البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

September / 14 / 2017 | عدد الزيارات : 221من يدمر سوريا؟

فيليب غرالدي - Philip Giraldi ذي أميركان كونسرفاتف - The American Conservative 3 أيار 2017 - 3 May 2017

التحرير: تتعاون السعوديّة وتركيا وقطر وإسرائيل مع المنظّمات الإرهابيّة على تدمير سوريا، وتقف أميركا والأمم المتّحدة متفرّجة على انتهاكات القانون الدوليّ هناك، ولا يبدو في الأفق أمل لوقف الحرب في وقت قريب.


إن شرعة الأمم المتّحدة التي تحكم جميع المعاهدات والاتفاقات والتي وقعت عليها جميع الدول الأعضاء تنصّ على أن المنظمة مُلْزمة بأن «تقرّر وجود أيّ تهديد للسلام، أيّ خرق للسلام، أو أيّ فعل عدواني» وأن تأخذ إجراءً عسكريًّا أو غير عسكريّ لكي «تستعيد السلام والأمن العالميّين».

استنتج القضاء خلال المحاكمات في نوريمبرج في عام 1946 أنّ: «بدء حرب عدوانيّة ما ليس جريمة دولية وحسب؛ بل جريمة دولية بامتياز تختلف عن جرائم الحرب الأخرى لكونها تشمل بداخلها الشرّ المتراكم كلّه».

تنصّ المادّة الأولى من الدستور الأميركيّ على أنّ الكونغرس وحده يمتلك سلطة إعلان الحرب، ويفهم منه كما ورد في المادّة 2 أنّ الرئيس له الصلاحيات بالردّ على خطرٍ «داهم» أو مُحدِق، فقط في حال عدم وجود وقت كافٍ لتمرير إعلان الحرب. إنّ صلاحية استعمال القوة العسكريّة (AUMF) جرى تعديلها في عام 2016 لتمنح الرئيس صلاحيّة شاملة للردّ عسكريًا على تهديدات ضدّ الولايات المتّحدة ولكن في حال نشأت من القاعدة و«قوى ذات صلة» فقط.

إذًا كيف للولايات المتّحدة أن تهاجم (سوريا، مطار الشعيرات) بتاريخ 6 نيسان وهي دولة عضو في الأمم المتّحدة ولها حكومة ذات سيادة معترف بها؟ تلك الدولة لم تُشكّل تهديدًا مُحْدِقًا كما أنّها لم تهاجم الولايات المتّحدة، ولم تكن في حرب مع واشنطن. كما أنه لم يكن لدى تلك الدولة العضو علاقة بالقاعدة أو دعمها أو أيّ مجموعة ذات صلة، كذلك لم يحصل ذلك تحت بند العقوبات من قبل مجلس الأمن في الأمم المتّحدة لإعطاء الصلاحيّات لأيّ دولة عضو بأن تتصرّف ضدّها. على العكس من ذلك، كانت تلك الدولة العضو ناشطة في قتال ضدّ عدّة مجموعات إرهابيّة كما جرى تعريفها من قبل الولايات المتّحدة والتي كانت قد احتلّت أراضيها السياديّة.

بالطبع أنا أشير إلى أنّ الهجوم الصاروخيّ على سوريا الذي يعتبره العديد من النقَّاد بشكلٍ متأخّرٍ غير قانونيّ، وفقاً للقانون الأميركيّ أو الدوليّ. ولكن مع عدم القانونيّة المرتبطة بالقدرة على فرض القانون، يبدو أنّ هناك رغبة ضعيفة من جانب الأمم المتّحدة في أن تُجْبر الولايات المتّحدة على الانصياع للقانون، كما أنّ الولايات المتّحدة سوف تستعمل بالتأكيد حقّها بالنقض في مجلس الأمن لكي توقف أيّ عمل غير مرغوب فيه.

 لقد دعمت الولايات المتّحدة وما زالت تدعم خططًا مختلفة لكي تزعزع وتفرض بالقوة «تغييرًا في النظام» على حكم البعث في سوريا منذ عام 2006، قبل وقتٍ طويلٍ ممّا جاء به ما يدعى بالربيع العربيّ من مظاهرات إلى شوارع دمشق. ومؤخّرًا، كانت واشنطن وما زالت تسلِّح وتدرِّب ما يدعى بالمتمرّدين ضدّ نظام بشار الأسد، بشكل واهم على أملٍ غير واقعيّ بأن نوعًا من الانتقال إلى نظامٍ معتدلٍ وذي ميول غربية يمكن أن ينشأ. إن سياسة البيت الأبيض الحاليّة تبدو أنّها تشمل ممارسة الضغط على داعش والنصرة ربيبة القاعدة، التي تحارب من قبل الحكومة السوريّة حاليّاً، بينما تطالب في الوقت نفسه بتبديل الأسد لاستئناف محادثات السلام مع جميع الأحزاب. باستثناء هذه الدلالات، هناك انتباه زهيد لما قد يحصل في اليوم التالي، بعد رحيل الأسد. لقد جرى تجاهل المخاوف العقلانية بشكل كبير وهو أنّ الفراغ يمكن أن يملأه الإسلاميّون المتطرّفون.

ولكن حتّى لو أنّ سياسة الولايات المتّحدة مربكة، فهناك آخرون في المنطقة  يعلمون ما يريدون وهم واثقون جدًا بما يجب عليهم فعله للوصول إلى ما يبتغونه. كذلك العربيّة السعوديّة وقطر كانتا وما زالتا تعملان بدون تفويض على فرض حرب غير شرعيّة ضدّ سوريا مع سعي قليل جدًا بهدف الردع من قبل المجتمع الدوليّ. وقد كانت الدولتان عدوانيتين بحقّ الحكومة السوريّة وعلى مدى الأزمة شرعتا في تمويل المنشقين داخل البلد وتسليحهم بعد قتال بدأ في عام 2011. و منطقهم يقول أن سوريا قد أصبحت حليفًا لإيران وللشيعة في لبنان بمن فيهم حزب الله، ما يهدّد بإنشاء حلقة من المناطق التي يسيطر عليها الشيعة عبر الشرق الأوسط العربيّ، ممّا يزيد نفوذ حكومة طهران التي يراها السعوديون خصوصاً عدوّاً إقليمياً. كما أن من الممكن أن يلعب تصدير السعوديّة للوهابيّة المسلّحة دورًا ما؛ إن سوريا التي تشبه العراق سابقًأ متسامحة مع معظم الأديان، و غالبًا متهّمة بأنّها علمانيّة بشكل غير مقبول وداعمة للمهرطقين.

لذلك يودّ السعوديّون أن يروا سوريا التي يكون فيها السنّة العرب هم المسيطرين، الأمر الذي سيؤدّي على سبيل الافتراض إلى التمييز ضدّ الشيعة والعلويّين والمسيحيّين ـ إضافة إلى قطع العلاقات السياسيّة مع إيران. في الواقع، ستكون سوريا مهزومة  مثل العراق المجاور، بأقليّات في مأزق مع عجز في السيطرة المركزيّة الفعّالة. ولكنّ ذلك سيكون أمراً مقبولاً لدى الرياض لأنه سيعني أن التحالف مع إيران انتهى فعلاً. إنّ فرضيّة أنّ السوريّين سوف يستفيدون من التغيير ليست أمرًا ملموسًا، كما يُنْظر إليه من منظور المصالح السعوديّة.

تودُّ تركيا لو ترى الأسد راحلاً وسوريا في فوضى. ففي 25 نيسان هاجمت أنقرة أهدافًا كردية في سوريا والعراق، فهم أعضاء ميليشيا (YPG)  (وحدات حماية الشعب) الذين هم حلفاء مدرّبون ومدعومون من قبل الولايات المتّحدة ضدّ داعش. لقد أُبلغ عن مقتل 20 من ميليشيا (YPG). ويزعم الأتراك أنّ جميع الجماعات الكرديّة تقريبًا إرهابيّة، متحالفة مع الإرهاب الداخليّ في تركيا، الممثّل بحزب العمّال الكردستاني. تخشى تركيا خصوصاً أن تسمح سوريا بإنشاء كيان يهيمن عليه الأكراد على طول حدودهما المشتركة والتي من الصعب الدفاع عنها. هي تريد خروج الأسد لأنّها اتّهمته وربما يكون بشكل محقّ بدعمه لهجمات الإرهابيين الأكراد، ولكنها تختار أن تتجاهل حقيقة أن المشاكل الحاليّة مع الأكراد إنّما بدأتها جزئيًا حكومة رئيس الوزراء آنذاك رجب طيب آردوغان. لقد احتاج الرئيس التركي إلى عدوّ معقول لأسبابٍ سياسيّةٍ داخليّةٍ لكي ينال من  حزبٍ كرديٍّ  كان قد عارضه بشكل كبير.

 كانت تركيا وما زالت تساعد داعش بما فيه معالجة جرحاه في المستشفيات التركية، والسماح لهم بإعادة التجمّع في ملاذات آمنة داخل تركيا، على الأكثر لأنّ الجماعات الإرهابيّة هي عدوّ للأكراد. كما أنه زُعِم بشكل معقول أن أنقره قد جهزت غاز السارين الذي استعمل في عدّة هجمات على المدنيّين السوريّين، ثمّ أُلقِيَ باللوم بكل سهولة على الحكومة في دمشق. كما أن إسقاط القاذفة الروسيّة في كانون الأول ربّما كان محاولة تركيّة  ساذجة لجر الولايات المتّحدة والناتو إلى حرب ضدّ الأسد وموسكو. لسخريّة القدر، اللعب على الجانبين في محاولة مكشوفة وجلية جدًا للإطاحة بالأسد قد دمّر أيّ مصداقية لدى آردوغان. كما أنّ إضعاف سيطرة الحكومة المركزيّة السوريّة وتسليم السلطة كأمر واقع إلى متمرّدين همج ورجال قبائل محليّين سوف يضمن تقريبًا نشوء دويلة كرديّة، ولكنّ أنقره لا يبدو عليها أنّها تفكر مسبقًا إلى ذلك الحدّ.

في النهاية، هناك إسرائيل. إنّ إسرائيل بخلاف أعداء سوريا الآخرين كانت وما زالت تسعى لأن تزعزع جارتها على مدى أكثر من 20 سنة، ولديها القليل أو لا شيء ممّا يتعلّق بإيران أو الأكراد. لقد وضعت الخطوط العريضة لـ«خطّة ينون» عام 1982 عندما كان السياسيّ اليمنيّ المتشدّد ميناحيم بيغن رئيسًا للوزراء، ووُضعتْ مسوّدتها في ورقة بعنوان «استراتيجية إسرائيل في الثمانينيات». وزعمت أنّ أمن إسرائيل يكون مضمونًا فقط في حال كان جيرانها يُضطرّون في طريقة ما أو أخرى إلى أن يُحرّضوا على التفرق وأن يعودوا إلى مكوّناتهم القبليّة والعرقيّة والدينيّة التي جرى شملها في دول وطنيّة فرديّة على يد القوى الإمبرياليّة بعد الحرب العالميّة الأولى. لقد شملت «خطة ينون»  «The Yinon Plan» توصيات لتنفيذ أعمال عسكرية للأمور التي لا يمكن تنفيذها بالسرّ بما فيه غزّو إسرائيليّ لسوريا لتجزئة الدولة إلى مجتمعات علويّة، ودرزيّة، وسنيّة، ومسيحيّة. فعالم عربي مُشظّى مُنشِىء لنظام دولة ضعيفة «مبلقنة» في المنطقة ويشمل إعادة نقل الفلسطينيّين إلى الأردن سيقضي على جميع التهديدات لوجود إسرائيل.

إنّ خطّة «ينون» لم تصبح سياسة رسميّة للحكومة الإسرائيليّة. ولكن يمكن النظر إليها كمخطّط أولي لأعمال إقليميّة تتعهدها تل أبيب في وقت لاحق، وهي التي طالما سعت لإضعاف الحكومات العربيّة التي يعتقد أنّها قوية جدًّا أو أنّها مصدر تهديد. وكان هناك ورقة أخرى، «تجزئة صحيحة: استراتيجيّة جديدة لتأمين المنطقة»، تبعتها في عام 1996 خلال فترة بنيامين نتنياهو في رئاسة الوزراء. قام بكتابتها مجموعة من المحافظين الجدد الأميركيّين الذين كان من بينهم ريتشارد بيرل (Richard Perle)، ودوغلاس فيث (Douglas Faith)، وبول وولفوفيتز (Paul Wolfowitz) وميريان وديفيد وورمسر (Meryan and David Wurmser). هذه المجموعة كانت تدعم سياسة الاستباق لإسرائيل وكانت تركز في العراق وسوريا تحديداً كأعداء. ووصف أحد النقّاد الوثيقة بأنّها توافق  على «حرب باردة مصغّرة في الشرق الأوسط، وأنّها تدعم استخدام الجيوش المحاربة كبديل لتغيير الأنظمة وزعزعتها واحتوائها».

ليس من وقت بعيد أوضح المسؤولون الإسرائليون أنّهم يفضّلون متمرّدين «معتدلين» في السلطة في سوريا أكثر ممّا يرتضون حكومة الأسد. وكما نقلت التقارير عنهم فإنّهم وفّروا العناية الطبيّة للجرحى العسكريّين ربّما كان من بينهم داعش. يبدو أنّ هناك هدنة بين الجيش الإسرائيليّ وداعش، لأنّ داعش اعتذرت عندما أطلقت إحدى الجماعات المرتبطة بها النار على وحدات الجيش الإسرائيليّ في مرتفعات الجولان في تشرين الثاني الفائت.

لقد نفّذت إسرائيل عددًا من الضربات الجويّة ضدّ قواعد ووحدات عسكريّة سوريّة. وهناك كذلك تقارير بأنّها تستعمل طائراتها المقاتلة الجديدة التي وفّرتها لها الولايات المتّحدة لمهمّات قتاليّة ضدّ سوريا.

تفضّل إسرائيل أن يكون لديها موقف سياسيّ متشظٍّ عبر حدودها أكثر من أن يكون هناك حكومة قادرة وموحدة. فالأول يحتوي على تهديد ممكن احتواؤه بينما الآخر سوف يؤدّي إلى استكمال الجهود لاستعادة  مرتفعات الجولان التي احتلّتها إسرائيل في عام 1967 وهي مستمرّة باحتلالها. لذا خيار الحكومة الإسرائيليّة  بسيط ـ و لا يشمل ما تراه الولايات المتّحدة حاليًا. وهو في الحقيقة أقرب بكثير لما تريده تركيا والسعوديّة.

طالما حذّر دانيال لاريسون وبشكل متكرّر من أنّ الولايات المتّحدة مُثقلة بحلفاء بالاسم لا بالفعل. وفقًا للمصالح القوميّة الحقيقيّة، يجب أن يُلْحظ أنّ السعوديّين والقطريّين، والأتراك، والإسرائيليين حاليًا (أو أنهم أصبحوا مؤخّرًا) في سرير واحد مع جماعات الإرهاب التي وعدت الولايات المتّحدة بتدميرها. فجميعهم إمّا هاجموا مباشرة وإمّا رتبوا لمتعاونين معهم لمهاجمة الحكومة الشرعيّة السورية، التي تواجه داعش والنصرة في أرض المعركة. كما أنّ تركيا هاجمت الميليشيّات الكرديّة الحليفة والمدربة من قبل واشنطن.

عندما يسافر الرئيس إلى القدس لاحقًا هذا الشهر، فإنّ إدارة ترامب بالتأكيد لن تضغط على إسرائيل لكي تغيّر مسارها. بعيدًا عن أيّ شيء آخر، سيكون ترامب مدركأ بأنّ الجمهوريّين في الكونغرس قد أطلقوا «المؤتمر الحزبيّ لنصرة إسرائيل» وأنّ الشيوخ المائة بأجمعهم قد وقعوا مؤخّرًا رسالة موجّهة إلى الأمم المتّحدة تطالب بأن تقلع عن «التحيّز ضدّ إسرائيل». لذلك لن يكون هناك مجال للمرونة . كما أنّ دونالد لن يضغط على آردوغان عندما يصل الأخير إلى واشنطن في الأسبوع القادم، خوفاً من أن تصبح سياسة سوريا الضعيفة والمنهارة خارج السيطرة أكثر. والسعوديون موجودون هناك بشكل دائم، يستخدمون أموال الأسلحة لشراء النفوذ وإدارة القصّة.

إذًا الجواب عن سؤال «من يدمّر سـوريا؟» يجب أن يكون «تقريبًا كلّ واحد». مع أنّ هناك أسباباً مختلفة تطفو على السطح بشكل منتظم من قبل اللاعبين الرئيسيّين لكي يبرّروا المجزرة المستمرّة. من التعليقات الآتية من وزارتي الخارجيّة والدفاع في واشنطن، والرياض وأنقرة وتل أبيب، فإنّ الأمر أكثر من صعب لفهم ما إذا هناك سبيل  للخروج من هذا المستنقع. أو يبدو أنّ المأساة سوف تستمرّ لأن تكون مصدر رزق كما هي العادة، حتّى يتعب الجميع ويعلنوا الانتصار ويذهبوا إلى بيوتهم.

--------------------------

فيليب غرالدي : متخصص سابق في مكافحة الإرهاب والاستخبارات العسكرية في وكالة الاستخبارات الأميركية، وهو الآن المدير التنفيذي لمجلس المصلحة الوطنية.