أجوبة الشبهات الكلامية (2) العدل

أجوبة الشبهات الكلامية (2) العدل

تـاليف

محمد حسن قدردان قراملكي

تـرجمة

السيد علي مطر الهاشم

المقدمة

أهمية التحقيق وضرورته:

تمثل العدالة مفردة إنسانية مثالية، يطمح كلّ إنسان إلى تحقيقها وتجسيدها في المجتمع.  وقد ثبت في الفلسفة وعلم الكلام أنّ الله سبحانه وتعالى يتصف بجميع الصفات الكمالية المطلقة، ولازم ذلك أن يتصف الله بصفة العدل أيضاً. وبالفعل فقد وصفه المؤمنون بهذه الصفة، وعبدوا الله العادل وأحبوه. وقد عدّ جميع المفكرين والعلماء المسلمين «العدل الإلهي» جزءاً لا يتجزّأ من تعاليمهم الدينية.

بيد أنّ هذه الصفة قد تعرّضت لمختلف الشبهات والإشكالات، وهو أمرٌ جعلها عامّة البلوى. وقد انسحبت الأبحاث والانتقادات من الدوائر والأروقة العلمية وانتقلت إلى المجتمعات العرفية أيضاً، وبذلك تضاعفت أهمية هذا البحث وضرورته. ولذلك فإننا نحاول من خلال هذا التحقيق أن نعمل على دفع هذه الشبهات والإشكالات.

الجذور التاريخية للتحقيق :

إن البحث في العدل الإلهي قائم في جميع الأديان السماوية والإلهية، بوصفه من الصفات الكمالية. بل حتى الفلاسفة قد وصفوا واجب الوجود بصفة الكمال في البحث عن الحكمة والنظام الأحسن في الفلسفة، وأشبعوا هذه المسألة بحثاً وتحليلاً. كما قام علماء الإمامية والمعتزلة بشرح مفهوم العدل الإلهي في كتبهم الكلامية شرحاً مسهباً، وأثبتوا ضرورة اتصاف الله بهذه الصفة الكمالية، وجعلوها واحدة من أصول مذهبهم. وبسب الاهتمام الكبير الذي أولاه علماء الإمامية والمعتزلة للعدل عرفوا بـ «العدلية»، أما الأشاعرة فحيث أنكروا الحسن والقبح العقلي، فقد قدّموا تعريفهم الخاص عن العدل، ومضمونه أن العدل هو ما يقرره الله سبحانه وتعالى، فالحَسَن ما يُحسّنه الله، والقبيح ما يُقبّحه الله.

وفي العقود الأخيرة يعدُّ أهم مؤلف تحقيقي في هذا المجال هو كتاب «العدل الإلهي» الذي كتبه الأستاذ الشهيد مرتضى مطهري، حيث عالج مفهوم العدل الإلهي ببيان رشيق وتحليل عقلي أنيق. ثم ظهرت بعد ذلك كثير من الأعمال في هذا المجال، وكلها يستحق الثناء والتقدير.

إن مسألة العدل من بين المسائل الكلامية التي شغلت حيّزاً كبيراً من تفكيري واهتمامي، وهو أمرٌ ساقني إلى الاشتغال في هذا الحقل، وتمخض ذلك عن كتاب تحت عنوان «الله ومسألة الشرور»([1])، وقد مضى على ذلك عشر سنوات، وقد سعيت في هذا الكتاب إلى بيان الحلول المطروحة حول مسألة الشرور من قبل الفلاسفة، والعمل على تحليلها وبيان نقاط ضعفها وقوّتها. وفي الحقيقة فإن الكتاب المذكور قد تمّ تنظيمه على أساس الاتجاه الفلسفي التحليلي والانتقادي، وهو لذلك يتناسب بشكل أكثر مع مزاج المحققين والباحثين.

سؤال التحقيق وفرضيته:

يتمحور هذا التحقيق حول الشبهات التي تحوم حول العدل الإلهي، لا توجد فيه أسئلة رئيسة وأخرى فرعية وثانوية، بل الذي يمثل مجموع التساؤلات فيه هو تلك الشبهات المثارة والتي تدور في أذهان مختلف الأفراد، والتي تتجه إلى صفة العدل الإلهي من مختلف الزوايا، وربما مثلت تلك الشبهات تحدياً أمام إثبات اتصاف الله بهذه الصفة. وبطبيعة الحال يمكن بيان سؤال البحث على النحو الآتي: مع وجود كل هذه الشرور في العالم، هل يمكن الدفاع عن العدل الإلهي؟

إن الإجابة عن هذا السؤال بالإيجاب هي التي تمثل فرضية هذا التحقيق. بمعنى أن العدل الإلهي قابل للإثبات، وإن بالإمكان الإجابة عن الشبهات والتساؤلات المثارة حول مفهوم العدل الإلهي، واتصاف الله سبحانه وتعالى بهذه الصفة، وتنطلق الإجابة عن تلك الشبهات من الاتجاه العقلي والنقلي.

أسلوب التحقيق:

يقوم أسلوب التحقيق في هذا الكتاب على المنهج المكتبي الشامل للكتب المجازية ومختلف البرامج الإلكترونية والمصادر المتوفّرة على الشبكة العنكبوتية أيضاً. وقد سعيت في هذا التحقيق إلى الدفاع عن العدل الإلهي من خلال اتباع الاتجاه الوصفي التحليلي. والجدير بالذكر أني في البدء قمت في معرض الإجابة العامة عن الشبهات المثارة تجاه العدل الإلهي في الفصل الأول بإثبات وبيان العدل الإلهي من خلال البرهان اللمّي([2]).

وفي هذا الفصل عمدنا لإثبات العدل الإلهي قبل كلّ شيء إلى تحليل وتقرير ثلاثة أمور تمهيدية، (وهي: تعريف العدل، وتعريف الخير والشر، وحاكمية قانون العليّة على أمور العالم). وبعد ذلك نثبت العدل الإلهي بالبرهان اللمي بمختلف تقريراته. من هنا يجب دراسة هذا الفصل بوصفه مقدمة وقاعدة للإجابة عن الشبهات، ولذلك ننصح القارئ الكريم بقراءته.

مزايا وإبداعات التحقيق:

1 ـ الإبداع في أصل الموضوع: لقد بحث العلماء من الإمامية والمعتزلة في مؤلفاتهم مسألة العدل الإلهي بالتفصيل، وقد تمّت الإشارة فيها إلى بعض الشبهات أيضاً. ولكن يمكن القول بكل ثقة: إن كتابة تحقيق مستقل وجامع يحلل وينتقد مختلف الشبهات المثارة حول العدل الإلهي أمر غير مسبوق. وعليه فإن هذا الكتاب هو أول مؤلف يتناول العدل الإلهي بشكل يجعل الشبهات المثارة ضدّ هذا المفهوم محوراً للبحث والنقاش.

2 ـ استيعاب الشبهات: تمّ في هذا التحقيق رصد ما يربو على الخمسين شبهة من مختلف المصادر ـ الأعم من الكتب القديمة والحديثة، وكذلك الشبهات الكثيرة المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها ـ وقد تمّ جمعها، والإجابة عنها.

3 ـ تنوّع الإجابات: لقد عمدنا إلى الإجابة عن الشبهات من خلال اعتماد المنهج العقلي (الكلامي والفلسفي والعرفاني والعلمي)، والنقلي (الآيات والروايات). وفي الحقيقة رصدنا لكلّ شبهة أكثر من جواب واحد، ولربما كانت الأجوبة تنتمي إلى مختلف المناهج، كي تناسب مزاج مختلف القرّاء. ولذلك فإننا في معرض الإجابة عن شبهاتٍ من قبيل: أسباب الزلازل والرعود والبروق، وأنواع الأمراض والتشوّهات الخلقية، عمدنا في حدود الإمكان إلى مراجعة العلوم ذات الصلة بهذه الأمور، لكي يتمّ بيان الشبهة وتحليلها من خلال قواعد وأسس تلك العلوم.

4 ـ الإبداع في طرح ونقد بعض الشبهات: رغم أن بعض الشبهات كان يُقتصر في تداولها على المستوى الشفهي فقط، من دون أن ترقى إلى مرحلة التداول والنقد في كتب المحققين، إلا أننا قمنا بتناولها بالنقد والتحليل في هذا الكتاب. ويمكن الإشارة هنا إلى شبهة فلسفة خلق الضواري والأفاعي السامة، وافتراس الحيوانات الكاسرة للحيوانات الضعيفة، والسرّ في خلق أمثال نيرون وصدام، وأسباب الشيخوخة، والتفريق في توزيع الجمال والثروة والذكاء بين الناس.

كما عمدنا إلى الشبهات التي سبق أن أجيب عنها قديماً، وأجبنا عنها بأسلوب وبيان جديدين، وقمنا بتصنيفها وتبويبها ليغدو حلها ونقدها أيسر. علاوة على أن نقد بعض الشبهات جاء بعد إعمال التأمل من قبلنا.

5 ـ التوثيق: إن من بين مزايا هذا التحقيق هو أننا ـ خلافاً لبعض التحقيقات التي تمّ الاكتفاء فيها بذكر الشبهة والإجابة عنها ـ سعينا فيه جاهدين إلى ذكر مصادر الشبهات وأسماء أصحابها والتصريح بأسماء العلماء الذين أجابوا عنها، وذلك لحصول مزيد من الاطمئنان بالأجوبة، مضافاً إلى ما في ذلك من الفوائد الجمّة للمحققين والباحثين في التعرّف على أمّهات المصادر، بغية الاستفادة منها والانتفاع بها في المستقبل.

هيكلية التحقيق:

إن هذا الكتاب عبارة عن كتاب ضمن سلسلة من ستة أجزاء تحمل عنوان «أجوبة الشبهات الكلامية»، وقد اشتمل على إجابات عن خمسين إشكال وشبهة في حقل العدل الإلهي. وقد تألف هذا الكتاب من ستة فصول على النحو الآتي:

الفصل الأول: تحت عنوان «المدخل» ويشتمل على بيان وتقرير أسس العدل الإلهي وأُصوله، وقد شرحنا فيه مفاهيم من قبيل: العدل، والخير، والشر، والنظام الأحسن، وكذلك أصل العليّة، وإثبات العدل الإلهي من طريق البرهان اللمّي.

الفصل الثاني: تحت عنوان (العدالة والحكمة في عالم الطبيعة والكوارث الطبيعية)، يتناول بالبحث والنقد شبهات من قبيل: أسباب انتشار الشرور في العالم المادي، وعلة عدم خلق العالم خالياً من الشرور والنقص، وفلسفة الشرور والبلايا الطبيعية، وفلسفة خلق الضواري والحشرات والأفاعي السامة، وخلق الشيطان.

الفصل الثالث: يتكفل ببيان الشرور في عالم الحيوانات، ويجيب عن شبهة فلسفة خلق الضواري والكواسر، وتغذية بعض الحيوانات على بعضها الآخر، أو ما يُسمّى بـ (النزاع من أجل البقاء).

الفصل الرابع: يتحدث عن شبهة فلسفة خلق الشيطان، وإعطاء المهلة له في إغواء الناس وإضلالهم.

الفصل الخامس: تحت عنوان (فلسفة الشرور والظلم في العالم الإنساني). عرض فيه الكاتب دراسة ونقد شبهة الشرور في الرقعة الإنسانية ضمن ثلاثة بحوث.

البحث الأول: الشرور الأخلاقية، والاستفسار عن سبب قيام الله ـ وهو الحكيم والمريد للخير ـ بخلق الإنسان الذي يميل إلى ارتكاب الشر؟ وفيه نستعرض شبهة فلسفة خلق الإنسان الشرّير، وفلسفة خلق أمثال نيرون والحجاج وصدام، وإمكان خلق الإنسان المختار الذي لا ينزع إلى الشر، والعلة في عدم السيطرة على إرادة الأشرار.

البحث الثاني: الكوارث الطبيعية ويتعرّض للبحث في الشبهات الطبيعية التي تضرّ بالإنسان. ويمكن الإشارة هنا إلى المكروبات والأمراض والألم والعناء والشقاء، وولادة المعاقين جسدياً أو عقلياً، والشيخوخة والموت، مما ينشأ بفعل الطبيعة واختلالها وفسادها.

البحث الثالث: ينظر إلى آفات الإنسان وشروره من حيث التفاوت في المزايا والقدرات، من قبيل الاختلاف في الجنس (ذكر وأنثى)، الاختلاف في الجمال والقبح، والغنى والفقر، والولادة في أجواء تربوية صالحة أو فاسدة، والسعادة والشقاء الذاتيين.

الفصل الرابع والأخير: نتعرّض فيه إلى دراسة وتحليل الشبهة القائلة بعدم تناسب التعاليم الأخروية في الدين مع العدالة الإلهية. وفيه نستعرض عدم التناسب بين العقوبة مع أصل المعصية، وتعارض الشفاعة، والاحباط والتكفير مع العدالة، وكذلك إبطال أعمال الخير وعبادات الكفار، وعذاب الكافر الجاهل، وخلود الكفار في العذاب، وعقاب أولاد الكفار.

وفي الختام أشكر المقومين المفكرين: حجة الإسلام عبدالرحمن سليماني بهبهاني، ومحمد تقي سهرابي فر على إسهامهما في رفع نواقص هذا التحقيق من خلال قراءتهما له قراءة دقيقة ومتأنية.

لقد استغرق تأليف هذه السلسلة «أجوبة الشبهات الكلامية»، ما يقرب من ثماني سنوات، وكان الهدف من ورائها هو (الدفاع عن التعاليم الدينية) من خلال الاتجاه الكلامي، وإن إتمامها واستكمالها رهن بتوفيق الله وتسديده لهذا العبد الضعيف، الذي يرى من واجبه هنا أن يشكر الله على ما ناله من التوفيق، وكلي أمل في أن تنفعني هذه البضاعة المزجاة يوم حشري ونشري ) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ (([3]).

محمد حسن قدردان قراملكي

--------------------------------------

([1]) عنوانه الأصلي في اللغة الفارسية (خدا ومسأله شر)، طبعته مؤسسة انتشارات كتاب، في قم المقدّسة.

([2]) البرهان اللمي هو الذي يُستدل فيه بالعلة على المعلول، ويقابله البرهان الإني الذي يُستدل فيه بالمعلول على العلة.

([3]) الشعراء: 88.