البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

January / 24 / 2021  |  351غياب فكر حضاري هي المعضلة التي تواجه علم الاستغراب

الحوار مع :د. محمد رضا زيبائي نجاد
غياب فكر حضاري هي المعضلة التي تواجه علم الاستغراب

حقل الأعمال البحثية والتحقيقية المعمّقة هو المنطلق الأساس للحديث عن استغراب نقديّ، ينطلق الباحث محمد رضا زيبائي نجاد من الخاصة إلى استغراب بالاتجاه النظريّ، بالتركيز على المبتنيات الغربيّة التي نواجهها من الناحية النظرية ولتفعيل الاستغراب الانتقادي يجب طرحه للأبحاث في النظريات المهمة، والنماذج والأصول والأنظمة الغربية.

فيما يلي نص الحوار:


* أوضحوا لنا ضرورة الخوض في موضوع الاستغراب الانتقاديّ؟ وإذا كانت ضرورة الاشتغال بالاستغراب الانتقاديّ ناظرة إلى الحقول المتنوّعة للعلوم الإنسانيّة المفروضة، أوضحوا لنا هذه المسألة من زاوية حقل الدراسات الجنسيّة.

ـ يبدو أنّنا بحاجة إلى استغراب بالاتجاه النظريّ، وذلك من خلال سؤال مفاده أنّه ما هي المتبنيات الغربيّة التي نواجهها من الناحية النظريّة؟ وكيف تنتج المسألة في النماذج؟ نشعر بأهمّيّة الاستغراب الناظر إلى حقول الجنسانيّة بشكل كامل أيضًا. من ذلك على سبيل المثال أنّنا في قطرنا نتمتّع بجميع الوثائق الوطنيّة والدوليّة الخاصّة بدراسات الجنس، وبذلك يمكننا الادّعاء بأنّ التحوّلات الأساسيّة قد حدثت على هامش لبرلة حقل النساء والأسرة. وقد حدث هذا التحوّل بالنظر إلى الظرفيّات الفقهيّة، بمعنى أنّه تمّ التعاطي مع الفتاوى بشكل انتقائيّ، وعلى سبيل المثال، فقد كانت فتوى مشهور العلماء أنّ حضانة الوليد الذكر من حقّ الأمّ وبعدها تنتقل الحضانة إلى الأب، وأمّا بعض العلماء المعاصرين، فقد ذهب إلى القول إنّ حضانة الأمّ للولد الذكر تستمرّ إلى سبع سنوات. وكان عدد من الناشطين في حقل المرأة والأسرة يصرّون على اختيار فتواه؛ لأنّها الأقرب إلى أدبيّات المساواة والفكر الليبراليّ في الساحة الدوليّة، وكذلك فإنّ فتوى مشهور العلماء أنّ المرأة لا ترث من الأرض، بيد أنّ بعض العلماء المعاصرين الآخرين يرى أنّ المرأة ترث من قيمة الأرض، وإذا كانت ذات ولد، فإنّها ترث من عين الأرض، وقد ذهب عدد من الناشطين في حقل المرأة والأسرة إلى الإصرار على اختيار هذه الفتوى في هذا الشأن؛ لأنّها تمثّل فرصة لإحقاق حقوق المرأة.

وعلى هذا الأساس فإنّ ثمّة كثير من الناشطين في الحقل الاجتماعيّ والسياسيّ، ومجموعة من الأساتذة في الجامعة من المتأثّرين بالأدبيّات الليبراليّة، ولا يشعرون في بعض الأحيان أنّهم يتنفّسون في نطاق هذا المنهج، ويصدرون آراءهم على هذا الأساس. إنّ معرفة هذه النماذج التي تعمل على بلورة العلوم الإنسانيّة وكثيرًا من الأفكار والحياة اليوميّة للكثير من المسلمين تحظى بأهمّيّة كبيرة. إنّ السؤال القائل: ما هو معيار التمايز بين النموذج الدينيّ وبين هذا النموذج الحاكم؟ سؤال في غاية الأهمّيّة، ويتمّ فهمه على هامش الاستغراب. وإنّ أهمّيّة الاستغراب إنّما تُستشعر كما أشرتم بالنظر إلى الفروع المتنوّعة للعلوم. من ذلك على سبيل المثال ما يتعلّق بالأبحاث الاقتصاديّة والحقوقيّة وعلم الاجتماع وعلم النفس وما إلى ذلك، إنّما يتمّ إدراك الطبقات العميقة للنزاعات في مباحث الاستغراب، كما تتمايز المباني الغربيّة مع المباني الإسلاميّة بوضوح.

* كيف ترون انطلاقة وطريقة تطوير مشروع باسم «الاستغراب الانتقاديّ»؟ وبعبارة أخرى: كيف ندير هذا المشروع لنقطع هذا المسار بشكل منطقيّ، ونصل إلى نتائج مطلوبة؟

ـ فيما يتعلّق بمشروع الاستغراب الانتقاديّ يجب أن نطرح الأبحاث في الطبقات السفلى؛ بمعنى طرح البحث في النظريّات المهمّة، والنماذج، والأصول الموضوعة، والأنظمة الغربيّة الجذريّة، وما هي المواضع التي تصطدم فيها هذه الأبحاث الأساسيّة والعميقة بالأنظمة الإسلاميّة الجوهريّة. إنّ علم الاجتماع، وعلم النفس، والحقوق، وكثير من فروع العلوم الإنسانيّة، قد حلّت بأجمعها محلّ التشريع. بمعنى أنّها تعمل على شرح التوصيات والضرورات والمحظورات والأيديولوجيّات وبيانها، ولكن حيث إنّ أغلب المسلمين لا يمتلكون فهمًا عميقًا لمباني هذه العلوم، فإنّ بحث أسلمة العلوم يتواصل في أكثر الطبقات سطحيّة؛ ولذلك يُقال مثلًا: لنقرأ العلوم الإنسانيّة، ونأخذ منها ما يوافق الدين، ونذر منها الموارد التي تخالف الدين. في حين أنّ هذا يعتبر من أكثر أنواع التعاطي سطحيّة، إنّنا في الحقيقة لا نلتفت إلى أنّ مواجهة المسلمين مع هذه العلوم أعمق وأكثر تجذّرًا بكثير مقارنة بهذا النوع من التعاطي، ومن هنا فإنّ المسلمين في المجتمعات الإسلاميّة يواجهون حاليًّا إسقاطيّة عميقة ولا إراديّة. وحتى الجماعات العلميّة قد تعرّضت إلى هذه الإسقاطيّة أيضًا؛ وعلى كلّ حال فإنّ المسلمين لا يمتلكون كثيرًا من العلوم الإنتاجيّة؛ وبالتالي لا مندوحة لديهم من التعامل مع هذه العلوم المستوردة، بيد أنّ أبناءنا إذا لم يتوصّلوا إلى فهم عميق لهذا التقابل، وإذا لم يتوصّلوا إلى معرفة وفهم مستوى النزاع، فإنّهم سوف يُغلبون. وفي ضوء هذه المقدّمة لا بدّ من القول إنّ الاستغراب يجب عدم قراءته بوصفه علمًا تاريخيًّا أو بوصفه حقلًا يعنى بدراسة التيّارات الفكريّة؛ بل يجب إخضاعه للتدقيق في مستوى عميق؛ بحيث يبدي لنا تبلور النموج الجديد للتفكير الغربيّ والمدخل الرئيس. وما هي الرؤية العميقة التي يحملها الإنسان الغربيّ عن الله والإنسان والتاريخ والمجتمع وما إلى ذلك؟ وعلى أساس أيّ رؤية يتمّ إنتاج نظريّات العلوم الإنسانيّة الغربيّة؟ وغيرها كثير من الأسئلة الأخرى. إنّ استغراب المسلمين يتّخذ في الغالب شكل التقرير التاريخيّ، حيث إنّنا نقرأ رينيه ديكارت على نحو تاريخيّ، في حين أنّ علينا أن نفهم التحوّلات الأساسيّة التي تركها فكر ديكارت في الغرب على المستوى النظريّ والعمليّ. إنّ تعاطينا مع أفكار تشارلز دارون، وألبرت أنشتاين ونيكولاس كوبرنيق وغيرهم، يجب أن يكون على هذه الشاكلة؛ وعليه فإنّ التعاطي السطحيّ يمثّل آفة جوهريّة، وفي المقابل فإنّ انطلاقتنا واتجاهنا العام في مباحث الاستغراب الانتقاديّ يجب أن يكون حول الالتفات إلى المسائل الجوهريّة.

* ما هي النصيحة العمليّة التي يمكن لكم تقديمها لمشروع «الاستغراب النقديّ» في حقل الأعمال البحثيّة والتحقيقيّة؟

ـ يبدو أنّ الخطوة الأولى هي وجوب تأسيس مراكز بحث خاصّة بالاستغراب ذات توجّه نقديّ. وفي الخطوة الثانية يجب في المفاصل الأصليّة في الحوزة العلميّة والجامعة تدريس مواد تحت إشراف هذا المركز مع رعاية الثوابت والاتجاهات الدينيّة، والعمل على دعم هذه الحصص والدورات الدراسيّة، كي يتبلور فهم صحيح لدى النخبة من طلاب الجامعات. وفي الخطوة الثالثة يجب العمل على نشر الأفكار الناتجة عن التربية والتعليم في عموم مرافق الجامعة. لو تجاهلنا البحث الجوهريّ والنقديّ في الاستغراب، واكتفينا ببضع حصص للاستغراب في جميع الحقول الجامعيّة، فإنّ نتيجة ذلك إذا تمّ القيام بها على نحو صحيح لن تكون سوى ما نحن عليه الآن من الاستغراب الضعيف الراهن. وتتحوّل كتب الاستغراب إلى كتب في موضوع تاريخ الفكر الغربيّ، ولكن إذا أردنا العمل في ضوء الاستغراب النقديّ، يجب التركيز على تربية وإعداد طلاب من النُخب تتراوح أعدادهم ما بين عشرة إلى عشرين طالبًا، كي يهتموا بعمق الاستغراب ضمن الاتجاه النقديّ وفي فروع من قبيل: علم الاجتماع، وعلم النفس، والإدارة، والاقتصاد وغيرها من الحقول الأخرى، بحيث نحصل على واقع مناسب وجديد يدعو إلى التفاؤل.

* هل المواجهة الانتقائيّة مع الغرب صحيحة وممكنة؟ بمعنى أن نعمل من خلال التفكيك والفصل بين العقائد والتداعيات والمعطيات الغربيّة في حقل «الحسن» و«القبيح»، على أخذ كلّ ما هو من الغرب الحسن، ونجتنب كلّ ما هو من الغرب القبيح.

ـ إنّ هذه الاتجاهات ممكنة، بل ومتحقّقة في الواقع العمليّ. ومن هذه الزاوية هناك من يذهب إلى الاعتقاد بأنّ كثيرًا من الظواهر، من قبيل: السينما، إنّما هي مجرّد وسيلة، وأنّ هذه الوسيلة إذا وقعت في أيدي الصالحين ستكون صالحة، وإن وقعت في أيدي السيّئين والفاسدين، ستكون سيّئة وفاسدة. مثل المُدية التي يتمّ استعمالها من قبل الإنسان الصالح بشكل جيّد، ولكنّها إن وقعت في يد شخص مجرم، فقد يبقر بها بطن شخص بريء. وعلى هذا الأساس تكون التكنولوجيا بمنزلة الأداة الحياديّة، التي لا تستبطن في ذاتها أيّ اتجاه محدّد، وفي المقابل هناك رأي آخر يقول إنّ التكنولوجيا التي تنتج على أساس حاجة متراكمة تحتوي على تبعات خاصّة، وعلى سبيل المثال فإنّ الجهاز الخليويّ يتمّ إنتاجه في المجتمع الذي يتجه نحو الفردانيّة، ففي البداية ظهرت صناعة السينما بوصفها منتجًا يحمل خصائص اجتماعيّة عالية، ثم اتجهت الأمور نحو التلفاز، وبعد ذلك إلى صناعة التلفزة الهوائيّة والقنوات والشبكات التلفزيونيّة، وبعد ذلك نحو الإنترنت الذي كان يُعدّ تقنيّة أكثر شخصانيّة، حتى وصلنا في اللحظة الراهنة إلى جهات اجتماعيّة جديدة وإلى أجهزة الخليويّ التي تعدّ من التكنولوجيا الفردانيّة بالكامل. إنّ التقنيّة تتيح لكم الوصول إلى ميولكم الفرديّة في كلّ زمان ومكان. والتلفاز وسيلة أسريّة، حيث تتمّ مشاهدته في كنف الأسرة. وفي هذه الأجواء تحدث بعض الخلافات حول متابعة القنوات المتعدّدة، ويضطر الطرفان إلى الاتفاق على قناة تلفزيونيّة واحدة، وأمّا الآن فيمكن لكلّ فرد أن يتّجه إلى جهازه الخليويّ الخاصّ به، ويلبّي رغبته وميوله. وعلى كلّ حال كانت هناك حاجة وقد تمخّض الجهاز الخليويّ من صلبها.

وقد تحدّث نيل بوست حول اتجاهات وتبعات التكنولوجيا بالتفصيل، وذهب إلى الاعتقاد بأنّ الوسيلة الإعلاميّة تحتوي في ذاتها على جهة؛ ومن هنا فإنّ التكنولوجيا، لا بحسب خطابها بل بحسب تركيبتها وبنيتها، تشتمل على آثار وتداعيات مختلفة ومتنوّعة؛ وبذلك فإنّ التكنولوجيا تعمل في ذاتها على تنمية قيَم الحداثة والرأسماليّة والليبراليّة ونشرها. فوسائل الإعلام من باب المثال تعتبر في ذاتها ظاهرة حداثويّة، فمن يمتلك وسيلة إعلان، يستحوذ عليه الضجر والسأم، ويصل الحسن والقبيح بالنسبة له إلى حدّ عدم التيقّن. وعندما يعتاد الفرد على الوسيلة الإعلاميّة، فإنّه لن يتّخذ موقفًا تجاه الأحداث على المدى الطويل، ولا يخفى أنّ «طول مجالسة الأشرار توجب سوء الظنّ بالأخيار»، وبذلك تنهار حدود الحسن والقبيح. إنّ هذا الفرد لن يفرّق بين الإنسان العارف والمتهتك، وعلى هذا الأساس لا يمكن الادعاء بأنّ الأطر والأساليب التكنولوجيّة حياديّة، عندما نعتقد بوجوب الاستفادة من المنتجات الغربيّة الحسنة والجيدة، ونجتنب المنتجات القبيحة والسيّئة، لا نلتفت في الغالب إلى الحاضنة التي تبلورت هذه العقائد في صلبها. إنّ كثيرًا من هذه المنتجات تنتمي إلى الحاضنة والفضاء المفهوميّ للحداثة، وعندما نستفيد من هذه المنتجات في فضائها المفهوميّ، فعلينا أن ندرك ونلتفت إلى ما إذا كنّا قد فصلنا الفضاء المفهوميّ لذلك المنتج أم لا؟ أرى أنّ كلّ ما يأتي من الغرب، ما لم يتمّ تحليله بالكامل وتوطينه، يمثّل دعوة ودعاية للفضاء الذهنيّ الغربيّ، ويمكن أن تشكّل خطرًا على المجتمع الإسلاميّ، وعليه لا بدّ من الالتفات إلى هذه المسألة بشكل خاصّ.