البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

October / 2 / 2021  |  434إشكالات عقائدية في منظومة ابن عربي المعرفية

الشيخ رسول كاظم عبد السادة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية صيف 2021 م / 1442 هـ
إشكالات عقائدية في منظومة ابن عربي المعرفية

الملخّص

اعتمد السيد الباحث في عنوانه على القراءة النقدية الموضوعية لمنظومة ابن عربي المعرفية من وجهة نظر عقدية فتناول بعد تعريف العقيدة الاشكالات العقدية في التوحيد من جهة مقولات ابن عربي في وحدة الوجود، وتعدد القدماء وما يتصل بهما، ونقض هذه المقولات بخلاصات من اقوال اهل البيت ع ثم تناول اشكالات ابن عربي في عقيدة النبوة من جهة مسألة الوحي وما اعتبره ابن عربي مفهوم حول النزول الرمزي والاشاري للوحي, فضلا عن مسألة ادعاء ابن عربي انه خاتم الاولياء وختم البحث وقوفه عند عقيدة المعاد وما يتصل بمسألة انقطاع العذاب عن اهل النار وتعدد الآراء فيها وقد اغنى الباحث هذه المسألة بالبحث والاستقراء والحكم بعين ناقدة مدارها كشف هذه الاشكالات المعرفية التي وقع فيها ابن عربي.

الكلمات المفتاحية

{الاشكالات, ابن عربي, التوحيد, وحدة الوجود, النبوة, المعاد}

 

Abstracts

Ideological Problems in Ibn Arabi's Cognitive System

Rasul Kadhim Abdul-Sadah

The researcher relied in his title on a critical and objective reading of Ibn Arabi's epistemological system, from a strictly doctrinal point of view. After defining the doctrine, the researcher dealt with the dogmatic problems in monotheism from the point of view of Ibn Arabi's sayings about the unity of existence, the plurality of the ancients, and what is related to them. Contrariwise, he refuted these statements with extracts from the sayings of the Prophet's household (PBUT).

Subsequently, the writer dealt with the problems of Ibn Arabi in the doctrine of the prophethood, mainly from the point of view of the issue of revelation. Also tackled was what Ibn Arabi considered understandable regarding the symbolic and indicative revelation of the Wahi. Furthermore, another issue discussed is Ibn Arabi's claim that he is the seal and last of all saints.

In conclusion, the researcher finalizes his research by stopping at the doctrine of restoration and what is related to the issue of the cessation of torture for the people of Hell, as well as the multiplicity of opinions about it.

Keywords: Problematic; Ibn Arabi; Monotheism; Pantheism; Prophethood; Restoration

 

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين

إنّ كلمة (عقيدة) مشتقّة من المصدر (عقْد) الذي يعني الإحكام والشدَّ والربط، وربطُ الشيءِ بشيء آخر أوشدُّه إليه يمكن أن يكون حقيقيًّا ومادّيًّا حينًا كتطعيم شجرة ببرعم أوبغصن من شجرة أُخرى، ويمكن أن يكون اعتباريًّا ومعنويًّا حينًا آخر، كزواج رجل بامرأة يرتبط بها بواسطة عقد قرانه عليها.

وعقيدة التوحيد تعني التحرّر من كلّ عبوديّة إلاّ لله،  فالعبادة لله وحده (إيّاك نعبد)، والاستعانة أيضًا بالله وحده (وإياك نستعين)، فهي الاعتقاد الحقّ بالله الذي يستلزم الانصراف الكامل عن الخلق، وهي مع ذلك الرابطة التي تربط بين الأفراد وإن كانوا متباعدين نسبيًا، فتكون الوشيجة الأساسية فيما بينهم، فإذا كان الدين عقيدة وشريعة، تكون الشريعة ثمرة عمليّة  للعقيدة، وتجسيد حيّ لها في الحياة، وسلامةَ العقيدة هي الأساسُ الذي تُبنى عليهِ شخصيّةُ الإنسان

ولا بدّ أن يكون للعقيدة دستور ترتكز عليه مفاهيمها وكلّيّات أفرادها، أمّا بالنسبة للإسلام، فإنّ مصدر التشريع الأوّل هو‍ (القرآن الكريم)، الذي لا خلاف فيه بين المسلمين، وكذلك سنّة النبيّ m وأهل بيته % الشارحة والمبيّنة لآيات الكتاب.

وقد أجمع المسلمون على المفهوم العامّ للعقيدة، وكلّ من شذّ عن هذا المفهوم، حكموا عليه بمقدار شذوذ بالمروق والفساد، حتى يرجع إلى الثواب والأصول لهذه العقيدة.

ومن كلّيّات العقيدة الإسلاميّة: إثبات التوحيد لله تعالى ونبوّة الأنبياء وخاتميّة نبيّنا (صلى الله عليهع وآله وسلم)، وثبوت الجزاء في عالم الآخرة من وثواب وعقاب، أمّا التفصيل فقد اختُلف فيه.

سوف ننقاش منظومة ابن عربي المعرفيّة في هذه العقائد الثلاث حصرًا لنكشف عن مواطن الخلل الذي وقع فيه، وكيف خالف ظواهر الكتاب والسنّة وأحدثَ اعتقادًا خالف فيه إجماع المسلمين

إشكالات في عقيدة  التوحيد

التوحيد أساس العقيدة وعليه تُبنى أركانها من نبوّة وشريعة ومعاد وما إلى ذلك، فإذا حصل في هذا الأساس خلل تهدّم بنيان الدين برمّته، فأصبح الإنسان يعبد ضلالًا، ويعتقد وهمًا ويتعامل باطلًا، وإن جميع أنبياء الأديان السماويّة كانت بعثتهم على هذا الركن الركين في العقيدة والدين، ومن أبرز ما واجهه المسلمون من مشاكل عقديّة وشبهات إلحاديّة تنصبّ على هذا الأمر، ومن تلك المسائل: 

أوّلًا: وحدة الوجود

يعتبر ابن عربي مشيّد  أركان وحدة الوجود، ومؤسّس براهينها بطريقته الخاصّة، كما قال الآلوسيّ: (هو أمّ وحدة الوجود وأبوها وابنها وأخوها) [1].

وقبل التعرّف على اتجاهه المعرفيّ هذا لا بدّ من توضيح مفهوم وحدة الوجود كمقدّمة لفهم  مسلكه فيها.

وحدة الوجود تعني أنّ الموجودات في الكون ليس لها وجود حقيقيّ  واستقلاليّ في الوجود، بل الوجود منحصر بالله تعالى وحده، وكلّ ما سوى الله فوجوده ليس حقيقيًّا،وقد استفاد المسلمون - ممن يقول بهذه الفكرة -   من الفلاسفة الإغريق  السابقين على أفلاطون وأرسطو،ومن الذين جاءوا من بعدهم كأفلوطين.

ويعبّر المتصوّفة والعرفاء عن هذه الفكرة بعبارات تتردّد في أقوالهم ومصنّفاتهم مثل قولهم:  (ليس في الديار غيره ديّار) و(ليس هناك موجود إلّا الله وحده، أمّا نحن فعدم متظاهر بالوجود)، أو كما قال ابن عربي: (العالم غائب ما ظهر قطّ والله تعالى ظاهر ما غاب قطّ) [2].

وإن ذات الأحد تطوّرت بأطوار، وبعد ما فنيت الأعراض يرجع الكلّ إلى الاحد القديم جلّ شأنه، فزعموا أنّ الوجود الحقّ هو المتجلّي في الكثرات والمتلبّس بالماهيّات ومعروض الصفات، فيظهر كلّ يوم بلباس وأوّلوا بذلك قوله (كلّ يوم هو في شأن) [3]. وزعموا أنّ بدء الخلق من ذاته وعودهم إليها، وأوّلوا بذلك قوله (ألا إلى الله تصير الأمور) [4].

فحاصل رأيهم أن الوجود هو الله وهو كلّ الموجود، والاختلافات أعراض من الماهيّات، وهي معدومة، وسيرجع كلّ الخلق إلى الله.

ويرى هؤلاء أنّ الوجودات الظاهرة في العالم هي شؤونات له سبحانه، وهي لا حقيقة لها في  نفسها، بل هي وَهْمٌ وخيال وعدم لِذَاتها كما يقول الشاعر:

كلّ ما في الكون وهم أو خيال     أو عكوس في المرايا أو ظلال[5].

حيث إنّهم يلتزمون بأنّ وجود الخالق هو عين وجود المخلوق ويشبّهون الخالق تعالى بالبحر والمخلوقات بأمواج البحر، باعتبار أنّه يترائى للناظر أنّ الموج شيء آخر غير البحر، والحال أنّه هو عين ماء البحركما قال شاعرهم:

فكذلك المخلوق هو عين الخالق، وعليه فإنّ وجود الصنم الذي هو مظهر من مظاهر الوجود هو عين وجود الحقّ تعالى، وأنّه في الحقيقة قد ظهر الحقّ تعالى بمظهر الصنم، فإذا عبادة الصنم هي عين عبادة اللَّه تعالى كما أنّ الإنسان أيضًا هو مظهر من مظاهر الوجود المطلق فهو الحقّ تعالى قد ظهر بمظهر الإنسان، فإذًا لا فرق بين عبادة اللَّه تعالى وعبادة فرعون؛ لأن فرعون مظهر من مظاهر الحقّ [6].

كما قال ابن عربي

ما آدم في الكون ما إبليس

ما ملك سليمان وما بلقيس

الكلّ إشارة وأنت المعنى

يا من هوللقلوب مغناطيس[7]

فإنّه  يقول في صراحة لا مواربة فيها ولا لبس، معبّرًا لا عن وحدته هو بالذات الإلهيّة، ولا عن فنائه في محبوبه، بل عن وحدة  الحقّ  والخلق:

فالحقّ خلق بهذا الوجه فاعتبروا

وليس خلقًا بهذا الوجه فادّكروا

جمِّع وفرِّق فإنّ العين واحدة

وهي الكثيرة لا تبقي ولا تذر [8]

هذه هي عقيدتهم التي هم عليها  وإن كانوا يظهرون التوحيد إلَّا أنّ  هذه العقيدة منافية لصريح القرآن الكريم، ومنافية لسيرة أنبياء اللَّه تعالى، فإنّه لوكان الصنم حقًّا، وفرعون حقًّا، وأنّ عبادتهم هي عين عبادة اللَّه تعالى لما ذمّ اللَّه تعالى عبّاد الأصنام ولما وقف الأنبياء موقفهم الحازم من محاربة الأصنام ومحاربة فرعون وأدّى ذلك إلى استفزاز الناس ومخالفتهم للأنبياء، ولكان الأولى أن يقرّوهم على هذه العبادات لينقادوا إليهم ويطيعوهم.ولا يُقال إنّ هذا خيال شعراء وأنّهم يقولون ما لا يفعلون أو يعتقدون، فقد ثبتت عقيدته في وحدة الوجود في مؤلّفاته وسرت منها إلى نظمه.

بينما نجد أنّ أهل البيت عليهم السلام  يؤكّدون على مفهوم البينونة بين الخالق والمخلوق، وأنّه لامدخليّة بينهما ولا اتحاد من أيّ وجه من الوجوه، لا في الفرض ولا العقل ولا في نفس الأمر، وليس ثمّة نسبة ولا اقتران، ولا اتصال ولا انفصال، ولا اتحاد ولا حلول بين الخالق والمخلوق

قال أمير المؤمنين(عليه السلام) في خطبة له: إن قلت: (متى)؟ فقد سبق الوقت كونه، وإن قلت: (قبل),فالقبل بعده,وان قلت: (أين)؟فقد تقدم المكان وجوده وإن قلت: (كيف)؟ فقد احتجبت عن الصفة صفته، وإن قلت: (ما هو)؟ فقد باين الأشياء كلّها فهو هو، وإن قلت: (هو هو)، فالهاء والواو كلامه صفة استدلال عليه، لا صفة تكشف له، وإن قلت: (له حدّ)، فالحدّ لغيره، أو قلت: الهواء يسمه، فالهواء من صنعه، رجع معنى الوصف في الوصف، وعميَ القلب عن الفهم، والفهم عن الإدراك، والإدراك عن الاستنباط، ودوام الملك في الملك، وانتهى  المخلوق إلى مثله، وألجأه الطلب إلى شكله، وهجم به الفحص إلى العجز، والبيان على الفقد، والجهد على اليأس  والبلاغ على القطع، فالسبيل مسدود، والطلب مردود، دليله آياته، ووجوده إثباته، معرفته توحيده، وتوحيده تنزيهه من خلقه. ناءٍ لا بمسافة قريب لا بمداناة له حقيقة الربوبيّة؛ إذ لا مربوب، ومعنى الإلهيّة إذ لا مألوه، صفته أنّه ربّ وغيره خلق له تأويل البينونة لا بينونة عزلة [9].   

إلا أنّ ابن عربي يرى أنّ الوجودات جميعها ظهورات وتعيّنات للباري تعالى،  فقد قال في الفتوحات:

(فمن هنا تعرف العالم من هو وصورة الأمر فيه إن كنت ذا نظر صحيح ( وفِي أَنْفُسِكُمْ أفَلا تُبْصِرُونَ ) ما ثمّ، إلَّا النفس الناطقة وهي: العاقلة والمفكّرة، والمتخيّلة والحافظة والمصوّرة، والمغذّية والمنمّية، والجاذبة والدافعة، والهاضمة والماسكة، والسامعة والباصرة، والطاعمة والمستنشقة، واللامسة والمدركة لهذه الأمور، واختلاف هذه القوى واختلاف الأسماء عليها وليست بشيء زائد عليها، بل هي عين كلّ صورة، وهكذا تجد في صور المعادن والنبات والحيوان والأفلاك والأملاك  فسبحان من أظهر الأشياء وهو عينها .

فكلّ وجود كان فيه وجوده) [10].

ولنِعْم ما علّق الشيخ علاء الدولة السمنانيّ في حاشيته على هذه الفقرة من الفتوحات، حيث قال:

(يا شيخ، إنّ اللَّه لا يستحيي من الحقّ شيئًا لو قيل: إنّ فضلة الشيخ عين وجود الشيخ لا تسامحه بل تغضب عليه، فكيف يجوز ذلك أن تنسب هذا الهذيان إلى الملك الديّان تُب إلى اللَّه تعالى لتنجو من هذه الورطة الوعرة التي تستنكف عنها الطَّبيعيّون والدهريّون) [11].

فلوكانت تلك المقالة حقًّا لما كان وجه للأمر بالعبادة، ولقوله: (إيّاك نعبد وإيّاك نستعين)، للزوم اتحاد العابد والمعبود، وللزوم استكمال الذات الأحديّة بالعباد. ولهذا وأمثاله قيل: إنّ القائلين بوحدة الوجود لو التزموا بلوازم مقالاتهم يندرجون في الفرق الضالة، ويجب الاجتناب عنهم، وينسلكون في أهل الضلال، فلا يجوز معاشرتهم، وهكذا [12].

فهذه من الإشكالات المهمّة التي ينبغي الوقوف عندها في منظومة ابن عربي التي لو اعتقد بمضمونها المرء لم يبقَ للإسلام عمود إلّا انهدم، ولا يمكن رفع هذه المفاهيم بالتأويل والاعتذار بأنّها مبنيّة على اصطلاحات خاصّة، فإنّها نصوص في هذا المجال محكمة وليست متشابهة، ثمّ إنّنا غير معنيّين بالبحث عن متشابهات من خالف الكتاب والسنّة ظاهرًا.

ثانيُا: تعدّد القدماء

على الرغم من أنّ مسألة تعدّد القدماء محلّ خلاف بين المعتزلة والأشاعرة، فالقدماء من المعتزلة  قالوا  إنّ القديم هو الموجود الذي لا  أوّل لوجوده، أمّا الأشاعرة فقد قالوا إنّ القديم لا يتخصّص بالذي لا أوّل لوجوده،  بل يطلق عليه وعلى المتقدّم المتقادم بالحوادث[13].

إلّا ابن عربي ممن قال بعقيدة تعدّد القدماء التي نادى بها فلاسفة اليونان [14]،فقد ذكر (أنّه لا يستحيل في العقل وجود قديم وليس بإله، فإن لم يمكن فمن طريق السمع لا غير) [15].

لكن  مذهب الحقّ  الذي بيّنه أهل البيت عليهم السلام، نفي كلّ قديم حقيقيّ سوى الله تعالى، قال الإمام الرضا (عليه السلام):(صفة دلّت على أنّه لا شيء قبل الله ولا شيء مع الله في بقائه) [16].

 وفي كلام امير المؤمنين (عليه السلام)  نفي كلّ قديم مع الله سبحانه وتعالى قال: (لم يخلق الأشياء من أصول أزليّة ولا من أوائل أبديّة) [17].

قال العلَّامة المجلسيّ: ردّ على الفلاسفة القائلين بالعقول والهيولى القديمة.

وقال الشّارح المعتزليّ: الردّ في هذا على أصحاب الهيولى والطَّينة التي يزعمون قدمها، وقيل: إنّ معناه ليس لما خلق أصل أزليّ أبديّ خُلق منه من مادّة وصورة كما زعمت الفلاسفة[18].

وقال الشّارح البحرانيّ[19]: إنّه لم يخلق ما خلق على مثال سبق يكون أصلًا[20].   

ومحصّل ما ذكروه أنّ خلقه للأشياء على محض الإبداع والاختراع، وأن لا مبدأ لصنعه إلَّا ذاته؛ إذ لوكان خلقه لها مسبوقًا بمادّة أو مثال، فإن كانا قديمين لزم تعدّد القدماء، وإلَّا لزم التسلسل في الأمثلة والموادّ.

إنّ القول بتعدّد القدماء يؤدّي إلى الشرك حتمًا؛ لأنّه  قول بإلهين اثنين أزليّين، وهذا لا يقول به موحّد كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لولده الحسن في وصيّته له (يا بنيّ لوكان لربّك شريك لأتتك رسله) .  

ولم يكتفِ ابن عربي بالقول بوحدة الوجود وتعدّد القدماء، بل زعم أنّه قد رأى ربّه في عالم الرؤيا، وهو يقول له: إنصح عبادي[21].

وقد تكرّرت رؤيته لربّه في المنام في مناسبات عديدة [22]، مع أنّ رؤية الله سبحانه وتعالى في الدنيا مجمع على استحالتها وفي الآخرة على مذهب الإمامية.

عن إبراهيم الكرخي، قال: قلت للصادق(عليه السلام): إنّ رجلًا رأى ربّه عزّ وجلّ في منامه، فما يكون ذلك؟ فقال: ذلك رجل لا دين له، إنّ الله تبارك وتعالى لا يُرى في اليقظة، ولا في المنام، ولا في الدنيا، ولا في الآخرة [23].

فهل يمكن للمرء أن  يدين لله بمنظومة معرفيّة مع وجود هذه الإشكالات؟

 إشكالات معرفيّة في عقيدة النبوّة

النبوّة في اللغة مطلق الإنباء والإخبار، وشرعًا خصوص الإخبار والإنباء عن الله تعالى، والنبيّ هو الإنسان المخبر عن الله بغير واسطة بشر، وهو أعمّ من أن يكون له شريعة كالنبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو ليس له كالنبيّ يحيى (عليه السلام)، فبكونه إنسانا يستثنى الملك، وبالإخبار عن الله يخرج المخبِر عن غيره، وكونه يخبر بغير واسطة يخرج الإمام والعالم؛ لأنّهما يخبران عن الله بواسطة النبيّ[24].

وما يكن تسجيله من إشكالات في منظومة ابن عربي المعرفيّة

أوّلًا: ادعاء الوحي

الوحي كما عرّفه الراغب: الكلمة الإلهيّة التي تُلقى إلى أنبيائه وأوليائه.... وذلك إمّا برسول مشاهد ترى ذاته ويسمع كلامه، كتبليغ جبريل(عليه السلام) للنبيّ في صورة معيّنة؛ وإمّا بسماع كلام من غير معاينة كسماع موسى كلام الله؛ وإمّا بإلقاء في الروع كما ذكر عليه الصلاة والسلام: (إنّ روح القدس نفث في روعي) [25]؛ وإمّا بإلهام نحو: (وأوحينا إلى أمّ موسى أن أرضعيه) [26]؛ وإمّا بتسخير نحو قوله: (وأوحى ربك إلى النحل) [27]، أو بمنام كما قال عليه الصلاة والسلام: (انقطع الوحي وبقيت المبشّرات رؤيا المؤمن) [28].

أمّا الوحي عند الصوفيّة، فله تعريف خاصّ بهم يجري مجرى اصطلاحاتهم التي اختُصّوا بها، فإنّ أصل الوحي عندهم (مواقع الإشارا ت الإلهيّة في القلب)[29]، فهو (فيض من الروح الكلّيّ الساري في جميع النفوس الجزئيّة المتّحدة بها على الدوام)[30].

فلا وحي من خارج مادام الوجود واحديًّا، إن فكرة وحدة الوجوة سرت آثارها عند ابن عربي إلى جميع أجزاء منظومته المعرفيّة، ومنها الوحي، متجاوزًا التراث الإسلاميّ الذي يؤكّد على نزول الملك بالوحي إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، معتبرًا هذا النزول رمزيًّا إشاريًّا، حيث يقول:

(قد بلغ بي من قوّة الخيال أن كان حبّي يجسّد لي محبوبي من خارج لعيني كما كان يتجسّد جبرئيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا أقدر أنظر إليه ويخاطبني وأصغي إليه  وأفهم عنه) [31].

وبما أنّه من الأولياء -كما سيأتي البحث عنه في الفقرة الآتية-  فهو يوحى إليه؛  لأنّ الوحي عنده ممكن للأولياء، قال المناوي:

(نفخ الروح في الروع من أقسام الوحي يؤذن باختصاصه بالأنبياء، لكن صرّح العارف ابن عربي بأنّه يقع للأولياء أيضًا، وعبارته:  العلوم ثلاث مراتب علم العقل، وهو كلّ علم يحصل ضرورة، أو عقب نظر في دليل بشرط العثور على وجه ذلك الدليل، الثاني علم الأحوال ولا سبيل له إلّا بالرزق، فلا يمكن لعاقل وجدانه ولا إقامة دليل معرفة، كالعلم بحلاوة العسل ومرارة الصبر ولذّة الجماع والوجد والشوق، فهذه علوم لا يعلمها إلّا من يتّصف بها ويذوقها، الثالث علم الأسرار، وهو فوق طور العقل، وهو علم نفث روح القدس في الروع، ويختصّ به النبيّ والولي، وهو نوعان، والعالم به يعلم العلوم كلّها ويستغرقها، وليس أصحاب تلك العلوم كذلك)[32].

وهذا الفهم الخاصّ للوحي ونفي أيّ عناصر خارجيّة عن النفس فيه مما يتّفق عليه أغلب الصوفيّة، وخصوصًا القائلين مع ابن عربي بـ(وحدة الوجود)  ومنهم الإشراقيّون، فعندهم أنّ الوحي أو الرؤيا لنفس  ليس شيئًا  يهبط عليها من خارج،  بل من ذاتها، أي من باطن النفس ما دام قد تقرّر بحسب مذهبهم هذا (أنّ الوجود واحد وأنّ الله هو واحد، هو الوجود كلّه، وأنّ النفس هي التي أصبحت شاعرة بذاتها) [33].

وقد صرّح  ابن عربي بأنّه استمدّ علمه لا من فم الرسول الذي ظهر له، ولا من الملائكة فحسب، بل من كلام الله المباشر الذي حظي به تكرارًا، فهو يتحدث كثيرًا عن لقائه مع الله سبحانه.. وادعى لنفسه مقامات الأنبياء وأوصيائهم، ودون ذلك في كتبه ! ! [34].

إنّ  المتأمّل جيّدًا فيما تقدّم من نصوص يجزم أنّ من جملة  اعتقادات ابن عربي بأنّه يتلقّى الوحي في كلّ ما يقول ويكتب، نعم، هو لا يصرّح بهذا الادّعاء، لكنّ مضمون كلامه يرقى إلى التصريح، وهذا ما نقله الآملي حين تحدّث عن كتاب شرح الفصوص  قائلًا:

(كما أنّ للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) كتابين؛ أحدهما نازل إليه، والثّاني صادر عنه، وكما أنّ الشيخ محيي الدّين له كتابان أحدهما نازل وواصل إليه، والآخر صادر عنه، فكذلك نحن، لنا أيضًا كتابان أحدهما فيض لنا، والآخر صادر عنّا، والكتاب النّازل لأجل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن، والنّازل لأجل الشيخ الأكبر فصوص الحكم، والنّازل لأجلنا تفسير المحيط الأعظم، وأمّا الكتاب الصّادر عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو فصوص الحكم، والصّادر عن محيي الدّين بن عربيّ الفتوحات المكّيّة، والصّادر عنّا شرح الفصوص وكتاب نصّ النّصوص [35].

وفي مورد آخر يصرّح ابن عربي بأنّ الله أطلعه على سرّ المعرفة الذي كتبه وذكره في مصنّفاته، فهو يزعم أنّها وحي خاصّ، ولم يكن من نتاج نظر العقل البشريّ الذي يحتمل  الصواب والخطأ والاشتباه والغفلة، فهو والحال هذه يدّعي العصمة فيما يقول ويكتب، قال في آخر الفصّ الآدميّ ما هذا لفظه:

 (لمّا أطلعني اللَّه تعالى في سرّي على ما أودع في هذا الإمام الوالد الأكبر، جعلت في هذا الكتاب منه ما حدّ لي لا ما وقفت عليه، فإنّ ذلك لا يسعه كتاب ولا العالم الموجود الآن) [36].

وحاول السيّد حيدر الاملي تخفيف أثر هذا  الكلام على المطّلعين عليه بأن جعله من نتاج المجاهدة العباديّة والتأمّليّة وتطهير الباطن المستلزم الإفاضة  قال:

(ويُقال لهذا القبيل من الاطَّلاع والمعرفة والعلم: العلم اللَّدنيّ والعلم الإرثيّ والعلم الوهبيّ، وهو يحصل عن طريق طهارة الباطن والرياضات الشرعيّة والمداومة عليها، وأيضًا يحصل عن طريق قرب النوافل وقرب الفرائض ويحصل من طريق العمل بالأربعينيّات والإخلاص للَّه سبحانه وتعالى، وهذه كلّها حقيقة واحدة توجب أن يكون الإنسان إنسانا طاهرًا بحيث تجعله مستعدًّا لنيل الإفاضة من ناحية اللَّه سبحانه وتعالى)[37]

إلا ان تصريحات ابن عربي في كيفية استلامة كتاب الفصوص من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة تأبى هذا التبرير.

قال (أمَّا بعد فإنِّي رأيت رسول الله في مبشّرةٍ رأيتها في العشر الآخر من محرم سنة سبع وعشرين وستمئة بمحروسة دمشق وبيده كتاب، فقال لي هذا كتاب فصوص الحِكَم خذه واخرج به إلى الناس) [38]. ! !

وهكذا انتدب النبيّk ابن عربي متذكِّرًا بعد ستة قرونٍ فجوةً في إبلاغ رسالات ربّه وحاجة الأمّة إلى كتابٍ جديدٍ لإكمال الدِّين وإتمام النعمة !

وبعد أن أمره النبيّk بزعمه قال:

(فقلت السمع والطاعة لله ولرسوله ولأولي الأمر منّا كما أُمرنا) [39]!.

 وعلينا أن نكشف عن وجه الحيلة في هذه العبارة: فالرسولk أمره وهو يقول مجيبًا السمع والطاعة لله ولرسوله، وكان عليه أن يكتفي بذلك، فلماذا قال: وأولي الأمر منّا كما أُمرنا؟ وأين هم أولو الأمر في رؤياه؟ إنَّه يريد التنويه بهذه الحيلة إلى شخوص أولي الأمر ! فهم هنا ابن عربي نفسه، لأنَّه هوالرائي، وهو إذ يطيع الله أو رسوله أو أولي الأمر، فهو سواء لأنَّ (من عرف نفسه فقد عرف ربّه). فالربُّ متجلٍّ بالنفس (وبالنفس صورته). فكلامه مرتبطٌ مع بعضه وإن تفرّق في الكتاب. إنَّ لسان حاله يقول: إن لم أرَ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنا صادقٌ أيضًا؛ لأنِّي أقول بوحدة الوجود، ونفسي أولى بالاتِّباع؛ لأنَّها أقرب صورة لي من (صور الربّ) فطاعتها طاعة للربّ وطاعة للرسول، وهو بذلك يفسّر الضمير في قوله تعالى (وأُولي الأمر منكم) [40].

وقال في كتابه: (عنقاء مغرب) [41]: أنّه قد كتبه بأمر قد صدر له، وكانت تسميته بهذا الاسم بعد أخذ ورد، حتى لقد قال: (كلّ ما أبرزناه لعين الناقد البصير، إنّما هو من تلقّيات الروح الأمين)، وذكر أنّ كتاب(عنقاء مغرب)، قد أنزله الله عليه، وأبرزه للعباد على يديه[42]، أمّا تأليفه لكتاب (فصوص الحكم) فقد ادّعى فيه أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، هو الذي أمره به، وأنّه إنّما أودع فيه ما حدّه له[43].

وبلغ أمر الوحي  عنده  الذروة في الفتوحات، حيث قال:

 (فالله تعالى رتّب على يدنا هذا الترتيب، فتركناه، ولم ندخل فيه برأينا، ولا بعقولنا. فالله يملي على القلوب بالإلهام جميع ما يسطره العالم في الوجود، فإنّ العالم كتاب مسطور إلهيّ)[44].

وادعى  فيه حين تكلّم حول أوائل السور، أنّه إنمّا فعله عن أمر رّبه، قائلًا:

(لا أتكلّم إلّا عن طريق الإذن، كما أنّي سأقف عند ما يُحَدُّ لي، فإنّ تأليفنا هذا وغيره لا يجري مجرى التواليف، ولا نجري منه نحن مجرى المؤلّفين، فإنّ كلّ مؤلّف إنّما هو تحت اختياره، وإن كان مجبورًا في اختياره، أو تحت العلم الذي يبثّه خاصّة، فيلقي ما يشاء، ويمسك ما يشاء)[45] وحين تكلّم عن معاني (ألم في سورة البقرة) زعم أنّه لا يقيّد مسألة عن هوى واختيار، إلّا عن وحي من ربّه وائتمار [46].

وحيث بلغ به هذا الحال من أنّه يوحى إليه ومأمورًا من النبيّ بالتبليغ، فلا مانع من أن يتكلّم بكلّ ما يريد، وإن كان قوله هذا يخالف ما أجمع عليه المسلمون أو ما اتّفق عليه علماء اللغة والبيان، ومن ذلك تفسيره لقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) [47]، حيث قال:(إنّ اللَّه أماتهم بالجهل، وأحياهم بالعلم والعقل)[48].

وتكون عنده ليلة القدر في أيّ شهر أراد، حيث إنّ نفسه تجول في العوالم  وتتطلّع على حركة الفلك والزمان (اختلف الناس في ليلة القدر: أعني في زمانها، فمنهم من قال: هي في السنة كلّها تدور، وبه أقول، فإنّي رأيتها في شعبان، وفي شهر ربيع، وفي شهر رمضان، وأكثر ما رأيتها في شهر رمضان وفي العشر الآخر منه، ورأيتها مرّة في العشر الوسط من رمضان في غير ليلة وتر وفي الوتر منها، فأنا على يقين من أنّها تدور في السنة في وتر وشفع من الشهر)‍[49].

ثانيًا: ادّعاؤه انّه خاتم الأولياء

كما أنّ للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) خاتميّة كذلك ابن عربي شارك النبيّ t بهذه الصفة، إلّا أنّه ادّعى بأنّه خاتم الأولياء، ولم يصرّح من هم هؤلاء الأولياء الذين جعل نفسه لهم خاتمًا، ونحن نقول إنّ كانوا أولياء الله فخاتمهم صاحب الأمر بالمعنى الإماميّ أو النبيّ t بالمفهوم الإسلاميّ العامّ، ولا فرق عندنا.

لكن ابن عربي يقرّ بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم الأنبياء، وينفي أن يكون صاحب الأمر خاتم الأولياء؛ لأن خاتميّة الولاية عنده أمر مشاع لا ينحصر بنسل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) (واستحقّ) أي النبيّt أن يكون لولايته الخاصّة ختم يواطئ اسمه t، ويحوز خلقه، وما هو بالمهديّ المسمّى المعروف المنتظر، فإنّ ذلك من سلالته وعترته والختم ليس من سلالته الحسّيّة، ولكنّه من سلالة أعراقه وأخلاقه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم) [50]، في اشارة إلى نفسه؛ لأنّ اسمه محمّد[51].

قال في الفصّ الشيثيّ:

(فمنّا من جهل في علمه فقال: العجز عن درك الإدراك إدراك)[52]

ثم قال: ومنّا من علم ولم يقل بمثل هذا[53]

ثم قال مصرّحًا بخاتميّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): وليس هذا العلم إلَّا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء[54].

وعاد ليحدّثنا عن رؤياه في الكعبة وكيف تأوّلها بأنّه خاتم الأولياء، بل أكّد أنّ الخاتميّة ليست منحصرة بأحد إشارة منه إلى أنّها غيرمختصّة بالنبيّ، بل دعا الله أن يحقّق له خاتميّة الأوّليّة التي أقرّ سابقًا أنّها خاصّة بالنبيّ، قال:

(ولقد رأيت رؤيا لنفسي في هذا النوع، وأخذتها بشرى من اللَّه، فإنّها مطابقة لحديث نبويّ عن رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، حين ضرب لنا مثله في الأنبياء %: مثلي في الأنبياء عليهم السّلام مثل رجل بنى حائطًا فأكمله إلَّا لَبِنَة واحدة، فكنت أنا تلك اللَّبنة، فلا رسول بعدي ولا نبيّ، فشبّه النبوّة بالحائط، والأنبياء باللَّبن الَّتي قام بها هذا الحائط، (وهوتشبيه في غاية الحسن) فإنّ مسمّى الحائط هذا، المشار إليه لم يصحّ ظهوره إلَّا باللَّبن، فكان (صلى الله عليه وآله وسلم)  خاتم النبيّين) ‍[55].

وروج أتباعه ومن يذهب مذهبه في المعرفة خاتميّته للأولياء، قال شارح الفصوص:

 (إنّه بقي تسعة أشهر في الخلوة لم يأكل طعامًا، وبعدها بُشّر بأنّه خاتم الولاية المحمّديّة، وقيل له: دليلك أنّ العلامة التي كانت بين كتفي الرسول الدالّة على أنّه خاتم النبوّة، هي نفسها بين كتفيك، تدلّ على أنّك خاتم الولاية) [56]

ولا بدّ لخاتم الأولياء أن يرى مثلما يرى خاتم الأنبياء هذا هو الأصل الذي أسّس عليه ابن عربي فكرته في الخاتميّة.

(وأمّا خاتم الأولياء، فلا بدّ له من هذه الرؤية، فيرى ما مثّله النبيّ صلّى الله عليه وسلم ويرى نفسه في الحائظ في موضع َلبِنَتين، ويرى نفسه تنطبع في موضع اللبنتين، فتكمل الحائط، والسبب الموجب لكونه يراها لبنتين أنّ الحائط لبنة من فضّة ولبنة من ذهب، واللبنة الفضّة هي ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام كما هو أخذ عن الله في الشرع ما هو في الصورة الظاهرة متّبع فيه؛ لأنّه يرى الأمر على ما هو عليه، فلا بدّ أن يراه هكذا، وهو موضع اللبنة الذهبيّة في الباطن فإنّه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى إليه إلى الرسول صلّى الله عليه وسلم قا:ل فإن فهمت ما أشرنا إليه فقد حصل لك العلم النافع) [57].

فحقّق  الوعد الذي قرّره لنفسه برؤيا رآها بمكّة، قال:

(فكنت بمكّة سنة تسع وتسعين وخمسمئة، أرى فيها - فيما يرى النائم - الكعبة مبنيّة بلبن فضّة وذهب لبنة فضّة، ولبنة ذهب، وقد كملت بالبناء وما بقي فيها شيء وأنا أنظر إليها وإلى حسنها، فالتفّت إلى الوجه الَّذي بين الركن اليمانيّ والركن الشاميّ، هو إلى الركن الشاميّ أقرب موضع لبنتين: لبنة فضّة ولبنة ذهب، ينقص في الحائط في الصفّين: في الصّف الأعلى ينقص لبنة ذهب، وفي الصّف الَّذي يليه ينقص لبنة فضّة، فرأيت نفسي قد انطبعت في موضع تلك اللَّبنتين، فكنت أنا عين تينك اللبنتين، وكمل الحائط، ولم يبق في الكعبة شيء ينقص وأنا واقف أنظر، وأعلم أنّي واقف، وأعلم أنّي تينك اللبنتين لا أشكّ في ذلك وأنّهما عين ذاتي، واستيقظت فشكرت اللَّه تعالى، وقلت متأوّلًا: إنّي في الأتباع في صنفي كرسول اللَّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الأنبياء عليهم السّلام، وعسى أن أكون ممن ختم اللَّه الولاية بي، وما ذلك على اللَّه بعزيز. وذكرت حديث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في ضربه المثل بالحائط وأنّه كان تلك اللَّبنة، فقصصت رؤياي على بعض علماء هذا الشأن بمكّة من أهل توزر، فأخبرني في تأويلها بما وقع لي، وما سمّيت له الرّائي من هو؟ فاللَّه أسأل أن يتمّها عليّ بكرمه، فإنّ الإختصاص الإلهيّ لا يقبل التحجير ولا الموازنة ولا العمل، وأنّ ذلك من فضل اللَّه يختصّ برحمته من يشاء واللَّه ذوالفضل العظيم [58].

فمن أكفر ممن ضرب لنفسه المثل بلبنة ذهب وللرسل المثل بلبنة فضّة فيجعل نفسه أعلى وأفضل من الرسل! تلك أمانيّهم  [59].

ومن لواحق هذا الإشكال أنّه نسب إلى نفسه كثيرًا من مختصّات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفرّق تلك النسب بين كتابيه الفتوحات والفصوص منها:

ادّعى في فتوحاته: أنّه أُسري به إلى السماء تسع مرات[60]

قال الحرّ العامليّ: ويظهر منه: أنّه يدعي المزية والفضيلة على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) [61]، حتّى أنّه يرى من خلفه، فهو يقول:

(ولما ورثته صلّى الله عليه وسلم في هذا المقام، كانت لي هذه الحالة، كنت أصلّي بالناس في المسجد الأزهر، بمدينة فاس، فإذا أدخلت المحراب أرجع بذاتي كلّها عينًا واحدًا، فأرى من جميع جهاتي، كما أرى قبلتي، ولا يخفى عليَّ الداخل ولا الخارج، ولا واحد من الجماعة، حتى إنّه ربما يسهو من أدرك معي ركعة من الصلاة، فإذا سلّمت، ورددت وجهي إلى الجماعة أدعو، أرى ذلك الرجل يجبر ما فاته، فيخلّ بركعة، فأقول: فاتك كذا وكذا. فيتمّ صلاته، ويتذكّر، فلا يعرف الأشياء، ولا هذه الأحوال إلّا من ذاقها، ومن كانت هذه حاله، فحيث كانت القبلة فهو مواجهها، هكذا ذقته نفسي، فلا ينبغي أن يُصلّى على الراحلة إلّا صاحب هذا الحال[62].

وقال وهو يتحدّث عن مقامٍ شهده في عالم المثال في حضرة الجلال، وأنّه رأى فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، (إلى أن قال) فالتفت السيّد الأعلى، والمورد العذب الأحلى، والنور الأكشف الأجلّ، فرآني وراء الختم، لاشتراك بيني وبينه في الحكم.

فقال له السيّد: هذا عديلك، وابنك، وخليلك) [63]،ويقول: (إنّ الأنبياء تفتّن في الممات، كما يُفتن المؤمنون[64] وعند ذكر الحديث النبويّ  الذي يقول:(قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم وآله إبراهيم)[65] قال:(يظهر من هذا الحديث فضل إبراهيم على رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم؛ إذ طلب من الله أن يصلّي عليه مثل الصلاة على إبراهيم)[66]،مع أنّ أفضليّة النبيّ على جميع الخلق مجمع عليها عند علماء المسلمين).

ويذكر أنّ كذبات إبراهيم الثلاث قد أثّرت عنده يوم القيامة فاستحى أن يطلب من الله فتح باب الشفاعة[67]

إنّ اتّهامه أعظم الأنبياء بالكذب أمر عجيب لا يقوله من يدّعي المعرفة، وإن الكذبات المزعومة كانت تورية ولم تكن كذبًا، وهذا يعرفه كلّ مفسّر:

عن الحسن الصيقل قال: قلت لأبي عبد الله  (عليه السلام): إنّا قد روينا عن أبي جعفر (عليه السلام)..قال إبراهيم (عليه السلام): (بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون) ؟ فقال: والله ما فعلوا وما كذب.. إنّ إبراهيم (عليه السلام) إنّما قال: (بل فعله كبيرهم هذا) إرادة الإصلاح ودلالة على أنّهم لا يفعلون[68] وعن أبي جعفر (عليه السلام)  قال : لقد قال إبراهيم: (إنّي سقيم) والله ما كان سقيمًا وما كذب، ولقد قال إبراهيم: (بل فعله كبيرهم) وما فعله كبيرهم وما كذب[69]

إشكالات  معرفيّة في عقيدة المعاد   

أوّلًا: انقطاع العذاب عن أهل النار

إنّ من المسائل المهمّة التي شغلت متكلّمي الإسلام هي مسألة الجزاء الأخرويّ نعيمًا وعذابًا وصفات المنعّمين والمعذّبين، وأسباب الشقاء وآثار الجزاء، وتفرّعوا في هذه المسألة إلى عدّة اتجاهات وآراء، ومن فروع هذه المسألة ظهر القول  بانقطاع العذاب عن أهل النار، فقال قوم بالدوام والتأبيد لأهل النار، كما هو عليه جلّة علماء الاسلام ومشهورهم، واختلف معهم جماعة ممن شذّ عن المسلمين، فقال بانقطاع العذاب عنهم بعد أن يقضوا فترة يستوفوا جزاءهم.

ثمّ إنّ المسألة بما قدّم لها هولاء -بما زعموا – أنّها أدلّة دعمت أفكار الملاحدة المعاصرين، الذين راحوا يروّجون إلى أنّ الرحمة الإلهيّة التي يزعمها أصحاب الديانات تتنافى مع الخلود في النار، وصاروا يبثّون بين أوساط الشاب من أهل الديانات التوحيديّة أن لا خلود بحسب مقولتكم،  فَسَرت هذ الشبهة كالنار في الهشيم، وتلقّاها كثير من الناس بالقبول جهلًا منه وغفلة وتسامحًا.

والحال أنّ المسألة لم تكن مهملة من قبل العلماء، لاسيّما علماء الإماميّة، فقد تناولوها بالبحث وإبطال براهين القائلين بالانقطاع.

إنّ القول بانقطاع العذاب عن أهل النار في الحقيقة هو قول يخالف ما أجمع عليه علماء الاسلام ومعارضة صريحة لآيات الكتاب ونصوص الأحاديث الشريفة، وقد علّل الأئمّة عليهم السلام الخلود بدوام نوايا الكفار بإضمار المعصية والمخالفة لله سبحانه، فإنه تعالى يقول:(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ولا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ).

قوله (أَبَدًا) دليل على خلودهم في النار، وعدم انقطاع العذاب عنهم، ولولا لفظ التأبيد لكان لفظ الخلود محتملًا للدوام والاستمرار، ولطول أمد المكث في جهنّم[70].

ومنه قوله: قال تعالى: (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُومُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا كُلًا نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا) [71].

يرى السيّد الطباطبائيّ أنّ الله سبحانه في  الآية (يجعل العذاب والشكر كليهما من العطيّة والرحمة، وتجعل تحقّق كلٍّ منهما مرتبطة بإرادة العبد وسعيه وهذا بعينه الطريق الذي سلكناه في أصل المسألة ودفع الإشكالات عنها) [72].

أمّا نصوص أهل البيت %، فقد جاءت صريحة في إثبات الخلود وتعيّن أسبابه وعلله، (قال أبو عبد الله (عليه السلام): إنّما خُلّد أهل النار في النار؛ لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا أن لوخلّدوا فيها أن يعصوا الله أبدًا، وإنّما خُلّد أهل الجنّة في الجنّة؛ لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا الله أبدًا، فبالنيّات خُلّد هؤلاء وهؤلاء، ثمّ تلا قوله تعالى:(قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) [73] قال: على نيّته) [74]

القائلين بانقطاع العذاب

ولعلّ أبرز من قال بهذه المسألة وبرهن بزعمه على صحّتها ابن عربي في كتابه فصوص الحكم، فقد جاء في الفصّ اليونسيّ:

(وأمّا أهل النّار فما لهم إلى النعيم، ولكن في النّار؛ إذ لا بدّ لصورة النّار بعد انتهاء مدّة العقاب أن يكون بردًا وسلامًا على من فيها، وهذا نعيمهم، فنعيم أهل النّار بعد استيفاء الحقوق نعيم خليل اللَّه حين أُلقي في النّار) [75] .

فلا عذاب ولا ثواب إذن بالمعنى الدينيّ في الدار الآخرة، بل مآل الخلق جميعًا إلى النعيم المقيم، سواء منهم من قُدّر له الدخول في الجنة، ومن قُدّر له الدخول في النار، فإنّ نعيم الجميع واحد وإن اختلفت صوره وتعدّدت أسماؤه.

 يقول ابن عربي في حقّ أهل النار:

وإن دخلوا دار الشقاء فإنّهم

على لذّة فيها نعيم مباين

نعيم جنان الخلد والأمر واحد

وبينهما عند التجلّي تباين

يسمّى عذابًا من عذوبة لفظه

وذاك له كالقشر والقشر صائن

أمّا الاختلاف بين أهل الجنّة وأهل النار، فاختلاف في درجة كلٍّ من الطائفتين في المعرفة بالله ومرتبتهم في التحقّق بالوحدة الذاتيّة مع الحقّ[76].

وتابع شرّاح الفصوص ابن عربي في مقالته هذه، فقد قال عليّ بن التركة:

(إنّه يمكن أن يقال: إنّ الأمر في الناس وبقاء صورته في تلك النشأة متفاوت: فإنّ السعداء في درجات النعيم. والأشقياء في دركات عذاب الجحيم، فكيف يكون الكلّ مرجعه واحدًا ؟ فنبّه على بيانه بقوله: (وأمّا أهل النار فمآلهم إلى النعيم، ولكن في النار) والنصوص الواردة فيهم بمعنى الخلود إنّما يدلّ على الخلود فيها - لا في العذاب - (إذ لا بدّ لصورة النار بعد انتهاء مدّة العقاب أن تكون بردًا وسلامًا على من فيها، وهذا نعيمهم).

(فنعيم أهل النار بعد استيفاء الحقوق) يعني بعد أن أدّى حقوق وجوه المخالفات والعداوات، وصنوف المتقابلات، مما يقتضي اختفاء حكم الاتّحاد الذي هو مقتضى أمر الخِلَّة والمحبّة (نعيم خليل الله حين ألقي في النار).

ثمّ لما استشعر أنّه يمكن أن يُقال: كيف يُجعل الخليل مقيسًا عليه، وهو لم يكن معذّبًا قطّ؟ تعرّض لدفعه بقوله: (فإنّه (عليه السلام)  تعذّب برؤيتها) النظريّة التي هي منتهى نتائج مقدّمات الكثرة (وبما تعوّد في علمه) - تقليدًا للمشهور المعهود - (وتقرّر من أنّها صورة تؤلم من جاورها من الحيوان، وما علم مراد الله فيها ومنها في حقّه، فبعد وجوه هذه الآلام وجد بردًا وسلامًا مع شهود الصورة الكونيّة في حقّه، وهي نار في عيون الناس) بحسب صورته النوعيّة العينيّة المعاينة، فإنّها ما تغيّرت عن صورتها)[77].

وقال القيصريّ: ومال أهل النّار إلى النعيم المناسب لأهل الجحيم، إمّا بالخلاص من العذاب أو الالتذاذ به بالتعوّد أو تجلَّي الحقّ في صورة اللطف في عين النّار كما جعل النّار بردًا وسلامًا على إبراهيم، ولكن ذلك بعد انتهاء مدّة العقاب كما جاء ينبت في قعر جهنّم الجرجير وما جاء نصّ بخلود العذاب، بل جاء الخلود في النّار ولا يلزم منه خلود العذاب.

وقال أيضا في شرح الفصّ الهودى: واعلم أنّ كلّ من اكتحلت عينه بنور الحقّ يعلم أنّ العالم بأسره عباد اللَّه وليس لهم وجود وصفة وفعل إلَّا باللَّه وحوله وقوّته، وكلَّهم محتاجون إلى رحمته وهو الرّحمن الرحيم، ومن شأن من هو موصوف بهذه الصّفات أن لا يعذّب أحدًا عذابًا أبدًا، وليس ذلك المقدار من العذاب أيضًا إلَّا لأجل إيصالهم إلى كمالاتهم المقدّرة لهم كما يذهب الذّهب والفضة في النّار لأجل الخلاص ممّا يكدّره وينقّص عياره، فهو متضمّن لعين اللطف والرّحمة كما قيل:

وتعذيبكم عدل وسخطكم رضى

وقطعكم وصل وجوركم عدل

وفي (الفتوحات المكّيّة) اعتبر أنّه لا دليل للعقل على وجود العذاب الدائم أو غيره، بل يجوز أن يرتفع هذا العذاب عن أهل النار مع كونهم فيها، فعلى رأيه أنه لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط، بحيث يكون الله إلهًا بجميع أسمائه، ومع ذلك من غير ألم وعذاب. وبالتالي فإنّه ينتهي إلى أنّ التحقيق في أمر العذاب ومدّته لا يكون الّا من خلال النصّ المتواتر أو الكشف الواضح الذي لا تدخله شبهة[78].

ومنهم أيضًا ابن تيميّة وتلميده ابن القيّم، فقد ذهب ابن قيّم الجوزيّة إلى القول وذكر في مسألة فناء النار سبعة أقوال للعلماء، ورجّح من بين هذه الأقوال أن النار لها أمد ستفنى فيه؛ ذلك أنّ الله تعالى سيفنيها، وقد أيّد هذا القول بوجوه عديدة على لسان قائليها، منها أنّ الله قد أخبر في ثلاث آيات عن النار بعدم أبديّتها أي دوامها وهي:

 قوله تعالى:( لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) [79] فتقييد اللبث لأهل النار في النار بالأحقاب أي الأزمنة يدل على مدّة مقدّرة يحصرها العدد؛ لأنّ ما لا نهاية له لا يقال فيه هو باقٍ أحقابًا، وقد فهم الصحابة ذلك من الآية، وهم أفهم الأمّة لمعاني القرآن الكريم.

وقوله تعالى: (قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ) [80]

وقوله تعالى:(خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) [81].

فالاستثناءان في الآيتين مختلفان والدليل على أنّ الاستثنائين مختلفين هو أن الاستثناء الأوّل قال الله تعالى فيه (إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ)، فلم يقيّد هذا الاستثناء بما يدلّ على الديمومة غير المنقطعة بخلاف الاستثناء الثاني الذي قيّده الله تعالى بالديمومة غير المنقطعة، فعلم من الآية الثانية ـن الله تعالى لم يقيّد هذا العطاء الذي امتنّ به على أهل الجنّة في الجنّة، فهو غير مقطوع عنهم أبدًا بدليل قوله جل ذكره (عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ) [82] أي عطاء غير مقطوع؛ لأنّ كلمة مجذوذ لغة تعني غير مقطوع، وهذا الفهم أنّ عذاب أهل النار في النار هو عذاب غيرأبديّ لا بدّ أن ينتهي فيما أراده الله تعالى من الأزمان والآباد، وأنّ نعيم أهل الجنّة في الجنّة أبديّ لا ينقطع أبدًا بدليل قوله جلّ ذكره (عطاء غير مجذوذ) أي مقطوع، وبهذا الفرق بين نعيم أهل الجنّة في الجنّة وعذاب أهل النار في النار، فهم الصحابة، حتى قال عمر بن الخطاب: (لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج، لكان لهم يوم يخرجون فيه).

 وقال ابن مسعود: (ليأتين على جهنّم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابًا.

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص وأبو هريرة: (إنّه سيأتي على جهنّم يوم لا يبقى فيها أحد وقرأ الآية (فأمّا الذين شقوا ففي النار) وقال ابن عباس في رواية عنه في الآية استثناء

(إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ) أي (إنّ الله تعالى يأمر النار أن تأكلهم) [83].

وقد ردّ العلماء هذا القول وناقشوا في صحّة إسناد الأحاديث المنقولة فيه عن الصحابة، ومع ثبوت صحّة قول الصحابة، فهو رأيهم الخاصّ بهم، وليس من دين الله في شيء.

وقد مالَ بعض فلاسفة الشيعة وبعض العرفاء إلى مسالة الانقطاع إلّا أنّهم فرّقوا بين حصول العذاب ودوامه، فقالوا إنّ مصير الكلّ إلى الجنة واللذّة، فملّا هادي السبزوارّي يرى أنّ دوام العذاب لم يبلغ حدّ الضرورة الدينيّة بخلاف الخلود الآخر[84].

وعدّ الجميع مأجورًا وسعيدًا ومرضيًّا عنه، واعتبر أنّ من العباد من تدركهم بعض الآلام في الآخرة، ومع هذا فلا يقطع أحد من أهل العلم الذين كشفوا الأمر على ما هو عليه، إنّه لا يكون لهم في دار جهنّم نعيم خاصّ؛ إمّا بفقد ألم كانوا يجدونه فارتفع عنهم، فيكون نعيمهم راحتهم من وجدان ذلك الألم، أو يكون لهم نعيم مستقلّ زايد، كنعيم الجنان في الجنان[85].

أمّا الملّا صدرا، فيعتبر (أنّ تعذيب الله بعض عباده عذابًا أبديًّا فيه إشكال عظيم، خاصّة عند القائلين بالتحسين والتقبيح العقليّين، حيث إنّ الله خالق العباد وهومبدئهم ومعادهم، وشأن العلّة الفاعلة الإفاضة والإيجاد على معلوله، إذ ليس المعلول إلّا رشحة من رشحات وجوده ولمعة من لمعات وجوده، والتعذيب الأبديّ ينافي الإيجاد والعلّيّة. وأيضًا فإن ذاته محض الرحمة والخير والنور، وكلّ ما يصدر عنه يجب أن يكون من باب الجود واللطف والكرم، ووجود العاهات والشرور إنّما يكون عنه بالعرض وعلى سبيل الشذوذ والندرة، ولأنّه سبقت رحمته غضبه، فإنّ الرحمة ذاتيّة والغضب أمر عارض، والعارض الاتفاقيّ لا يكون أكثريًّا ولا دائميًّا)[86].

واحتجّ القائلون بالانقطاع بظواهر بعض الآيات وبعض  الأحاديث المجعولة، فمن الآيات  مثل قوله تعالى: (النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) [87] قال ابن عباس: استثنى الله تعالى قومًا، سبق في علمه أنّهم يسلّمون ويصدّقون النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى هذا القول يجب أن تكون ما بمعنى من[88].

وقوله تعالى:(فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ) [89].

قال الفخر الرازيّ في تفسير الآية إن الاستدلال بها من وجهين:

الأوّل: أنّه تعالى قال (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ) دلّ هذا النصّ على أنّ مدّة عقابهم مساوية لمدّة بقاء السموات والأرض، ثمّ توافقنا على أّن مدّة بقاء السموات والأرض متناهية، فلزم أن تكون مدّة عقاب الكفّار منقطعة.

الثاني: أنّ قوله (إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ) استثناء من مدّة عقابهم، وذلك يدلّ على زوال ذلك العذاب في وقت هذا الاستثناء [90].

أمّا الأخبار المجعولة فمنها حديثهم المرسل المجعول الذي ذكره المتصوّف الجاميّ في شرح منتخب الفصوص، حيث نقل عن رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ  وَآلِهِ  وسلَّم أنّ بعض أهل النار يتلاعبون بالنّار [91]، ونقل عنه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ  وَآلِهِ وسلَّم أيضًا أنّه قال: سيأتي على جهنّم زمان ينبت من قعرها أو من قفرها الجرجير[92].

وهذه الأحاديث مضافًا إلى مخالفتها لصريح الآيات والروايات المتواترة، وقد نُصّ في أخبارنا بأنّها مجعولة كاذبة كما نصّ على ردّ ما توهّموه من انقطاع العذاب وإنفاد العقاب[93].

فقد روى عن موفّق مولى أبي الحسن (عليه السلام) قال: كان مولاي أبو الحسن (عليه السلام) إذا أمر بشراء البقل يأمر بالإكثار منه ومن الجرجير، فيشرى له، وكان يقول (عليه السلام): ما أحمق بعض الناس يقولون: إنّه ينبت في وادى جهنّم، واللَّه عــزّ وجلّ يقــول: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ) [94] ، فكيف ينبت البقل[95].

وعن حمران قال: قلت لأبي عبد اللَّه (عليه السلام): إنّه بلغنا أنّه يأتي على جهنّم حين يصطفق أبوابها فقال: لا واللَّه، إنّه الخلود، قلت: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ)، فقال (عليه السلام)  هذه في الذين يخرجون من النار[96].

إشكالات القائلين بانقطاع العذاب على أبديّته

استشكل من قال بانقطاع العذاب على من قال بأبديّته بعدّة إشكالات، منها: أوّلًا:  أنّ الله سبحانه ذو رحمة واسعة غير متناهية، فكيف يسع رحمته أن يخلق من مصيره إلى عذاب خالد لا يقوم له شيء؟

(أو باعتبار أنّ الرحمة ذاتيّة، وهي تَسَعُ كلّ شيء، بينما الغضب عرضيّ قسريّ لا يدوم، وهو مسبوق بالرحمة، أو لكون حركة الأشياء في النهاية كالبداية، وأنّ الكلّ مُساق إلى الحقّ تعالى كما بدأ منه. أو باعتبار أنّ منطق السنخيّة يقتضي أن يكون كلّ موجود عبارة عن لمعة من الأصل)[97].

ثانيًا: أنّ العذاب إنّما يكون عذابًا إذا لم يلائم الطبع، فيكون قسرًا ولا معنى للقسر الدائم، فكيف يصحّ وجود عذاب دائم ؟.

ثالثًا: أنّ العبد لم يذنب إلّا ذنًبا منقطع الآخر، فكيف يُجازى بعذاب دائم؟

رابعًا: أنّ أهل الشقاء لا يقصر خدمتهم لنظام التكوين عن خدمات أهل السعادة، ولولاهم لم تتحقّق سعادة لسعيد، فما هو الموجب لوقوعهم في عذاب مخلّد؟

خامسًا: أنّ العذاب للمتخلّف عن أوامر الله ونواهيه انتقام، ولا يكون الانتقام إلّا لجبر النقص الذي أورده العاصي الظالم على المنتقم المقتدر، ولا يجوز ذلك على الله تعالى، فهو الغنيّ المطلق، فكيف يجوز منه العذاب، وخاصّة العذاب المخلّد ؟.

ردّ السيّد الطباطبائيّ:

وقد ردّ السيّد الطباطبائيّ في الميزان على هذه الإشكالات مجملًا ومفصّلًا أمّا الإجمال فقد قال:

(إنّ العذاب الخالد أثر وخاصّة لصورة الشقاء الذي لزمت الإنسان الشقيّ، فتصور ذاته بها بعد تماميّة الاستعداد الشديد الذي حصل في ذاته القابلة لها بواسطة الأحوال العارضة لها المنتهية إلى اختياره، واشتداد الاستعداد التامّ هو الذي يوجب في جميع الحوادث إفاضة الصورة المناسبة لسنخ الاستعداد، فكما لا يجوز السؤال عن علّة تحقّق الأفعال الإنسانيّة بعد ورود الصورة الإنسانيّة على المادّة لوجود العلّة التي هي الصورة الإنسانيّة، كذلك لا معنى للسؤال عن لمّيّة ترتّب آثار الشقاء اللازم، ومنها العذاب المخلّد بعد تحقّق صورة الشقاء اللازم، المنتهية إلى الاختيار، فإنّها آثارها وخواصها، فبطلت السؤالات جميعًا، فهذا هو الجواب الإجماليّ عنها) [98].

ثمّ فصل الجواب عن كلّ واحد من هذه الإشكالات:

الجواب عن الأوّل:

 أنّ الرحمة فيه تعالى ليس بمعنى رقّة القلب والإشفاق والتأثّر الباطنيّ، فإنّها تستلزم المادّة - تعالى عن ذلك -، بل معناها العطيّة والإفاضة لما يناسب الاستعداد التامّ الحاصل في القابل، فإنّ المستعدّ بالاستعداد التامّ الشديد يحبّ ما يستعدّ له ويطلبه ويسأله بلسان استعداده، فيُفاض عليه ما يطلبه ويسأله، والرحمة رحمتان: رحمة عامّة، وهي إعطاء ما يستعدّ له الشيء ويشتاقه في صراط الوجود والكينونة، ورحمة خاصّة، وهي إعطاء ما يستعدّ الشيء في صراط الهداية إلى التوحيد وسعادة القرب وإعطاء صورة الشقاء اللازم الذي أثّره العذاب الدائم للإنسان المستعدّ له باستعداده الشديد لا ينافي الرحمة العامّة، بل هومنها، وأمّا الرحمة الخاصّة، فلا معنى لشمولها لمن هو خارج عن صراطها، فقول القائل: إنّ العذاب الدائم ينافي الرحمة إن أراد به الرحمة العامّة، فليس كذلك، بل هو من الرحمة العامّة، وإن أراد به الرحمة الخاصّة، فليس كذلك، لكونه ليس موردًا لها، على أنّ الإشكال لو تمّ لجرى في العذاب المنقطع أيضًا حتى أنواع العذاب الدنيويّ، وهو ظاهر.

الجواب عن الثاني

 أنّه ينبغي أن يُحرّر معنى عدم ملائمة الطبع، فإنّه تارة بمعنى عدم السنخيّة بين الموضوع والأثر الموجود عنده، وهو الفعل القسريّ الذي يصدر عن قسر القاسر ويقابله الأثر الملائم الذي يصدر عن طبع الشيء إذا اقترن به آفات، ثمّ رسخت فيه فصارت صورة في الشيء، وعاد الشيء يطلبه بهذا الوجود، وهو في عين الحال لا يحبّه كما مثلنا فيه من مثال الماليخوليائيّ، فهذه الآثار ملائمة لذاته من حيث صدورها عن طبعه الشقيّ الخبيث والآثار الصادرة عن الطباع ملائمة، وهي بعينها عذاب لصدق حدّ العذاب عليها لكون الشيء لا يرتضيها، فهي غير مرضية من حيث الذوق والوجدان في عين كونها مرضية من حيث الصدور.

الجواب عن الثالث

 أنّ العذاب في الحقيقة ترتّبُ أثر غير مرضيّ على موضوعه الثابت حقيقة، وهو صورة الشقاء، فهذا الأثر معلول الصورة الحاصلة بعد تحقّق علل معدّة، وهي المخالفات المحدودة، وليس معلولًا لتلك العلل المعدّة المحدودة حتى يلزم تأثير المتناهي أثرًا غير متناه، وهو محال، ونظيره أنّ عللًا معدّة ومقرّبات معدودة محدودة أوجبت أن تتصوّر المادة بالصورة الإنسانيّة، فيصير إنسانًا يصدر عنه آثار الإنسانيّة المعلولة للصورة المذكورة، ولا معنى لأن يُسأل ويقال: إنّ الآثار الإنسانيّة الصادرة عن الإنسان بعد الموت صدورًا دائميًّا سرمديًّا لحصول معدّات محدودة مقطوعة الأمر للمادة، فكيف صارت مجموعًا منقطع الآخر من العلل سببًا لصدور الآثار المذكورة وبقائها مع الإنسان دائمًا لأنّ علّتها الفاعلة - وهي الصورة الإنسانيّة موجودة معها دائمّا على الفرض، فكما لا معنى لهذا السؤال لا معنى لذلك أيضًا.

الجواب عن الرابع

 أنّ الخدمة والعبوديّة أيضًا مثل الرحمة على قسمين: عبوديّة عامّة، وهو الخضوع والانفعال الوجوديّ عن مبدأ الوجود، وعبوديّة خاصّة وهو الخضوع والانقياد في صراط الهداية إلى التوحيد، ولكلّ من القسمين جزاء يناسبه وأثر يترتّب عليه ويخصّه من الرحمة، فالعبوديّة العامّة في نظام التكوين جزاؤه الرحمة العامّة، والنعمة الدائمة والعذاب الدائم كلاهما من الرحمة العامّة، والعبوديّة الخاصّة جزاؤه الرحمة الخاصّة، وهي النعمة والجنّة وهو ظاهر، على أنّ هذا الإشكال لو تمّ لورد في مورد العذاب المنقطع الأخرويّ بل الدنيويّ أيضًا.

الجواب عن الخامس

 أنّ العذاب الدائم مستند إلى صورة الشقاء الذي في الإنسان كما عرفت، وإلى الله سبحانه بالمعنى الذي يُقال في كلّ موجود إنّه مستند إليه تعالى، لا بمعنى الانتقام وتشفّي الصدر المستحيل عليه تعالى، نعم، الانتقام بمعنى الجزاء الشاقّ والأثر السيّئ الذي يجزي به المولى عبده في مقابل تعدّيه عن طور العبوديّة، وخروجه عن ساحة الانقياد إلى عرصة التمرّد والمخالفة مما يصدق فيه تعالى، لكن لا يستلزم كون العذاب انتقامًا بهذا المعنى إشكالًا البتّة، على أنّ هذا الإشكال أيضًا لو تمّ لورد في مورد العذاب الموقّت المنقطع في الآخرة، بل في الدنيا أيضًا  [99].

الثانية:القول بإيمان فرعون

من الإشكالات الكبرى التي تؤخذ على ابن عربي هي قوله بإيمان فرعون، وأنّه طاهر ومآله في الآخرة إلى النعيم يرافق فيها زمرة المؤمنين والأنبياء بمن فيهم موسى (عليه السلام) ، فقد ذكر ذلك في الفصوص:

 (فقالت لفرعون في حقّ موسى: إنّه (قرّة عين لي ولك)، فبه قرّت عينها بالكمال الذي حصل لها كما قلنا، وكان قرّة عين لفرعون بالإيمان الذي أعطاه الله عند الغرق، فقبضه طاهرًا مطهرًا، ليس فيه شيء من الخبث، لأنّه قبضه عند إيمانه، قبل أن يكتسب شيئًا من الآثام، والإسلام يجبّ ما قبله.. وجعله آية على عنايته سبحانه من شاء، حتى لا ييأس أحد من رحمة الله، فإنّه لا ييأس من رَوْح الله إلّا القوم الكافرون..فلو كان فرعون ممن يئس، ما بادر إلى الإيمان، فكان موسى كما قالت امرأة فرعون فيه: إنّه قرّة عين لي ولك، عسى أن ينفعنا، وكذلك وقع، فإنّ الله نفعهما به (عليه السلام) [100].

إن هذا يخالف ما دلّ على أنّ الإسلام حين رؤية البأس لا ينفع، مع أنّ الله قد أنكر عليه إيمانه حال غرقه، فقال(آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) ورواياتنا عن أئمّتنا عليهم السلام قد دلّت على ذلك أيضًا..

عن إبراهيم بن محمد الهمدانيّ قال: قلت لأبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) : لأيّ علّة أغرق الله عز ّوجلّ فرعون وقد آمن به وأقرّ بتوحيده ؟ قال: إنّه آمن عند رؤية البأس، وهو غير مقبول: وذلك حكم الله تعالى ذكره في السلف والخلف قال الله تعالى: (فلمّا رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنّا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لمّا رأوا بأسنا)، وقال الله عز وجل: (يوم يأتي بعض آيات ربّك لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا)، وهكذا فرعون لما أدركه الغرق قال: (آمنت أنّه لا إله إلّا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين)، فقيل له (الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين، فاليوم ننجّيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية) [101].

وفي الآيات تصريح بأنّ فرعون ومن معه أئمّة يدعون إلى النار، وأنّه تعالى قد اتّبعهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين، وقد أجمع المسلمون على أنّ إيمان اليأس[102] لا ينفع عند الغرغرة، ولا عند معاينة عذاب الاستئصال، لقوله تعالى: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لمّا رأوا بأسنا) [103]؛ لذا أجمعوا على كفر فرعون، وخالف في ذلك ابن عربي، وقال ابن حجر في الزواجر: فإنّا وإن كنّا نعتقد جلالة قائله، فهو مردود[104].

إنّ الأمّة مجمِعة على تصديق نصّ القرآن وأنّ المنكر لنصّه رادّ على اللّه وهو على حدّ الشرك. فيما كتب  الإمام على بن محمد الهادي (عليه السلام)  في رسالته إلى بعض مواليه من أهل الأهواز في القدر قال (عليه السلام):

(وَقَدِ اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ قَاطِبَةً لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْفِرَقِ وَفِي حَالِ اجْتِمَاعِهِمْ مُقِرُّونَ بِتَصْدِيقِ الْكِتَابِ وَتَحْقِيقِهِ مُصِيبُونَ مُهْتَدُونَ وَذَلِكَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ص لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ فَأَخْبَرَ أَنَّ جَمِيعَ مَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ كُلُّهَا حَقٌّ هَذَا إِذَا لَمْ يُخَالِفْ بَعْضُهَا بَعْضًا وَالْقُرْآنُ حَقٌّ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي تَنْزِيلِهِ وَتَصْدِيقِهِ فَإِذَا شَهِدَ الْقُرْآنُ بِتَصْدِيقِ خَبَرٍ وَتَحْقِيقِهِ وَأَنْكَرَ الْخَبَرَ طَائِفَةٌ مِنَ الْأُمَّةِ لَزِمَهُمُ الْإِقْرَارُ بِهِ ضَرُورَةً حِينَ اجْتَمَعَتْ فِي الْأَصْلِ عَلَى تَصْدِيقِ الْكِتَابِ فَإِنْ هِيَ جَحَدَتْ وَأَنْكَرَتْ لَزِمَهَا الْخُرُوجُ مِنَ الْمِلَّةِ)[105].

فاخبر (عليه السلام)  أنّ القرآن إذا شهد لخبر فأنكره شخص وجحده لزمه الخروج عن ملّة الإسلام،  هذا والقرآن نصّ في أنّ فرعون كافر وظالم وجاحد إلى غير ذلك، والقرآن ينطق بما لا يحتمل التأويل، مثل قوله تعالى (فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) [106]  وقـال تعالى (فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى).[107].

 وأمثال ذلك من الآيات المحكمات الّتي أجمعت الأمّة على أنّها نصّ لا تحْتمل النقيض، وعلى أنّ منكر نصّ القرآن خارج عن ملّة الاسلام ونصّ القرآن ونصّ أحاديث أَهْلِ العِصْمة % في ذلك كثير لا يَكاد يُحْصى والأمّة مجمعة على ذلك [108].

وأصل فكرة إيمان فرعون عند ابن عربي راجع إلى  القول بوحدة الوجود، فقد صرّح في الفصّ الموسويّ إنّ فرعون عين الحقّ قد ظهر بهذه الصورة. وهذه عبارته:

(فصحّ قوله (أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى) [109]، وإن كان عين الحقّ، فالصورة لفرعون، فقطع الأيدي والأرجل بعين حقّ في صورة باطل، لنيل مراتب لا تنال إلّا بذلك الفعل[110].

ويبدو أن عقيدة ابن عربي في  القول بإيمان فرعون استهوت كثيرًا ممن يذهب إلى رأيه فيها كعبد الوهاب الجوجريّ [111] والحسن الخيّاط [112]، وقد كتب العلماء في الردّ على ابن عربي بخصوص هذه العقيدة عدّة مؤلّفات [113].

فهو لم يقتصر على القول بما يخالف الكتاب والسنّة، بل أحدث فتنة وسط المجتمع الإسلاميّ شوّش بها أذهان المسلمين، وزعزع عقائدهم، وفتح للمشركين وأهل الكتاب بابًا لا يغلق إلّا بجهود علميّة حثيثة في الردّ على شبهاته وأوهامه.

وقد خطأ ابن عربي في اعتقاداته  العديد من علماء الجمهور، فممن ردّ عليه ابن الخيّاط[114] في كتاب (منع الاشتغال بكتب ابن عربي)  وللبلاطُنُسيّ [115] آراء في  تقبيح ابن عربي، وكان إبراهيم الحلبيّ[116]كثير الانتقاد له، وقد صنّف في الردّ عليه كتابًا سمّاه:(تنبيه الغبي في الردّ على ابن عربي).

وقال السبكيّ: ومن كان من هؤلاء الصوفيّة المتأخّرين كابن عربي وابن سبعين والقطب القونويّ والعفيف التلمسانيّ، فهؤلاء ضلّال جّهال خارجون عن طريق الإسلام فضلًا عن العلماء[117]، وقال ابن المقري في روضه: إنّ الشك في كفر طائفة ابن عربي كفر [118].

أمّا السيوطيّ  فله رسالة سمّاها (تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي) ذكر فيها أنّ الناس افترقوا فيه فرقتين: الفرقة المصيبة تعتقد ولايته، والأخرى بخلافها. ثم قال: والقول الفصل عندي فيه طريقة لا يرضاها الفرقتان، وهي اعتقاد ولايته وتحريم النظر في كتبه [119].

ونقل القشيريّ عن عز الدين عبد السلام، وقد سئل عن ابن عربي فقال: شيخ سوء كذّاب، فقيل: وكذّاب أيضًا ؟ قال نعم، تذاكرنا يومًا نكاح الجنّ فقال: الجن روح لطيف والإنس جسم كثيف فكيف يجتمعان؟ ثم غاب عنّا مدّة وجاء وفي رأسه شجّة، فقيل له في ذلك فقال: تزوّجت امرأة من الجنّ فحصل بيني وبينها شيء فشجّني هذه الشجّة[120].

وخلاصة القول إنّ ابن عربي الذي يعتبر مشيّد منهج العرفان النظريّ  في الإسلام، ومن له المؤلّفات التي يعتمد عليها في هذا الاتجاه، وقع في إشكالات، ألحقت ضررًا كبيرًا في العقيدة الإسلاميّة، ولازال له أتباع يوسّعون دائرة هذه الإشكالات بين المسلمين لا سيّما وأنّ الرجل أصبح محطّ رحال المستشرقين في أبحاثهم؛ لذا اقتضى هذا البحث التنويه عنها وبيان ثبوت هذه الدعاوى لمدعيها، مما ينبغي لعلماء الأمّة التصدّي للردّ عليها حياطة للدين والعقيدة.والحمدلله رب العالمين.

مصادر البحث

1- ابن الاثير، أبو السعادات المبارك بن محمد الجزريّ (ت 606هـ ـــ 1209م)، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق:  طاهر أحمد الزاوي  ومحمود محمد الطناحي، المكتبة العلميّة، بيروت، 1979

2- الإحسائي، الشيخ أحمد بن زين الدين، (جوامع الكلم (مجموعة رسائل ومؤلّفات الشيخ أحمد الإحسائيّ)، مطبعة الغير – البصرة،

3- الآملي، السيّد حيدر(720 - 782)، تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم، حقّقه وقدّم له وعلّق عليه محسن الموسويّ التبريزيّ، قم: سنة 1428

4- الأعرجيّ، ستار، الوحي ودلالته في القرآن الكريم والفكر الإسلاميّ، دار الكتب العلميّة –بيروت ، الطبعة الأولى سنة 2001 م.

5- الآلوسيّ (ت 1270هـ) أبي الفضل شهاب الدين السعيد محمود، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني – دار الكتب العلميّة، ط2.

6- الآلوسي، حسام الدين، مشكلة الخلق في الفكر الإسلاميّ، ترجمة باسمة جاسم الشمريّ، بيت الحكمة -بغداد، الطبعة الأولى سنة 2008

7- بدوي، عبدالرحمن، مقالات الإسلاميّين، دار العلم للملايين – بيروت، الطبعة الثالثة سنة 2008 م

8- البروجرديّ، حسين (1353 – 1340)، تفسير الصراط المستقيم؛ تحقيق غلام رضا بن علي أكبر مولانا البروجرديّ، قم، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة.

9- بهاء الدين، محمد بن حسين بن عبد الصمد الحارثيّ العامليّ الهمذانيّ (ت 1031هـ)، الكشكول، تح: محمّد عبد الكريم النمريّ الناشر: دار الكتب العلميّة، بيروت – لبنان الطبعة: الأولى.

10- ابن تغري بردي، جمال الدين أبو المحاسن يوسف، (ت874هـ/1470م)، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، المؤسّسة المصريّة العامّة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، (مصر – د.ت):.

11- الحرّانيّ (ت381هـ)، الحسن بن عليّ بن شعبة، تحف العقول عن آل الرسول، مؤسّسة النشر الإسلاميّ، قم، 1404هـ.

12- حاجي خليفة، مصطفى بن عبدالله المشهور بالملّا كاتب الجلبّي (ت 1067هـ/ 1656م)،كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، مكتبة المثنّى، بغداد، 1941م.

13- ابن حنبل، أحمد بن محمد (ت241 ﻫ/855م)، مسند أحمد، دار صادر (بيروت –د.ت).

14- الخرسان، السيّد محمّد عليّ، محاضرات السيّد الخوئيّ في المواريث، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1424 - 1382، مؤسّسة السبطين g العالميّة - قم – ايران.

15- الخوئيّ، حبيب الله الهاشميّ، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، تحقيق: سيّد إبراهيم الميانجيّ، الطبعة: الرابعة،  منشورات دار الهجرة – قم. 

16- الخمينيّ، السيّد مصطفى، تفسير القرآن الكريم، تحقيق ونشر: مؤسّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخمينيّ، سنة الطبع: جمادى الثاني 1418، الطبعة الأولى، مؤسّسة العروج.

17- جولد سهير، مستشرق مجريّ (1850 م ـ  1921م) مذاهب التفسير الإسلاميّ، ترجمة: عبد الحليم النجار، مطبعة السنّة المحمّديّة، القاهرة، 1955.

18- الدميريّ، كمال الدين محمّد بن موسى (ت 808هـ/ 1405م)، حياة الحيوان الكبرى، بيروت، المكتبة الإسلاميّة، د. ت.

19- أبو رينان، محمّد عليّ، أصول الفلسفة الإشراقيّة عند شهاب الدين السهرورديّ – مكتبة الإنجلو المصرية- القاهرة ط1(1959).

20- الراغب الأصفهانيّ، أبي القاسم الحسين بن محمّد (ت 502هـ ـــ 1108م)، المفردات في غريب القرآن، ط1، (بلا. م)، 1983 .

21- الرازيّ: فخر الدين محمّد بن عمر (ت 606 ﻫ)، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، دار الفكر للطباعة والنشر ،  بيروت – لبنان، ط3، 1405 ﻫ.

22- الزركليّ، خير الدين، الأعلام، ط3، دار المعارف، القاهرة، تا.بلا

23- السيوريّ، مقداد بن عبد الله (ت826هـ/1423م)، النافع يوم الحشر، (قم: 1337هـ).

24- السخاويّ، محمّد بن عبد الرحمن بن محمّد بن أبي بكر، (ت 902هـ/1496م الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، 12 جزءًا، (القاهرة: بلا مط، 1353هـ).

25-- الشربينيّ، محمّد بن أحمد الخطيب (ت 977 هـ/1569م)، مغني المحتاج إلى معني ألفاظ المنهاج، شرح على متن المنهاج للنوويّ.

26- الشيرازيّ: صدر الدين محمّد (ت 1050 هـ)، الشواهد الربوبيّة- ط بيدار 

الأسفار الأربعة، مطبعة حيدري، طهران، دار المعارف 383هـ.

27- الصدوق: أبوجعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّيّ (ت 381 هـ).

28-  التوحيد، منشورات مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، بيروت – لبنان.

29- الأمالي، تحقيق قسم الدراسات الإسلاميّة، مؤسّسة البعثة، ط1،  1417 هـ.

30 -  علل الشرائع ، تقديم: السيّد محمّد صادق بحر العلوم، منشورات المكتبة الحيدريّة، النجف الأشرف، 1385 هـ‍ / 1966 م. نشر وتصوير: مكتبة الداوري - قم المقدّسة.

31- الطباطبائيّ، محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، (بغداد: دار الكتاب العربيّ، 2005م).

32- الطحّاويّ، أبوجعفر بن محمّد (ت 722 ﻫ)، شرح العقيدة الطحّاويّة، تح: جماعة من العلماء،  المكتب الإسلاميّ، بيروت، ط4، 1391 ﻫ.

33- الطريحيّ: فخر الدين بن محمّد بن عليّ (ت 1085 ﻫ)، مجمع البحرين / تح: السيّد أحمد الحسينيّ، مطبعة الآداب، النجف، لا. ت.

34- العسقلانيّ، بن حجر أبي الفضل شهاب الدين أحمد بن عليّ بن محمّد بن محمّد   (ت 852هـ ـــ 1448م)، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ط2، دار المعرفة، بيروت، (بلا. ت).

35- ابن العماد الحنبليّ، شهاب أبو الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمّد العسكريّ الدمشقيّ، (ت1089هـ/ 1678م)، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، بيروت، لبنان، دار الكتب العلميّة، د.ت.

36- ابن عابدين،حاشية ابن عابدين المسمّى حاشية ردّ المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار في فقه مذهب أبي حنيفة النعمان. محمّد أمين، دار الفكر، بيروت – لبنان، (1415هـ – 1995م)، المكتب التجاريّة مصطفى أحمد الباز.

37- ابن عربي، محيي الدين أبوعبد الله محمّد بن علي الطائيّ الحاتميّ، (ت638هـ/1240م).

38- فصوص الحكم، حقّقه وعلّق عليه أبو العلا عفيفيّ، دار الكتاب  العربيّ، (بيروت – د.ت).

39- الفتوحات المكّيّة، دار صادر، (بيروت – د.ت).

40- ابن القيّم الجوزيّة، محمّد بن أبي بكر بن أيّوب بن سعد شمس الدين: (ت: 751هـ).

41-حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، مطبعة المدنيّ، القاهرة.

42-شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، دار المعرفة، بيروت، لبنان الطبعة:1398هـ/1978م.

43- كحالة، عمر رضا، معجم المؤلّفين، دار إحياء التراث العربيّ، بيروت، بلات.

44- ابن كثير، أبو الفداء الحافظ، البداية والنهاية، دقّق أصوله وحقّقه: د. أحمد أبو ملح ود. على عطوي، والأستاذ: فؤاد السيّد، والأستاذ: مهدي ناصر الدين، والأستاذ: علي عبد الساتر، دار الكتب العلميّة، بيروت – لبنان، الطبعة الثالثة: (1407هـ – 1987م).

45-  الكوفي، أحمد بن ناقه (477- 559 هـ)، ملحق نهج البلاغة،  تحقيق قيس العطار، مطبوعات مكتبة مجلس الشورى – طهران.

46- الكلينيّ، أبو جعفر محمّد بن يعقوب بن اسحاق،(ت 329 هـ /940 م)، الكافي، دار الكتب الإسلاميّة،(طهران –1365هـ).

47-- المناوي،محمّد المدعو بعبد الرؤوف، فيض القدير شرح الجامع الصغير،  مطبعة مصطفى محمّد، مصر الناشر، إحياء السنّة النبويّة، الطبعة الأولى (1356هـ – 1938م).

48- المجلسيّ: محمّد باقر (ت 1111 هـ)، بحار الأنوار الجامعة لدرر الأئمّة، مؤسّسة الوفاء، بيروت – لبنان، ط1، 1403 هـ - 1981 م.

49- مغنيّة، محمّد جواد مغنيّة، التفسير الكاشف، الناشر دار الكتاب الإسلاميّ، ط3، مطبعة ستار، 1426هـ-2005م.

50- النيليّ، عالم سبيط، النظام القرآنيّ، الطبعة الأولى، المحجّة البضاء – بيروت.

51- يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانيّة، دار القلم – بيروت.

الدميريّ، كمال الدين محمّد بن موسى (ت 808هـ/ 1405م)، حياة الحيوان الكبرى، بيروت، المكتبة الإسلاميّة، د. ت.:ج1 ص 147.

----------------------------

[1] الالوسي (ت 1270هـ) ابي الفضل شهاب الدين السعيد محمود،روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني – دار الكتب العلمية، ط2:ج 25، ص 9.

[2] جامع الأسرار ومنبع الأنوار: 163، كلمات مكنونة للفيض الكاشاني: 5، رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحيّ للشرف البلاسي: 90.

[3] الرحمن/29.

[4] الشورى/53.

[5] البيت مطلع غزل لعبد الرحمن الجامي في ديوانه.

[6] ظ: الخرسان، السيّد محمد علي،محاضرات السيّد الخوئي في المواريث، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1424 - 1382، مؤسسة السبطين 3 العالميّة - قم – إيران ص 166 (الهامش).

[7] الآلوسيّ، تفسير الآلوسيّ، ج 25، ص 9.

[8] ابن عربي، محيي الدين أبوعبد الله محمّد بن عليّ الطائيّ الحاتميّ، (ت638هـ/1240م).

فصوص الحكم، حقّقه وعلّق عليه أبو العلا عفيفي، دار الكتاب  العربيّ، (بيروت – د.ت).ج 1، ص 26.

[9]  ملحق نهج البلاغة  رواية احمد بن ناقه الكوفي (477- 559 هـ)، تحقيق قيس العطار، ص35.

[10] ابن عربي، محيي الدين أبوعبد الله محمد بن علي الطائي الحاتمي، (ت638هـ/1240م).

الفتوحات المكّيّة، دار صادر، (بيروت – د.ت) 2 / 459، البروجرديّ، حسين (1353 – 1340)،تفسير الصراط المستقيم ؛ تحقيق غلام رضا بن علي أكبر مولانا البروجرديّ، قم، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، ص 685.

 قال السيّد الخوئيّ: بعض الفرق المنتحلين للإسلام إذا كانت عقائدهم على نحو ترجع إلى إنكار الألوهيّة والخلق، أو إنكار النبوّة أو المعاد، فيحكم بكفرهم كالقائلين بوحدة الوجود من الصوفيّة - على ما نسب إليهم - ويوجد كثيرًا في أشعارهم وفي بعض المتون أيضًا ما يدلّ على كفرهم كما في عبارة محيي الدين بن عربي: (الحمد للَّه الذي خلق الأشياء وهو عينها). (الخرسان، محاضرات السيّد الخوئيّ في المواريث، ص 166).

[11] البروجرديّ تفسير الصراط المستقيم، ج 3، ص 685.

[12] الخمينيّ، السيّد مصطفى، تفسير القرآن الكريم، تحقيق ونشر: مؤسّسة تنظيم ونشر آثار اإمام الخمينيّ، سنة الطبع: جمادى الثاني 1418، الطبعة الأولى، مؤسّسة العروج: ج2، ص 44

[13] ظ: بدويّ، عبدالرحمن، مقالات الإسلاميّين، دار العلم للملايين – بيروت الطبعة الثالثة سنة 2008 م، ص297.

[14] كان ارسطوا ممن يذهب إلى هذا القول (ينظر يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية،دار القلم - بيروت،ص166،ويذهب الدكتور  حسام الدين الالوسي إلى وجود مادة ازلية مع الله منها خلق العالم (راجع مشكلة الخلق في الفكر الاسلامي ترجمة باسمة جاسم الشمري، بيت الحكمة -بغداد، الطبعة الاولى سنة 2008 ص54-55).

[15] ابن عربي،الفتوحات المكية:  1/201

[16] الصدوق: أبوجعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (ت 381 هـ) التوحيد , منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات , بيروت – لبنان،ص 186.

[17] نهج البلاغة:ج2 ص 66.

[18] شرح نهج البلاغة، ج9، ص 253

[19] شرح نهج البلاغة، ج3، ص 297.

[20] الخوئيّ، حبيب الله الهاشميّ، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، تحقيق: سيّد إبراهيم الميانجيّ، الطبعة الرابعة،  منشورات دار الهجرة، قم  ج10/24

[21] نهج البلاغة، ج3، ص 44.

[22] ابن عربي، الفتوحات المكّيّة:  5/156

[23] ابن عربي، الفتوحات المكّيّة:  1/106

[24] الصدوق: أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّيّ (ت 381 هـ)، الأمالي، تحقيق قسم الدراسات الإسلاميّة، مؤسّسة البعثة، ط1، 1417 هـ، ص 708؛ المجلسيّ: محمّد باقر (ت 1111 هـ)، بحار الأنوار الجامعة لدرر الأئمّة، مؤسّسة الوفاء، بيروت – لبنان، ط1، المصحّحة، 1403 هـ - 1981 م:4: 32 / 7.

[25] الطريحي: فخر الدين بن محمد بن علي (ت 1085 ﻫ)، مجمع البحرين / تح: السيد أحمد الحسيني , مطبعة الآداب , النجف , لا. ت ج2ص 259، السبوري، مقداد بن عبد الله (ت826هـ/1423م)، النافع يوم الحشر، (قم: 1337هـ)،ص58.

[26] العسقلانيّ، بن حجر أبي الفضل شهاب الدين أحمد بن عليّ بن محمّد بن محمّد   (ت 852هـ ـــ 1448م)؛ فتح الباري شرح صحيح البخاريّ، ط2، دار المعرفة، بيروت، (بلا. ت):1/18

[27] القصص /7.

[28] النحل/68.

[29] الراغب الأصفهانيّ، أبي القاسم الحسين بن محمّد (ت 502هـ ـــ 1108م)، المفردات في غريب القرآن، ط1، (بلا. م)، 1983 ، باب الواو، مادة وحي. والحديث في مسند أحمد، ج6، ص129

[30] الأعرجيّ، ستار الوحي ودلالته في القرآن الكريم والفكر الإسلاميّ، دار الكتب العلميّة –بيروت ، الطبعة الأولى سنة 2001 م، ص187، نقلًا عن  ابن عربي في  الجواب المستقيم عمّا سأله عنه الترمذيّ الحكيم(مخطوط) نقلًا عن  ختم اأاولياء للترمذيّ ص22(الهامش).

[31] ابن عربي، فصوص الحكم،ص 2/94.

[32] ابن عربي، الفتوحات المكّيّة، 2/429.

[33] المناوي،محمد المدعوبعبد الرؤوف، فيض القدير شرح الجامع الصغير،  مطبعة مصطفى محمد،مصر الناشر: إحياء السنة النبوية، الطبعة الأولى (1356هـ – 1938م) ج 2 ص 596.

[34] ظ: ابورينان، محمد علي، اصول الفلسفة الاشراقية عندشهاب الدين السهرويردي – مكتبة الانجلوا المصرية- القاهرة ط1(1959 ص 305، الاعرجي، الوحي ص 188.

[35] ظ: جولد سهير، مستشرق مَجَريّ (1850 م ـ 1921 م) مذاهب التفسير الإسلاميّ، ترجمة: عبد الحليم النجار، مطبعة السنّة المحمّديّة، القاهرة، 1955 م.ص 239.

[36] الامليّ، السيّد حيدر(720 - 782)، تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم، حقّقه وقدّم له وعلّق عليه محسن الموسويّ التبريزيّ، قم: سنة 1428:ج 1، مقدّمة الكتاب، ص 10.

[37] ابن عربي، فصوص الحكم: 1/57.

[38] الآمليّ، تفسير المحيط الأعظم، ج 1،  ص 16 (مقدّمة الكتاب 17).

[39] ابن عربي، فصوص الحكم: 1/47.

[40] ابن عربي، فصوص الحكم: 1/47.

[41] ظ: النيليّ، عالم سبيط، النظام القرآنيّ، الطبعة الأولى، المحجّة البضاء، بيروت، ص 195 – 197.

[42] عنقاء:منه حديث عكرمة في تفسير قوله تعالى (طيرًا أبابيل) قال: العنقاء المغرب، يقال: طارت به عنقاء مغرب، والعنقاء المغرب وهو طائر عظيم معروف الاسم مجهول الجسم لم يره أحد. والعنقاء: الداهية، ومنه الحديث (طارت به عنقاء مغرب)، أي ذهبت به الداهية. والمغرب: المبعد في البلاد (ابن الاثير، أبوالسعادات المبارك بن محمّد الجزريّ (ت 606هـ ـــ 1209م)، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق:  طاهر أحمد الزاويّ  ومحمود محمّد الطناحيّ، المكتبة العلميّة، بيروت، 1979 ج 3، ص  و312 وص 349).

[43] رسائل ابن عربي، المجموعة الثالثة  ص17 و20 و21.

[44] ابن عربي، فصوص الحكم،  ص47 و48 و56و57.

[45] ابن عربي، الفتوحات المكّيّة،  13/450.

[46] ابن عربي، الفتوحات المكّيّة: 1/264 و265.

[47] الردود والنقود، ص170.

[48] البقرة/243.

[49] مغنيّة، محمّد جواد، التفسير الكاشف، الناشر دار الكتاب الإسلاميّ، ط3، مطبعة ستار، 1426هـ-2005م، ج 1، ص 373.

[50] ابن عربي، الفتوحات المكّيّة: 1/658، ابن عابدين، حاشية ابن عابدين المسمّى حاشية ردّ المحتار على الدرّ المختار شرح تنوير الأبصار في فقه مذهب أبي حنيفة النعمان. محمد أمين، دار الفكر، بيروت – لبنان، (1415هـ – 1995م)، المكتب التجاريّة مصطفى أحمد الباز، ج 2، ص 498

[51] ابن عربي، الفتوحات المكّيّة، ج2، ص50.

[52] وذلك لأنّ اسمه محمّد بن علي بن محمّد بن أحمد الحاتميّ الطائيّ، الملقّب بـ(محيي الدين) أبو بكر بن عربي المُرسي الأندلسيّ، نزيل دمشق ترجم في: سير أعلام النبلاء 23 / 48، وتاريخ الإسلام، (سنة 631) (352 برقم 549، والوافي بالوفيّات 4 / 173، وفوات الوفيات 3 / 484، ومرآة الجنان 4 / 100، والبداية والنهاية 13 / 167، والنجوم الزاهرة 6، وطبقات المفسّرين للسيوطيّ 98، وشذرات الذهب 5 / 190، وروضات الجنّات 8 /51، والكُنى والأَلقاب 3 / 164، والأعلام 6 / 281.

[53] قال السيّد  الخمينيّ في ذيل هذه الجملة في تعليقاته على شرح الفصوص (ص 58): ليس العجز عن إدراك الإدراك إدراكًا، بل إدراك العجز الكذائيّ إدراك كما يقال: غاية عرفان أهل المعرفة العجز عنها، ولعلَّه سمع شيئًا ولم يحفظه، فقال ما قال (شرح القيصري ص 108).

[54] أقول: بل قال: لوكشف الغطاء لما ازددت يقينًا.

[55] الآملي تفسير المحيط الأعظم: ج 2، هامش ص 65.

[56] ابن عربي، الفتوحات المكّيّة: 1/318،

[57] (الاثنا عشريّة، ص169)

[58] الطحاويّ: أبوجعفر بن محمّد (ت 722 ﻫ)، شرح العقيدة الطحّاويّة / تح: جماعة من العلماء المكتب الإسلاميّ، بيروت، ط4، 1391 ﻫ،ص 557، منهاج البراعة 13/269.

[59] حيدر الآمليّ، تفسير المحيط الأعظم: ج 3، ص 406.

[60] شرح العقيدة الطحّاويّة، ص 557

[61] .(الإسراء إلى المقام الأسنى ط1367، رسالة ابن عربي

[62] (الاثنا عشريّة، ص169)

[63] ابن عربي، الفتوحات المكّيّة:  7/267

[64] ابن عربي، الفتوحات المكّيّة:   1/44.

[65] ابن عربي، الفتوحات المكّيّة:  7/471.

[66] ابن حنبل، أحمد بن محمّد (ت241 ﻫ/855م)، مسند أحمد، دار صادر، (بيروت –د0ت):/162.

[67] ابن عربي، الفتوحات المكّيّة:   8/174.

[68] ابن عربي، الفتوحات المكّيّة: 2/497.

[69] الكلينيّ، أبو جعفر محمد بن يعقوب بن اسحاق، (ت 329 هـ /940 م)، الكافي، دار الكتب الإسلاميّة، (طهران –1365هـ). (8 أجزاء)،ج2، ص341.

[70] المجلسيّ، محمّد باقر، (ت 1111هـ)، بحار الأنوار، ط3، دار إحياء التراث العربيّ، بيروت، 1983م، ج 12، ص 308.

[71] تفسير الكاشف مغنيّة، ص2/497.

[72] الإسراء/18 -20.

[73] الطباطبائيّ، تفسير الميزان، 1/416.

[74] الإسراء/84.

[75] الكلينيّ، الكافي: 2/80، الصدوق، علل الشرايع: 2/528، الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة: 1/50،العياشيّ، تفسير العياشيّ: 2 / 316.

[76] ابن عربي، فصوص الحكم، 1/169.

[77] ابن عربي، فصوص الحكم: ج 1  ص 39 (المقدّمة).

[78] شرح فصوص الحكم:2/698.

[79] ابن عربي، الفتوحات،  ج1، ص332.

[80] النبأ/23.

[81]  الأنعام / 128.

[82]  هود/ 107.

[83]  هود/ 107.

[84] ابن القيّم الجوزيّة، محمّد بن أبي بكر بن أيّوب بن سعد شمس الدين: (ت: 751هـ)، حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، مطبعة المدنيّ، القاهرة ص245، وشفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، دار المعرفة، بيروت، لبنان الطبعة، 1398هـ/1978م، ص252.

[85] مجموعة رسائل السبزواري، ص470، الشيرازي: صدر الدين محمد (ت 1050 هـ)، الشواهد الربوبية- ط بيدار  قم،ص313. والأسفار الأربعة , مطبعة حيدري , طهران , دار المعارف 383هـ ، ج9، ص346-347. ولكن يرى السبزواري: ان هناك اشكال يتعلق بانقطاع العذاب والشقاء الذي تحدث عنه العرفاء من حيث كونه من مظاهر القهر والغضب، وهوان انقطاعه يفضي إلى تناهي صفات القهر وعدم حفظ المراتب الوجودية. وقد اجيب عنه بوجهين، احدهما ان انواع مظاهر القهر يمكن ان تحفظ بتعاقب الاشخاص، فيثبت الخلود النوعي للعذاب رغم انقطاع العذاب الشخصي. والاخر هوانه حتى مع انقطاع العذاب كليًا، فان صفات القهر والغضب لا تتناهى، اذ ان صفات الحقّ بعضها عين البعض الاخر، وكلها عين ذاته، فلطفه عين قهره وغضبه، والعكس صحيح ايضًا(ظ: مجموعة رسائل السبزواري، ص473).

[86] شرح فصوص الحكم، ص441 و459، طلع خصوص الكلم، ج2، ص45-46.

[87] تفسير صدر المتألّهين، ج4، ص313-314.

[88] الأنعام / 128.

[89] الرازي: فخر الدين محمّد بن عمر (ت 606 ﻫ)، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت – لبنان، ط3، 1405 ﻫ - 1985 م: 13 / 192.

[90] هود / 106.

[91] الرازي، التفسير الكبير: 17 / 62.

[92] بهاء الدين ، محمد بن حسين بن عبد الصمد الحارثيّ العامليّ الهمذانيّ (ت 1031هـ)، الكشكول، تح: محمد عبد الكريم النمري الناشر: دار الكتب العلميّة، بيروت – لبنان الطبعة: الأولى، 1418هـ -1998م،ص  73، الجزائريّ، نور البراهين 1/57.

[93]  تفسير ابن عربي:1/333.

[94] الخوئيّ، نهج البراعة:13/242.

[95] التحريم/6.

[96] الكافي: 6 / 368.

[97] بحار الأنوار:8/346، الخوئيّ، نهج البراعة:13/242.

[98] شرح الفصوص، ص583-5845ـ8 5. والشواهد الربوبيّة، ص318. ومفاتيح الغيب، ص172 و206. والعرشيّة، ص273 و280-281. والتعليقات على المظاهر الإلهيّة، ص114-115.

[99] الطباطبائي، محمد حسين،الميزان في تفسير القران، (بغداد: دار الكتاب العربي، 2005م):ج 1ص416.

[100] ظ: الطباطبائيّ، تفسير الميزان1/416.

[101] ابن عربي، فصوص الحكم: ص201.

[102] الصدوق، أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابوية القمّيّ، (ت318هـ/929م)، علل الشرائع، تقديم: السيّد محمّد صادق بحر العلوم، منشورات المكتبة الحيدريّة - النجف الأشرف - 1385 هـ‍ / 1966 م. نشر وتصوير: مكتبة الداوريّ - قم المقدّسة:ج 1، ص 59.

[103] عن جعفر بن رزق الله قال: قدم إلى المتوكّل رجل نصرانيّ فَجَرَ بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحدّ فأسلم، فقال: يحيى بن أكثم قد هدم إيمانه شركه وفعله وقال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود، وقال بعضهم: يفعل به كذا وكذا، فأمر المتوكل بالكتاب إلى أبي الحسن الثالث 8 وسؤاله عن ذلك فلمّا قرأ الكتاب كتب: يُضرب حتى يموت، فأنكر يحيى بن أكثم، وأنكر فقهاء العسكر ذلك، وقالوا: يا أمير المؤمنين سل عن هذا، فإنّه شيء لم ينطق به كتاب ولم تجئ به سنّة، فكتب إليه أنّ فقهاء المسلمين قد أنكروا هذا وقالوا: لم يجئ به سنّة ولم ينطق به كتاب، فبيّن لنا لم أوجبت عليه الضرب حتى يموت؟ فكتب بسم الله الرحمن الرحيم [فلمّا أحّسوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لمّا رأوا بأسنا سنّة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون] قال: فأمر به المتوكّل، فضُرب حتى مات (الكافي: ج 7، ص 238).

[104] سورة غافر: الآية 58.

[105] ابن عابدين حاشية ردّ المحتار:ج 4، ص 416.

[106] الحرّانيّ (ت381هـ)، الحسن بن علي بن شعبة، تحف العقول عن آل الرسول، مؤسّسة النشر الإسلاميّ، قم، 1404هـ، ص 458.

[107] هود/97-99.

[108] النازعات/23-25.

[109] الإحسائيّ، جوامع الكلم (مجموعة رسائل ومؤلّفات الشيخ أحمد الإحسائيّ)، مطبعة الغير – البصرة، ج5، ص457.

[110] النازعات/24.

[111] ابن عربي، فصوص الحكم، ص 211.

[112] قال: عبد الوهاب بن محمّد بن محمّد بن عليّ التاج أبو الفضل بن الشمس بن الشرف الجوجريّ ثمّ القاهريّ الشافعيّ ويُعرف بابن شرف) ولد سنة (820هـ في ليلة الجمعة بالقاهرة ونشأ بها، ولكنّه ممن عُرف بالذكاء والجرأة، ولزم التهتّك والانهماك في الشرب، بحيث أهين بهذه الواسطة وغيرها غير مرّة.. ثمّ تعدّى إلى تأييد ابن عربي وصار يطوف بكلامه على المجالس وفي الأسواق ويصرّح باعتقاده واعتقاد كلامه، بل قيل إنّه صنّف في إيمان فرعون (السخاويّ،  الضوء اللامع لأهل القرن التاسع: ج 5، ص 110).

[113] قال: في يوم الأحد تاسع عشر المحرم أحضر حسن بن الخيّاط من محلّة الشاغور إلى مجلس الحكم المالكيّ من السجن، وناظر في إيمان فرعون وادّعي عليه بدعاوى لانتصاره لفرعون لعنه الله، وصدق ذلك باعترافه أوّلًا ثمّ بمناظرته في ذلك ثانيًا وثالثًا، وهو شيخ كبير جاهل عامّيّ ذا نصّ لا يقيم دليلًا ولا يحسًنه، وإنًما قام في مخيّلته شبهة يحتجّ عليها بقوله إخبارًا عن فرعون حين أدركه الغرق، وأحيط به ورأى بأس الله، وعاين عذابه الأليم، فقال حين الغرق إذا [آمنت أنّه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين] قال الله تعالى (الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين فاليوم ننجّيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية) فاعتقد هذا العامّيّ أنّ هذا الإيمان الذي صدر من فرعون والحالة هذه ينفعه، وقد قال تعالى [فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم بما رأوا بأسنا سنّة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون] وقال تعالى: [إنّ الذين حقّت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون به ولو جاءتهم كلّ آية حتّى يروا العذاب الأليم. قال قد أجيبت دعوتكما]. ثم حضر في يوم آخر وهو مصمّم على ضلاله، فضرب بالسياط، فأظهر التوبة ثمّ أُعيد إلى السجن في زنجير، ثم أحضر يومًا ثالثًا وهو يستهلّ بالتوبة فيما يظهر، فنودي عليه في البلد ثمّ أطلق (البداية والنهاية، لأبي الفداء الحافظ بن كثير، دقّق أصوله وحقّقه: د. أحمد أبوملح ود. على عطوي، والأستاذ: فؤاد السيّد، والأستاذ: مهدي ناصر الدين، والأستاذ: علي عبد الساتر، دار الكتب العلميّة، بيروت – لبنان، الطبعة الثالثة: (1407هـ – 1987م).ج 14،  ص 315).

[114] فر العون ممن يدعى ايمان فرعون - لعلى القارى الهروي ص اتحاف الناس أوله الحمد لله الذي أسعد الخ وهوشرح رسالة جلال الدواني في ايمان فرعون  (انظر: هدية العارفين للبغدادي 1 / 753 إيضاح المكنون: ج 2، ص 187.

[115] ابن الخيّاط (742 - 811 ه) أبوبكر بن محمد بن صالح بن محمد، رضي الدين أبومحمد الجِبْلي اليمني، يعرف بابن الخيّاط توفّي في - شهر رمضان سنة إحدى عشرة وثمانمائة.( السخاوي، محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر، (ت 902هـ/1496م الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، 12 جزءًا، (القاهرة: بلا مط، 1353هـ)11 / 78 برقم 213، ابن العماد الحنبلي، شهاب أبوالفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمد العسكري الدمشقي، (ت1089هـ/ 1678م)،شذرات الذهب في أخبار من ذهب، بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية، د.ت.7 / 91).

[116] محمد عبد اللَّه بن خليل بن أحمد، شمس الدين أبوعبد اللَّه البلاطنسي ثم الدمشقي، الفقيه الشافعي، الصوفي. ولد في سنة ثمان وتسعين وسبعمائة ببُلاطُنُس (ابن تغري بردي، جمال الدين أبو المحاسن يوسف، (ت874هـ/1470م)، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، المؤسّسة المصريّة العامّة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، (مصر – د.ت):16 / 199، الضوء اللامع 8 / 86، هدية العارفين 2 - 202، الإعلام 6 - 137، عمر رضا كحّالة، معجم المؤلّفين، دار إحياء التراث العربيّ، بيروت، بلات:10 / 212).

[117] حاجي خليفة، مصطفى بن عبدالله المشهور بالملا كاتب الجلبيّ (ت 1067هـ/ 1656م)،كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، مكتبة المثنّى، بغداد، 1941م:2 / 1814، شذرات الذهب 8 / 308،  إعلام النبلاء 5 / 534 برقم 845،  الزركليّ، خير الدين،الأعلام، ط3، دار المعارف، القاهرة، تا.بلا: 1 / 66، معجم المؤلّفين 1 / 80.

[118] الشربينيّ، محمد بن أحمد الخطيب (ت 977 هـ/1569م)، مغني المحتاج إلى معنى ألفاظ المنهاج، شرح على متن المنهاج للنوويّ: ج 3،ص 60.

[119] المصدر نفسه.

[120] ابن عابدين،حاشية ردّ المحتار: ج 4، ص 423.