسلامي. ولا شكّ أنّ هذه المرحلة كانت تشتمل على فروع وفواصل متنوّعين، ولكنّها كلّها إجمالاً كانت تقليدًا فكريًّا عن الإسلام. وأمّا المرحلة التالية فكانت «مرحلة الأفول» واستمرّت من عام 1050 إلى عام 1200. ومن عام 1200 إلى عام 1350 كانت «مرحلة الاصطدام والصراع في أوروبا». وبعد ذلك جاءت مرحلة الأفول؛ والسبب في ذلك أنّها أدّت إلى ظهور الشك في الغرب. وبعد ذلك بدأ عصر الإبداع.

* ما هي أبرز خصوصيّات عصر الظلام؟ وما هي الآثار الاجتماعيّة التي ترتّبت على هذه الخصوصيّات؟

يمكن القول بأنّه مع إغلاق المدارس، وفي الواقع إغلاق مدارس المعارضين للمسيحية الكاثوليكية، والتي كانت من الإفرازات الخاطئة للإمبراطورية الرومانية؛ فقد تمّ تعطيل العقلانيّة والنظرة العلميّة. وقد ظنّوا بشكلٍ ساذجٍ بأنّ رأي الكنيسة والبابا هو عين الفكر المسيحي الأصلي، ولذا فرأيهم يكفي لسعادة الإنسان وتقدّم المجتمعات؛ وبالتالي فلا حاجة للمدارس. وكانت المراسم العباديّة تُقام في الكنائس، وكان الرهبان يبذلون جهدًا خاصًّا للنشاطات التبليغيّة ضمن مراسم خاصّة. وقد تمّ إرسال الكثير من المبلّغين إلى مختلف أنحاء العالم خلال هذا العصر. وكان عمدة مراجعهم الإنجيل وكتب الأدعية أيضًا، وقسمًا من منطق أرسطو إجمالاً. وكانوا لا يهتمّون بالبرهان، وإنّما يهتمّون بالجدل والخطابة، وقد اشتهر أنّ المكتبات التابعة للمبلّغين والناشطين الثقافيين كانت محدودة جدًا، ومنحصرة بالإنجيل وكتب الأدعية وبعض الخطابات، حتى إنّه قلّما يتمّ الرجوع إلى أوغسطين، رغم أنّ الآباء كانوا يمثّلون أمرًا مهمًّا جدًا بالنسبة للمسيحية. لقد كانوا يرجعون إلى الآباء خلال العصر المدرسي، وقد تمّت قراءة أوغسطين ومقدارًا من الغنوصيّة. وأمّا في عصر الظلام فكأنّهم لم يشعروا بحاجة لتلك المصادر والأشخاص. وهذا الأمر أدّى إلى تضعيف العلم، ومن هنا تمّت تسمية هذه المرحلة فيما بعد باسم عصر الظلام. وإنّما تجلّت لهم ظلمة هذه المرحلة عندما واجهوا العالم الإسلامي باعتباره عالم الكفر. وكانت الدوافع التبشيريّة ودواعي تواجدهم في العالم الإسلامي هي السبب في هذه المواجهة أيضًا. وعلى أثر هذه المواجهة بدأوا يُدركون ضعفهم يومًا بعد يوم؛ وذلك لأنّ العالم الإسلامي كان يمتلك في مجال التكنولوجيا، أي الأمور الفنيّة والتقنيّة والعلم؛ إبداعات في مجال صناعة الأسلحة والأدوات. فقد أصابتهم الدهشة عندما أهدى هارون الرشيد ساعة إلى شارلمان، وتساءلوا فيما إذا كان يوجد بداخلها الجنّ؟. فما الذي يُحرّك عقارب الساعة؟!. كما أنّ المسلمين كانوا حينها قد تقدّموا كثيرًا في المجال النظري، وتوسّعوا كثيرًا في بعض العلوم كالفلسفة والمنطق والفقه ومجالات الفقه الاستدلالي والكلام. فلم يكن هناك مجال للمقارنة بين هذا التقدّم وحالهم هم. وقد رجع الغرب بعد عصر الظلام؛ بغرض تطوّره إلى العالم الإسلامي وخاّصة الأندلس، وذلك لقربها منه. فقد انهمكوا بالتعلّم من العالم الإسلامي في الأندلس، وكمثال على ذلك، فإنّ سيلفستر الثاني، والذي وصل إلى مقام البابا، كان قد درس في إسبانيا. كما أن عهد الترجمة قد استمر إلى ما يقارب قرنًا من الزمن. وقد كانوا متأثّرين خلال هذه الفترة بإنتاجات العالم الإسلامي.

* ما هي أهمّ خصوصيّات العصر المدرسي؟ وإلى أي مدى كانت هذه الخصوصيّات الإيجابيّة متأثّرة بالعلوم والثقافة الإسلاميين؟

أوّلاً، كانت المدارس خلال هذا العصر تقليدًا لمدارس العالم الإسلامي. وقد كانت المدارس في العالم الإسلامي قد أخذت طابعها حتى قبل أن نقوم بترجمة الآثار اليونانية إلى اللغة العربية. فقد كان للمدرسة شكلها الخاص، أي كانت مؤلّفة من مجموعة من الأساتذة وغرف للدراسة. وقد كانت المدارس عادة تتنازع فيما بينها، وهذا يرتبط بسياسات مدراء المدارس. فقد كان لبعض المدارس اتّجاهًا عرفانيًّا أو فقهيًّا، وقد أضيف إليها فيما بعد الاتّجاهات الفلسفيّة والمنطقيّة أيضًا. وقد توسّعت المدارس الأدبيّة في مجال النقد. وكان المتعارف عليه حينها أنّ كلّ من كان يريد الدراسة فلا بدّ أن يبدأ بالعلوم الأدبيّة، ومن ثمّ يتابع في مجاله التخصّصي كالفقه والفلسفة. وقد أضيف إليها لاحقًا بعض الفروع مثل المنطق. وكان الاهتمام بالقرآن يشتدّ في بعض المدارس، وكانت الميول العرفانيّة تتواجد تحت عنوان التصوّف. وبهذا فقد كانت هناك أجواءٌ مختلفةٌ للمدارس المختلفة في العالم الإسلامي. وهكذا فقد قام المسيحيون بتقليد هذا النمط. فقد انتخب شارلمان أشخاصًا علماء من جميع أنحاء أوروبا، وقدّم مشروعًا لتأسيس المدارس. وقد كان هذا المشروع تقليدًا محضًا لما في العالم الإسلامي. فقد كان المشروع يبدأ بثلاثة دروس أساسيّة في الأدب والعلوم التمهيديّة، وبعد ذلك تكون هناك دورة للدروس التخصّصيّة. وكان الطابع العقلي يغلب على الدروس التخصّصيّة، وكان الهدف هو الاطّلاع على الفنون. وقد اهتمّوا بالرياضيات وعلم الهيئة؛ لأنّ علم الهيئة كان يستطيع أن يحفّز اهتمامهم بالفيزياء و... وقد كانت الموسيقى موضع اهتمام لهم أيضًا في هذه المجالات، وخاصّة في المرحلة الثانية. وكانت الدروس الثلاثة في المرحلة الأولى، والدروس الأربعة في المرحلة الثانية؛ تجعل الفرد متخصّصًا في ذلك المجال. ومنذ ذاك الحين كان يجب على كلّ من يعمل في التبشير للمسيحيّة من حيازة إذنٍ بذلك، وقد سمّوا ذلك الإذن «بكالوريوس». أي أنّه كان يجب على المبلّغين حيازة شهادة البكالوريوس، فلا يذهبون للتبليغ بدون العلم والتخصّص. وبهذا الشكل تحقّقت وحدة السليقة في مجال التبليغ. ولكنّه مع انتشار المدارس وتوسّعها فقد تغيّرت ميولها. فأخذت بعض المدارس اتّجاهًا عرفانيًّا، بينما أخذ بعضها الآخر اتّجاهًا أدبيًّا أو اهتمّ أكثر بالحقوق أو بالفن. وبعد مرور قرنين ونصف من الزمن توسّعت المدارس في العالم الغربي ضمن نظام خاص. وكان هذا الأمر الذي أدّى إلى إنتاج أفكار جديدة مختلفة عن الأفكار القديمة، سببًا إلى شهرتها باسم الفكر المدرسي؛ لأنّه كان يؤكّد على الأخلاق والمنطق بالتفسير الذي استلهمه من العالم الإسلامي. وفيما يلي ذلك فإنّ الدروس التخصّصيّة التي كانت تعتبر فوق البكالوريوس وترجع إلى أوائل القرن الثاني عشر أدّت إلى تأسيس الجامعات. والجامعة الحالية المعادلة لـ( university) كانت مطروحة في ذلك الزمن باسم (universitaly) بمعنى وحدة السليقة. (University) ليس بمعنى الجامعة، بل بمعنى «الأسلوب الواحد». والأسلوب الواحد بمعنى أنّه عندما شاهدت مؤسّسة البابا أنّ المدارس قد انتشرت بميول مختلفة، وكانت هناك اختلافات بينها في موارد كثيرة، وكان الصراع يقع بين بعضها بعضًا أحيانًا، ومن جهة أخرى فقد كانت تسعى إلى تطوير المدارس، وكانت المدارس قد ازدادت بشكل كبير جدًا؛ وبالتالي فلم يكن البابا يتمكّن من إصدار أنظمة داخليّة لكلّ واحدة منها على انفراد، ولذا فقد قاموا بتنظيم جميع المدارس على أساس المناطق، وجعلوا لكلّ منطقة مجلس شورى للإدارة يتضمّن ممثِّلاً عن البابا، فكان ما يجب إرساله من طرف البابا إلى هذه المدارس يتمّ إرساله إلى هؤلاء الممثّلين، ومن ثمّ يقوم هؤلاء بإبلاغه إلى المدارس. وبهذا الشكل تمّ تبدّل وحدة السليقة هذه إلى «universitaly» ومن ثم بعد ذلك تغيّرت إلى اسم الكليات. ولا بدّ من الالتفات إلى هذه النكتة وهي أنّ تأسيس المدارس كان ينطلق في بدايته من أهداف سياسية وإمبراطوريّة، وقد كان هناك من يعارض ذلك حتى بين رجال الدين، إلى أن تمّت سيطرة الكنيسة على المدارس بعد مرور قرنين من الزمن، وتمّ قبولهم للسياسة العامّة للمدارس، حيث كان أغلب المسؤولين يتم اختيارهم من رجال الدين المسيحيين. وبهذا الشكل أصبحت المدارس تحت حماية البابا. ورغم ذلك فقد كان هناك معارضون من رجال الدين خلال العصور المسيحيّة. فقد كان المعارضون يعتقدون بأنّ الدراسة العقلانيّة المحضة تؤدّي إلى ترويج الإلحاد.

* ما هو المسار المتميّز الذي فتحته الأديان التوحيديّة بالمقارنة مع المسار اليوناني في مجال الفلسفة؟ وما هو الدور الذي لعبه المسلمون في هذا المسار؟

إنّ هذا السؤال مهمّ جدًا؛ لأنّ هذا الأمر غالبًا ما تمّ تجاهله. وخاصّة أنّهم قالوا بعد عصر النهضة بأنّ عصر القرون الوسطى كان العصر الديني، وأنّ تخلّف الغرب كان يرجع إلى حاكميّة الدين. ومن هنا، فقد طرحوا نظريّة الرجوع إلى اليونان. وأنا أعتقد أنّ هذا ليس هو كلّ ما وقع. وأنّ الدعوى في الواقع لم تكن بهذا الشكل. فأنا لا أظنّ أنّ الغربيين يعتقدون حاليًّا بهذا الأمر. وعلى كلّ حال، فما هو الفضاء الذي أدّى إليه حضور الدين؟ فهل الاعتقاد والفضاء الديني أدّيا إلى الابتعاد عن الواقعيّة؟ من المشهور أنّ اليونانيين كانوا يسعون نحو الواقعيّة، وأنّ الفلسفة والعلم يسعيان وراء الواقعيّة. وفي المقابل، فهل الدين يؤدّي إلى الابتعاد عن الأجواء الواقعيّة؟. إنّه طبقًا للتصنيف العام في الفلسفة فالمشهور أنّ الفكر والفلسفة قبل النهضة المعروفة، أي القرن الخامس عشر؛ كانت لهما نظرة وجوديّة خارجيّة للعالم، وأنّه في المرحلة التالية - عصر ديكارت - وحتى القرن التاسع عشر كانت النظرة الذاتية والاهتمام بالذهن هي الحاكمة. ومن الصعب جدًّا أن تستطيع التخلّي دفعة واحدة عن الذهن، فما زال هذا الجوّ حاكمًا على الفلسفة حتّى الآن. ولكنّهم يريدون معرفة الوجود والمحافظة على الذهنيّة والخارجيّة أي المحافظة على التوأمين علم الوجود وعلم المعرفة (نظرية المعرفة). إنّنا إذا قسّمنا هذه الفترة التي تمتدّ حتى قبل القرن التاسع عشر وهو عصر اللغات؛ إلى ثلاث مراحل، وهي مرحلة ما قبل اللغات، ومرحلة المجال المعرفي والحضور الجدي للذهنية، والمرحلة السابقة لها أيضًا مرحلة معرفة الوجود والخارجية. وما أريد قوله أنّ خصوصيّة الذهنيّة وأهميّة أن يكون للنفس بمفردها جوّها المستقل يرجع لعصر الدين؛ فمفكّروا الدين التوحيدي لم يكونوا يستطيعون فهم الفكر اليوناني. لقد سلَّموا بأنّ الواقعيّة خارجة عن الذهن، وأن ما يرتبط بالذهن يوجد داخل الذهن. فهذه المشكلة قد ظهرت في مرحلة تالية في عصر ديكارت، وأمّا هم فلم تكن لديهم هذه المشكلة. ولكن اختلافهم عن اليونانيين هو أنّه وفق نظر اليونانيين فإنّ كون الشيء له واقعيّة وخارجًا عن الذهن هو هذه الطبيعة نفسها وهذا الفضاء المادي نفسه، وإذا كان إجمالاً غير مادي، لكنّه يُظهر نفسه في داخل الطبيعة. وأمّا في الرؤية الدينيّة والفكر التوحيدي فهذه المسألة أصبحت مهمّة جدًا، سواء للمفكرين أم للفكر عندما تابع تقدّمه فقد اتّضحت أهميّة هذه المسألة. وإنّ هناك حقائق موجودة لا يمكن العثور عليها في الطبيعة؛ وبالتالي فهي واقعيات منفصلة عنّا، بغضّ النظر عن تمكّننا من الوصول إليها وعدمه. فقد واجهوا واقعيات منفصلة عنّا، لا يمكن الوصول إليها بسهولة عن طريق التجربة وطبقًا لما يعتقده اليونانيون. فقد كان هناك اعتقاد سائد لدى اليونانيين بأنّ أفكارنا قد لا تحصل أحيانًا عينًا في التجربة، ولكنّهم يرون بأنّه يمكن العثور عليها في الخارج من خلال هذا التفكير نفسه. وأمّا في الدين التوحيدي فإنّه يقول بأنّه يمكن العثور على تلك الحقيقة الخارجية عن طريق الرجوع إلى قلوبنا. وقد طرح أوغسطين، وهو المتكلّم الكبير في عصر الآباء؛ برهان القلب أو المعرفة من طريق القلب إلى جانب البراهين الأخرى. فهو يرى أنّ صفات الجلال الإلهي مبعثرة في العالم الخارجي. وأن العلوم والفلسفة في العالم الخارجي والعقل إنّما تريد كشف الحقيقة من خلال دراسة الحقائق الخارجيّة. وحيث إنّها تريد الوصول إلى الوحدة من خلال الكثرة، ولكن الصفات متفرّقة مبعثرة في العالم؛ فلا مفرّ من مواجهة مشكلةٍ، وهذه كانت مشكلة اليونانيين. وأمّا من وجهة نظر أوغسطين فإنّنا نجد صفات الجلال الإلهي هذه بنحوٍ كاملٍ في قلب المؤمن. وغاية الأمر أنّ هذه الحقائق مستورة في قلب الكافر، وعند الإيمان فإنّ جميع الحقائق تتكشّف للمؤمن؛ لأنّه بحسب نظره فإن المؤمن عندما يؤمن فإنّ قلبه يُدرك جميع الصفات الإلهية بنحوٍ حضوري، فتذهب الكثرة من البين، ويجد اللهَ بنحو الوحدة، ولذا فإنّ المؤمن يصل إلى اليقين. وهذا تعبير عن الذهنيّة والذاتيّة؛ لأنّه كان مرتبطًا بالنّفس، ولا شكّ أنّه يمتلك خصوصيّة معرفيّة للوجود. وهذه هي الصفات الإلهيّة الموجودة في الخارج بنحوٍ متكثّر، ويمكن مشاهدتها هنا بصورة واحدة وبدون خطأ. وعلى هذا، فما زال هناك نحوٌ من التجربة الدينيّة موجود في العصر الحاضر، وفي الواقع فإنّ هذا البيان يرتبط بمجال الدين التوحيدي؛ لأنّ الدين التوحيدي له رسالة وكتاب بمنزلة الوجه الخارجي. وفي الواقع فإنّ الأنبياء الإلهيين قد ظهروا وأخبروا بالحقيقة وبمكانة الإنسان. وهذا النحو من القراءة لم يكن موجودًا مطلقًا في الدين اليوناني والفلسفة اليونانية. وبعبارة أخرى، فإنّ القراءة التي تقدّمها الأديان التوحيديّة مرتبطة بشكل كامل بفضاء آخر، وقد توسّع تدريجيًّا هذا النحو من الفكر وغدا هو المسيطر. كما أنّ هذا النحو من التفكير لم يكن عرفانيًّا دفعة واحدة، كما يظن البعض. وفي الواقع فإنّ الآباء كانوا يعارضون العرفان؛ لأنّهم كانوا يعتبرون أنّ جذور العرفان ترجع إلى عقائد شركيّة، ولذا فإنّهم لم يكونوا يتقبّلون العقائد العرفانيّة بسهولة. وكان يغلب عليهم النظرة الكلاميّة، وقد كانت لهم إبداعات في هذا المجال أيضًا. ورغم ذلك، فقد بدأوا يستأنسون منذ العصر المدرسي بوجه المعرفة الذي له بُعد معرفي للوجود. وقد هيّأ هذا الإبداع الذي حصل على يد الفلاسفة والمفكرين المسلمين الأرضيّة لمسير انطباق العلم والفلسفة مع الثقافة الدينيّة. فالتفكيك بين الوجود والماهيّة، والسعي لإقامة براهين أخرى على وجود الله نظير برهان الصديقين لابن سينا وبرهان إمكان الوجود و... كلّها مرتبطة بالعالم الإسلامي، والتي قد بدأت على يد الفارابي. كما أن الصراع الذي وقع بين المدارس النحويّة والأدبيّة في العالم الإسلامي، والذي كان له تأثير كبير على الفقه، والمدارس الجديدة التي كانت تريد فهم الحقيقة بواسطة المنطق؛ قد أدّى بالمناطقة المسلمين إلى إعادة النظر والتأمّل من جديد، والوصول إلى إبداعات كثيرة في مجال القضايا، وأنواعها وأقسامها. وقد أحدثت هذه الإبداعات ثورة في الفكر الإسلامي. وقد استلهم العصر المدرسي هذه الخصوصيات من العالم الإسلامي. ورغم أنّ المنطق كان موجودًا عند أرسطو، ولكن منطق أرسطو إنّما كان يستطيع مساعدة المفكرين المسلمين فقط في النظرة العقلية أو التجريبيّة للطبيعة، وأمّا في مجال ما وراء الطبيعة بالمعنى الواقعي للكلمة فقد كان حال المسلمين فيه مختلفًا تمامًا، وكان الفضاء واسعًا فيه للفلسفة. ومن المشهور أنّ ابن سينا فيلسوف أرسطوئي بنحو كامل، ولكنّه في الموارد التي لم يقبل فيها آراء أرسطو كان يعتبره من الطبيعيين. وباعتقادي فإنّ هذا الفضاء جديد بنحو كامل، وأنّ الفلسفة اللاحقة أي من زمن ديكارت وما بعده كانت متأثّرة بالقرون الوسطى أكثر من كونها يونانيّة؛ لأنّ الذاتيّة والذهن قد أصبحا مهمّين جدًا لهم، وحتى إن التجريبيين أمثال هيوم لم يستطيعوا الخروج من هذا الفضاء.

* إذا اعتبرنا أنّ العصر المدرسي بنحو ما هو استمرار للفلسفة الإسلامية، فماذا كانت نهاية هذه المدرسة الفلسفيّة؟ هل كانت العلمانيّة والتعدّدية والإنسانيّة والشكاكيّة هي النتيجة الطبيعيّة لهذا المسير؟

لا شكّ أنّ فلاسفة العصر المدرسي كانت لهم إبداعاتهم الكثيرة، ولكنّه رغم ذلك فإنّ توماس قد وضع كتب ابن سينا أمامه، وأعمل فكره، وبهذا فقد وصل إلى إبداعات كثيرة أيضًا. ومن هنا، فإنّ توماس يُعتبر تلميذًا لابن سينا أكثر من كونه تلميذًا لأرسطو. ولكنّ الغربيين لا يعترفون بهذا الأمر مطلقًا. ومن المعروف أن ألبرت الكبير أستاذ توماس كان يحضر إلى الدرس بالعباءة والعمامة. وطبعًا فإنّ إشراقييهم كانوا يختلفون عن إشراقيي العالم الإسلامي، وكانوا متأثّرين بأوغسطين، ولهذا فإنّ دروسهم التخصّصية كانت تختلف عمّا لدى المسلمين. كما أنّ العلوم التجريبيّة قد توسّعت عند هؤلاء المفكّرين. وقد أدّت هذه الظروف إلى ظهور نوعٍ من الشكاكيّة في أواخر العهد المدرسي. والمهمّ اليوم للمسلمين هو أنّه يمكن معرفة الغرب بنحوٍ أفضل من خلال قراءة هؤلاء ودراستهم. كما أنّه إذا كان هناك خلل موجود لدى المفكرين المسلمين فإنّ هؤلاء قد قاموا بنقده بنحوٍ غير مباشر. وصحيح أنّه وبنحو الإجمال قد ظهر نوعٌ من العلمانيّة من داخل هذا الميل نحو ابن رشد، ولكن هذا الاتّجاه لابن رشد لو كان قد توسّع بين المسلمين لكانت نتيجته مختلفة عمّا حدث في الغرب. كما أنّه صحيح أنّ هناك نوعًا من الميل نحو محوريّة الإنسان إجمالاً عند توماس، بمعنى أنّ إبداعات توماس قد أدّت في بعض الموارد إلى ظهور اتّجاه الإنسانيّة في فكره، ولكنّه في المرحلة اللاحقة فإنّ الغرب قد مشى متقدّمًا باتّجاه الإنسانيّة والعلمانيّة، وقد تغلّب اتّجاه الشك إلى حدّ ما. وقد قضى هذا الفضاء على خصوصيّات المرحلة السابقة، وأدّى إلى ظهور مرحلة جديدة. وأمّا أنّه كيف كانت هذه الحالة في العالم الإسلامي؟ إنّ هذه المسألة كلّها تستحقّ المطالعة والدراسة. فهل يمكن أن يكون عدم التجديد وعدم فتح مرحلة جديدة إشكالاً جديًّا على المفكرين المسلمين؟ إنّنا نعلم أنّ المفكرين المسلمين لم يتّبعوا كلّهم ابن سينا، فظهور شيخ الإشراق والحكمة المتعالية شاهد على هذا المدّعى. كما أنّ فكر الغزالي وأنواع الاتّجاهات الكلاميّة والعرفانيّة قد توسّعت بعد ابن سينا. ولذا فإنّنا نعتبر حضارتنا إبداعيّة، ونعتقد أنّ العالَم الإسلامي كانت له إبداعاته. فقد توسّع العلم في العالَم الإسلامي، حتى أنّه كانت لدينا تطويرات كثيرة في مجال التكنولوجيا. ويسعى المسلمون حاليًّا للوصول إلى إبداعات جديدة وإحداث تحوّل عظيم. ولعلّ دراسة الغرب ـ من جهة أن هناك إشكالات على فلسفة الغرب ـ ليست بلا ارتباط مع فضائنا الفكري. وأنا أدّعي هنا أنّ ما جرى على الغرب يرجع إلى تأثّره بالقرون الوسطى أكثر ممّا يرجع إلى اليونان، وأن التجديد الذي حصل في العصر المدرسي كان متأثّرًا من العالَم الإسلامي. ولا شكّ أنّ هذه الدعوى تحتاج إلى شرح أكثر لا مجال هنا للإشارة إليه.

* ما هي الآثار التي انعكست على العلم الطبيعي بسبب الرؤية الكونية المتداولة والحاكمة في القرون الوسطى؟

كان للاهتمام بالطبيعة، وهي المرتبطة بالمعرفة التجريبية، شكلان في اليونان، وبالأخص في القرون الوسطى. وكانت هذه الحالة أيضًا كذلك في العالم الإسلامي. بحيث إنّ قسمًا من التجريبيين المسلمين كانوا في مقابل الفلاسفة يفكّرون بطريقة قياسيّة ويميلون للاتّجاه العقلي. وفي الواقع، فإنّهم كانوا يريدون العثور على نظام فلسفي في الطبيعة والعالم التجريبي. وكان الأمر كذلك في الغرب أيضًا، بمعنى أنّ هناك مجموعة كان لها هذا التوجّه في القرون الوسطى وفي العصر المدرسي. ولكن كانت هناك مجموعة أخرى بين المسلمين وكانت أكثر بين الغربيين؛ قد اهتمّت تدريجيًّا وببطء بالاستقراء ودراسة الموارد الجزئيّة ـ مقابل القياس ـ وبعبارة أخرى، فبدل أن تأخذ الكليات من الفلسفة فقد قامت بالبحث في الجزئيّات وصغرى القياس، وأنّه كيف يمكن الوصول من الصغرى إلى الكليّة. فكون الاستقراء لا يوصلنا إلى الكلّي أصبحت مسألة مهمّة قد وقفوا يبحثون فيها. وكان القضاء من نصيب الغرب أنّه قد تطوّر كثيرًا في هذا المجال. وابتكارات الغرب العلميّة في القرن الرابع عشر ترجع إلى هذا الاتّجاه. وبهذا يمكن الادّعاء بأنّه بين الاتّجاهين القياسي والاستقرائي فإنّ الاتّجاه الاستقرائي قد نجح في الغرب. وأمّا في العالم الإسلامي فإنّ الاتّجاه الاستقرائي كان متأثّرًا بالكلام أكثر وربّما بالفقه. وفي النزاع بين النحويين والمنطقيين فقد كان النجاح حليف الاتّجاه الكلامي. وكان إشكال المتكلّمين على الفلاسفة أنّكم ترون الواقعيّة بنحوٍ كليّ. فهل الله قد خلق الإنسان الكلي أم خلق حسن وتقي؟ من هو مخلوق الله؟ إذا قلنا بأنّ الله قد خلق حسن وتقي، فلا مفرّ من أن نُشخّص الكليّ، وأمّا إذا قلنا بأنّه قد خلق الإنسان، ومن ثم كان هناك موجود آخر هو الواسطة فخلْقُ حسن وتقي، فلا مفرّ حينئذ من الوقوع في التسلسل. فالمتكلّمون كانوا يعتقدون أنّ الله قد خلق الأفراد والفرد، وهذه النظرة أدّت إلى التقدّم العلمي.

* ما هي التحوّلات التي حصلت للإيمان والفهم الديني في القرون الوسطى؟ وهل يمكن تصنيف هذه التطورات؟

لقد وقع الإيمان في تحوّلاتٍ كثيرةٍ. ويمكن طرح هذا البحث في ذيل بحوث «العقل والإيمان» أو «الوحي والفلسفة». كانت هناك ثلاثة فضاءات متقابلة خلال فترة حاكميّة الدين التوحيدي أو القرون الوسطى. وهذه الفضاءات الثلاثة معارضة للعقل المحض اليوناني. فجميعها كانت تعتقد أنّ ما قاله الدين حقٌّ. وجميع المتدينين كانوا يعتقدون أنّ الدين قد قال لنا الحقيقة. وأمّا ما هو المقدار الذي يمكن للعقل أن يساعدنا فيه؟ فالبعض كان يعتقد أنّه لا بدّ من وضع العقل جانبًا، والاعتماد على الإيمان فقط، وكانوا يقولون «أؤمن حتى لا أسمع». بينما كان الاتّجاه الثاني يعتقد بأنّ العقل واسطة للتبليغ؛ لأنّ الناس يفكّرون باللحاظ العقلي والتجريبي. فالحقيقة قد تمّ بيانها من خلال الدين، ولكنّه لا بدّ من الارتباط مع الآخرين من خلال الأدوات التي جعلها الله لنا؛ وعلى هذا، فلا بدّ لنا من صياغة ما جاءنا به الدين بشكل عقلانيّ قابل للفهم. وأمّا الفضاء الثالث والذي كان موجودًا في عهد الآباء أيضًا فكان يرى أنّ الدين هو أوج الفكر العقلاني. فالتفكير العقلاني قد بدأ قبل المسيح، وكون اليونانيين وغير اليونانيين كانوا يسعون إلى كشف الحقيقة بنحو عقلانيّ فهو يدلّ على هذا النّور الضعيف الداخلي الذي وضعه الله تعالى تحت تصرّف الإنسان. وبناءً على هذا، فاليونانيون أيضًا كانوا على طريق الحقيقة. ولكنّهم لم يعثروا عليها، وقد أخطأوا ووجدوا الحقيقة بنحو ضعيف، ولأنّهم لم يعثروا على الحقيقة فقد وقعوا في الحرمان من السعادة. لقد أوصل الله الحقيقة إلى البشر بواسطة النبي الخارجي والكتاب. وبناءً على هذا، فالعقل لا يتنافى مع الدين؛ بل الدين قدّم المساعدة للعقل. وإجمالاً فهذا هو الفضاء الذي كان في عهد الآباء. وفي العصر المدرسي فقد كان الاعتقاد أيضًا قائمًا على أنّ ما أتى به الدين للإنسان صحيحٌ. وغاية الأمر أنّه كان يتمّ الإحساس بالحاجة إلى العقل من أجل فهم الدين الذي أوصى به الله. فأن أكون مؤمنًا، وأن أعرف ماهيّة هذا الاعتقاد، هما أمران مختلفان ومتقابلان. فهل الاعتقادات الدينيّة قابلة للفهم؟ وأيّ قسم من هذه الاعتقادات يساعد على الرشد الثقافي؟ وقد مالوا بواسطة النظرة الفلسفية والمنطقية إلى الاتّجاه القائل بأنّ فهم الدين لا صرف الإيمان والاعتقاد الديني هو الذي يساعد على إنتاج العلم وتطور الثقافة. وهذا هو الاختلاف بين عهد الآباء وحتى عصر الظلام مع العهد المدرسي. فقد قالوا في عصر الظلام بأنّ كتاب الله هو الحقيقة، وهذا الكتاب يكفي للتطوّر. ولكن مع الالتفات إلى أنّهم كانوا يعتبرون المسلمين ضالين، فقد رأوا أنّ المسلمين قد قطعوا أشواطًا في التقدّم، ومن هنا، فقد قاموا بتحليل الاختلاف بينهم هم والمسلمين، وتأمّلوا في ماهيّة العلاقة بين العلم والدين، وما هي الحدود التي يساعد الدينُ فيها على التطوّر؟ وهل يستطيع العقل فهم الحقيقة كلّها؟ وكان بعضهم يعتقد أنّه ينبغي وضع العقل تحت تصرّف الإيمان، وهذا يحكي عن اختلاف شامل. وبناءً على هذا، فقد كانت توجد في تلك المرحلة ثلاثة اتّجاهات فكريّة. فبعضهم كان يزعم أنّ عمل العقل منفصل عن الدين بشكل تام. كلّ ما ورد في الدين فهو عقلاني، ولا ينبغي توقّع فهم هذا التطابق حاليًّا مباشرة. وإنّما كلّما تطوّر العقل فإنّه يصل أكثر إلى الحقائق الدينية تدريجيًّا. ومن هنا فكلّ شيءٍ هو عقلانيّ. وكان السيد توماس من هؤلاء أيضًا. وفي المقابل كانت هناك مجموعة تعتقد بأنّ العقل يستطيع السير إلى مرحلة معيّنة. وكان هؤلاء يميلون أكثر إلى الاتّجاه العرفاني والإشراقي. فالإشراقيون كانوا يعتقدون بأنّنا نتمكن من السير قدمًا أعلى من حدّ الحس، فنصل إلى حدّ التجربة والعلم التجريبي. فالمجدّد يستطيع الارتقاء في سيره والوصول إلى حدّ الفلسفة والتفكير العقلاني، ولكن العقل لا يتمكّن في ارتقائه من تجاوز مرحلةٍ خاصّةٍ معيّنةٍ، فلا بدّ أن تُدرك الحقائق بنحوٍ حضوريٍّ، ولكن تلك الحقائق الحضوريّة ليست ضدّ العقل، وإنّما لا تقع تحت إدراك العقل.

* إذا اعتبرنا أنّ هذه التطوّرات الثلاثة نحوًا من استكمال الاعتقاد الديني، فإلى أيّ مدى كان هذا المسير متأثّرًا بالفلسفة والعلم في الثقافة الإسلاميّة؟

يمكن العثور على هذا التصنيف بين المسلمين. فهناك أبحاث تفصيليّة بين المفسرين والفلاسفة والمتكلّمين والعرفاء. وربّما لا يكتمل هذا التصنيف، وإنّما يمكن الإشارة إلى المقارنة فقط. فمثلاً كان المعتزلة يميلون إلى العقل بخلاف الأشاعرة. حتى إنّ الأشاعرة أنفسهم كانت لهم فئات مختلفة. فبعضهم مثل ابن تيميّة كان معارضًا بنحوٍ تامٍّ للمنطق والفلسفة، حتى إنّه كان يضيّق الخناق على الكلام أيضًا. وعلى كلّ حال، فالأصناف الثلاثة التي ذكرتها للغرب تختلف عن الجو الإسلامي. يعتقد بعض الغربيين المعاصرين أنّ القضايا والاعتقادات الدينيّة هي بشكل تامّ ضدّ العقل لا أنّها لا تقع تحت إدراك العقل. وهذا الاتّجاه يقترب من الرؤى العلميّة، ولكنّه لا وجود لنظير له في العهد المدرسي. وبشكل عام، فهناك اتّجاهان، أحدهما يقول بشكلٍ كليّ بأمور ما وراء الأمور العقليّة، وبعضهم يقول بالأمور العقليّة بنحو كليّ. والاتّجاه الذي يسير عليه أتباع ابن رشد يقول بأنّ العقل له القيمة الأولى، ولكنّه باعتبار أنّ الوحي والدين يريدان سعادة الإنسان، وجميع الناس لا يستطيعون الوصول إلى السعادة عن طريق العقل والفلسفة، فلم يكن هناك مفرّ أمام الدين إلّا أن يبيّن فضاءً معيّنًا ويطلب من الناس الاعتقاد به؛ كي يصلوا إلى الحقيقة الواقعيّة والسعادة. وهذا الفضاء هو الذي فهم منه الغربيون الواقعيّة، وقالوا بالتمايز بين العقل والوحي، رغم أنّ كليهما حقيقة، ولكن أحدهما أعلى من الآخر، وإذا وقع اختلاف فلا بدّ من الرجوع إلى العقل لا الوحي؛ لأنّ الأفضليّة للعقل. وهذا شكل من أشكال وجود العلمانيّة في قراءات خاصّة للعقل والدين. ولكنّه لم يكن هناك وجود لمثل هذه القراءة في العالم الإسلامي.

* كيف تحلّلون الجهود التي بُذلت للإصلاح بين الفلسفة والإلهيات في هذه الفترة؟ وأساسًا فإلى أيّ مدى كانت هذه الرؤية ناجحة في القرون الوسطى؟

أنا أرى أنّ هذا الصّلح قد حصل في العصر المدرسي لا في عصر الآباء، وكما شرحنا فإنّ هذه الجهود كانت متأثّرة بالعالم الإسلامي. وقد نجحت هذه الرؤية إجمالاً في العصر المدرسي، وكان هذا الأمر حلًّا جيّدًا وفتح الآفاق أيضًا أمام الغربيين. وفي الواقع فقد كان هذا الجهد ناجحًا؛ لأنّه ترك آثارًا جيّدة جدًّا في مجال الثقافة. ولكن هل كان هذا النجاح تامًّا وكاملًا؟ لا، لم يكن كذلك؛ لأنّ الجواب الإيجابي لهذا السؤال يعني الوصول إلى نهاية العلم. فالسعي الإنساني قد بدأ من العالَم التوحيدي، وما زال هذا السعي حاضرًا في تفاصيل مرحلة الفكر الحديث الغربي والشرقي. ولذا فإنّ هذا الاتّجاه ناجح بلحاظ الآثار والبركات؛ لأنّه لولا هذا المسير لكنّا قد فقدنا الكثير من النجاحات. والمثال على ذلك هو عصر الظلام في الغرب. وعلى هذا، ففكرة الصلح بين الفلسفة والإلهيات في العصر المدرسي كانت ناجحة؛ لأنّها استطاعت إخراج الإنسان الغربي من الظلام، وفتحت الطريق أمامه. ولكن هذا ليس هو نهاية الطريق، فالفضاء الثقافي والفكري للمفكرين التوحيديين والعالم الإسلامي ليس منفصلاً عن قافلة مسير الثقافة الإنسانيّة، وهذه الخطوة كانت جيّدة ومؤثّرة جدًا، رغم أنّها لم تكن ناجحة في بعض المراحل أيضًا.

* اسمحوا لي بطرح سؤال افتراضيّ. لو أنّ مفكّري العصر المدرسي لم تحصل لهم أيّ علاقة واهتمام بالثقافة والعلم الإسلاميين، واستمرّ عهد الظلام، وفي هذه الحالة، وبغض النّظر عن المنطقة الجغرافيّة للعالم الإسلامي، فإنّ الغربيين لكانوا اطّلعوا على حضارة كبيرة أخرى مثل حضارة الشرق الأقصى، وتأثّروا بابتكارات الصين والهند و...، ولا شكّ حينئذٍ بحدوث عصر مدرسي جديد، ولعلّه بتبع ذلك لظهرت حضارة مختلفة، وبشكل عام فمن المحتمل أن يكون سير الفلسفة والعلم مختلفًا عن سيره الفعلي. وفي هذه الحالة، هل يمكن ذكر العناصر المكونة الجديدة لهذا المسير الجديد؟

نعم، يمكن تعداد بعض العناصر. فمثلاً، افرضوا أنّ الفكر اليوناني هو الذي استمرّ، أو أنّ اليونانيين الذين لم يتمكّنوا من الاستمرار في عملهم قد مالوا تدريجيًّا إلى الشرقيين. ولنغضّ الطرف الآن عن العالم الإسلامي في الشّرق، ولنقل إنّهم مالوا نحو الهند واليابان والصين. ولكن من أجل تقييم هذه الصورة فلا بدّ من تقديم تحليلٍ للتطوّر والنجاح. ومن المؤكّد حصول فضاء جديد ضمن تلك الظروف، ولكن ليس كلّ جديد يعني النجاح. فتعريفي للتطوّر هو أن نتمكّن من فهم الحقيقة بنحو أفضل، وكذلك نتمكن من ملاحظة آثاره في العلوم، والتي يدلّ عليها التغيير في العلاقات والتجديد في كيفيّة المعيشة. وباعتقادي فإنّنا لو قمنا بإلغاء العهد المدرسي والتجديد في العالم الإسلامي فإنّه لو كان قد حصل آنذاك جديد لكان معناه تجدّد سلائق مختلفة. والذوق والسلائق المختلفة يمكنها تحقيق أنواع من الحياة مختلفة للإنسان، ولكنّي أعتقد أنّ هذه الحالة لن تكون متضمّنة لأيّ نوع من التطوّر، وخصوصًا إذا أضفنا استمراريّة عصر الظلام؛ لأنّني قد غضضت النّظر عن عصر الظلام. ولكنّه إذا أردتم استحضار عصر الظلام - أي وجود الدين التوحيدي من نوع عصر الظلام لا من النّوع المدرسي - فإنّ هذه الظروف سوف تعمل على تشديد حالة الحرب والنزاع؛ لأنّ من جملة خصائص الدين التوحيدي رؤيته لأحقيّة نفسه، والصحيح هو هذا أيضًا. ولكنّنا إذا فسّرنا التطوّر بالتجديد كي نقترب من خلال ذلك الطريق إلى الحقيقة؛ فلا مفرّ من التمسّك بالقوّة العاقلة. كما أنّ منتجات الفلسفة والعلم هي من القوّة العاقلة. وبناءً على هذا، فيبدو أن طريق التطوّر منحصر بما حصل في العالم الإسلامي. ونجاح العالم الإسلامي يكمن في إعطائه الأهميّة للقوّة العاقلة. وابتكاره يكمن في تمكّنه من استخدام القوّة العاقلة مع الاعتقادات الدينيّة وفي فهم الاعتقادات الدينيّة. وهذا الابتكار كان أمرًا عظيمًا جدًا قد تحقّق في العالم الإسلامي. وقد أدّى هذا الابتكار إلى تغيير العالم. وأمّا أنّه ما هي الأسباب التي أدّت إلى تحقّق هذا التغيير والتحوّلات في العالم الإسلامي فهو أمر يستحقّ الدراسة والتحقيق فيه. وأنا أعتقد أنّ هذه المسألة لها بشكل تام جذور دينيّة. وفي الواقع فإنّ إحدى إبداعات الدين التوحيدي هي الوصول إلى نبي الإسلام باعتباره خاتم الأنبياء. ولهذا السبب فقد كمل الدين في الإسلام، ولهذا قد عرف المسلمون كيفيّة الاستفادة من القوّة العاقلة. لقد كانت المسيحيّة في حالة تطوّر على مدى ستة قرون على الأقل، واليهودية كان لها وجود بما لا يقلّ عن ثمانمئة عام أو ألف عام، ولكنّه لم تصل لا المسيحية ولا اليهودية إلى إبداعات في هذا المجال. وقد دخلوا الفضاء اليوناني، وكانت لهم أسئلة أيضًا في هذا المجال، وبذلوا جهودهم. ولكن المسلمين هم الذين نجحوا في إحداث التغيير والتحوّل في عالم الإنسانية.