البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

September / 9 / 2021  |  144تجربة الله بحث نقديّ مقارن بين نظرية وليام ألستون والرؤية الإسلامية

علي شيرواني المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية شتاء 2021 م / 1442 هـ
تجربة الله  بحث نقديّ مقارن بين نظرية وليام ألستون والرؤية الإسلامية

تطرّق الباحث في هذه المقالة إلى بيان نظريّة الفيلسوف الأميركيّ وليام ألستون مقارنةً مع الأسس التي ترتكز عليها الرؤية الإسلاميّة في هذا السياق، ووضّح مدى إمكانيّة تحقّق المعرفة التجريبيّة بالله تعالى ونطاقها وفق التعاليم الإسلاميّة الوحيانيّة التي تؤكّد على إمكانيّة معرفته تعالى شهوديًّا، حيث طرح الموضوع بأسلوب مقارن بمحوريّة المبادئ اللاهوتيّة المسيحيّة والإسلاميّة.

المعروف عن ألستون أنّه قدَّم مساهمات مؤثّرة في فلسفة اللغة ونظريّة المعرفة والفلسفة المسيحيّة، وضمن طرحه نظريّة بخصوص التجربة الدينيّة تبنّى رؤية إبستيمولوجيّة تجريبيّة لتبرير رؤيته العقليّة بالنسبة إلى الاعتقاد بوجود الله، حيث اعتبرها تجربة شهوديّة - باطنيّة - أطلق عليها عنوان (تجربة الله)، الجدير بالذكر هنا أنّ التجربة الإبستيمولوجية برأي هذا المفكّر الغربي عبارة عن معرفة تنشأ وفقًا لما يستنتجه صاحبها ومدى معرفته بحقيقة الإله دون وساطة أيّ من المدركات الحسّيّة، فهي معرفة يشعر بها الإنسان مباشرةً وبشكل بديهيّ (بعلم حضوريّ).

كلمات مفتاحيّة: التجربة الدينيّة، تجربة الله، اللاهوت المقارن، وليام ألستون، نظريّة وليام ألستون، النظريّة الإسلاميّة

«المحرّر»


انعدمت الثقة في العالم الغربيّ بالاستدلالات العقليّة الهادفة إلى إثبات وجود الله عزّ وجلّ، فأصبحت الآراء الفلسفيّة بهذا الخصوص غير معتمَدة في الأوساط العلميّة؛ لذلك لم يجد علماء اللاهوت والمعتقدين بوجود إله للكون بدًّا من التفكير بحلول لإثبات حقيقة معتقداتهم والتأكيد على وجود الإله الذي يؤمنون به، وفي هذا السياق طُرحت نظريّات متنوّعة، منها ما هو مبالغ فيه، مثل نظريّة الفيلسوف كيركيغارد المتطرّفة التي ادّعى فيها أنّ العلم بوجود الله وحده غير كافٍ للإيمان به، بل ذهب إلى أكثر من ذلك، وزعم أنّ هذه المعرفة تعدّ عقبةً أمام الإيمان الذي يتقوّم من أساسه على الشكّ وليس اليقين؛ ومنها ما هو غير علميّ مثل نظريّة الفيلسوف ألفين كارل بلانتينغا الذي تبنّى رؤية إبستيمولوجيّة بخصوص الاعتقاد بالله، معتبرًا المعرفة وحدها اعتقادًا مرتكزًا لدى الإنسان، بحيث لا يحتاج معها إلى البرهنة والاستدلال.

نظريّة الفيلسوف وليام ألستون[2] تعدّ من جملة النظريّات المهمّة المطروحة في العالم الغربيّ بهذا الخصوص، حيث أكّد فيها على حجّيّة التجربة الدينيّة في تحقيق معرفة الله لدى الإنسان، وعلى ضوئها وضع الحجر الأساس لرؤية إبستيمولوجيّة تثبت صواب الإيمان بالله وعقلانيّته.

الجدير بالذكر هنا أنّ الأوساط الفكريّة الغربيّة طُرحت فيها العديد من أنواع التجارب الدينيّة، وقد انتقى ألستون منها تلك التجربة التي يتمكّن صاحبها من معرفة الله مباشرةً - بدون الحاجة إلى واسطة - ووصفها بأنّها تجربة شهوديّة (باطنيّة) وتجربة الله؛ إذ تنشأ لدى صاحبها بمنأى عن الإدراكات الحسّيّة بصورة إدراك حضوريّ - بديهيّ - ونوّه في هذا المضمار على أنّها لا تقتصر بهذه الصورة فقط[3].

سوف نتطرّق في هذه المقالة إلى بيان نظريّة وليام ألستون بخصوص ما أسماه (تجربة الله) بشكل مختصر، ونذكر مدى إمكانيّة تحقّقها حسب مبادئ الفكر الإسلاميّ وفي رحاب نظريّة الشهود الباطنيّ بالتحديد، ومن هذا المنطلق يتمحور موضوع البحث حول دراسة مقارنة بين أسس اللاهوت المسيحيّ والإسلاميّ بهذا الخصوص، وذلك بهدف طرح وجهة فكريّة كلاميّة جديدة بنحو ما، وتأسيس معالم فلسفة دين متقوّمة على مبادئ إسلاميّة.

خصائص ما يسمّى «تجربة الله»

قال وليام ألستون واصفًا ما أسماه تجربة الله: «باعتقادي أهمّ ميزة لما أسمّيه تجربة الله experience of God هي أنّ صاحبها يعرف الله بدون واسطة أحيانًا، أو أنّه يعرفه حينما يطرح عليه سؤال عنه»،[4] وقد استدلّ على رأيه هذا بمثال من كتاب «أصناف الخبرة الدينيّة» لنظيره المفكّر الغربيّ وليام جيمس، معتبرًا ما ذُكر مثالًا واضحًا على التجربة الدينيّة: «فجأةً... شعرت بوجود الله، وسوف أخبركم بهذا الشعور كما جرّبته بالفعل، فقد شعرت كأنّي غُمرت بكلّ وجودي بلطف الله وقدرته، لكن سرعان ما زالت طمأنينة قلبي بهذا الشعور، بحيث أحسست وكأنّ الله قد سلبني ما أفاضه على قلبي...؛ لذا تساءلت في نفسي قائلًا: يا ترى هل تمكّن موسى وهو في صحراء سيناء من الارتباط بالله بشكل يفوق شعوري هذا؟

أودّ أن أنوّه هنا على أنّ حالتي الباطنيّة هذه لم أرَ فيها لله شكلًا ولا لونًا، ولم استنشق منها رائحةً، وما تذوّقت منها طعمًا له، كما لم أشعر بوجوده في مكان معيّن...، وكلّما حاولت وصف هذه الحالة الروحيّة لم أجد كلمات تعينني على ذلك؛ إذ ليس من الممكن وصفها بالتصوّرات التي تكتنف أذهاننا، ومن هذا المنطلق وجدت أنّ أنسب توضيح لذلك هو أن أقول: الله حاضر وعلى الرغم من كونه غير مرئيّ ولم تدركه حواسي، لكنّ ضميري أدركه».[5] بعد ذلك أكّد ألستون على أنّ كثيرًا من الناس جرّبوا الله بهذا الشكل، حيث قال: «التجارب الباطنيّة - الشهوديّة - التي طرأت لهؤلاء فيها شيء مشترك أسمّيه تجلّي الله في ضمائرهم بلا واسطة، وعلى الرغم من أنّهم لم يذكروا هذا المصطلح، إلا أنّهم اعتبروها تجربتهم المختلفة عن التفكر بالله، واستدعاء الصور الذهنيّة بخصوصه وتفعيل الأسس الاستدلالّية في الذهن أو استدعاء شيء في الذهن بخصوص الله، ويمكن تشبيه هذه الحالة برؤية شجرة بالعين، فهي على هيئتها الظاهريّة تختلف عما يرتبط بها من خصائص معرفيّة»[6].

هذا النوع من التجارب الدينيّة والذي أطلق عليها ألستون عنوان: «تجربة الله» يختلف عن المشاعر التي تكتنف روح الإنسان، حيث نشعر في رحابه بإيمان مليء بالمحبّة، وتتواكب مع إرادة راسخة وقرارات قطعيّة نتّخذها بهذا الخصوص إلى جانب مشاعر روحيّة، وهذا ما أراد إثباته ضمن تأكيده على اختلاف الحضور الحقيقيّ لله في باطن الإنسان مع المشاعر التي ترافقه وسائر الأمور التي يتصوّر البعض أنّها حضور، وقد وصفت القدّيسة أنجيلا فولينيو وجهته هذه كما يلي: «الله يردّ روح الإنسان أحيانًا دون أن تستدعيه، فيضفي إليها حنانًا ومحبّةً ولذّةً، وهي بدورها تتيقّن بأنّ كلّ ذلك من عنده، فتبهر به لكنّها لا تدرك أو لا ترى أنّه مقيم فيها، فهي في الواقع لا تدرك كلّ هذا اللطف الذي أبهرها... وعلى هذا الأساس تنال كرامة لقائه.

الله يخاطب الروح قائلًا: انظري إليّ، فتدرك حينها أنّه مقيم فيها، حيث تراه بوضوح يفوق رؤية الإنسان شخصًا ماثلًا أمامه؛ لأنّ عينيها تشاهد كمالًا لا يمكن وصفه بالكلام، فهو ليس كمالًا جسمانيًّا، وإنّما روحاني نعجز عن وصف معالمه، بحيث تنال الروح بفضله لذةً عظيمةً وتشعر ببهجة غامرة، وهذا مؤشّر واضح وقطعيّ على كون الله مقيمًا فيها بشكل حقيقيّ»[7].

أوّل هدف أراد ألستون تحقيقه هو تفنيد آراء الذين اعتبروا تجربة الله مجرّد شعور شخصيّ يكتنف الإنسان، بحيث لا يمكن تعميمه على غيره، مثل رأي المفكّر واين براودفوت؛ لذا ليس من الصواب نسبة الفرضيّات العلّيّة الماورائيّة إليها، وعلى هذا الأساس فالمواضيع المرتبطة بالتجربة الحسّيّة تختلف بالكامل عن مواضيع التجربة الشهوديّة - الباطنيّة - وبعض دعاة هذا الرأي تبنّوا رؤيةً متطرفةً، لدرجة أنّهم اعتبروا التجربة الحسّيّة ذات تأثير روحيّ، كذلك التأثير الذي يدّعيه المعتقدون بالتجربة الشهوديّة أو ما يسمّى بالتجربة الروحيّة والباطنيّة.

صاحب التجربة الروحيّة يدرك قضايا لا يدركها في تجاربه الحسّيّة، فهو قبل أن يدّعي أنّه أدرك حضور الله في باطنه يجد نفسه مضطرًا لأن يذكر سببًا لذلك، لكنّه إن طرح تفسيرًا إدراكيًّا للتجربة منذ بادئ الأمر، فلا محيص له من القول: «ادّعاء إدراك حضور الله مقبول في أوّل وهلة؛ نظرًا لما فيه من خصائص فريدة من نوعها، شريطة أن لا توجد براهين تدلّ على خلافه»،[8] وهذا يعني أنّ الدور الذي تفي به تجربة الله أو ما يمكن وصفه بإدراك حضور الله، يتمحور حول العالم المادّي من الناحية العقديّة[9].

السبب الذي دعا ألستون إلى أن يسلّط الضوء على تجربة الله الروحيّة المباشرة العارية عن المؤثّرات الحسّيّة والوسائط يعود إلى اعتقاده بأنّ هذا النوع من التجارب هو الأفضل والأقرب إلى الواقع، لكونه يدلّ على وجود الله الذي هو عبارة عن أمر روحانيّ لا يكتنفه أيّ وصف مادّيّ على الإطلاق[10].

التجربة الشهوديّة برأي هذا الفيلسوف الغربيّ تمتاز بأربع ميزات أساسيّة:

1) تحكي عن ضرب من الإدراك التجريبيّ experiential awareness بالله، فهي ليست مجرّد فكرٍ انتزاعيٍّ بشأنه. والإنسان خلال تجربته الشهوديّة يدرك حضور الله في باطنه، ويمكن تشبيه حالته هذه برؤية شجرة ماثلة أمامه، حيث يتجلّى الله في باطنه كما تتجلّى الشجرة أمام عينيه، ومن هذا المنطلق تعدّ رؤيته ضربًا من الإدراك التجريبيّ.

2) هي عبارة عن تجربة مباشرة ليس فيها واسطة تُذكر، ممّا يعني أنّها لم تنشأ في ذهن صاحبها على ضوء إدراكه لشيء آخر، أي أنّها على غرار رؤية الشجرة بشكل مباشر وليس من قبيل رؤية صورتها وهي في مرآة أو تلفاز.

3) الله هو موضوع هذه التجربة الباطنيّة.

4) محض تجربة باطنيّة لا تتضمّن أيّ أمر حسّيّ (مادّيّ)[11].

نستنتج من جملة ما ذُكر أنّ هذا المفكّر الغربيّ يعتبر التجربة الباطنيّة إدراكًا تجريبيًّا مباشرًا لله، ومعرفةً مجرّدةً عن كلّ أشكال الحسّ والمؤثّرات المادّيّة، وهذه الرؤية تدلّ على عدم اعتقاده بالتجارب الباطنيّة التي يفنى فيها صاحبها بالكامل، وليس فيها أيّ اختلاف بين الفاعل ومتعلّق الفعل على ضوء وحدةٍ تامّةٍ؛[12] إذ من البديهيّ أنّ تجارب كهذه ليست هي مقصود ألستون الذي سعى إلى إيجاد تقارب بين التجربة الدينيّة والحسّيّة بادعاء أنّهما من سنخ واحد، فقد اعتبرهما بذات المستوى من الناحية المعرفيّة على صعيد إثبات متعلَّقهما.

السبب في عدم اكتراث ألستون بالتجارب الباطنيّة التي أشرنا إليها ربّما يعود إلى مساعيه التي رام منها تبرير الاعتقاد بالإله الخالق الذي هو خير محض، وقادر على كلّ شيء، وعالم بكلّ شيء، خلافًا لما تقوم عليه مبادئ اللاهوت المسيحيّ، ولما يعتقد به أصحاب السير والسلوك الباطنيّ بكونه وجودًا محضًا، والوجود الوحيد الذي لا يسانخ مخلوقاته؛ ولا شكّ في صعوبة الجمع بين هاتين الرؤيتين من قبل جميع الناس، إلا من شملته العناية الإلهيّة[13].

حاول هذا المفكّر الغربيّ إثبات أنّ التجارب الباطنيّة - الشهوديّة - التي تبنّاها والتجارب الحسّيّة المتعارفة من سنخ واحد، ومن ثمّ يمكن اعتبارهما مصدرين للإدراك، فالتجارب الحسّيّة تعني إدراك قضايا مادّية عن طريق الحواس الخمسة، في حين أنّ التجارب الشهوديّة تعني إدراك وجود الله باطنيًّا لو صحّ التعبير؛ وبما أنّ مبدأ بحوثه في هذا المضمار هو الإدراك الحسّيّ وبنيته وقيمته المعرفيّة، فقد تطرّق إلى بيان تفاصيله بشكل مسهبٍ[14].

المعتقدات المرتبطة بمسألة تجربة الله

المعتقدات الدينيّة التي تعدّ بنحو ما انعاكسًا مباشرًا لتجارب شهوديّة مباشرة ولا دليل عليها سوى الشهود الباطنيّ، أطلق عليها وليام ألستون عنوان M أي المعتقدات المنبثقة من التجلّي الروحانيّ،[15] ومثالها اعتقاد الإنسان بأنّ الوجود قائم بالله ولا يمكن أن يدوم دونه، حيث يدرك هذا الأمر عن طريق شهود باطنيّ وإشراف مباشر من قبل الله الذي أكرمه بهذه الحالة الروحيّة حبًّا به، فمن خلالها يمنحه قدرةً على رؤيته باطنيًّا ويلقّنه بأمور غيبيّة تصبح معتقدات دينيّةً راسخةً لديه.[16]

نستشفّ ممّا ذكر أنّ المعتقدات التي أسماها ألستون M تتمحور حول الله، وتدلّ على تجلّيه لصاحب الشهود الباطنيّ على أقلّ تقدير، فهي ترتكز على وعي ذاتيّ، وتنقسم إلى نوعين:

النوع الأوّل: معتقدات متقوّمة بشهود باطنيّ لله فقط دون وساطة أيّ شيء آخر، أي أنّها ثابتة على نحو اليقين لدى صاحبها دون الحاجة إلى أيّ واسطة.

النوع الثاني: معتقدات متقوّمة بشهود باطنيّ لله، إلى جانب ارتكازها على معتقدات أخرى؛ لذا تثبت لدى صاحبها من خلال واسطة، أي معتقدات وسيطة تثبت حقانيّتها.

لا شكّ في أنّ تمييز هذين النوعين من المعتقدات عن بعضهما مرهون بدراسة وتحليل كلّ ما يندرج تحتهما بالتفصيل، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ كثيرًا من علماء الإبستيمولوجيا يفنّدون مصداقيّة النوع الأوّل منها، وهذا هو مكمن الاختلاف الأساسيّ بينهم وبين وليام ألستون[17] الذي دافع عن رأيه باعتباره أصلًا إبستيمولوجيًّا ثابتًا، حيث قال: «هذا الاعتقاد الذي يمكن تسميته (A, B) يقوم على تجربة بنحو ما،[18] وخلال هذه التجربة يتضح A لصاحب الإدراك الذهنيّ على هيئة B، وبعد ذلك يأتي دور التجربة لكي تثبت هذا الاعتقاد»[19].

استنادًا إلى هذه القضيّة التي اعتبرها ألستون مرتكزًا أساسيًّا في الفكر العقديّ، إذا تجلّى الله للإنسان على هيئة وجود رؤوف ومقتدر، فهذا التجلّي - التجربة الباطنيّة - يصبح ذا دور فاعل في إثبات عقيدة أنّ الله رؤوف ومقتدر.

فإذا كان هذا الاعتقاد متقوّمًا بالتجربة المذكورة فحسب، فسوف يتمّ إثباته بشكل مباشر دون الحاجة إلى أيّ واسطة، لكن إذا كان متقوّمًا بهذه التجربة إلى جانب معتقدات أخرى، ففي هذه الحالة يتمّ إثباته من ناحية على أساس ما حصل لدى الإنسان من تجربة شهوديّة، كما يثبت استنادًا إلى الوسائط الأخرى - المعتقدات غير الشهوديّة -، ومع ذلك تبقى المعتقدات الإدراكّية ثابتة وموجّهة.

الهدف الأساسي الذي أراد ألستون تحقيقه في نظريّة التجربة الدينيّة هو إثبات أنّ التجارب الباطنيّة - الشهوديّة - تعتبر حجّةً في الدلالة على وجود الله عزّ وجلّ وبعض أوصافه وأفعاله، ومن هذا المنطلق حاول وضع المرتكزات الأساسيّة لبعض الإدراكات التي اعتبرها يقينيةً بالنسبة إلى الله باعتبارها تجارب شهوديّة في مجال معرفته باطنيًّا، حيث اعتبر الإدراك ذا مفهوم عامّ لا يقتصر على ما هو حسّيّ فقط، فما هو حسّيّ من الإدراكات مجرّد نوع واحد، وليست هناك ضرورة لتسريته إلى جميع الأنواع الأخرى، أو ادّعاء أنّ إدراك الله باطنيًّا ليس من سنخ الإدراك اليقينيّ، بل هو يقينيّ بكلّ تأكيد ممّا يعني أنّ الشهود الباطنيّ لله - تجربة الله شهوديًّا - عبارة عن أمر واقعيّ لا غبار عليه.

تكافؤ تجربة الله مع التجربة الحسّيّة

على الرغم من إذعان وليام ألستون بوجود اختلاف بين التجربتين الإدراكيّتين، الشهوديّة والحسّيّة، لكنّه اعتبر تجربة الله من سنخ التجربة الحسّيّة ومتشابهة معها إلى حدّ كبير، وعلى هذا الأساس أكّد على إمكانيّة اعتبارهما متكافئتين من حيث منح الإنسان يقينًا بالموضوع؛ لكونهما متقوّمتين ببنية واحدة، وتسفران عن نتائج متشابهة، فكما أنّ الإنسان خلال إدراكه الحسّيّ الذي يكتنفه عندما يشاهد شجرة تتقوّم تجربته الحسّيّة بثلاثة مرتكزات أساسيّة هي: نفسه التي تشاهد الشجرة - المدرِك -، والشجرة التي تشاهدها العين - المدرَك -، والصورة الذهنيّة لهذه الشجرة - الفينومين -، كذلك في التجربة الدينيّة التي هي عبارة عن تجربة الله في الباطن لديه ثلاثة مرتكزات أساسيّة هي: نفسه التي طرأت عليها هذه التجربة - المدرِك -، والله الذي هو موضوع التجربة - المدرَك -، وتجلّي الله في القوة الإدراكيّة - الفينومين -، وهذا يعني تسانخ التجربة الباطنيّة مع الحسّيّة بهذا الخصوص.

المرتكز الأساسيّ في التجربة الحسّيّة هو تجلّي الأمر المدرَك وظهوره للحواس على أرض الواقع؛ لأنّ المعرفة الحسّيّة لا يمكن أن تتحقّق لدى الإنسان دون هذا الشرط، إذ حينما يشاهد شجرةً بعينيه على أرض الواقع، فهي تظهر أمامه بشكل واقعيّ محسوس، ويمكن التعبير عن هذه الحالة بأنّ الشجرة تتجلّى لقابليّته الإدراكيّة، وهذا الظهور في الحقيقة يختلف عن الاستدلال على وجود الشجرة في رحاب تصوّرها ذهنيًّا[20]، وهو ما نلحظه بوضوح ضمن التجربة الشهوديّة - تجربة الله -، حيث يتجلّى الله لصاحب التجربة، وهذا التجلّي مختلف عن تصوّر الله ذهنيًّا وإدراكه عن طريق الاستدلال العقليّ، وعلى هذا الأساس فإنّ ما أسماه ألستون «تجربة الله» هي بالنسبة إلى الله تفي بذات الدور المعرفيّ الذي تفي به التجربة الحسّيّة بالنسبة إلى العالم المادّيّ.

استنادًا إلى ما ذكر أكّد هذا المفكّر الغربيّ على حجّية الشهود الباطنيّ وقطعيّة المعتقدات التي تنشأ على أساسه في أوّل الأمر مثل تجربة الله والاعتقاد بأنّه عالم وقادر، فهي برأيه على غرار المعتقدات التي تنشأ لدى الإنسان جرّاء تجاربه الحسّيّة، ويقصد من كونها حجّة «في أوّل الأمر» أنّها يقينيّة وقطعيّة ما لم يوجد برهان مقنع يدلّ على عدم صوابها.

نظريّة الظهور

حاول وليام ألستون بيان تفاصيل نظريّته - تجربة الله - بشتّى السبل، وفي هذا السياق تبنّى نظريّة الظهور theory of appearing التي تعني أنّ ظهور الموضوع الذي أسماه A لدى ذهن المدرِك هو أمر أساسيّ ومتكامل بحدّ ذاته، بحيث لا يمكن اعتباره مجرّد مفاهيم ذهنيّة أو محض تصوّرات أو أيّ شيء آخر غير دلالته الحقيقيّة.

إدراك شيء ما حسب نظريّة الظهور عبارة عن تجلّيه لدى صاحبه بنحوٍ إدراكيّ معيّن، دون الحاجة إلى صياغته في إطار مفهوم محدّد أو إصدار حكم عقليّ عليه، وهذا ما أكّد عليه ألستون ضمن ما ذكره بخصوص التجارب الباطنيّة المباشرة بالنسبة إلى الله، والتي لا تفتقر إلى واسطة ولا تتقوّم بأيّ صورة حسّيّة، حيث أثبت ضمن مباحثه العقديّة هذه أنّ كثيرًا من الذين خاضوا تجربة الله تمكّنوا من تحصيل نتائج تشابه ما يحصل عليه الإنسان من تجاربه الحسّيّة المتعارفة؛ ومن هذا المنطلق استنتج إمكانيّة تحقّق إدراك باطنيّ لله بشكل مباشر دون الحاجة إلى توسّط أيّ شيء، معتبرًا إيّاه إدراكًا أصيلًا يمنح صاحبه يقينًا.

المدركات تظهر للشخص المدرِك وتتبلور صورها في ذهنه بشكل مباشر عن طريق قابليّاته الحسّيّة، كالشجرة التي تراها عيناه، وأحيانًا بشكل غير مباشر كما لو رأى صورة شجرة في التلفاز؛ وكذا هو الحال بالنسبة إلى تجربة الله حسب رأي هذا المفكّر الغربيّ، فأحيانًا يجرّبه الإنسان في باطنه بشكل مباشر، وفي أحيان أخرى يجرّبه بشكل غير مباشر، ومثال الحالة الأولى - التجربة المباشرة - تلك الأخبار التي يتداولها كثير من أصحاب الشهود الباطنيّ، والتي يؤكّدون فيها على أنّهم خاضوا تجربة الله وأدركوه باطنيًّا دون توسّط أيّ شيء، ومثال الحالة الثانية - التجربة غير المباشرة - إدراك وجود الله عن طريق مشاهدة جمال الطبيعة وعظمتها وروعة مظاهرها مثل رؤية الشمس وهي تشرق أو تغرب ومثل سماع تلاوة آيات كتاب سماويّ.

تجربة الله بين البداهة والاكتساب

هل يمكن اعتبار تجربة الله من سنخ العلم الحصوليّ (الاكتسابيّ) أم هو من سنخ العلم الحضوريّ (البديهيّ)؟ يعتبر وليام ألستون الظهور المباشر متقوّمًا بعدّة مراتب، حيث يقصد من ذلك عدم تفنيد وجود الواسطة بشكل مطلق في تحقّقه، أي ليس من الصواب ادّعاء عدم وجود أيّ نوع من الوسائط عندما يخوض الإنسان تجربة الله، بل ثمّة نوع من الإدراك الذي يتوسّط بين صاحب التجربة وموضوعها، فقد أكّد أصحاب الشهود الباطنيّ على أنّ الحالة الإدراكيّة التي تكتنف باطنهم تختلف عن ذات الموضوع الذي هو الله تبارك وتعالى؛ في حين أنّ القول بتفنيد وجود الواسطة جملةً وتفصيلًا ليس من هذا القبيل؛ لكون انعدامها بهذا الشكل يعني ضرورة الإذعان بعدم وجود اختلاف بين الإدراك والشيء المدرَك[21].

بناءً على هذا الرأي لا يمكن القول إنّ الظهور المباشر لله - إدراكه بدون واسطة - عبارة عن علم حضوريّ (بديهيّ) لمن يدركه، ومن البديهيّ أنّنا لو لم نعتبره علمًا حضوريًّا فلا محيص لنا من اعتباره حينئذٍ علمًا حصوليًّا - اكتسابيًّا -؛ لأنّ كلّ شيء يدركه الإنسان إمّا أن يتحقّق له عن طريق علم حصوليّ أو حضوريّ لا غير، فهذه قاعدة عقليّة شاملة؛ وعلى هذا الأساس يرِدُ إشكال على نظريّة هذا المفكّر الغربيّ بسبب هذا الغموض؛ إذ لا نعلم ما إن كان يعتبر التجربة الشهوديّة التي أسّس عليها نظريّته تحكي عن علم حصوليّ بالنسبة إلى الله أو تدلّ على علم حضوريّ؟

للإجابة عن هذا السؤال نقول: من ناحية لا يمكن اعتبارها علمًا حصوليًّا لكون ألستون يعتقد بأنّ الله خلال هذه التجربة يظهر للإنسان، وفي هذا الظهور ليست هنا حاجة إلى صياغة مفهوم معيّن أو إصدار حكم عقليّ محدّد بهذا الخصوص، ومن ناحية أخرى لا يمكن اعتبارها علمًا حضوريًّا؛ لكون صاحب التجربة حين هذا الظهور يمتلك إدراكًا مختلفًا عن موضوع التجربة الذي هو الله، ومن المعلوم أنّ الاختلاف بين العلم والمعلوم عبارة عن أمر بديهيّ حتّى عند عدم وجود واسطة بينهما.

نستشفّ ممّا ذكر أنّ تجربة الله بحسب رأي هذا المفكّر الغربيّ عبارة عن علم حصوليّ، إذ لو اعتبرناها ضربًا من العلم الحضوريّ ففي هذه الحالة لا يمكن الإذعان بكونها شبيهةً بالإدراك الحسّيّ كما ادّعى؛ والجدير بالذكر هنا أنّ غالبية العلماء المسلمين يعتبرونها علمًا حصوليًّا.

خلاصة الكلام أنّ النسبة المعرفيّة لتجربة الله الشهوديّة والتي هي أساس لسائر المعتقدات بخصوصه تعالى، تعتبر - حسب رأي ألستون - ذات النسبة المعرفيّة للإدراك الحسّيّ الذي هو أساس للمعتقدات الخاصّة بعالم المادّة وكلّ ما فيه من قضايا محسوسة، ممّا يعني أنّ المعرفة الباطنيّة في هذا المضمار تفي بذات الدور الذي تلعبه المعرفة الحسّيّة، ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار تجربة الله بأنّها ضرب من الإدراك التجريبيّ المتقوّم على الحسّ، ومن ثمّ يتبنّى صاحب التجربة في رحابها معتقدات معيّنة بخصوص صفات الله وأفعاله وبإمكانه إثباتها وفق قابليّاته الشهوديّة.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذا الإثبات الذي يعني قطعيّة ما تحصّل للذهن على ضوء الشهود الباطنيّ من معتقدات بخصوص الله، يتحصّل لصاحبه بشكل مباشر دون الحاجة لأيّ واسطة، ولا يعني أنّه يتحصّل عن طريق معتقدات أخرى تمّ إثباتها مسبقًا عن طريق استدلال وبرهنة.

يقينيّة المعرفة المتحصّلة من التجربة الإدراكيّةّ

طرح وليام ألستون تساؤلاْ أساسيًّا بخصوص المعرفة التي تتحصّل لدى الإنسان بواسطة تجاربه، حيث قال: ما هو الدليل الذي يثبت كون المعرفة المتحصّلة من التجربة قطعيّة ولا بدّ من الإذعان بها؟ فما السبب في وجوب قبول الإدراك التجريبيّ حسّيًّا كان أم غير حسّيّ؟ هل يمكن القول إنّ الإدراك المتحصّل عن طريق التجربة يقينيّ على الدوام ولا يطرأ عليه الخطأ مطلقًا؟

خلاصة إجابته عن هذه التساؤلات هي ما يلي: «لا محيص لنا من الاعتماد على إدراكاتنا التجريبيّة لكونها موثّقة»، وحسب ما تفيده المبادئ الإبستيمولوجيّة المعدّلة التي تبنّاها هذا الفيلسوف الغربيّ، فإنّ الأسس المتعارفة في ترسيخ الاعتقاد بنفس الإنسان، كالإدراك الحسّيّ، والذاكرة الذهنيّة، والشهود العقليّ، والشهود الباطنيّ، ومختلف أنواع البرهنة والاستدلال، ذات اعتبار أوّلي، أي أنّها حجّة في بادئ تبلورها في النفس أو العقل؛ لذا تعدّ صحيحةً ابتداءً، ما لم توجد شواهد وقرائن قويّة وموثّقة تدلّ على بطلانها.

أتباع المبادئ الإبستيمولوجيّة المعدّلة يقرّون بأنّ جميع البراهين التي ذُكرت لإثبات توثيق معطيات الإدراكات المذكورة، لا يمكن الاعتماد عليها، ولا يمكن اعتبارها مصدرًا للاستدلال؛ لكونها براهين غير معرفيّة، وفي هذا السياق يعتقد وليام ألستون أنّ الاعتماد على تلك الإدراكات يعدّ معقولًا، ولا سيّما الإدراك الحسّيّ، وذلك لما يأتي:

1) هذه الإدراكات عادةً ما تترسّخ لدى الإنسان عن طريق مفاهيم وقضايا يتلقّاها من مجتمعه، أي أنّ المجتمع يفرضها عليه ويضفي إليها طابعًا رسميًّا إلزاميًّا، وهذا يعني أنّ دور المجتمع في بلورة معتقدات الإنسان على غرار الدور الذي تفيه إدراكاته الفطريّة وتوجّهاته الباطنيّة.

بناءً على ذلك فالعناصر الخارجيّة المتمثّلة بالإدراكات المكتَسبة من المجتمع، والعناصر الداخليّة المتمثّلة بالإدراكات الفطريّة، تشترك في صياغة الإدراكات الموثّقة لدى الإنسان.

2) الاعتماد على ما يتحصّل من نتائج هذه المصادر المعرفيّة في بادئ نشأتها قائم على أسس عقليّة؛ إذ ليس لدينا أيّ بديل أفضل منها؛ لذا يُقال إنّ العقل يلزمنا بأن نعتبرها موثّقة بحيث نعتمد عليها ونعمل بها، ومن هذا المنطلق فكلّ إدراك يتحصّل لنا عن طريقها يعدّ موجّهًا ومعتبرًا في بادئ ظهوره.

3) حصيلة هذه المصادر المعرفيّة الموجِدة للإدراك متناسقة الأجزاء، وليس بينها أيّ تضاد يُذكر، فهي لا تختلف مع بعضها ولا مع سائر الإدراكات؛ لأنّ ما يتحصّل في رحاب الإدراك الحسّيّ على سبيل المثال ربما لا ينسجم مع بعضه في حالات معيّنة، كما لو رأت العين شيئًا لا تستطيع اليد لمسه، أو أنّه يتعارض مع ما هو موجود في الذاكرة أو مع الأسس الاستدلاليّة في حالات أخرى، لكنّه ليس كذلك دائمًا، أي أنّ عدم انسجامه وتعارضه ليس شاملًا لجميع الحالات، بل يحدث في حالات خاصّة فقط؛ ومن هذا المنطلق لا توجد عوامل تسفر عن زوال عقلانيّة الإدراكات المذكورة، لأنّ العقل يحكم بحجيّتها حتّى في هذه الحالات.

4) الأمر لا يقتصر على عدم وجود انسجام في حصيلة هذه الإدراكات، بل كلّ واحد منها يساند الآخر ويؤيّد مصداقيّته، حيث يثبت توثيقها لنا عن طريق القدرات العمليّة التي تمنحها لنا، فعلى سبيل المثال لو قيل إنّ الإدراك الحسّيّ لا يمنحنا فهمًا صحيحًا بالنسبة إلى أحد الأحداث، فكيف يمكننا فهم الأحداث التي سنواجهها مستقبلًا بشكل صائب؟ فهل هناك بديل لذلك؟

المعرفة اليقينية بين الإمكان والعدم

نستشفّ من جملة ما ذُكر أنّ وليام ألستون، على ضوء آرائه التي أشرنا إليها، قطع الطريق على تحقّق المعرفة اليقينيّة، فهو بعد أنّ أغلق باب العلم لم يجد بدًّا من التمسك بالظنّ، وإثر ذلك اضطر لأن يقسم الظنّ إلى معتبر وغير معتبر، وفي هذا السياق اعتبر منشأه معيارًا أساسيًّا في تقويم ما يتحصّل لدينا، وعلى هذا الأساس لو منحنا الظنّ مفهومًا منسجمًا مع ما يمكن تحصيله من الإدراكات المتعارفة اجتماعيًّا والمعتمدة في إيجاد المعتقدات لدى الإنسان، فهو معتبر ابتداءً، وإن لم ينسجم معها، فلا اعتبار له على الإطلاق.

إذن، المرتكز الأساسيّ للبنية الإبستيمولوجيّة المعدّلة وكلّ ادعاء مستند إليها، هو عدم وجود معرفة قطعيّة يقينيّة، أي انسداد باب تحقّق هذه المعرفة وفق رؤية ألستون، لكن إذا فُتح هذا الباب كما هو رأي الفلاسفة المسلمين، سوف لا يبقى مجال للتنظير القائم على المبادئ الإبستيمولوجيّة المعدّلة.

نظريّة وليام ألستون في بوتقة التحليل الإسلاميّ

أهمّ سؤالين يُطرحان حول نظريّة وليام ألستون، ما يأتي: ما هي الرؤية الإسلاميّة بالنسبة إلى التجربة الدينيّة التي ادّعاها هذا المفكّر الغربيّ بصفتها تجربة شهوديّة أطلق عليها عنوان «تجربة الله» وادّعى فيها أنّ صاحبها يدرك الله بشكل مباشر دون الحاجة إلى وساطة أيّ من وسائل الإدراك الحسّيّ؟ وهل هذا الإدراك الذي يمنح الإنسان معرفةً بالله عزّ وجلّ يتناغم مع مبادئ الفكر الإسلاميّ ويتبنّاه العلماء والمفكّرون المسلمون؟

إذا أردنا معرفة واقع الرؤية الإسلاميّة بهذا الخصوص، فمن الأجدر بنا تسليط الضوء على مسألة «رؤية الله» والتي طرحت بين المسلمين منذ عصر صدر الإسلام وفي عهد رسول الله محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتحليل الآراء المطروحة في تلك الآونة على هذا الصعيد، ولا شكّ في أنّ تفاصيل هذا الموضوع كثيرة ومتشعّبة لكنّنا سنحاول قدر المستطاع توضيح معالم الرأي الذي نعتبره صحيحًا بشكل إجماليّ.

مسألة رؤية الله في القرآن في قصّة النبيّ موسى(عليه السلام)

اعتمد المسلمون بشكل أساسيّ على آيات القرآن الكريم ضمن مباحثهم التي تطرّقوا فيها إلى شرح وتحليل مسألة رؤية الله، حيث طرحت الآيات هذا الموضوع بأوجه متعدّدة، مثل مفهومي رؤية الله ورؤية وجهه الكريم، وأهمّ آية في هذا السياق قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)[22]. جرت الكثير من النقاشات واحتدم الجدل بين العلماء والمفكّرين المسلمين وحتّى غيرهم حول مضمون هذه الآية، وطرحت كثير من الأسئلة بخصوصها، ومن ذلك أنّه هل طلب النبيّ موسى(عليه السلام) من الله عزّ وجلّ أن يريه نفسه بعينه الباصرة كي تترسّخ في نفسه صورة حسّيّة له، أو أنّه قصد شيئًا آخر؟

هذا النوع من الرؤية يقتضي كون الشيء الذي تدركه الحواس - المدرَك – جسمانيًّا؛ لذا بما أنّ الله عزّ وجلّ منزّه عن كلّ ميزة جسمانيّة، ونظرًا لكون النبيّ موسى(عليه السلام) نبيًّا عظيمًا من أنبياء أولي العزم، فهو بكلّ تأكيد كان علم بهذه الحقيقة المهمّة؛ لأنّه أعلى شأنًا من أن يطلب شيئًا كهذا، حاشاه من ذلك.

العلّامة محمّد حسين الطباطبائّي (رحمه الله) قال في هذا السياق: «رغبة الإنسان في رؤية الله بعينه الباصرة مع علمه بكونه منزّهًا من الحركة والزمان والمكان وجميع الخصائص المادّيّة، هي في الواقع أشبه بالمزاح وأبعد ما تكون عن الجدّ»[23].

استحالة رؤية الله بالعين الباصرة وحقيقة الرؤية التي ذكرت في القرآن

نستشفّ ممّا ذكر في المبحث السابق أنّ النبي موسى(عليه السلام)لم يطلب من الله أن يريه نفسه كي يدركه بعينه الباصرة، وعلى هذا الأساس فالإجابة التي ذكرت لهذا الطلب في الآية المذكورة هي «قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي»، ولا يُراد منها أنّ الله عزّ وجلّ أخبره بأنّه غير قادر على رؤيته بعينه الباصرة، أي ليس المقصود منها نفي الرؤية الحسّيّة التي لم يقصدها موسى(عليه السلام) من الأساس، فهو على علم مسبق بعدم إمكانيّة تحقّقها بالحواس.

إذن، بعد أن ثبت لنا أنّه لم يطلب رؤية الله عزّ وجلّ بعينه الباصرة، فما هي الرؤية التي قصدها؟ هل القرآن الكريم في هذه الآية يؤكّد على أنّ رؤية الله من قبل البشر ممكنة؟ لو قيل إنّها ممكنة، فما هي حقيقتها؟ ومتى يمكن أن تحدث؟ ومن ذا الذي يتمكّن من نيل هذه الكرامة؟

مسألة رؤية الله طُرحت في مختلف الآيات القرآنيّة بتعابير عديدة، ممّا يعني أنّ أصل تحقّقها ممكن، وفيما يلي نذكر جانبًا منها:

1) قال تعالى في وصف حال بني آدم في يوم القيامة: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ‎﴿٢٢﴾‏ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)[24]. هذه الآية تدلّ بوضوح على أنّ رؤية الله عزّ وجلّ ممكنة للبشر في عالم الآخرة على أقل تقدير بحيث يمكن لبعضهم رؤيته[25].

2) قال تعالى في وصف النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وشهوده الباطنيّ: ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ ‎﴿١١﴾‏ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ ‎﴿١٢﴾‏ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ ‎﴿١٣﴾‏ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ ‎﴿١٤﴾‏ عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ ‎﴿١٥﴾‏ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ ‎﴿١٦﴾‏ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ‎﴿١٧﴾‏ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ )  .[26] هذه الآيات تتحدّث عن شيء أو ربّما أشياء رآها النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) بشهود باطنيّ،[27] حيث تؤكّد على صواب ما شاهد وعدم طروء أيّ خطأ عليه، فقد تلقّى الحقيقة كما هي عليه دون زيادة أو نقصان؛ لكن السؤال الذي يُطرح للبحث والنقاش هنا، هو: ما هو موضوع هذه المشاهدات الباطنيّة؟ هل هو الله عزّ وجلّ أو شيء آخر؟

لا توجد لدينا قرينة في هذه الآيات تدلّ على أنّ الله عزّ وجلّ بذاته ليس هو ما شاهده النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أي أنّه ليس موضوع الرؤية، والآيات السابقة تدلّ على أنّ موضوعها هو الأفق الأعلى والدنوّ والتدلّي،[28] وهذه الأمور الثلاثة هي آيات إلهيّة عظيمة،[29] والآيات اللاحقة هي الأخرى تؤيّد هذا المعنى، فقد قال تعالى (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ‎﴿١٧﴾‏ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ).

نستنتج من جملة ما ذُكر أنّ هذه الآيات تدلّ على اقتراب النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) من الأفق الأعلى، وحينها رأى جبرائيل(عليه السلام)، فأُلقي عليه الوحي بشكل شفويّ، وكلّ ذلك من آيات الله عزّ وجلّ.

3) الكثير من الآيات تحدّثت عن لقاء الله تعالى بتعابير عديدة نشير إلى جانب منها فيما يأتي:

- لقاء الله[30].

- لقاء ربّهم[31].

- لقاء ربّكم[32].

- لقاء ربّه[33].

- لقائه[34].

- لقاءنا[35].

وقال تعالى في سورة الكهف: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ‎)[36]. المعنى الذي يتبادر إلى الذهن في أوّل وهلة هو أنّ «لقاء الله» يراد منه المواجهة المباشرة حسب ظاهر العبارة، بحيث تزول كلّ الحجب بينه وبين عباده الذين يبلغون هذا المقام[37] .

العالم الجليل والعارف الميرزا جواد ملكي التبريزيّ تحدّث عن المقصود من «لقاء الله» قائلًا: «آيات لقاء الله تدلّ على أنّ بعض عباده الخلّص ينالون لقاءه ويتشرّفون بملاقات ذاته المقدّسة، وقد تمّ تفسير الآيات التي تضمّنت هذه العبارة وما شاكلها من قبل بعض علماء الكلام وغيرهم من العلماء الأعلام الذين يؤكّدون على ضرورة تنزيه الله عزّ وجلّ بالكامل، ولا شكّ في أنّ تنزيهه التامّ الكامل هو ذروة معرفته، حيث اعتبروا أنّها تدلّ على لقاء الموت ولقاء الثواب الذي سيمنحه الله لمن يلاقيه، إلا أنّ هذا التفسير رفضه علماء آخرون يعتقدون بإمكانيّة معرفته تبارك شأنه من قبل عباده، فقالوا إذا كان المقصود هو لقاء الموت ونيل الثواب الإلهيّ، فهذا التفسير يستلزم وجوب القول باستعمال اللفظ في غير معناه الحقيقيّ...، ولا شكّ في ضعف صواب احتمال المعنى المجازيّ في هذا المضمار، ومن المؤكّد أنّ المقصود أنّه لو لم يكن المعنى الحقيقيّ من اللفظ هو المراد... ففي هذه الحالة يكون المعنى المجازيّ هو الأقرب...، وهنا لا بدّ من تفسير العبارة بأنّها تدلّ على درجة من اللقاء مع واجب الوجود يسوّغ شرعًا لممكن الوجود رغم عدم كونه لقاءً حقيقيًّا بالمعنى العرفيّ العامّ»[38]. بعد ذلك ذكر القاعدة القائلة بأنّ الألفاظ وُضعت من أساسها لبيان المعاني المقصودة منها، ولا دخل لها بخصائص المصاديق التي تطلق عليها وموارد استعمالها فيها، واستنتج من ذلك أنّ لفظ «لقاء» وضع للمعنى المقصود من الالتقاء، وبالتالي فهو يمكن أن يُستعمل في مصاديق عديدة بما فيها ملاقاة الروح بالروح، لذا يمكن تفسير اللقاء المذكور في القرآن الكريم بأنّه مستعمل في معناه الحقيقيّ وليس المجازيّ، ممّا يعني أنّ المراد من لقاء العبد بربّه ذات المعنى المقصود في الأدعية والأخبار، وهو البلوغ إلى الهدف والزيارة، والنظر إلى الوجه والتجلّي والرؤية القلبيّة وتعلّق الروح، وعلى هذا الأساس، فهو يقابل الفراق والحرمان[39].

العلّامة محمد حسين الطباطبائيّ (رحمه الله) فسّر «لقاء الله» بكون العبد يبلغ مقامًا تزول فيه الحجب الموجودة بينه وبين ربّه الكريم، وهذا ما يحدث في يوم القيامة الذي هو في الواقع مضمار لتجلّي الحقائق[40]؛ ودعم رأيه هذا بقوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ)[41] .

الرؤية الباطنيّة والعلم الحضوريّ

ما ذكر في المبحث السابق مجرّد جانب ممّا أشارت إليه الآيات القرآنيّة التي أكّدت على إمكانيّة رؤية الله في يوم القيامة على أقلّ تقدير، لكن هذه الرؤية ليست كما يتصوّرها البشر حسب إدراكهم الحسّيّ، فقد أشرنا آنفًا إلى أنّ رؤيته تبارك شأنه مستحيلة بالعين الباصرة، فهو لا يتجسّم كما تتجسّم الأشياء المادّيّة، وهذا الأمر رفضه النصّ القرآنيّ أيضًا بشكل قطعيّ، فقد قال تعالى: (ا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ )[42]. هذه الآية تدلّ بوضوح على أنّ المقصود من رؤية الله عزّ وجلّ شيء آخر غير الرؤية الحسّيّة، بل هي نوع من تحقّق علم ضروريّ لدى البشر، لكن هذا لا يعني أنّ كلّ علم ضروريّ - يقينيّ - يوصف بكونه مشاهدة، ولا يراد منه اللقاء دائمًا، فنحن على علم مؤكّد بوجود كثير من الشخصيّات على مرّ تأريخ بني آدم من أمثال هتلر، وجنكيزخان، والنبي موسى(عليه السلام)، والنبي عيسى(عليه السلام)، ونبينا الأكرم محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وحتّى شخصيّات معاصرة، لكنّنا لم نرها ولم نلتقِ بها.

القضيّة الرياضيّة 2 + 2 = 4 ذات مدلول قطعيّ يقينيّ لا يكتنفها أدنى شكّ، لكونها من البديهيّات الثابتة التي لا غبار عليها؛ لذا فهي معلومة لدينا بالعلم الحصوليّ - الاكتسابيّ - لكنّنا لا نشاهدها بأعيننا أو نلتقي بها، وكذا هو الحال بالنسبة إلى سائر المداليل النظريّة الثابتة بالقطع واليقين.

ثمّة معلومات ندركها بشكل مباشر دون أيّ واسطة، مثل الإرادة والمحبّة والبغض والمودة والعداء بالنسبة إلى شيء أو شخص ما، حيث نقول إنّنا ندرك - نرى - هذه الحقائق الثابتة في باطننا، كما لو أحببنا شيئًا أو شخصًا أو أبغضناه.

العلّامة محمد حسين الطباطبائيّ (رحمه الله) قال في هذا السياق: «إطلاق لفظ (رؤية) على هذا النوع من العلم الذي يدركه مع حقيقته الخارجيّة هو أمر شائع ومتعارف»[43].

الفلاسفة المسلمون وصفوا هذا النوع من العلم بأنّه حضوريّ - بديهيّ - ومن مصاديقه علم الإنسان بنفسه وقابليّاته الذاتيّة وصفاته الشخصية وشتّى أحواله الباطنيّة، كذلك من مصاديقه علم العلّة الموجدة المجرّدة بمعلولها المجرّد وهذا المعلول بها.

أمثلة قرآنيّة على العلم الحضوريّ بالله تعالى

يقول العلّامة محمد حسين الطباطبائيّ (رحمه الله) إنّ القرآن الكريم حينما أشار إلى مسألة «رؤية الله تعالى» في كلّ آية، ذكر معها قيودًا خاصّةً تثبت كون الرؤية بمعنى العلم الحضوريّ فحسب، حيث قال: «والله سبحانه فيما أثبت من الرؤية يذكر معها خصوصيّات ويضمّ إليها ضمائم، يدلّنا ذلك على أنّ المراد بالرؤية هذا القسم من العلم الذي نسمّيه فيما عندنا أيضًا رؤية، كما في قوله: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، حيث أثبت أوّلًا أنّه على كلّ شيء حاضر أو مشهود[44] لا يختصّ بجهة دون جهة، أو بمكان دون مكان، أو بشيء دون شيء، بل شهيد على كلّ شيء، محيط بكلّ شيء؛[45] فلو وجده شيء لوجده على ظاهر كلّ شيء وباطنه، وعلى نفس وجدانه وعلى نفسه، وعلى هذه السمة لقاؤه.

لو كان ثمّة لقاء [فهو] لا على نحو اللقاء الحسّيّ الذي لا يتأتّى البتّة إلّا بمواجهة جسمانيّة وتعيّن جهة ومكان وزمان، وبهذا يشعر ما في قوله: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) من نسبة الرؤية إلى الفؤاد الذي لا شبهة في كون المراد به هو النفس الإنسانيّة الشاعرة دون اللحم الصنوبريّ المعلّق على يسار الصدر داخلًا.

ونظير ذلك قوله تعالى: (كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‎﴿١٤﴾‏ كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ) (سورة المطفّفين، الآيتان 14 و15)، دلّ على أنّ الذي يجبهم عنه تعالى رَيْن المعاصي والذنوب التي اكتسبوها، فحال بين قلوبهم، أي أنفسهم، وبين ربّهم، فحجبهم عن تشريف المشاهدة، ولو رأوه لرأوه بقلوبهم، أي أنفسهم لا بأبصارهم وأحداقهم.

وقد أثبت الله سبحانه في موارد من كلامه قسمًا آخر من الرؤية وراء رؤية الجارحة كقوله تعالى: (لَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ‎﴿٥﴾‏ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ‎﴿٦﴾‏ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ) (سورة التكاثر، الآيات 5 - 7)، وقوله: (وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) (سورة الأنعام، الآية 75)، و... الملكوت هو باطن الأشياء لا ظاهرها الحسوس.

فبهذه الوجوه يظهر أنّه تعالى يثبت في كلامه قسمًا من الرؤية والمشاهدة وراء الرؤية البصريّة الحسّيّة، وهي نوع شعور في الإنسان يشعر بالشيء بنفسه من غير استعمال آلة حسّيّة أو فكريّة، وأنّ للإنسان شعورًا بربّه غير ما يعتقد بوجوده من طريق الفكر واستخدام الدليل، بل يجده وجدانًا من غير أن يحجبه عنه حاجب، ولا يجرّه إلى الغفلة عنه إلا اشتغاله بنفسه وبمعاصيه التي اكتسبها، وهي مع ذلك غفلة عن أمر موجود مشهود لا زوال علم بالكلّيّة ومن أصله، فليس في كلامه تعالى ما يشعر بذلك البتّة، بل عبر عن هذا الجهل بالغفلة وهي زوال العلم بالعلم لا زوال أصل العلم.

فهذا ما بيّنه كلامه سبحانه، ويؤيّده العقل بساطع براهينه، وكذا ما ورد من الأخبار عن أئمة
أهل البيت(عليهم السلام)...

والذي ينجلي من كلامه تعالى أنّ هذا العلم المسمّى بالرؤية واللقاء يتمّ للصالحين من عباد الله يوم القيامة، كما يدلّ عليه ظاهر قوله تعالى:(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ‎﴿٢٢﴾‏ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ‎) (سورة القيامة، الآيتان 22 و23)، فهناك موطن التشرّف بهذا التشريف، وأمّا في هذه الدنيا والإنسان مشتغل ببدنه ومنغمر في غمرات حوائجه الطبيعيّة، وهو سالك لطريق اللقاء والعلم الضروريّ بآيات ربّه، كادح إلى ربّه كدحًا ليلاقيه، فهو بعد في طريق هذا العلم، لن يتمّ له حقّ ملاقاة ربّه، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ )(سورة الانشقاق، الآية 6)، وفي معناه آيات كثيرة أخرى تدلّ على أنّه تعالى إليه المرجع والمصير والمنتهى، وإليه يرجعون وإليه يُقلبون.

فهذا هو العلم الضروريّ الخاصّ الذي أثبته الله تعالى لنفسه وسمّاه رؤية ولقاء، ولا يهمّنا البحث عن أنّها على نحو الحقيقة أو المجاز، فإنّ القرائن قائمة على إرادة ذلك، فإن كانت حقيقة كانت قرائن معيّنة، وإن كانت مجازًا كانت صارفة، والقرآن الكريم أوّل كاشف عن هذه الحقيقة على هذا الوجه البديع، فالكتب السماويّة السابقة على ما بأيدينا ساكتة عن إثبات هذا النوع من العلم بالله، وتخلو عنه الأبحاث المأثورة عن الفلاسفة الباحثين عن هذه المسائل، فإنّ العلم الحضوريّ عندهم كان منحصرًا في علم الشيء بنفسه حتّى كشف عنه في الإسلام؛ فللقرآن المنّة في تنقيح المعارف الإلهيّة»[46].

طلب النبيّ موسى(عليه السلام) وإجابة الله تعالى

استنادًا إلى ما ذكر نستنتج ما يلي: حينما طلب النبيّ موسى(عليه السلام) من الله عزّ وجلّ أن يراه (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ) [47]، قصد من ذلك العلم الشهوديّ والمعرفة الحضوريّة، فبعد أن امتلك معرفةً به تبارك شأنه عن طريق النظر في آياته وبعد أن اصطفاه للنبوّة - وهذا الاصطفاء في الواقع نوع من العلم به تعالى عن طريق الاستماع - رغب في أن يمتلك علمًا به عن طريق الرؤية القلبيّة، وهذا الأمر هو ذروة الكمال في العلم الضروريّ بالله تبارك شأنه.

البارئ الكريم أخبره بعدم إمكانيّة تحقّق هذه الرؤية في الحياة الدنيا[48] التي فيها قيود كثيرة تحول دون تحقّق هذه الرؤية، فهي رؤية مشروطة بترك الدنيا وكلّ ما فيها، لأنّ الانقطاع التامّ والكامل إلى الله عزّ وجلّ لا يحصل إلّا على ضوء التحرّر من كلّ أمر مادّيّ، وبما في ذلك البدن وما فيه من جوارح، وهذا الأمر لا يحدث إلّا بعد الموت؛ وعلى هذا الأساس يثبت أنّ المقصود من قوله تعالى: ( لَن تَرَانِي )[49] هو: يا موسى، ما دمت في هذه الحياة الدنيا، فأنت لا تطيق رؤيتي؛ والجزء الآخر من الآية يدلّ على هذا المعنى.

وقد وضّح العلامة محمّد حسين الطباطبائيّ (رحمه الله) الذي ذكرناه كما يلي: «نفي مؤبّد للرؤية، وإذ أثبت الله سبحانه الرؤية بمعنى العلم الضروريّ في الآخرة كان تأبيد النفي راجعًا إلى تحقّق ذلك في الدنيا ما دام للإنسان اشتغال بتدبير بدنه وعلاج ما نزل به من أنواع الحوائج الضروريّة، والانقطاع إليه تعالى بتمام معنى الكلمة لا يتمّ إلا بقطع الرابطة عن كلّ شيء حتى البدن وتوابعه؛ وهو الموت، فيؤوّل المعنى إلى أنّك لن تقدر على رؤيتي والعلم الضروريّ بي في الدنيا حتّى تلاقيني، فتعلم بي علمًا اضطراريًا تريده، والتعبير في قوله: «لَنْ تَراني» بـ «لن» الظاهر في تأبيد النفي، لا ينافي ثبوت هذا العلم الضروريّ في الآخرة، فالانتفاء في الدنيا يقبل التأبيد أيضًا».[50]

نتيجة البحث

الحصيلة النهائيّة التي نستنتجها من موضوع البحث يمكن تلخيصها بالآتي:

1) رؤية الله عزّ وجلّ في الفكر الإسلاميّ يمكن أن تتحقّق على نحوين:

أ - رؤية عينيّة

ب - رؤية قلبيّة

رؤية العين كما هو معلوم تتحقّق عن طريق المشاهدة الحسّيّة وشبه الحسّيّة - التمثّل - وهذا الأمر فنّده القرآن الكريم بصريح العبارة، لكنّه أثبت إمكانيّة الرؤية القلبيّة.

2) رؤية الله عزّ وجلّ الشهوديّة - القلبيّة - ذات مراتب عدّة يبلغ الإنسان بعضها بفضل العلم الحضوريّ – البديهيّ، بحيث يراه دون توسّط أيّ صورة ذهنيّة، بل على ضوء ارتباط واتّحاد وجوديّ مع واقع يقينيّ، وعلى هذا الأساس تكون الرؤية صادقة لا يمكن أن يكتنفها أيّ وهم أو بطلان.

3) أولياء الله المقرّبون فقط لهم القدرة على بلوغ المراتب التامّة والكاملة لرؤيته تبارك شأنه بعد الموت حسب المعنى الذي أثبتناه.

4) «تجربة الله» الشهوديّة - الباطنيّة - حسب المعنى الذي ذكره الفيلسوف الغربيّ وليام ألستون تعدّ ضربًا من العلم الحصوليّ - الاكتسابيّ -؛ لذا لا يمكن اعتبارها رؤيةً بالعين الباصرة التي تتجسّم أمامها الأشياء المادّية، فهي حصوليّة برأيه لكونه اعتبرها على غرار الإدراك الحسّيّ؛ لكنّها حسب مبادئ الفكر الإسلاميّ عبارة عن معرفة حضوريّة - بديهيّة - ومباشرة في بعض الحالات إن لم نقل في جميعها.

5) الأمثلة التي ذكرها هذا المفكّر الغربيّ بخصوص إدراك الله تعالى والتي أطلق عليها عنوان «تجربة الله» حتّى إذا اعتبرناها سنخًا من رؤية الله بعين القلب، لكنّها ليست من المراتب الشهوديّة العليا، بل ذات مرتبة متدنّية شهوديًّا، بحيث تتحقّق لدى غير أولياء الله المقرّبين في الحياة الدنيا؛ لذا فهي ليست على غرار تلك المرتبة التي بلغها النبيّ موسى(عليه السلام) حينما سأل الله تعالى بأن يراه، والمرتبة التي بلغها خاتم الأنبياء محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) حينما عرج إلى السماء، وهذه المرتبة السامية تحصل بنحو تامّ وكامل وتبلغ ذروتها بعد الموت.

6) معرفة الإنسان بالله سبحانه وتعالى لا يمكن تفنيدها بالكامل وادّعاء عدم قدرته على امتلاكها بأيّ نحو كان، بحيث لا يمكنه أن يراه ولن يراه - حسب المعنى الذي ذكرناه للرؤية -، وفي الوقت نفسه لا يمكن وصفها بكونها معرفةً تامّةً وكاملةً بحيث يمكن أن يراه بعينه الباصرة؛ بل لا بدّ من الجمع بين التنزيه والتشبيه، فنقول: يمكن للإنسان أن يعرف ربّه، لكنّه لا يستطيع إدراك كُـنه حقيقة ذاته المقدّسة بالتمام والكمال، ويمكن أن يراه، لكن ليس بعينه الباصرة، بل بعين قلبه، وعلى هذا الأساس توصف هذه المعرفة بأنّها علم بأسمائه وصفاته المباركة – تجلّياته - وليس بعين ذاته.

المصادر والمراجع العربية

1- القرآن الكريم

2- وليام باين ألستون، تجربه ديني «ادراك خدا» (باللغة الفارسية)، مقتطفات حول التجربة الدينيّة لمايكل بيترسون وآخرون، ترجمها إلى الفارسيّة مالك حسيني، جمهوريّة إيران الإسلاميّة، طهران، منشورات هرمس، 2010م.

3- مايكل بيترسون وآخرون، عقل واعتقاد ديني (باللغة الفارسيّة)، ترجمه إلى الفارسيّة أحمد نراقي وإبراهيم سلطاني، جمهوريّة إيران الإسلاميّة، طهران، منشورات طرح نو، 1997م.

4- محمّد بن علي الصدوق، التوحيد، تصحيح السيد هاشم الحسّيّني الطهرانيّ، لبنان، بيروت، منشورات دار المعرفة.

5- محمّد حسين الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، لبنان، بيروت، منشورات مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، 1392هـ.

6- محمّد حسين الطباطبائيّ، رسالة الولاية، جمهوريّة إيران الإسلاميّة، طهران، منشورات مؤسّسة بعثت، 1981م.

7- حسين فقيه، نقش تجربه ديني در توجيه باورهاي ديني از نگاه آلستون (باللغة الفارسيّة)، مقالة نشرت في مجلة «نقد ونظر»، السنة الثانية عشرة، العددان 3 و4، 2007م، ص 4 - 45.

8- جواد ملكي التبريزي، رسالة لقاء الله، بإشراف الميرزا خليل مجتهد كمره اي.

المصادر والمراجع الأجنبية

1- William P. Alston, Religious experience, in Edward Craig (ed), Routledge Encyclopedia of philosophy, V. A. , New York, Routledge, 1998.

2- William P. Alston, Preceiving God: The epistermology of religious experience, Ithaca & London: Cornel University Press, 1991.

----------------------------------------

[1]*ـ أستاذ مشارك في قسم الفلسفة والكلام بمعهد دراسات الحوزة والجامعة في الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة.

- هذه المقالة نُشرت في مجلّة «قبسات» الفصليّة التي تصدر باللغة الفارسيّة في جمهوريّة إيران الإسلاميّة، السنة السادسة عشرة 2011م، العدد 60.

ـ ترجمة: أسعد مندي الكعبي.

[2]- وليام باين ألستون William P. Alston (29 نوفمبر 1921 - 13 سبتمبر 2009) فيلسوف أمريكيّ قدّم مساهمات مؤثّرة في فلسفة اللغة ونظريّة المعرفة والفلسفة المسيحيّة.

حصل على درجة الدكتوراه من جامعة شيكاغو ودرّس في جامعة ميشيغان وجامعة روتجرز وجامعة إلينوي وجامعة سيراكيوز.

[3]- أهمّ كتاب ألّفه هذا الفيلسوف الغربيّ عنوانه: «إدراك الرب: إبستيمولوجيا التجربة الدينيّة»

Perceiving God: the epistemology of religious experience, Ithaca & London: cornel university press , 1991. 

وضمن مقالته التي دوّنها تحت عنوان Religious experience as perception of God  وضّح المعالم الأساسيّة لنظريّته بشكل مبسّط ومختصر ودقيق للغاية.

[4]- وليام باين ألستون، تجربه ديني «ادراك خدا» (باللغة الفارسيّة)، مقتطفات حول التجربة الدينيّة لمايكل بيترسون وآخرون، ترجمها إلى الفارسيّة مالك حسيني، جمهوريّة إيران الإسلاميّة، طهران، منشورات هرمس، 2010م، ص 34.

[5]- المصدر السابق.

[6]- المصدر السابق، ص 41.

[7]- المصدر السابق، ص 42.

[8]- المصدر السابق، ص 50.

[9]- مايكل بيترسون وآخرون، عقل واعتقاد ديني (باللغة الفارسيّة)، ترجمه إلى الفارسيّة أحمد نراقي وإبراهيم سلطاني، جمهورية إيران الإسلاميّة، طهران، منشورات طرح نو، 1997م، ص 237.

[10]- William P. Alston, Preceiving God: The epistermology of religious experience, Ithaca & London: Cornel University Press, 1991, p. 20 - 22.

[11]- William P. Alston, Religious experience, in Edward Craig (ed), Routledge Encyclopedia of philosophy, V. A. , New York, Routledge, 1998, p. 254.

[12]- William P. Alston, Preceiving God: The epistermology of religious experience, p. 24.

[13]- صدر الدين الشيرازي والذين ساروا على نهجه تبنوا هذه الرؤية الشمولية.

[14]- ذكر وليام ألستون في الفصلين الثالث والرابع من كتاب Preceiving God: The epistermology of religious experience تفاصيل حول الأدلة التي تثبت إمكانيّة الاعتماد على الإدراك الحسّيّ ومكانته المعرفية ثمّ تطرّق إلى بيان مختلف تفاصيلها بإسهاب ضمن كتاب The reliability of sense perception

[15]- الحرف M هو مختصر كلمة manifestation التي تعني الظهور والتجلي.

[16]- مايكل بيترسون وآخرون، عقل واعتقاد ديني (باللغة الفارسية)، ص 237.

[17]- William P. Alston, Preceiving God: The epistermology of religious experience, p. 96.

[18]- حينما ينظر الإنسان إلى كتاب موجود أمامه، فيقول «هذا الكتاب الذي هو أمامي مفتوح»، فهو برأي وليام ألستون توصّل إلى هذه النتيجة على أساس إدراك حسّيّ بحت، وكذا هو رأيه بالنسبة إلى الحالة التالية: «هذا الكتاب الذي هو أمامي مفتوح، وهو ملك لصديقي»،لكن في القضيّة الثانية توصّل إلى النتيجة على أساس نوع من الإدراك الحسّيّ غير البحت؛ لأنّ موضوع القضيّة تقوم على اعتقادات أخرى مثل «صديقي لديه كتاب خصائصه كذا وكذا».

[19]- William P. Alston, Preceiving God: The epistermology of religious experience, p. 96.

[20]- هذا الظهور برأي العلماء المسلمين عبارة عن حضور صورة الشجرة في ذهن صاحب الإدراك، وليس شيئًا آخر، وهو بطبيعة الحال مختلف عن الصور التي يدركها الإنسان عن طريق الاستدلال العقليّ، كما يختلف عن الصور الخياليّة.

[21]- William P. Alston, Preceiving God: The epistermology of religious experience, p.  20 - 28. 

[22]- سورة الأعراف، الآية 143.

[23]- محمد حسين الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، لبنان، بيروت، منشورات مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، 1392هـ، ج 7، ص 238.

[24]- سورة القيامة، الآيتان 22 - 23.

[25]- ثمّة رأي آخر طرح في تفسير عبارة «إلى رَبِّها ناظِرَةٌ» وفحواه أنّ النظر هنا شيء آخر غير الرؤية العينيّة - بالعين الباصرة - وإنّما بمعنى الانتظار الذي ذكر مفهومه في قوله تعالى: «وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ» (سورة النمل، الآية 36) أي أنّي انتظر حتّى يعود الذين أرسلتهم لأعرف الحقيقة.

إذن، معنى الآية حسب هذا الرأي التفسيريّ هو أنّ الإنسان في يوم القيامة ينتظر عطاء الله سبحانه وتعالى، حيث استدلّ من ذهب إليه على هذا المضمون اعتمادًا على رواية منقولة عن الإمام علي بن موسى الرضا وهي مذكورة في المصدر التالي (عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 114 - 115).

للاطلاع أكثر، راجع: محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن.

[26]- سورة النجم، الآيات 11 - 18.

[27]- ذكرت العديد من التفاسير بخصوص قوله تعالى «مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى» وكلّ تفسير طرحها بأسلوب مختلف عن غيره، والباحث مجتبوي الذي ترجم القرآن الكريم إلى الفارسيّة ترجمها كما يلي: «قلب النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكذب فيما رأى»، والمترجم فولاد وند ترجمها هكذا: «القلب لم يرَ شيئًا بالخطأ»، والعلامة محمد حسين الطباطبائي (رحمه الله) قال في تفسيرها: «الكذب خلاف الصدق يقال: كذب فلان في حديثه، ويقال: كذبه الحديث بالتعدّي إلى مفعولين أي حدّثه كذبًا، والكذب كما يطلق على القول والحديث الذي يلفظه اللسان كذلك يُطلق على خطأ القوّة المدركة يقال: كذّبته عينه أي أخطأت في رؤيتها.

و نفي الكذب عن الفؤاد إنّما هو بهذا المعنى سواء أخذ الكذب لازمًا والتقدير ما كذب الفؤاد فيما رأى أم متعدّيًا إلى مفعولين، والتقدير ما كذب الفؤاد - فؤاد النبيّ - ما رآه أي إنّ رؤية فؤاده فيما رآه رؤية صادقة».

محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 19، ص 29.

[28]- محمد حسين الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، ج 19، ص 30.

[29]- العلّامة محمد حسين الطباطبائيّ (رحمه الله) أكّد في هذا السياق على إمكانيّة افتراض كون الله سبحانه وتعالى هو موضوع الرؤية في الآية المذكورة لكونها رؤية قلبيّة تختلف عن الرؤية الحسّيّة التي تتحصّل لدى الإنسان بالعين الباصرة وتتعلّق بالأجسام فقط.

وقال أيضًا هناك روايات تدلّ على هذا الرأي من جملتها ما يلي: محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمه الله قال: حدثنا محمّد بن الحسن الصفّار، عن محمد بن الحسّيّن بن أبي الخطّاب، عن محمد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن: هل رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ربّه عزّ وجلّ؟ فقال: «نعم بقلبه رآه، أما سمعت الله عزّ وجلّ يقول (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) أي لم يره بالبصرة، لكن رآه بالفؤاد». هذه الرواية نقلها الشيخ الصدوق (رحمه الله) في كتاب التوحيد، الباب الثامن، الحديث رقم 17.

[30]- سورة الأنعام، الآية 31؛ سورة يونس، الآية 45؛ سورة العنكبوت، الآية 5.

[31]- سورة الأنعام، الآية 154؛ سوة الروم، الآية 8؛ سورة السجدة، الآية 14؛ سورة فصلت، الآية 54.

[32]- سورة الرعد، الآية 2.

[33]- سورة الكهف، الآية 110.

[34]- سورة الكهف، الآية 105؛ سورة العنكبوت، الآية 23؛ سورة السجدة الآية 23.

[35]- سورة يونس، الآيات 7 - 11 - 15؛ سورة الفرقان، الآية 21.

[36]- سورة الكهف، الآية 110.

[37]- الجدير بالذكر هنا أنّ بعض المفسّرين لم يتمكّنوا من تصوّر كيفيّة حدوث «لقاء الله» بشكل مقنع يتناسب مع توجّهاتهم الفكريّة؛ لذلك فسّروا هذه العبارة وما شابهها بأسلوب مختلف عمّا ذهب إليه غيرهم، وفسّرها بعضهم بأنّ المقصود من اللقاء بالله تعالى هو ذات البعث في يوم القيامة، في حين أنّ آخرين اعتبروا المقصود بلوغ الإنسان المرحلة النهائيّة من حياته الدنيويّة ولقاء ملك الموت، ثمّ الحساب والجزاء، وطائفة أخرى منهم قالت إنّ المقصود هو لقاء الإنسان ما أقرّ الله سبحانه وتعالى له من جزاء في يوم القيامة ثوابًا كان أو عقابًا، ومنهم من فسرها بملاقات الإنسان حكم الله سبحانه وتعالى في يوم القيامة.

هذه التفاسير تشترك في مسألة مهمّة هي تفسير العبارة بمعنى يخالف ظاهرها اللفظيّ وتقدير شيء على غراره تستبطنه في مدلولها، والعلّامة محمد حسين الطباطبائيّ (رحمه الله) بعد أن ذكر هذه الآراء التفسيريّة قال: كلّ هذه الآراء افتراضيّة بعيدة عن المدلول الحقيقيّ للعبارة، وليس لدينا أيّ دليل يثبت صوابها، بل غاية ما في الأمر أنّها تحكي عن معنى ملازم، أي أنّهم فسروا اللقاء بما يلازم معناه.

للاطلاع أكثر، راجع: محمد حسين الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، ج 16، ص 102.

[38]- جواد ملكي التبريزيّ، رسالة لقاء الله، بإشراف الميرزا خليل مجتهد كمره اي، ص 5 - 7.

[39]- المصدر السابق، ص 6 - 7.

[40]- محمد حسين الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، ج 16ن ص 102.

[41]- سورة النور، الآية 25.

هذه الآية تدلّ على أنّ الله سبحانه وتعالى حقيقة جليّة ووجوده بديهيّ بكلّ ما للكلمة من معنى، بحيث لا يخفى على أحد، ولا شكّ في أنّ الإنسان قد يغفل أحيانًا عن إحدى الحقائق البديهيّة، وبما في ذلك ربّه الكريم، وعلى هذا الأساس لا تكشف له حقيقة العلم بالله في يوم القيامة، ولا يمتلك معرفة جديدة به آنذاك، بل غاية ما في الأمر أنّ غفلته ستزول وينكشف له ما كان غافلًا عنه، فيدرك أنّ الله سبحانه وتعالى حقيقةً جليّةً، ويؤيّد هذا الرأي قوله تعالى: «لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ». (سورة ق، الآية 22)

[42]- سورة الأنعام، الآية 103.

[43]- محمد حسين الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، ج 8، ص 239.

[44]- لفظ «شهيد» تدلّ على اسمي الفاعل (الشاهد والحاضر) كذلك تدلّ على اسم المفعول (المشهود)، والعلّامة محمد حسين الطباطبائّي (رحمه الله) في كتاب «الولاية» وفي الصفحة 26 بالتحديد أكّد على أنّ سياق الآية يحكي عن كون المقصود من الشهيد هو المشهود وليس الشاهد.

[45]- استخدم حرف الجرّ «على» في هذه العبارة وما شابهها ولم يستخدم الحرف «لـ»، حيث قال «على كُلِّ شَيءٍ شَهيدٌ» ولم يقل «لكلّ شيء شهيد».

[46]- المصدر السابق، ج 8، ص 240.

[47]- سورة الأعراف، الآية 143.

[48]- العبارة المذكورة في الآية هي «لَنْ تَرَانِي» والشواهد الموجودة في الآيات الأخرى تدلّ على كون رؤية الله سبحانه وتعالى تتحقّق في عالم الآخرة حسب المعنى الذي ذكرناه في النصّ، لذا نستدلّ منها على عدم إمكانيّة تحقّق هذه الرؤية في الحياة الدنيا.

[49]- سورة الأعراف، الآية 143.

[50]- محمد حسين الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، ج 8، ص 242.