البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

محنة الجيل المعاصر

الباحث :  كمال السيد
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  12
السنة :  السنة الثالثة شتاء 1419 هجـ 1999 م
تاريخ إضافة البحث :  January / 24 / 2015
عدد زيارات البحث :  254

محنة الجيل المعاصر
نقاش لأطروحة كلٍّ من نبيل فيَّاض وعلي حرب‏

الأستاذ كمال السيّد
ما أذكره لن يكون سوى تراكمات لما طُرح ويطرح في الساحة العربية المسلمة من آراء واتجاهات فكرية، وهي من دون شك معاناة شريحة واسعة من الشباب المسلم الذي بات يتساءل حائراً عن الطريق والهويَّة والأهداف.
ولعلّ الكلمات التي تفيد بأن الإسلام، والدين بشكل عام، ليس ملكاً لأحدٍ يحتكر تفسيره قد أحدثت هزّات، وبنسب متفاوتة، في الوجدان والعقل.
كما أنَّ الشعار بلافتته الكبرى: الإسلام هو الحل، قد وجد له، ولا شك، الملايين من المتحمسِّين، وفي المقابل نجد مقاومة لهذا الطرح تتحرك باتجاه معاكس تماماً، وتقف متشنجة إزاءه.
ولكن الجيل الذي يشهد الصراع الفكري الحاضر قد بدأ يصغي باحترامٍ إلى بعض الأصوات التي تطرح فكرها بقدر مؤثر من العمق الذي يجد له أرضية مناسبة بسبب بعض الظروف.
كثيرون هم الذين يرفعون شعار «الإسلام هو الحل»، حسناً، ولكن أين هو الإسلام؟ هل يوجد في صوره المتعددة هنا وهناك من العالم العربي والإسلامي؟ هل المطلوب الإسلام في السعودية؟ الإسلام في السودان؟ الإسلام في أفغانستان؟ أم في إيران؟
يقول بعضهم: إن اللافتة غامضة جداً وتستخدمها الحركات الإسلامية للوصول إلى الحكم؛ وبالرغم من إيمان أفرادها المخلص بما يدعون إليه إلاّ أنّ ذلك لن ينزع فتيل الخطر فيما لو مارسوا الحكم حسب رؤيتهم وتصوّرهم للإسلام، فهناك عدّة إسلامات تختلف، بل وتتناقض وتتحارب أيضاً، ويكفّر بعضها بعضاً.
نبيل فياض يعتقد أن الهاجس التاريخي هو الذي يحكم حاضرنا ويوجّه مستقبلنا (1) .
ولذا يدعو إلى التحرّر من الأسر التاريخي، والتعامل مع التاريخ بحرّية أو ما يسميه: «عقلنة التعامل مع التاريخ».
________________________________________
(1)نبيل فياض، يوم انحدر الجمل من السقيفة، ص 4.

[الصفحة - 330]


وهو، في كتابه «يوم انحدر الجمل من السقيفة»، يهاجم بجرأة التجربة الإسلامية بعد وفاة النبي (صلي الله عليه و آله) ، ويشير إلى حقائق مزلزلة، دون مجاملة لأحد أيّاً كان.
ويمكن القول إن نبيل فياض قد وفّق في استعراض الحوادث المدمّرة التي أعقبت وفاة النبي (صلي الله عليه و آله) ، كما نجح في تسجيل إدانة واضحة لمن أرَّخوا للحوادث بروح من التحيُّز والتعصب الأعمى، قديماً وحديثاً.
وهو أكثر جرأة على بعض الرموز التي تحاول تمييع الحوادث التاريخية، وإغلاق الملفات التاريخية حتى لو تمخضت عن نتائج مضحكة من قبيل: «سيدنا يزيد رضي اللَّه عنه قتل سيدنا الحسين (عليه السلام) !!».
ويتساءل الكاتب عمَّا إذا كان من الممكن السكوت عن السقيفة، وعن انتهاكات حصلت في ما يدعى بحروب الردّة؛ فكيف يمكن السكوت عن نتائج حرب الجمل وصفّين وما هو مصير عشرات الآلاف من القتلى والجرحى والمشوّهين، والآلاف من الأرامل واليتامى؟!
وكيف يمكن جمع القتلة والقتلى، الضحية والجلاّد؛ المظلوم والظالم في الجنة لأنهم إما صحابة اجتهدوا فأخطأوا أو أنهم مُبشّرون بالجنّة؟!
ولكن هذا المنطق الرصين الذي يعتمده الأستاذ نبيل فياض لا يقود إلاّ إلى نتائج تعسفية، فهو يهاجم بحرارة التجربة التاريخية وما تمخَّض عنها من ويلات ليدعو إلى «الحلّ الوطني القومي» (2) .
وهو يدعو إلى ذلك من دون تحديد حتى لملامح هذا الحلّ ومدى المساحة التي يشغلها الإسلام بوصفه تراثاً قومياً على الأقل.
وهو، لدى مناقشته حرب الجمل، يعدها البداية الفعلية للتمزّق العربي، متناسياً أن العرب لم يكونوا متوحّدين قبل الإسلام، وإذا كانت هناك من تجربة للوحدة فقد حصلت فقط في ظل الإسلام وفي حياة النبي (صلي الله عليه و آله) على الأقل.
ومن المؤسف جداً أن نجد بعض فقرات الكتاب الذي يعدّ جهداً علمياً رائعاً ترشح تعصباً قومياً وتنظر إلى تاريخ الإسلام بوصفه تاريخاً للعرب.
________________________________________
(2)نفسه، ص 105.

[الصفحة - 331]


إنَّ من حق أي إنسان، إذا اعتنق الإسلام، أن يعتبر التاريخ الإسلامي ذاكرة له بشرط أن لا تتدخل الرؤية المذهبية في اعتبار الحوادث التاريخية حقائق دينية مقدسة؛ أو يتحول إلى واحد من «عبدة الجثث».
وفي كل الأحوال لا يحق لعربي أيّاً كان موقعه ومذهبه، أن يهاجم القوميات الأخرى انطلاقاً من تجربة تاريخية حصلت قبل قرون.
فمهما ارتكب صلاح الدين الأيوبي من أخطاء، فلا يجوز أن ننظر إلى الكردي المسلم بوصفه متطفلاً وفضولياً في تاريخ الإسلام أو نحمل الأكراد نتائج ما وصل إليه العرب من تخلف مدقع‏ (3) . واعتبار القوميات غير العربية غريبة ودخيلة ومتطفلة.
لقد سعدت بقراءة: «يوم انحدر الجمل من السقيفة» بقدر ما حزنت للنتائج المتشنجة والموقف التعسفي من التجربة الإسلامية.
فالكتاب، وبالرغم من مساره التحليلي الأخّاذ، يحاول مهاجمة التجربة الإسلامية بسبب الإخفاق التاريخي بعد غياب النبي، وظهور من يدعو إلى أن الإسلام هو الحلّ انطلاقاً من فهم مبتسر؛ فليس كلّ الذين ينادون بالحلّ الإسلامي ينادون بعودة الخلافة، ولا كلّ الاتجاهات الإسلامية الحديثة تتبنى عبادة «الجثث» (4) .
ويجد القارى‏ء العربي رؤية أخرى في التعامل مع التجربة الإسلامية لدى الأستاذ علي حرب، في كتابه «الارتداد والاستلاب» الإسلام بين روجيه غارودي ونصر حامد أبو زيد.
فبينما يهاجم نبيل فياض شعار: «الإسلام هو الحلّ»، من خلال الإخفاق التاريخي الذي تعرضت له التجربة بعد رحيل النبي (صلي الله عليه و آله) ؛ نجد علي حرب يدعو إلى التخلّي عن طرح الشعار على أساس أنه يثير من المشاكل أكثر مما يأتي بالمعالجات؟
فأي إسلام هو المقصود! إسلام غارودي، أم إسلام الخميني؟ إسلام الأزهر أم إسلام حسن الترابي؟
وينطلق علي حرب، في تفكيره، بنفي وجود حقائق مطلقة، فكل شي‏ء نسبي محكوم بالتجربة البشرية التي لا يوجد غيرها (5) .
ذلك أنَّ العقل سيبقى في حركة مستمِّرة في الكشف والمعرفة، كما
________________________________________
(3)نفسه، ص 143.
(4)إنه لمن الضروري جداً دراسة التاريخ لأن ما حصل في حرب الجمل وما تمخض عن حرب صفين، من نتائج، ظل يتفاعل عبر الزمن، لأن بعض الحوادث التاريخية قد أصبحت ومع الأسف حقائق دينية، كما أن موقف العالم الإسلامي آنذاك قد أثر فيما بعد بحيث نجد المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي يَعدُّ ما حدث في صفين بداية الكارثة التي قادت المجتمع الإسلامي إلى القابلية للاستعمار ثم الاستعمار. وتحت ضغط الفهم المشوّه للإسلام ظهر السيف الوهابي الذي تسبب في الكثير من المآسي الإنسانية، وها نحن نشهد حالياً الطالبان لكأن الخوارج بعثوا مرّة أخرى وجاءوا من وادي صفّين ومن أرض النهروان.
(5)الارتداد والاستلاب، 14.

[الصفحة - 332]


سيبقى أساساً في الاحتكام ومرجعاً في الأحكام، وهو صاحب الحق في التقدير والتقرير.
كما أنَّ الحقيقة ليست في زمن مضى حتى ينبغي استعادته، وهي ليست في زمن أتى ينبغي اللحاق به، لأنها لا وجود لها (6) .
ومن هنا، فهو يهاجم غارودي الذي ينادي بالعودة إلى البدايات العظيمة.. البدايات المؤسسة؛ كما ينعى على نصر حامد أبو زيد إيمانه بوجود هوية ثابتة يكتشفها العقل.
فالحقيقة ليست جاهزة أو ناجزة، وإنما هي ما ننجزه من الأعمال، إنها باختصار التجربة البشرية أيّاً كان لونها.
وفي رأيه «أنَّ المثقف العربي مطالب بأن يمارس خصوصيته على نحو عالمي بالتماهي مع هويته الفكرية بصورة نقدية حرّة ومفتوحة، خلاّقة ومنتجة». وهذا لا يتم في رأيه إلاّ أن «يخوض المثقف العربي تجربة وجودية يمارس في أتونها فرادته» (7) .
ومعنى هذا أنَّه لن يبقى شي‏ء مقدّس لأنه لا وجود له البتَّة، وليس هناك حقيقة متعالية؛ ومن هنا سيتحرّك المثقف العربي في ضوء عقله الخاص بوصفه مطلقاً، في حالة من الوجودية الفكرية والثقافية تمنحه الأصالة بأي شكل كان.
وبهذا، فإن علي حرب يدعو إلى «أن يتوقف المثقفون عن مناطحة الواقع بأفكارهم المثالية ومشاريعهم الطوباوية حتى لا تصطدمهم الوقائع حدثاً بعد حدث. فالمجتمع المدني الذي حلموا به تطغى عليه طوائف المجتمع الأهلي، والجهود التي بذلوها لتوسيع آفاق الحرّية والاستنارة تتحول إلى ممارسات ظلامية. والجماهير التي سعوا إلى توعيتها ورفعوا لواء الدفاع عن مصالحها تنفكُّ عنهم ولا تثق بهم، بل هي تنقلب عليهم في أكثر الأحيان» (8) .
ومن أجل هذا يحدد «بداية للفكاك من هذا الوضع»، وهي «أن يعمل المثقفون على إعادة النظر في ممارساتهم لأدوارهم وأن يشتغلوا بنقد تصوّراتهم للجمهور والنخبة والاستنارة» (9) .
وعلي حرب يقترح عدم الاصطدام بالفكر الديني مباشرة بل
________________________________________
(6)نفسه، ص 21.
(7)نفسه، ص 18.
(8)نفسه، ص 88.
(9)نفسه.

[الصفحة - 333]


الالتفاف عليه، فلقد أحدث «ديكارت»، من خلال مقولته: «أنا أفكر إذن أنا أكون، انقلاباً في العلاقة بين المنظور الإلهي، والمنظور الإنساني، مزلزلاً الأرض من تحت اقدام اللاهوتيين فيما هو يبرهن على وجود اللَّه على نحو رجعي تراجعي» (10) .
ومن المؤسف جدّاً أن نرى هجوماً مريراً يستهدف شعار: «الإسلام هو الحلّ» بذريعة تجربة فاشلة أو مدمّرة حصلت في تاريخه بعد غياب النبي (صلي الله عليه و آله) .
أو من خلال اعتباره شعاراً يفرّق أكثر مما يجمع، ويثير من المشاكل أكثر مما يأتي بالمعالجات بدعوى تعدد صور الإسلام. ومن هنا فإنه سيصبح شعاراً نرجسياً» بعيداً كل البعد عن «العملانية» المطلوبة (11).
وممَّا يدعو إلى الأسف حقاً أن هذه الطروحات تجد لها اعترافاً واحتراماً أيضاً لأن الوقائع المريرة التي يعيشها العالم الإسلامي بصورته الراهنة تؤيد ضمناً مأساة الشعار الإسلامي؛ فالظاهرة «الخوارجية»(12) تظهر عنيفة مدمّرة وتهدد الوجود الإسلامي من خلال إعلانها الصريح والمبطّن باحتكارها «المقدّس» ودعواها الدفاع عن حريمه.
وثالثة الأثافي المؤسفة أننا نرى تجاهلاً للنموذج الإنساني الذي تجسّده إيران بعد الثورة بالرغم من تنامي الخطاب القومي وعودة شعار «الإسلام من أجل إيران»، فلحسابات داخلية كثيرة ومعادلات نفسية أكثر انحسر المدّ الثوري في صورته الخمينية، حيث «إيران من أجل الإسلام» لترسو البلاد على شاطى‏ء يحقق لها حالة من التعايش الإقليمي والعالمي ويجنِّبها المزيد من الضرائب الباهظة الثمن.
وتبقى بالنتيجة مشكلة الإنسان العربي الذي اكتشف أو انتبه إلى جذوره العريقة في الإسلام، وإلى هويته في آخر كلمات السماء.. إنه يشعر بالغربة في وطنه فكيف إذا هاجر؟!
ففي كل شبر من الأرض العربية يشعر الشباب بالسياط ومحاولات الاستلاب تطارده، وتبلغ المأساة ذروتها في ما يجري داخل العراق، إذ وصلت محاولات السحق والمصادرة إلى النخاع، ولعلّ الهجرة العراقية بهذه الكثافة وسعة بلدان الشتات هي
________________________________________
(10)نفسه، ص 89.
(11)نفسه، ص 72.
(12)نموذجاً: ما انتهت إليه مأساة الجهاد الأفغاني؛ لكي نجد سكان كابل على الأقل ينطوون على شعور بالإحباط يجعلهم يقولون بألم: «كفر الشيوعيين، ولا إسلام المجاهدين»!

[الصفحة - 334]


الوحيدة التي تحدث بسبب الرأي والهوية والانتماء.
لماذا يحاول نبيل فياض وعلي حرب وغيرهما من المثقفين العرب مصادرة الإسلام هو الحل؟! لماذا يهبّ بعض المثقفين إلى إغلاق النوافذ، بذريعة أنها لا تطلّ إلاّ على أطلال تاريخية وخرائب قديمة؛ أو على فراغ مطلق؟!
لماذا لا يمنحون فرصة الإصغاء إلى بعض الأصوات المخلصة التي تنشد سعادة هذا الجيل وهو يرنو إلى لحظات العودة والخلاص؟!
ما هو الضير لو أعيد إشعال «الشرارة الروحية» (13) التي بنت أمجادنا في الماضي وصهرتنا أمّة وحضارة.
وما هي الطوباوية في دعوة غارودي في العودة إلى «البدايات العظيمة» (14) ؟
ثم ما هي جريرة الإسلام في سقوط الجنيه السوداني أو في إقدام حكومة السودان أو إسهامها في عملية نقل يهود الفلاشا»؟ وما هي ذنوب الإسلام في ارتكاب شراذم الطالبان المتوحشة لجرائم يندى لها جبين الإنسانية؟!
وهل يكمن الحلّ يا ترى في خوض تجربة وجودية يمارس الإنسان العربي في أتونها فرادته؟!
وهل حقَّق الغرب سعادته بعد أن أخذ بأفكار ديكارت، فتهاوت المقدّسات كل المقدّسات، ودخل العالم الغربي جحيم حربين مدمّرتين فيما يستعدُّ الآن لحرب ثالثة لا تبقي ولا تذر؟!
ليس صعباً أبداً وليس عبقريةً في الوقت نفسه أن يثير أحدهم عاصفة من الشك حول أي من الثوابت التاريخية أو المعرفية.
ففي مثل هذا المقطع من تاريخنا الإنساني، وحين يقف الجيل حائراً يتطلّع إلى الآفاق حيث يتكاثف الضباب، يكون ميسوراً جداً أن تشير إصبع ما إلى الأفق الذي تشرق منه الشمس! فتتجه الأبصار إلى هناك ربّما لا شعورياً!
ولا نريد ـ مثل الآخرين ـ أن نتهم هذا وذاك، ولا نريد أيضاً أن نمارس ـ مثل الآخرين أيضاً ـ دعوى امتلاك «المقدس» و «المطلق»، ولكن نقول بجرأة: إن الذين يهاجمون: «الإسلام هو الحلّ» هم أيضاً يمارسون الرؤية
________________________________________
(13)فكرة المفكر الراحل مالك بن نبي.
(14)أطروحة المفكر المسلم روجيه غارودي.

[الصفحة - 335]


نفسها من ادعاء بامتلاك «الحلّ» وحيازة «الفكر» ولوناً آخر من «المقدّس».
وقد ينجح الذين يدعون إلى تجاوز شعار «الإسلام هو الحل»، سواء بانتهاج الحلّ القومي، أو اللهاث في طريق ما بعد الحداثة والعولمة بزعزعة «الثوابت»، و «زلزلة الأرض» تحت أقدام الإسلاميين.
ولكن الأجيال لن تغفر لهم ذلك، كما لن تغفر للذين تمثَّلوا صورة مشوهة عن الإسلام بعيدة كل البعد عن جوهره الإنساني النبيل... فأولئك وهؤلاء هم وحدهم الذين يبوؤن بآثام العرب.
________________________________________

[الصفحة - 336]