البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المراة حقوقها ودورها الاجتماعي والسياسي في الاسلام

الباحث :  الشيخ خالد العطيَّة , الدكتور فوزي أدهم والباحث الأستاذ تامر مير مصطفى , تقديم وادارة الأستاذة فتحية عطوي.
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  12
السنة :  السنة الثالثة شتاء 1419 هجـ 1999 م
تاريخ إضافة البحث :  January / 24 / 2015
عدد زيارات البحث :  216

المرأة: حقوقها ودورها الاجتماعي والسياسي في الإسلام‏

الشيخ خالد العطيَّة
الدكتور فوزي أدهم
والباحث الأستاذ تامر مير مصطفى
قدّمت الندوة وأدارتها الأستاذة فتحية عطوي.

بدأت الأستاذة عطوي الحديث، بكلمة جاء فيها: بسم اللَّه الرحمن الرحيم.. تتزامن ندوتنا هذه مع الذِّكرى الخمسين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أو شرعة حقوق الإنسان، التي وقّعتها الدّول الأعضاء في الأمم المتّحدة، في 10/12/1948.
ولا شكّ في أنّ هذا الإعلان لم يكن كافياً؛ إذ تبعته مواثيق أخرى، منها: «الميثاق الدولي الخاصّ بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية»، و «الميثاق الدولي الخاصّ بالحقوق المدنية والسياسية» اللذان أقرّا في العام 1966، ولم يجر العمل بهما إلاّ في تاريخ لاحق، إضافةً إلى «البروتوكول الاختياري المتعلِّق بالعهد الدولي الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسياسيّة.
وقد جاء، في المادّة الأولى من الإعلان العالمي، «أنّ جميع الناس يولدون أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً، وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء».
أمّا نصّ المادّة الثانية فهو: «لكلّ إنسان حقّ التمتّع بجميع الحقوق والحرّيات الواردة في هذا الإعلان، من دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون، أو الجنس أو اللغة، أو الدين، أو الرأي السياسي، أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني، أو الاجتماعي، أو الثروة، أو الميلاد، أو أي وضع آخر، من دون أي تفرقة بين الرجال والنساء».
وفي ما يتعلّق بالمرأة وأوضاعها الاجتماعية والثقافية فقد عقد غير مؤتمر عالمي خاصّ بها، مثل مؤتمر «نيو مكسكو» عام 1975، ومؤتمر
________________________________________

[الصفحة - 279]


«كوبنهاغن» عام 1985، والمؤتمر الدولي الثالث للسكان في أيلول عام 1994.
وأخيراً، كان المؤتمر الدولي الرابع، الذي عقد في بكين في أيلول عام 1995، وعرف في ما بعد بـ «مؤتمر بيجنغ»، وقد كان من أهمّ مقرّراته وقف العنف عن المرأة..
ولقد حاول هذا المؤتمر الأخير فرض ما طرحه المؤتمر الدولي الثالث للسكّان من ثقافات وتعاليم بعيدة عن أخلاقنا وعاداتنا وثقافتنا وديننا، تحت شعار تحرير المرأة، وحاولت أميركا والدول الأوروبية إجبار دول العالم الثالث على تقبّل مثل هذه الطروحات تحت التهديد بمنع مساعدتها عنهم، بغية إنشاء النظام العالمي الجديد...
ولا شكّ في أنّ المرأة المسلمة التي غرّتها هذه الشعارات، وجدت نفسها تتخبّط في خضمّ هذه الإيديولوجيات بين ما ترفعه هذه المؤتمرات من مبادى.. والواقع الذي تعيشه، متناسية أنّ شرعة اللَّه التي لا يأتيها الباطل قد ضمنت لها حقوقها منذ أكثر من أربعة عشر قرناً.
إنّ العودة إلى الأصالة وإلى شرعة حقوق الإنسان في الإسلام، وإلى التفسيرات الصحيحة والسليمة والموضوعيّة حولها، ترينا أنّ في الدين الإسلامي العلاج الشافي لكلّ ما يعتري المجتمع الإسلامي من مشاكل حقوقيّة أو اجتماعيّة أو سياسيّة أو ثقافيّة..
وفي الجمهوريّة الإسلاميّة، في إيران، خير دليل على ذلك؛ إذ عادت هذه الجمهوريّة إلى أحكام الدين الحنيف وشرعته، وها هي المرأة اليوم تنعم في ظلّ الإسلام بكافّة حقوقها السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة.
فالمواد 1 و2 و3 و9 من الدستور الإسلامي الإيراني تنصّ على «ضرورة إيجاد بيئة ملائمة لنموّ الفضائل الأخلاقيّة والتعليم والتربية البدنيّة العامّة والمجانيّة، ورفع مستوى الوعي والمعارف لدى الجميع، وإلغاء التمييز، وإيجاد فرص متكافئة للجميع رجالاً ونساءً.. وفي كافّة المجالات المادّية والمعنويّة..
أمّا على الصعيد العائلي، فحقوق المرأة مضمونة بموجب المادّة 21 من الدستور، وفي نصّها تتولّى
________________________________________

[الصفحة - 280]


الحكومة صيانة حقوق المرأة في كافّة المجالات في إطار الالتزام بالموازين الإسلاميّة:
1 ـ توفير أرضيّة ملائمة لنموّ شخصيّة المرأة وإحقاق حقوقها الماديّة والمعنويّة.
2 ـ حماية الأمّهات خصوصاً في مراحل الحمل والحضانة، وكذلك حماية الأطفال وفاقدي المعيل..
3 ـ إيجاد محاكم صالحة تكفل المحافظة على كيان الأسرة.
4 ـ إعطاء حقّ القيمومة على الأبناء للأمّهات المتمتّعات بالأهليّة في حال عدم وجود وليّ شرعيّ.
أمّا المادّة الرابعة من قانون الزواج، فإنّها تجيز لكلا الزوجين وضع أي شروط لا تخالف مقتضيات العقد ضمن قسيمة الزواج، أو في عقد ملحق، وهي ملزمة للزوج إذا وقّع عليها، ويجب تنفيذها؛ ومن هذه الشروط:
1 ـ تعيين مكان إقامة الزوج..
2 ـ إعطاء الزوجة حقّ الطلاق بالوكالة عن نفسها.
3 ـ النصّ على حصول المرأة في حال الطلاق على ثلث ثروة الزوج.
4 ـ حقّ الزوجة في الخروج من المنزل متى أرادت الدراسة والعمل خارج المنزل.
5 ـ الإشتراط على الزوج عدم الزواج ثانيةً إلاّ بعد أخذ موافقتها..
وقد يكون هناك شروط أخرى تدخل في قسيمة الزواج.
ولا شكّ في أنّ الجمهوريّة الإسلاميّة قد وعت هذه الحقوق بتوجيه من قادتها ووعيهم لدور المرأة الريادي في بناء المجتمع وحفظه، فالمرأة نصف المجتمع، إن لم تكن كلّه، باعتبار أنّها تلد النصف الآخر؛ أي الرجل، وهي التي تصوغه وترعاه، من هنا قول الإمام السيّد الخميني (قده):
«المرأة كالقرآن كلاهما أوكل إليه صنع الرجال».
ويؤكّد دورها في انتصار الثورة فيقول (قده): «لولا النساء لما انتصرنا»، وأنّ «الإسلام لا يوافق على حرّية المرأة فقط، بل يعتبر واضع أسس حرّيتها في جميع أبعادها الوجوديّة».
ويقول رضوان اللَّه عليه: «تقف النساء اليوم في الجمهوريّة الإسلاميّة
________________________________________

[الصفحة - 281]


إلى جانب الرجال في مجال بناء الذات والبلاد، وهذا معنى النساء الأحرار والرجال الأحرار».
وبأنّه: «تتمتّع المرأة من وجهة نظر الإسلام بكافة الحقوق الاجتماعيّة، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال منعها من الحضور الفاعل في المجتمع وفي الجهود والنشاطات المثمرة والبنّاءة».
وبتوجيه هذا الإمام العظيم انتصر الإسلام، وها هي المرأة اليوم تتولّى أعلى الوظائف وأعلى المراتب في الدولة الإسلاميّة، وتولّي امرأة منصب معاون رئيس الجمهوريّة الإسلاميّة السيّد محمّد خاتمي خير شاهد على ذلك، يقول الرئيس السيّد خاتمي:
«نحن لا ندّعي القيمومة على النساء.. وإنّما نوفّر الأرضيّة لكي تحافظ المرأة بجدارتها على حقوقها.. والشرط الأوّل لذلك هو الارتقاء بمستوى المرأة تعليماً وفكراً».
وروعة التأكيد على حقوق المرأة ورفع الحيف عنها، والدفاع عنها، يصدر عن أعلى سلطة في إيران اليوم؛ عن القائد الإمام السيّد علي خامنئي، الذي يقول:
«لو كانت حقوق المرأة في الغرب حقيقة واقعة لما كانت الحاجة إلى إنشاء منظّمات للدفاع عن حقوقها، والذين يدّعون العمل بهذه الوصفة الغربيّة إنّما هم على خطأ كبير.. فأحكام الإسلام ترفض ممارسة الظلم بحقّ المرأة وترفض تحكّم الرجل بها.. إنّ استغلال المرأة ظلم، وعدم إفساح المجال لها لكي تواصل تحصيلها الدراسي ظلم.. ومنعها من التحلّي بأخلاق الإسلام ظلم، وعدم السماح لها باستخدام ما تملك ظلم، وفرض الزواج عليها ظلم، ومنعها من إبراز كفاءتها السياسيّة والعلميّة في الأنشطة الاجتماعيّة ظلم».
.. وحيث أن الإسلام هو الحصن الحصين لحقوق المرأة، لا المؤتمرات التي تدسّ السمّ بالدسم، كانت هذه الندوة المباركة، محاولة جادّة لطرح الفكر الإسلامي، وإلقاء الضوء على ما أثير من شبهات حول النظام الإسلامي، بعدما اعتبره الغرب عائقاً رئيساً أمام تحقيق العدالة وترسيخ الحرّيات، وتحريض الشعوب الإسلاميّة على رفض الإسلام،
________________________________________

[الصفحة - 282]


واستيراد ثقافات الغرب التي فيها الكثير ممّا يخالف عقائدنا ومفاهيمنا وثقافتنا بشكل صريح».. وفيه ما يهدم الأسرة تحت شعار حقوق المرأة وحرّيتها، بعدما كثر اللغط حول مفهوم تلك الحقوق:
موضوع ندوتنا: «المرأة: حقوقها ودورها الاجتماعيّ والسياسيّ في الإسلام».
ثمّ قدَّمت المشارك الأوّل فضيلة الشيخ خالد العطيَّة، الذي قدَّم مداخلة تمهيديَّة جاء فيها:
الشيخ خالد العطيّة: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. أرحّب، في بداية هذه الندوة، بضيفينا العزيزين: الأستاذ الدكتور القاضي فوزي أدهم والأستاذ تامر مير مصطفى اللذين استجابا مشكورين لدعوتنا لهما للمشاركة، في هذه الندوة الرابعة، من سلسلة الندوات التي خصّصتها مجلّة المنهاج لمناقشة قضايا حقوق الإنسان.
وقبل البدء بمناقشة موضوع هذه الندوة، وهو: «حقوق المرأة ودورها الاجتماعيّ والسياسيّ»، أودّ الإشارة إلى مسألة أساسيّة تتعلّق بموقف الإسلام ممَّا تطرحه المجتمعات والأمم غير المتديِّنة به من دعوات ونظريّات تتّصل بحياة الإنسان ومشكلاته الاجتماعيّة، ومن بين تلك الدعوات الدعوة إلى احترام حقوق الإنسان التي من جملتها حقوق المرأة موضوع ندوتنا هذه.
تضبط الموقف قاعدة كلّية تتمثَّل في أصل تشريعيّ عامّ هو قبول ما يتّفق من ذلك كلّه مع أحكام الإسلام وقيمه وروحه العامّة، ورفض ما يتعارض منه مع تلك الأحكام والقيم، أي أن موقفه تجاهها ليس بالموقف المائع الذي يؤدّي في النتيجة إلى مسخ هويته وذوبانه في غيره، ولا هو بالموقف المنغلق الذي يحبس الحياة في إطار ثابت وقوالب جامدة ولا يسمح فيها بأي تجديد.
وقد تأتَّى للإسلام هذا الموقف الوسط من خلال ما شرّعه من قواعد مرنة وأصول تشريعيّة كلّية، ومن خلال منظومته القيميّة ومفاهيمه العامّة التي تتيح له دائماً أن يضبط حركة الحياة المتغيّرة ويلاحق وقائعها اللامتناهية.
________________________________________

[الصفحة - 283]


وهذا هو الموقف الذي واجه به الإسلام، حين ظهوره، الحياة الجاهلية بكلّ ما تزخر به من عقائد وأنظمة سلوك وقيم وعادات وأعراف، حيث أبطل منها كلّ ما هو خاطى وفاسد وضارّ، كعبادة الأصنام وقتل النفس المحترمة وأكل أموال الناس بالباطل والزنا وشرب الخمر والعصبية والتفاخر بالأنساب... إلخ.
وأقام بدلاً منها العقائد والسنن الصحيحة، والقيم والمثل الصالحة. ومن جهة أخرى، أمضى الإسلام كلّ ما وجده في المجتمع الجاهلي من سنن قويمة صالحة وعادات حميدة، من قبيل رعاية حق الجوار وإكرام الضيف ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف وأداء الأمانة. كما أمضى كل ما لا ينطوي من المعاملات والعقود التجارية على غرر أو ضرر أو جهالة أو ربا أو مقامرة ونحو ذلك.
وفي ذلك كلّه تعبير عن تبنّي الإسلام لكل سلوك قويم يمارسه البشر انطلاقاً من فطرتهم السويّة، واحتضانه لكل قيمة خيّرة تكتشفها عقولهم وتتمخّض عنها تجربتهم، وكما قال الرسول (صلي الله عليه و آله) : «الحكمة ضالّة المؤمن حيثما وجدها فهو أحق بها».
وفي مجال قضية احترام حقوق الإنسان، يجدر بنا أن نشير إلى حادثة حدثت قبل انبثاق الإسلام بعشرين سنة، وهي تعدُّ أحد الشواهد البارزة على موقف الإسلام في هذه القضية، وهي حادثة حلف الفضول المتمثلة بتعاقد بعض أشراف قريش، من بني هاشم وغيرهم، على ألاّ يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها، أو من الغرباء الوافدين عليها، إلاّ قاموا معه وانتصفوا له ممن ظلمه.
لقد شهد النبي (صلي الله عليه و آله) ذلك الحلف، وشارك فيه، وروي عنه قوله: «لقد شهدت في دار عبداللَّه بن جدعان حلفاً ما أحبّ أن لي به حمر النعم، ولو دُعيت به في الإسلام لأجبت».
إنّ مشاركة النبي (صلي الله عليه و آله) ، في هذا الحلف، الذي يمثّل، في الواقع، أول جمعية تشكَّلت للدِّفاع عن حقوق الإنسان، وقوله المأثور في مدحه يعبِّران عن تبنّي الإسلام وتأييده لكل ما يتفق مع تعاليمه وروحه وقيمه، من سنن ونظم بشرية صالحة يستوحيها
________________________________________

[الصفحة - 284]


الناس من فطرتهم السويّة وعقولهم المجرّدة، وتتمخّص عنها تجربتهم الاجتماعية؛ لأن الإسلام في الواقع لم يأت إلاّ لترشيد مسيرة الإنسان على الأرض التي استخلفه اللَّه عليها وتدعيم كرامته التي أودعها اللَّه فيه وصيانة حقوقه ومصالحه.
وفي هذا الضَّوء، يجب أن ننظر إلى ما وضعه الغرب، في العصر الحديث، من وثائق واتفاقات دوليَّة لصيانة حقوق الإنسان، ونعرض ما ورد فيها من مبادى وبنود على الإسلام، لنحدِّد ما فيها من عناصر اتفاق معه ومن عناصر اختلاف. ولا يصحُّ لنا أن نرفض بالمطلق هذه الوثائق بسبب بعض ما تحتويه من بنود تعكس خصوصية الهوية الغربية وواقع الغرب الاجتماعي والثقافي الخاص به مما يتعارض مع تعاليم الإسلام وقيمه، ولا صلة له بالواقع الاجتماعي والثقافي للمسلمين.
كما لا يصحُّ قبول هذه الوثائق بالمطلق والتعامل معها كما نتعامل مع أي سلعة مستوردة من الغرب، لأنها لا تمثّل فرغم ما فيها من عناصر إيجابية وبنود موافقة لتعاليم الإسلام ـ المثل الأعلى والإطار الشامل، وهذان ـ أي المثل الأعلى والإطار الشامل ـ هما ما يجب أن ننشده في الشرعة الإلهية التي وضعها اللَّه وأنزلها للبشرية، لا في الشرائع الوضعية التي اخترعها الإنسان بعقله المحدود ورؤيته النسبية الضيّقة. ومن هنا يتوجَّب على العلماء والباحثين أن يظهروا مكنون الشريعة الإلهية في هذا المجال، لتفيد منها البشرية، وتتبيّن أوجه الخلل والنقص في ما تشرّعه لنفسها. هذا ما سعينا إليه في الندوات الثلاث السابقة التي خصَّصناها لمناقشة بعض جوانب قضية حقوق الإنسان، وما نسعى إليه، أيضاً، في هذه الندوة التي نريد أن نناقش فيها موضوعاً آخر من موضوعات هذه القضية، وهو موضوع حقوق المرأة ودورها الاجتماعي والسياسي كما يرى إليه الإسلام.
أ. فتحية عطوي: نشكر لسماحة الشيخ خالد العطية كلمته القيّمة، وننتقل إلى القاضي الدكتور فوزي أدهم..
عرفناه، أو عرفته شخصياً، أستاذاً محاضراً جريئاً يرى إلى الأمور بنظرة موضوعية واعية، ولا يخاف في اللَّه لومة لائم. من هنا كانت له
________________________________________

[الصفحة - 285]


ملاحظات هامة حول بعض الأحكام الفقهية، المستندة إلى التفسيرات الخاطئة لبعض الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي يراها بعضهم جامدة لا يمكن الاستفادة منها، في حين يرى إليها هو بنظرة موضوعية أكثر حركية، هذه النظرة جعلته موضع اتّهام من قبل الذين يتمسَّكون بأهداب الجاهلية الأولى، ويعدُّون أنفسهم قيِّمين على الإسلام، وينظرون إليه نظرة جامدة، وبخاصّة بالنسبة إلى المرأة.
د. أدهم، أهلاً بك، والكلمة لك فتفضَّل.
د. فوزي أدهم: بسم اللَّه الرحمن الرحيم. أولاً، شكراً لفضيلة الشيخ خالد العطية الذي قام بإلقاء نظرة شاملة على الموضوع، ولا شك في أنها نظرة عميقة. والشكر، أيضاً، للأخت الأستاذة فتحية عطوي على هذا التقديم الذي قد لا أستحقّه.
إن الموضوع المطروح، أمامنا، موضوع حقوق المرأة، يدفعنا للحديث بصيغة أخرى، إذ إنه كثر الحديث عن الحقوق: حقوق المرأة.. حقوق الطفل.. إلخ. وهذا ما يدعو لإلقاء الضوء على الأسباب والدوافع التي تكمن وراء هذه الدعوات، باعتبارها دعوات غربية.. ذلك أن التشريع في الشريعة الإسلامية عندنا بدأ قوياً، منذ أن نزلت الرسالة على نبي الرحمة محمد(صلي الله عليه و آله) ، بعكس القوانين الوضعية وتشريعاتها التي تبدأ ضعيفة ثم تتدرجّ حتى تنمو..
أقول هذا من خلال وظيفتي وخبرتي وتجربتي، فأنا أستاذ قانون وضعيّ وقاضٍ مدنيّ وجزائيّ (قاضي تحقيق)..
فالتشريعات الغربية حاولت، من خلال طرح موضوع المرأة، أن تعرض لواقع المرأة في الغرب. وإن الحديث عن موضوع المرأة يعكس الواقع المعيش في أوروبا، وفي العالم الغربي، بينما التشريع الإسلامي منذ أن نزل الوحي على قلب محمد(صلي الله عليه و آله) ، حفظ حقوق الإنسان بشكل عام، وبشّر بامرأةٍ جديدة وبتشريع جديد يختلف عن التشريع الجاهلي الذي كان يجرِّد المرأة من إنسانيّتها.. فجاء الإسلام ليعزّزها ويكرّمها، ويرفع عنها الحيف..
أمّا في الغرب، فإنّ ما يحصل هو أنّ بعض الجهات تطلق مشروع
________________________________________

[الصفحة - 286]


حقوق المرأة وتجعله شعاراً لها.. وبعضها الآخر، إمّا عن حسن نية أو سوء نية، يحاول أن يندسَّ في لعبة البحث عن موضوع المرأة وحقوقها..
ولا بأس في أن نعرف أنّ وراء هذا الطرح لموضوع المرأة غايات مسبقة؛ إذ يريدون أن يجعلوا منه حصان طروادة، يتسلَّلون به إلى بلادنا في محاولة لضرب الإسلام.. ذلك أنّه، في الواقع، ليست لدينا مشكلة امرأة في الإسلام ولا مشكلة حقوق المرأة.. ففي الوقت الذي فرض فيه الإسلام حقوق المرأة، منذ العام 610م، مع نزول الرسالة المحمّدية العظيمة، وأكرمها أُمّاً وأختاً وابنةً وزوجةً كانت المرأة في الغرب سلعةً تباع وتشرى وتساء معاملتها.. وأكثر من ذلك، فإنّ كتب الغرب تتحدّث عن أنّ الزوج كان يترك زوجته في الليلة الأولى عند الإقطاعي، باعتبار ذلك حقّاً من حقوقه، فتبقى عنده ثلاثة أيّام، يعيدها بعدها إلى زوجها.
لا شكّ في أنّ المرأة شهدت عهوداً من الظلم مرّ بها الحكم الإسلاميّ، نتيجة للإحباط الذي كانت تمرّ به تلك الأنظمة آنذاك؛ حيث عرفت هذه الحقبة، كما يذكر التاريخ، تراجعاً وتقهقراً.. في حين أخذت الحضارة الغربية في النشوء..
نقول: المرأة مظلومة أو مقهورة، والشريعة الإسلامية تتحدَّث عن حقوق المرأة بالتفصيل.. نسينا ما لدينا من تراث.. وإنّ المرأة لا تعاني أيّ مشكلة على صعيد التشريع الإسلامي، فالمرأة معزّزة مكرّمة في ظلّ الإسلام.
المرأة والعمل‏
المرأة المسلمة ليس لديها أي مشكلة على الصعيد القانوني، وكما نعرف فإنّ نفقة المرأة على زوجها، وهو ملزم بها حتى ولو كانت غنية أو تملك أموالاً طائلة. وأنا، من وجهة نظري، أرى أنّ احترام المرأة هو في تربُّعها على عرش بيتها لا في خروجها إلى العمل. بعض المجتمعات يرى أنّ من الظلم منعَ المرأة وحجبَها عن العمل، وأنّ المرأة يجب أن تعمل، إلاّ أنّه إذا أمعنَّا النظر في إيجابيّات خروج المرأة إلى العمل، وسلبيّات ذلك، نرى أنّ السلبيّات تفوق الإيجابيّات بالشَّي‏ء الكثير، فالواقع (وهذا رأي شخصيّ) أنّ عمل المرأة
________________________________________

[الصفحة - 287]


على المدى البعيد له سلبيّاته وضرره، أوّلاً على الأسرة، وثانياً على المجتمع، ضرر على البيت وعلى الأطفال بالدرجة الأولى نتيجة إهمال المرأة لواجباتها الأسريّة والانشغال عنها.
قد تضطرّ المرأة للعمل في الخارج، مثلاً، في حالة وفاة الزوج وعدم وجود كفيل لطفلها، إلاّ أنّ المرأة المسلمة في ظلّ الإسلام مكفولة النفقة وكذلك اليتيم.
من هنا أرى أنّ المواثيق في أوروبا: مواثيق حقوق الإنسان، حقوق الطفل، حقوق المرأة.. جميع هذه المواثيق ينبثق من الواقع المعيشي في أوروبا والغرب بشكل عام، فالمرأة هناك مضطهدة، ومضطرّة إلى أن تنفق على نفسها بعكس ما عليه المرأة في التشريع الإسلامي، فهي مكفولة النفقة، تجلس في بيتها، وعلى زوجها أن ينفق عليها ولو كانت ميسورة، ولا يحقّ له التَّصرُّف بمالها إلاّ إذا أقرضته قرضاً حسناً يجب عليه ردّه لها.
الذمَّة الماليَّة للمرأة
إنَّ الذمَّة الماليَّة للمرأة مستقلَّة عن ذمَّة الرجل الماليَّة، ولا يحقّ للزوج المساسُ بتلك الذمَّة أو دمجها مع ذمَّته، فذمَّة المرأة الماليَّة منفصلة عن الذمَّة الماليَّة للرجل، فمالها لها ومال الرجل له، وعليه عب‏ء الإنفاق على زوجته وأسرته.. وهذه روعة التشريع الإسلامي الذي يعزّز المرأة.
أمّا في الغرب، وفي أوروبا، فإنَّ الذِّمم الماليَّة غير مفصولة، فذمَّة المرأة الماليَّة وذمَّة الرجل الماليَّة واحدة. وهما يتقاسمان المال ويتقاتلان من أجله، والرجل يتصرَّف بمال زوجته من دون إذنها.. وهم يعدُّون هذا مساواة. ولذلك، فإنَّ دخول الغرب إلى الإسلام من جهة حقوق المرأة هو لضرب الإسلام. فالمسائل التي يطالبون بالمساواة فيها، مثل النفقة والذمَّة الماليَّة والإرث والعمل وغيرها.. نرى أنَّ التشريع الإسلامي قد أحسن تقنينها، فليس صحيحاً أنَّ إرث المرأة، الذي يعادل نصف إرث الرجل، ينحلّ بمبدأ المساواة بين إنسانيَّة الرجل وإنسانيَّة المرأة..
فإذا نظرنا نظرة شموليَّة إلى ما ينفقه الرجل من إرثه وماله، وإلى ما تحتفظ به المرأة من إرثها من دون مساس به، نرى أنَّ العدالة الإلؤهيّة
________________________________________

[الصفحة - 288]


متحقِّقة بشكل واضح، وأنَّ المساواة هنا إنسانيَّة وليست حسابيَّة. إنَّهم يريدون الدخول لضرب الإسلام، سواء عن طريق النفقة أو الإرث أم عن طريق شكل الأسرة أو تنظيمها أو الإجهاض (مع أنّ بعض المذاهب الإسلاميّة تبيح الإجهاض حتى الشهر الرابع من الحمل).. يريدون زعزعة المرتكزات الإسلاميَّة وضربها..
من هنا، فقد قلت للأخت فتحية عطوي: إنّني أوافق على حضور هذه الندوة المباركة وإبداء الرأي حتى يكون عندنا وعي لحقيقة هذه الأمور وهذه التشريعات الوضعيَّة، وحتى نقارنها مع الإسلام ونرى ما لنا وما علينا..
والواقع أنَّ المرأة في تشريعات الإسلام قد أخذت حقوقها كاملة.. والرجل خادم لها ولأسرته.. أمَّا في أوروبا فالمرأة خادمة ومستهلكة.. وقد حصلت على محاضرة ألقتها أستاذة مغربيّة، هي فريدة البناني، ألقتها في الجامعة الأميركيّة ـ اللبنانيّة منذ حوالى سنة، وكان هدفها الترويج للمساواة بين المرأة والرجل، مساواة حسابيّة خاصّة بالإرث، علماً بأنّ هذا الأمر فيه نصّ قرآني لا يقبل الاجتهاد.
وأخلص إلى القول: إنّ المرأة، في التشريعات الإسلاميّة، قد نالت حقوقها كاملة، وكذلك ضُمنت حقوق الطفل والعامل.. وما علينا إلاّ التمسُّك بالشريعة الغرّاء وفتح باب الاجتهاد واسعاً، وبشكل موضوعيّ، لنرى عظمة الإسلام، وإقفال الباب بوجه الطروحات الغربيّة التي تندسّ في بلادنا من ثغرات يمكن سدّها، حتى لا يجعلوا من مبدأ المساواة الخاطى «حصان طروادة» يدخلون به إلى بلادنا لضرب الإسلام ومبادئه، ويحقّقوا بذلك ما عجزوا عن تحقيقه بطرق أُخرى.. فلنقلع عن اللحاق بركب الاتّفاقيّات والمواثيق الدوليّة، التي هي كلمة حقّ يراد بها باطل.. ولنا في إسلامنا ما يغنينا عن التشريعات الوضعيّة..
أ. عطوي: نشكر للدكتور فوزي أدهم كلمته القيِّمة، ونعطي الكلام لسماحة الشيخ خالد؛ إذ يبدو أن لديه ما يودّ أنّ يقوله:
الشيخ خالد: أنا أتّفق تماماً مع ما ذكره الدكتور فوزي من أنَّ الإسلام، في تشريعاته وأحكامه، أعطى للمرأة ما لم تعطه أي شرعة بشريّة وضعها البشر لتنظيم حياتهم،
________________________________________

[الصفحة - 289]


وأنّه في ما يتعلّق بحقوقها، فقد أنصفها وجعلها بمستوى الرجل. وأي ناظرٍ إلى أحكام المرأة ومحلِّل لها، من حيث ما لها من حقوق وما عليها من التزامات في الشريعة الإسلاميّة، يلاحظ بوضوح أنَّ الإسلام قد منحها حقوقاً، وفرض عليها التزاماتٍ متكافئةً ومتوازنةً مع ما منحه للرجل وفرضه عليه، سواء في المجال المالي والمادّي، أم في المجال المعنوي والسلوكي، أم في مجال العلاقة والمعاشرة الجنسيّة. ولكن على الرغم من هذا، تبقى هناك حاجة ماسّة لمناقشة مشكلة المرأة في المجتمع الإسلامي، ليس بسبب الإسلام بل بسبب البعد عن هذا الإسلام، وبسبب انخفاض مستوى الوعي به، والتأثّر بالموروث الجاهلي للمجتمعات الإسلاميّة.
إنّ هناك الكثير من العادات الجاهليّة المتأصِّلة والمتجذِّرة في نفوس المسلمين تحول بينهم وبين الاستفادة الكاملة من التشريع الإسلامي، وتمنعهم من التخلُّص من العقد الموروثة تّجاه المرأة. فنحن، في الواقع، رغم أنّنا نعتنق الإسلام ديناً وفكراً، ونؤمن به شريعةً ومنهج حياة لنا، ولكنَّنا ـ للأسف ـ لا نطبّقه في واقع حياتنا، ومن هنا يأتي الخلل. وإذا كانت هناك مشكلة للمرأة تعاني منها فهي بسبب هذا الخلل ونتيجة له، ونحن، في الحقيقة، إنّما نعقد هذه الندوة ومثيلاتها في سبيل توعية الناس وتوعية المجتمع الإسلامي بالإمكانات المذخورة في التشريع الإسلامي، التي يمكن لها أن ترقى بالمرأة إلى مستويات عظيمة تفتح أمامها إمكانات كبيرة للاستفادة من طاقتها في المجتمع. فلهذا السبب، نحن لا نجد حرجاً في أن نناقش قضيّة حقوق المرأة لمناسبة صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مثلاً؛ لأنّ هذا واقع موجود، والعالم كلّه يحتفل ويحتفي بهذه المناسبة، وهو بحسب واقعه وبسبب ظروفه محقٌّ في هذا؛ لأنّ واقع البشريّة يضجُّ بالمظالم والانتهاكات لحقوق الإنسان رجالاً ونساءً على حدٍّ سواء، ونحن نتّخذ من ذلك فرصةً وذريعةً لزيادة وعي الناس بالإسلام وتبصرتهم بمكنون الشريعة الإسلاميّة في ما يتعلّق بهذا الموضوع.
د. فوزي أدهم: الواقع.. الشي‏ء الذي تفضّل به الشيخ صحيح.
________________________________________

[الصفحة - 290]


ولكن أنا مع إجراء دراسات مقارنة، وتجرى هذه الدراسات في مراكز الأبحاث. ولكن الرأي العامّ الإسلامي يكاد ينسى أنّ هناك تشريعات إسلاميّة؛ هذا ما نلاحظه سواء كان ذلك في الجرائد والصحف، أم في وسائل الإعلام الأخرى، جميعها تتحدَّث عن حقوق الإنسان... إلخ، الرأي مُهيَّأ.. ومع الزمن، ننسى أصالتنا ونندفع مع الغرب في هذه الموضوعات الخطيرة... أنا مع المقارنة في مراكز الأبحاث، ولكن يجب أن ننتبه إلى الخطر الجسيم؛ لأنّه صارت أي امرأة، في أي بيت، تقول لزوجها: أنا أريد حقوقي.. أنا كذا.. من منطلق الغرب وليس من منطلق الإسلام.
الشيخ خالد: هناك مسألة أخرى لها صلة بموضوع حقوق الإنسان، وهي مسألة المزايدة الثقافيّة والإعلاميّة على هذا الإعلان والاستغلال السياسي له. الآن، كما تفضّل الدكتور وأشار، وهو محق بهذا تماماً، إنّ الغرب يسعى جاهداً لاستغلال مبادى حقوق الإنسان في إدانة الإسلام، وفي محاولة إخراجه من ساحة الفعل والتأثير في المجتمع الإسلامي، وهذا ما ينبغي أن نلتفت إليه. والآن، في أيدينا، فرصة لإيضاح ما يحتويه هذا الإعلان، من مبادى ومن مواد خاطئة ـ وهي قليلة ـ تمسّ العقيدة الإسلامية وتناقض التشريع الإسلامي، وأيضاً نحاول أن نكشف المحاولة المريبة لاستثمار مبادى حقوق الإنسان في تشويه صورة الإسلام وإخراجه من موقع اتّخاذ القرار السياسي الفاعل في المجتمعات الإسلاميّة وفي الساحة الدوليّة.
أ. عطوي: شكراً لفضيلة الشيخ. والكلمة الآن للأستاذ تامر مير مصطفى، الذي سيحدّثنا عن مكانة المرأة في الإسلام مقارنة بمكانتها في الدِّيانتين: اليهوديَّة والمسيحيَّة، وفي المجتمع الغربي بعامة، وهو خير من تحدَّث عن ذلك، باعتبار أنَّه عاش في الغرب أكثر من ستّة عشر عاماً، ما يعني أنّه يمتلك الخبر اليقين في هذا الصدد، فليتفضّل:
الأستاذ تامر مير مصطفى: بسم اللَّه الرحمن الرحيم... أشكر، بدايةً، القيّمين على هذا المنتدى.. ثم أبدأ حديثي، وموضوعه: المرأة القدوة في الأديان السماوية الثلاثة:
________________________________________

[الصفحة - 291]


1 - مكانة المرأة في اليهودية:
حسب ما ورد في التوراة، في سفر التكوين (الفصلان: 2 و3) فإنَّ المرأة هي المسؤولة عن الخطيئة البشريّة الأولى؛ فالشيطان قد فتن المرأة (حوّاء)، وهي بدورها، قد فتنت آدم وأغرته بأن يأكل من الشجرة التي حرَّمها اللَّه تعالى عليهما في الجنة. فالمرأة في التوراة هي شيطان الرجل، وهي المسؤولة عن الخطيئة الأولى وما ترتَّب عليها من شقاء للبشرية.
كما أن المرأة، في التوراة، «لا تكون شريكة الرجل، ولا تساويه، بل تُمسي فتنة الرجل، وهو يستعبدها لتلد له الأولاد...» (انظر: سفر التكوين، 2: 18 - 24).
كما أنّ نجاسة ولادة الأنثى ضِعْفا نجاسة ولادة الذكر، فقد جاء في سفر اللاويين (12: 1 - 5): «إذا حملت امرأة وولدت ذكراً تكون نجسة سبعة أيام.. ثم تقيم ثلاثة وثلاثين يوماً في دم تطهيرها. وإن ولدت أنثى، تكون نجسة أسبوعين.. ثم تقيم ستة وستين يوماً في دم تطهيرها».
ومن هذا المنطلق الفكري الخاصّ بمسؤولية المرأة عن الخطيئة الأولى، وجلبها المتاعب للجنس البشري، وضرورة تسلّط الرجل عليها «واستعبادها لتلد له الأولاد»، تُرجِمَ هذا الفكر إلى قوانين تحكم أحوال الأسرة، مثلما جاء في كتاب: «الأحكام العبرية» التي نذكر منها هنا باختصار ما جاء في مسألة الزواج والطلاق والإنفاق:
● المادّة 402:«ما أسعد من رزقه اللَّه ذكوراً، وما أسوأ حظّ من لم يُرزق بغير الإناث. نعم، لا ينكر لزوم الإناث للتناسل، إلا أنَّ الذريَّة كالتجارة سواء بسواء. فالجلد والعطر كلاهما لازم للناس، إلا أنَّ النَّفْسَ تميل إلى رائحة العطر الزكية وتكره رائحة الجلد الخبيثة. فهل يُقاس الجلد بالعطر؟!»
وقد وبَّخ القرآن الكريم الذين يرون هذه الرؤية، فجاء فيه: { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوارَى مِنَ القَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا ساءَ مَا يَحْكُمُونَ } {النحل/58 و59}.
________________________________________

[الصفحة - 292]


● المادّة 419: «جميع مال الزوجة ملك لزوجها، وليس لها سوى ما فرض لها من المهر في عقد الزواج... فكل ما دخلت به من المال على ذمة الزوجية، وكل ما تلتقطه، وكل ما تكسبه من سعي وعمل، وكل ما يُهدى إليها في عرسها، مِلْكٌ حلالٌ لزوجها يتصرّف فيه كيف شاء بدون معارض ولا منازع».
يلاحظ في هذه المادّة والتي سبقتها عمليةُ رقٍّ واستعباد للمرأة في الأحكام العبرية.
● وفي المادّة 315 حُرِمت المرأة من ميراث ابنها وزوجها. فقد جاء فيها: «إذا لم يعقب الميِّتُ ذريةً ولا نسلاً من ذكر أو أنثى، فميراثه لأصوله. وأحقُّ الأصول بميراث الميت أبوه وله كل التركة، وإذا لم يكن له أبٌ فجدُّه ثم أصولُه من أبيه». وهكذا حرموا المرأة (الأم) من ميراث ابنها الميِّت، وحرموا المرأة (الزوجة) من ميراث زوجها.
مما تقدَّم، نستخلص أن هذه العقيدة التي تنظر إلى المرأة نظرة احتقارٍ ودونية لا يمكن لها أن تُنتج نساءً يمكن لَهُنَّ أن يُصْبحن قدوة لنساء العالم نظراً لشعورهنّ بالدونية والحقارة أمام الرجل.
2 - مكانة المرأة عند النصارى:
اعتقد بولس (القديس بولس)، المؤسِّس الحقيقي للنصرانية الحالية، أنَّ حوَّاء هي التي أخطأت أوّلاً، ثم أغوت آدم فانقاد وراءها وأخطأ ثانياً (تيموثاوس 2: 12 - 14).
كما تُظهر الأناجيل عدم احترام عيسى المسيح (عليه السلام) ، مريم (عليها السلام) (نحن نجلّه عن هذه الأكاذيب). فقد جاء في إنجيل يوحنا (2: 1 - 4): «أنَّه كان عرس في قانا الجليل، وكانت أم يسوع هناك. ودُعي أيضاً يسوع وتلاميذه إلى العرس. ولما فرغت الخمر، قالت أم يسوع له: ليس لهم خمر. فقال لها: مالي ولك يا امرأة!». وذكر متّى ولوقا في إنجيليهما (إنجيل متى 12: 46 - 49) أنه «فيما كان عيسى يكلم الجموع، إذا أمّه وأخوته واقفون خارجاً طالبين أن يكلموه. فقال له واحد: هوذا أمك وأخوتك واقفون خارجاً طالبين أن يكلموك. فأجاب وقال للقائل له: من هي أمي ومن هم أخوتي؟! ثم مدّ يده
________________________________________

[الصفحة - 293]


نحو تلاميذه، وقال: «ها أمي وأخوتي» (نبرى السيد المسيح عن مثل ذلك؛ إذ جاء في القرآن الكريم: { وَبَرَّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيَّاً... } {مريم/32}.
المرأة في ظل الكنيسة المسيحية
لكي نستبين حقيقة وضع المرأة في ظل الكنيسة، يكفينا أن نعرض بعضاً مما جاء في كتاب: «إنجيل المرأة» الذي يعدّ دراسة وثائقية مدعمة بالأسانيد والشواهد والنصوص عن هذا الموضوع، قامت به الكاتبة «كارين أرمسترونغ» التي انتظمت في سلك الرهبنة عدة سنوات، ثم التحقت بالدراسات العليا بجامعة أُكسفورد.
تقول الكاتبة إنّها سمَّت كتابها هذا «إنجيل المرأة» لأنه يحكي قصة الحياة التي عاشتها النساء من خلال إنجيل يسوع المسيح. ثم تقول: «إن كلمة (إنجيل) تعني، طبعاً، أخباراً سارّة، إلا أنه يجب القول إنه منذ القرن الثاني الميلادي، لم تكن المسيحية أخباراً سارّة للنساء على الإطلاق، فقد كانت مدمِّرةً لهنَّ إلى أقصى حدّ».
وفي الفصل الأول، من كتابها: «الجنس هو المشكلة»، تقول الكاتبة: «لقد كان الجنس هو مشكلة النساء الرئيسية في العالم الغربي.. ففي ثقافتنا نجد أن الشعور بالإثم من الجنس قد وضع النساء في موضع لا يطاق. بينما نجد أن النساء في فجر الإسلام كُنَّ يتمتَّعْنَ بقدر كبير من الحرية». وما قالته «كارين أرمسترونغ» صحيح، فقد كان رجال الكنيسة في القرون الوسطى، وبالخصوص في الغرب، يعدّون المرأة كهف الخطيئة في العالم وقدَرَ الرجل المشؤوم. وكانت نظريات القديس «أوغسطين» اللاهوتية التي سادت الكنيسة خلال العصور المظلمة هي الأشدَّ والأقسى على المرأة. فقد رأى «أوغسطين» أن الخطيئة والجنس والمرأة تشكّل معاً ثالوثاً غير مقدّس.
ومن غريب ما ينقل عن هذا القديس عمّا إذا كان هناك سبب، على الإطلاق، من أجله خَلَقَ اللَّهُ النساء، فليس في إمكان المرأة أن تكون صديقاً ورفيقاً معيناً للرجل، ومع ذلك: «إذا كان ما احتاجه آدم هو العِشْرَةُ الطيِّبة، فلقد كان من الأفضل
________________________________________

[الصفحة - 294]


كثيراً أن يتم تدبير ذلك برجلين يعيشان معاً كصديقين بدلاً من رجل وامرأة»، لقد كانت العلة الوحيدة، حسب رأيه، التي من أجلها خلق اللَّه النساء هو إنجاب الأولاد.
وهذا رجل الكنيسة الكبير «ترتليان» في القرن الثالث الميلادي، يخاطب النساء قائلاً: «أنتنّ المدخل الذي يدخل منه الشيطان، فأنتنّ باكورة من ذاق الشجرة المحرّمة، وأنتنّ أوّل من تمرّد على القانون الإلهي، وأنتنّ تلك المرأة التي أقنعت آدم بالأكل من الشجرة؛ إذ لم يكن لدى الشيطان القدر الكافي من الجسارة لكي يهاجم آدم. لقد دَمَّرْتُنَّ بمثل هذه السهولةِ، الرجُلَ، الذي هو صورةُ اللَّه».
وبعد حوالى ألف سنة، بعد «أوغسطين» و «ترتليان»، جاء «مارتن لوثر»، مؤسّس الطائفة البروتستانتية ليصرّح قائلاً: إنَّ المرأة خلقت للإنجاب فقط، «فإذا تعبت النساء، أو حتى ماتت، فكل ذلك لا يهم، دعهنَّ يَمُتْنَ في عملية الولادة، فلقد خُلِقْنَ من أجل ذلك».
لقد دفع اضطهاد المرأة، في أوروبا، في العصور الوسطى، إلى الشك في تعاليم المسيحية وإلى الشك في اللَّه الذي تصوّره لهنّ الكنيسة. فهذه الكاتبة الفرنسية الشهيرة «كريستين دي بيزان» تعاتب اللَّه، عزَّ وجلَّ، في كتابها: «مدينة السيّدات»، عتاباً مريراً تمثّل صرخة امرأة مسيحية أوروبية أمام اللَّه نظراً للظلم والكراهة اللذين كانت النساء تعاني منهما في الغرب، واللذين كان يغذّيهما ويؤجِّج نارهما، ضد النساء، رجال الكنيسة الفلاسفة في أوروبا، فكتبت «كريستين دي بيزان» مخاطبة اللَّه: «يا إلهي! كيف يمكن أن يحدث هذا؟ إني لا أشك في حكمتك اللانهائية وصلاحك الكامل المطلق، ولكن كيف تخلق ـ حسب ما يقولون ـ لنار مخلوقاً حقيراً ذليلاً كالمرأة التي ينسبون إليها كل أنواع الشرور؟! فهل هذا حقيقة يا إلهي؟
واحسرتاه، يا إلهي! لماذا لم تجعلني أُولد في هذه الدنيا رجلاً، لتكون كلُّ نزعاتي مكرّسةً لخدمتك على نحو أفضل، وحتى لا أضلَّ في شي‏ء، وأكون كاملةً مثل الرجل، كما يقولون؟!» (كتاب إنجيل المرأة، ص 84).
________________________________________

[الصفحة - 295]


وهكذا رأينا كيف كانت المرأة في أوروبا وفي العالم المسيحي بشكل عام، وإلى عهد قريب، هملاً لا يُحسب له حساب. كان رجال الدين والفلاسفة يتجادلون في أمرها. هل لها روح أم ليس لها روح؟ وإذا كان لها روح فهل هي إنسانية أم حيوانية؟! وعلى فرض أنها ذات روح إنسانية فهل وضعها الاجتماعي و «الإنساني» بالنسبة للرجل هو وضع الرقيق، أو هو شي‏ء أرفع قليلاً من الرقيق؟!
المرأة بعد قيام الثَّورة الصِّناعيَّة
وظلَّ وضع المرأة المأساوي هذا في أوروبا طوال قرون طويلة حتّى جاءت الثورة الصناعية فكانت أعظم كارثة أصيبت بها المرأة في تاريخها الطويل.
فعلى الرغم من الظروف السيِّئة التي كانت تعيشها المرأة في القرون الوسطى، إلا أنَّ الرجل كان مكلَّفاً إلى حدّ ما بإعالتها.
وكان من نتائج الثورة الصناعية الخطيرة تحطيم كيان الأسرة وحلِّ روابطها بتشغيل النساء والأطفال في المصانع بأبخس الأجور. فعانت المرأة من اشتغالها في المصانع أقسى المعاناة؛ حيث كانت تعمل ساعات طويلة لقاء أجر أقلّ من أجر الرجل الذي كان يقوم بالعمل نفسه في المصنع نفسه. ومن العجيب أنَّ المرأة لا تزال في انجلترا وفرنسا وغيرها من الدول الأوروبية ـ التي تتغنّى بالديموقراطية ـ تُمنح أجراً أقلَّ من أجر الرجل في وظائف الدولة، على الرغم من وجود نائبات في مجلس العموم.
ونظراً للفكر الخاطى الذي كان يحمله رجال الدين المسيحي عن المرأة، والحياة الزوجية، واضطهادهم الفاحش لها، فقد ارتدَّ معظم الناس في العالم الغربي عن الدين بشكل عام وعن المسيحية بشكل خاص.
ولم تجد المرأة في أوروبا طريقاً للتخلّص من الاحتقار والاضطهاد اللذين كانت تعاني منهما إلا السعي للتشبّه بالرجل ومنافسته في ساحات العمل. وحينما قامت الثورة الصناعية فرضوا على المرأة أن تتخلَّى عن أنوثتها وتخرج للعمل إلى جانب الرجل، فخرجت لأن الرجل بَخُلَ بالإنفاق عليها، واختلطت النساء بالرجال، وترتب على ذلك أن ظهرت
________________________________________

[الصفحة - 296]