البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

August / 23 / 2021  |  342الوحي ليس تجربةً دينيّة دراسة تحليليّة لحقيقة الوحي في رحاب ثلاث نظريّات عالميّة

علي رضا قائمي نيا المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية شتاء 2021 م / 1442 هـ
الوحي ليس تجربةً دينيّة دراسة تحليليّة لحقيقة الوحي في رحاب ثلاث نظريّات عالميّة

تقارب هذه الدراسة للباحث البروفسور علي رضا قائمي نيا واحدة من أبرز القضايا إثارة للجدل في حقل التجربة الدينيّة. ثمّة كثير من الدراسات ترى إلى الوحي بما هو تجربة دينيّة تاريخيّة كما تؤكّد على ذلك الأنثروبولوجيا والنزعة التاريخانيّة في الغرب الحديث.

هنا يحاول الباحث أن يناقش بالتحليل والنقد هذه الأطروحة ليبيِّن أن الوحي ليس تجربة دينيّة، ولا يمكن أن تكون كذلك عقيدة التوحيد كما في الأديان الإبراهيميّة وخصوصًا الإسلام، ولأجل ذلك يسعى إلى بيان مفهوم الوحي من خلال مناقشته لثلاثة نظريّات عالميّة في هذا الخصوص..

«المحرّر»


الوحي هو أحدُ المفاهيم الأساسيّة في الثّقافة الإسلاميّة، والأديان بشكلٍ عامٍ منها ما هو دينُ وحيٍ، ومنها ما ليس كذلك، والمقصود من الأوّل أنّ تعاليمه وحقائق أخرى فيه منزَّلةٌ للبشر من عند الله سبحانه وتعالى، بينما الثاني لا وجود فيه لهكذا تعاليم وحقائق سماويّة، مثل الديانة البوذيّة؛ لأنّ أتباعها لا يؤمنون بالله كما جاءت به الأديان التوحيديّة. وعلى هذا الأساس لا تعتقد الأديان غير الوحيانيّة بوجود تعاليم وحقائق سماويّة منزلةً عن طريق الوحي؛ وكذا هو الحال بالنسبة إلى الأديان الشائعة في بلدان شرق آسيا، مثل الهندوسيّة والطاويّة - التاوية - وفي مقابلها الأديان الثلاثة الأكثر انتشارًا في العالم، وهي اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام.

هذه الأديان الثلاثة أديانُ وحيٍ، وكلّ واحدٍ منها فيه أخبار عن ارتباط الأنبياء بالله سبحانه وتعالى بنحوٍ ما، وتلقّيهم منه تعاليمَ وحقائقَ يجب على أتباعهم تصديقها والعمل بمضامينها.

حينما نُمعن النّظر في معطيات هذا التقسيم، يتّضح سبب أهمّيّة الوحي في الإسلام لدرجة أنّه بات مفهومًا أساسيًّا ومصيريًّا في الثّقافة الإسلاميّة.

كلّ تقسيمٍ يتمّ عادةً وفق مبادئَ عامّةٍ ومشتركاتٍ كلّيّةٍ بين الأقسام المتفرّعة على المقسوم، وذلك عن طريق تحديد مفهومٍ عامٍّ وشاملٍ يتمّ تقسيمه إلى أجزاء على ضوء قيودٍ وأسسٍ محدّدةٍ، مثل مفهوم "إنسان"، حيث يعتبر مفهومًا كلّيًّا يمكن بيان أقسامه بقيودٍ عدّةٍ: كما لو وصفنا أحد أقسامه بالأبيض، وقلنا: «إنسان أبيض البشرة»، ووصفنا القسم الآخر بالأسود، وقلنا: «إنسان أسود البشرة». في هذا التقسيم اخترنا مفهومًا عامًّا - كلّيًّا - هو الإنسان، ثمّ قسّمناه إلى قسمين على ضوء قيدين مميّزين له - أبيض وأسود - لكن ليس لدينا مقسم عامٌ وكلّيٌّ بالنّسبة إلى جميع الأديان، كذلك ليس لدينا مقسم عامٌ وكلّيٌّ لأديان الوحي بالتحديد - اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام - إذ لا يُمكننا تحصيل أقسامٍ منها عبر إضافة قيودٍ لأقسامها، كما فعلنا إزاء مفهوم «إنسان».

كذلك ليس من الممكن طرح تعريفٍ واحدٍ للأديان؛ بحيث يعمّها قاطبةً، ويشتمل على قيودها المتباينة والمشتركة؛ لذلك اعتمد بعض الفلاسفة على ما ذكره الفيلسوف الغربيّ لوفيج فيتجنشتاين، وقالوا إنّ الأديان من المفاهيم ذات التشابه العائليّ (family resemblance)، وعلى هذا الأساس بإمكاننا اعتبار مختلف الأديان على غرار أعضاء عائلةٍ واحدةٍ، لكن لكلّ عضوٍ ميزاته الفارقة التي يختصّ بها، أي أنّهم لا يتشاطرون صفاتٍ مشتركةً وموحّدةً باستثناء بعض أوجه الشّبه، وحتّى مع وجود هذا التّشابه المحدود ثمّة بونٌ شاسعٌ فيما بينها؛ بحيث لا يمكن تصوّر أيّ تقاربٍ.

وعلى الرغم من أنّ الوحي يعدّ مفهومًا أساسيًّا وارتكازيًّا في الأديان الثلاثة التي تتقوّم عليه - اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام - إلّا أنّه ليس بمعنًى واحدٍ فيها، فالمسيحيّون يعتقدون بوجود نوعين من الوحي، هما:

1) تجلّي الإله (revelation of God)

2) تلقّي حقائق من جانب الإله (revelation of propositional truths by God)

في النّوع الأوّل يتجلّى الله إلى البشر - يتجسّم - على هيئةٍ خاصّةٍ في شخصيّة النبيّ عيسى، وفي النّوع الثّاني يلقي الله حقائق على هيئة مفاهيم ذات مداليلَ خاصّةٍ.

الجدير بالذّكر هنا أنّ التّعاليم المسيحيّة تؤكّد على المعنى الأوّل أكثر من تأكيدها على المعنى الثاني[2].

تعاليمنا الإسلاميّة ارتكزت على مفهومٍ خاصٍّ من الوحي، الذي هو البنية الأساسيّة لها، والمتمثّل بالقرآن الكريم؛ لأنّ الله عزّ وجلّ في الإسلام بدل أن يتجلّى على هيئة إنسانٍ - حسب زعم المسيحيّين - تجلّى في كلامه، فقد رُوي عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب: «فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ وَخَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ وَكَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ بِالْمَثُلَاتِ وَاحْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ بِالنَّقِمَاتِ»[3].

الجدير بالذكر هنا أنّه لا يوجد أيّ دينٍ يشابه الإسلام في استناده إلى الوحي بشكلٍ محوريٍّ، وهذا الأمر يتجلّى بكلّ وضوحٍ في أهمّيّة القرآن الكريم عند المسلمين، فهو كتابٌ سماويٌّ نزل على قلب خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله(صلى الله ليه وآله وسلم)، عن طريق الوحي؛ ليُصبح المستند الأساسيّ في دين الله الحنيف؛ حيث وصفه تعالى بقوله: «لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ»[4]، وبناءً عليه فإنّ مفهوم الوحي في الإسلام يختلف بالكامل عمّا هو مطروحٌ في الدّيانة المسيحيّة.

الدّراسات والبحوث العلميّة التي تُدوّن في العصر الحاضر حول الدين وما يرتبط به، تُطرح فيها نقاشاتٌ بخصوص ما يسمّى بـ «التجارب الدينيّة»، وكلّ من يلج فيها تطرق ذهنه بعض الأسئلة التي من جملتها ما يلي:

- هل الوحي عبارة عن تجربةٍ دينيّة أو أنّه ليس من سنخ التجارب؟

- هل التّجربة النّبويّة هي الوحي بذاته أو أنّها شيءٌ آخر؟

- إذا اعتبرنا الوحي تجربةً دينيّة، فيا ترى ما وجه اختلافه مع سائر التجارب الدينيّة؟

- هل بإمكان سائر النّاس - غير الأنبياء والرسل - أن يخوضوا تجارب كهذه؟

وهناك أسئلة بهذا الخصوص تُطرح في أوساطنا الفكريّة نحن المسلمون، ومن جملتها:

- هل يمكن التنزّل بالوحي - حسب المفهوم الإسلاميّ - إلى مستوى التجربة النّبويّة فحسب؟

- هل الوحي وفق مفهومه الإسلاميّ يعدّ ضربًا من التّجارب الدينيّة؟

الإجابة عن هذه الأسئلة بطبيعة الحال تقتضي دقّةً وإمعان نظرٍ واستقصاءً لشتّى الآراء المطروحة بخصوص الوحي، كما تقتضي تحليلًا لكلّ واحدٍ منها على حدة، وفي هذا السياق طُرحت ثلاث نظريّات مختلفة، الملفت للنظر أنّ هذه النظريّات لم تُطرح بشكلٍ متزامنٍ، بل خلال حقبٍ زمنيّةٍ متباينةٍ، وبيان ذلك كما يأتي:

النظريّة الأولى: المفاهيم (الوحي المفهوميّ)

هذه النظريّة تعتبر الوحي مجموعة من المفاهيم التي يتلقّاها النبيّ، وقد طُرحت في حقبة القرون الوسطى من قبل علماء اللاهوت المسيحيّين، ويُؤيّدها بعض المفكّرين والباحثين المعاصرين.

النظريّة الثانية: تجربة الوحي

هذه النظريّة تبلورت في اللاهوت الليبراليّ؛ حيث اعتبر اللاهوتيّون الليبراليّون الوحي بأنّه ضربٌ من التّجارب، وعلى هذا الأساس نشأت نظريّة التجربة الدينيّة (religious experience).

النظريّة الثالثة: الأفعال الكلاميّة

هذه النظريّة طُرحت في القرن العشرين، وفحواها أنّ الوحي عبارةٌ عن أفعالٍ كلاميّةٍ منسوبةٍ إلى الله عزّ وجلّ.

النظريّة الأولى: نظريّة المفاهيم

الوحي حسب أقدم الآراء عبارة عن وسيلةٍ لنقل المعلومات من السماء إلى الأرض؛ حيث يُلقي الله عزّ وجلّ حقائق للنبيّ الذي يُوحي إليه، أي أنّ هذه الحقائق هي البنية الأساسيّة له؛ وقد تبلور هذا الرأي ضمن نظريّة المفاهيم (propositional view).

المعلومات المُشار إليها تُنقل إثر ارتباطٍ بين الإله والنبيّ على ضوء قابليّاته الروحيّة التي يمتاز بها، فهذه القابليّات الخاصّة التي لا يمتلكها غيره تمكّنه من تلقّي المعلومات التي تأتيه من عند الإله، وبعد أن يدركها - يفهمها - ينقلها إلى النّاس.

إذًا، الله تعالى على ضوء ارتباطه بالإنسان - النبيّ - يحمّله رسالةً تتضمّن مفاهيمَ محدّدة، ممّا يعني أنّها مجموعةٌ من التعاليم التي تتبلور على هيئة مفاهيم؛ لذا فالبنية الأساسيّة لهذه النظريّة هي مصطلح «مفهوم»، لكن ما المقصود من المفهوم في هذا السياق؟ وما هو الوحي المنزل من الله وفق هذا المعنى؟

عرّف علماء المنطق المفهوم بأنّه ما يحتمل الصدق والكذب، كقولنا «المطر ينزل»، فهذه العبارة يمكن أن تكون صادقةً أو كاذبةً، لكنّ هذا التعريف ليس هو المقصود على صعيد الوحي؛ لأنّ أخباره عندما تتبلور في رحاب جملٍ وكلماتٍ، فهي لا تُطرح ضمن احتمالات الصّدق والكذب. المفاهيم المنطقيّة لها ميزةٌ أخرى؛ إذ جمل عدّة من لغاتٍ مختلفةٍ قد تصدق على مفهومٍ واحدٍ، مثل جملة «الثلج أبيض اللون» التي تدلّ على ذات المضمون لو تُرجمت إلى جميع لغات العالم بشكلٍ صحيحٍ، أي أنّها تحكي عن مفهومٍ واحدٍ لا يختصّ بلغةٍ واحدةٍ بالتحديد، وهو بياض الثلج لكونه عامًّا وشاملًا. المفهوم حسب الاصطلاح المنطقيّ وفقًا لهذا الكلام لا يُشترط فيه أن يتبلور في رحاب لغةٍ بشريّةٍ - طبيعيّة - معيّنةٍ، وهذا يعني أنّ المفاهيم مستقلّةٌ عن اللغات البشريّة.

إذًا، اللّغات الطبيعيّة هي التي ينطق بها البشر، إلا أنّ المفاهيم ليست مشروطةً بأن تتبلور في رحابها؛ إذ من الممكن أن تُطرح في نطاقٍ لغويٍّ أو غير لغويٍّ على الرغم من أنّ تبادل المعلومات بينهم عادةً ما يتمّ عن طريق لغةٍ معيّنةٍ.

نستشفّ من جملة ما ذُكر أنّ الحقائق المنزلة عن طريق الوحي -وفق هذه النظريّة- عبارة عن مفاهيمَ مستقلّةٍ عن اللّغات البشريّة - الطبيعيّة - باعتبار أنّ الله سبحانه وتعالى أو الملَك يُلقيها في قلب النبيّ على هيئةٍ لُغويّةٍ خاصّةٍ، فهي معلوماتٌ بحتةٌ يذكرها النبيّ لقومه بلغتهم التي يتكلّمون بها.

الجدير بالذكر هنا أنّنا قادرون على نقل حقائق مفهوميّة إلى الآخرين عن طريق رموزٍ أو علاماتٍ دالّةٍ مثل العلامات المروريّة الموجودة في الطرقات، كذلك هناك سبلٌ أخرى لنقلها مثل الأساليب المتّبعة في علم النّفس الموازي (para-psychology) والتّخاطر (توارد الأفكار) telepathy وغير ذلك.

الوحي المفهوميّ إنجازٌ للنّبيّ

الوحي حسب نظريّة المفاهيم، يعني إنزال حقائق من قبل الله سبحانه وتعالى على قلب نبيّه، وفي هذا السياق هناك تقسيمٌ للأفعال من قبل الخبير في علم النّفس التحليليّ غلبرت رايل (Gilbert Ryle)، فقد قال إنّنا إذا أمعنّا النّظر في هذه الأفعال، فبإمكاننا امتلاك فهمٍ أفضل للمقصود من الوحي المفهوميّ، وهي تصنّف ضمن قسمين:

1) أفعال تحكي عن نجاح (تحقيق إنجاز) achievement verbs.

2) أفعال تحكي عن فعل (أداء عمل) task verbs .

القسم الأوّل يدلّ على أنّ الفاعل تمكّن من تحقيق هدفٍ معيّنٍ، مثلًا عندما نقول «فاز زيد في سباق العدْو» فالفعل «فاز» يحكي عن نجاحٍ وتحقيق إنجازٍ، وهذا الأمر حدث بعد أن تمكّن زيدٌ من بلوغ هدفه المنشود من وراء المشاركة في سباق العدْو.

القسم الثاني يدلّ على أنّ الفاعل أدّى عملًا معيّنًا، مثلًا لو قلنا في المثال السابق «عدا زيد في مضمار السباق»، فالفعل «عدا» يحكي عن أنّ زيدًا قام بالعدو فقط، لكنّه لا يدلّ على كونه حقّق إنجازًا وفاز في السباق، بحيث حقّق هدفًا كان يقصده[5].

الوحي عبارة عن مفهومٍ يدلّ على فعلٍ تحقّق فيه نجاحٌ (إنجاز)، فحينما نقول «أوحى الله للنبيّ...» نقصد من ذلك أنّ الله سبحانه وتعالى أوحى للنبيّ المفهوم (أ) على سبيل المثال، وهذا الفعل يُشير إلى وجود ارتباطٍ بينهما - الله والنبي - تمّ على أساسه انتقال المفهوم؛ وهذا الارتباط من شأنه أن يتحقّق في رحاب أساليبَ عديدةٍ، لكنّ المقصود يبقى واحدًا.[6]

أركان الوحي المفهوميّ

إذا أردنا معرفة الأركان التي يتقوّم عليها الوحي المفهوميّ، لا بدّ أن نتطرّق أوّلًا إلى تحليل المقصود من الحوار والارتباط الكلاميّ.

كلّ كلام يدور بين البشر يتقوّم على ستّة أركانٍ أساسيّةٍ، هي:

1) المتكلّم

2) المخاطب

3) المعنى الذي يقصده المتكلّم 

4) التقابل (المواجهة)

5) خلفيّة الكلام

6) الرّموز الكلاميّة[7]

المتكلّم يوجّه كلامه عادةً إلى مخاطَبٍ معيّنٍ، وإثر ذلك يرتبط معه كلاميًّا بهدف نقل معنًى يقصده ممّا يقول، وهذا الانتقال عادةً ما يتمّ على ضوء خلفيّةٍ محدّدةٍ يرتكز عليها الكلام، وفي هذه الحالة لا بدّ من وجود تقابلٍ - مواجهة - فيما بينهما في رحاب رؤيةٍ واستماعٍ ضمن رموزٍ كلاميّةٍ مفهومةٍ لديهما، وهذه الرموز بطبيعة الحال تندرج ضمن لغةٍ خاصّةٍ؛ وعلى هذا الأساس تتحقّق ستّة أركانٍ في الكلام الموجّه إلى المخاطب.

أمّا الوحي المفهوميّ، فهو يرتكز على ثلاثة أركان أساسيّةٍ هي:

1) المرسِـل

2) المتلقّي

3) المعنى الذي يقصده المرسِـل (الرسالة)

المرسِـل حسب نظريّة الوحي المفهوميّ هو الله سبحانه وتعالى أو ملَك الوحي، والنبي هو المتلقّي، حيث يتلقّى من عند الله معنًى مقصودًا - رسالةً - في رحاب مواجهةٍ بينهما، أي بين النبي والله أو ملَك الوحي.

هذه المواجهة عبارة عن تجربةٍ دينيّة، وبما أنّها مصحوبةٌ بتلقّي رسالة، لذلك يطلق عليها اصطلاح «تجربة وحي»؛ حيث يخوضها النبي عند تلقّيه الوحي[8]، وهذا الانتقال يحدث على ضوء خلفيّةٍ معيّنةٍ تسمّى خلفيّة الوحي التي من خصائصها أنّها تتزامن مع نزول الوحي.

الجدير بالذكر هنا أنّ الوحي المفهوميّ ليس فيه مخاطَبٌ شاخصٌ (بالفعل)؛ نظرًا لعدم وجود ارتباطٍ كلاميٍّ فيه، ومن هذا المنطلق فالمخاطَب يوجد عندما يصوغ النبيّ الوحي (ما تلقّاه من ربّه) على هيئة ألفاظٍ وكلامٍ ضمن لغةٍ معيّنةٍ، ممّا يعني أنّ المخاطَب موجود على نحو الاستعداد (بالقوة) قبل ذلك.

النبيّ في هذا المضمار عبارةٌ عن واسطةٍ لنقل رسالة السّماء (مضمون الوحي) إلى النّاس، ممّا يعني وجود واسطةٍ للرسالة ومتلقٍّ لها، وعلى أساس نظريّة الوحي المفهوميّ ثمّة اختلافٌ أساسيٌّ بين تجربة الوحي والتجربة النبويّة، فالأولى يخوضها النبيّ عند تلقّيه الوحي من الله سبحانه وتعالى أو الملَك، بينما الثانية يقصد منها مجمل تجاربه الدينيّة التي يخوضها طوال حياته المباركة باستثناء الأولى.

الوحي المفهوميّ يختلف عن تجربة الوحي والتجربة الدينيّة؛ لكون الأولى لا تعنيه بذاته وإنّما تترافق معه، حيث يُلقى على النبيّ بشكل مفاهيمَ تدلّ على حقائق ضمن مقابلةٍ - مواجهة - تسمّى تجربة وحي، والحقائق بدورها تتبلور على هيئة وحيٍ، فتنشأ على ضوئها رسالة الوحي.

الحقائق التي تنتقل إلى النبيّ عن طريق الوحي من جانب الله سبحانه وتعالى أو الملَك ذات مداليل معيّنةٍ لا قدرة لسائر النّاس على تلقّيها، فهو عندما يتلقّى الوحي يمرّ في حالتي صعود ونزول؛ لأنّ روحه يجب أن تعرج إلى أعلى المراتب في مرحلة تلقّي الحقائق المفهوميّة، ثمّ بعد أن تكتمل هذه المرحلة تنزل مرّةً أخرى إلى حياته الدّنيويّة ليصوغ الحقائق التي تلقّاها في إطار لغةٍ محدّدةٍ يُخاطبُ بها قومه.

الفلاسفة المسلمون من أمثال الفارابي وابن سينا وكثير من علماء الكلام من أمثال الغزالي، تبنّوا هذه الرؤية على صعيد تفسير الوحي، إلا أنّ بعضهم أقرّوا بكلاميّة الوحي في الإسلام ضمن مباحثهم الفلسفيّة. فلاسفتنا بشكلٍ عامٍ غالبًا ما يسوقون نقاشاتهم لأجل طرح مبادئ أنطولوجيّة مقبولة حسب متبنّياتهم الفلسفيّة؛ كي يتسنّى لهم توضيح الحقائق المفهوميّة التي جاء بها النبيّ محمّد(صلى الله ليه وآله وسلم) عن طريق الوحي، وفي هذا السياق أكّد الشيخ الشهيد مرتضى مطهري (رحمه الله) على أنّ النظريّة الفلسفيّة الإسلاميّة في تفسير الوحي هي الأفضل على الإطلاق، حيث قرّر رأي الفلاسفة المسلمين بهذا الخصوص بقوله: الإنسان من الناحية الرّوحيّة عبارة عن كائنٍ واحدٍ، لكنّه ذو بعدين، فهو ذو روح وليس عبدًا فحسب، وهذه الرّوح لها بعدان: أحدهما بعد طبيعيّ، والآخر هو العلوم المتعارفة يحصل عليها عن طريق الحواس التي هي في الواقع مرتكز ارتباطه بعالم الطبيعة.

ما يناله الإنسان من معلوماتٍ عن طريق حواسه يخزّنه في مكنون ذهنه - ذاكرته - ثمّ ينقله إلى مرحلةٍ أعلى ويضفي إليه صيغةً كلّيّةً، ويجعله مجرّدًا وعامًّا، وقال العرفاء في هذا السياق: روح الإنسان لها بُعدٌ آخر من سنخ عالم ما وراء الطبيعة، وبمقدار ما ترتقي من مراتب في هذا العالم بإمكانها الاحتكاك بأشياءٍ أكثر، والشاعر جلال الدين الروميّ - مولانا - شبّهها في أحد أشعاره الفارسيّة بالنّاي الذي في قصبته رأسان صغيران ينفخ فيهما العازف، وشبّه الله عزّ وجلّ بهذا العازف، وفحوى كلامه أنّ الإنسان لا يعلم سوى بوجود رأسٍ واحدٍ، لذا عندما يرى العازف وهو يعزف وينشد يتصوّر أنّ صوت العزف يخرج من الرأس الظاهر لعينيه ولا يعلم بوجود قصبةٍ أخرى مكنونة في فم العازف، فهي لا تُرى لكونها مستورةً في هذا الفم[9].

ومن أقوال الفلاسفة بهذا الخصوص: كائنات ذلك العالم تختلف عن كائنات هذا العالم - عالم الطبيعة - الذي هو عالم مادّيّ ويجري في حركةٍ دائبةٍ، في حين أنّ ذلك العالم ليس بهذا الشّكل؛ هذان العالمان مرتبطان مع بعضهما، لكنّ عالمنا الدّنيويّ خاضعٌ لذلك العالم، والحقيقة أنّ كلّ ما في عالمنا المادّي عبارة عن ظلٍّ لما هو موجودٌ في ذلك العالم، أي أنّه معلولٌ له حسب التعبير الفلسفيّ.

وقالوا أيضًا: روح الإنسان من شأنها أن ترتقي، فعندما تكون في مضمار الوحي ترتقي أوّلًا إلى مرتبةٍ عليا ثمّ تنزل إلى مرتبتها السابقة، ونحن البشر لا ندرك سوى مرحلة نزول الوحي لكونها ترتبط بواقع حياتنا المادّيّة؛ لذا لا ندرك مرحلة الارتقاء؛ ومن هذا المنطلق فروح النبيّ(صلى الله ليه وآله وسلم) في بادئ الأمر ترتقي ليلاقي حقائق في العالم الآخر، لكنّنا لا نستطيع توضيح طبيعة هذا التلاقي، وغاية ما في الأمر يُمكننا تشبيهه بصورةٍ محسوسةٍ يتلقّاها الإنسان في نطاق عالم الطبيعة، وفي رحابها ترتقي روحه إلى مراتب عُليا لتتّسم بحالةٍ عقلانيّةٍ ذات طابعٍ كلّيٍّ؛ كذلك روح النبيّ(صلى الله ليه وآله وسلم) تنال حقائق من ذلك العالم على ضوء حالةٍ عقلانيّةٍ ذاتٍ طابعٍ كلّيٍّ بفضل قابليّاتها الخاصّة التي لا تمتاز بها الأرواح الأخرى، وبعد أن تمتزج هذه الحقائق مع مكنون أحاسيسه الباطنيّة وتنزل معه إلى عالم الدنيا، فهي تتبلور ضمن صورةٍ تدركها حواسّ بني آدم، وهذا هو المقصود من نزول الوحي.

إذًا، الحقائق التي تلقّاها النبيّ محمّد(صلى الله ليه وآله وسلم) في بادئ الأمر على هيئة صورٍ عقليّةٍ تجريديّةٍ تنزّلت فيما بعد إلى مراتب وجوده الدّنيويّ لتتبلور في إطار أشياء محسوسة مسموعة أو مرئيّة بالنسبة إليه[10].

التفسير الذي ذكره الشيخ الشهيد مرتضى مطهري (رحمه الله) لبيان حقيقة الوحي مرتكزٌ بشكلٍ أساسيٍّ على مبادئ نظريّة المفاهيم؛ حيث اعتبر روح النبيّ(صلى الله ليه وآله وسلم) ترتقي إلى مراتب عُليا كي تتلقّى حقائق من الوحي، ثمّ تتنزّل هذه الحقائق في وجوده لتتبلور على هيئة قضايا تدركها حاسّتا السمع والبصر، والفلاسفة المسلمون بدورهم ذكروا الأسس الفلسفيّة لهذا العروج الرّوحي، وحينما نُمعن النّظر فيما ذكروه على هذا الصعيد نجده ذا ارتباطٍ وطيدٍ بنظريّة المفاهيم.

الجدير بالذكر هنا أنّ الفيلسوف الغربيّ كيركيغارد (Kierkegaard) هو أحد المفكّرين الذين تبنّوا النظريّة المذكورة ضمن مباحثه في علم اللاهوت المسيحيّ الحديث؛ حيث اعتبر الوحي ذا مرتبةٍ أعلى من مرتبة العقل، لذا عندما يلج العقل في نطاق الوحي، فهو يتوقّف عن العمل ولا جدوى من قابليّاته، بل يقع في تناقضاتٍ؛ والحقائق التي يتلقّاها النبيّ من الوحي المنزَل إليه لا تتعارض مع الأسس العقليّة، بل هي أعلى مرتبةً من العقل، وعلى هذا الأساس لا يتسنّى للإنسان أن يصبح متديّنًا إلّا إذا حدثت له طفرةٌ إيمانيّةٌ (leap of faith) والمقصود من ذلك هو استسلامه التامّ للحياة؛ والسبب في ذلك يعود إلى أنّ عقله يبلغ مرحلةً يتوقّف فيها، بحيث لا يمكنه تجاوزها. وعلى هذا الأساس فالقواعد العقليّة والمنطقيّة التي لها القابليّة لإثبات قضايا علميّة متنوّعة، لا يُمكن الاعتماد عليها بشكلٍ مستقلٍّ لمعرفة الله وحقائق الوحي[11]. على ضوء هذا الكلام تساءل قائلًا: كيف يمكن تحصيل هذه الحقائق بواسطة إنسانٍ يعيش في نطاق الزمان؟ وفي بادئ إجابته عن هذا السؤال ذكر احتمالين هما:

الاحتمال الأوّل: نظريّة سقراط

الاحتمال الثاني: النظريّة المسيحيّة[12]

الاحتمال المطروح لحلّ هذه القضيّة وفق نظريّة سقراط فحواه إمكانيّة الحصول على حقائق الوحي من قِبل إنسانٍ يعيش في رحاب الزمان، لكونها مستقرّة في داخله؛ لذا باستطاعته معرفتها عن طريق رجوعه إلى باطنه، وعلى هذا الأساس فهو كالأستاذ الذي وصفه كيركيغارد بـ «الأستاذ السقراطيّ»؛ حيث يمتلك دورًا فرعيًّا على صعيد معرفة هذه الحقائق؛ وبعبارةٍ أخرى فغاية ما يفعله هذا الأستاذ هو إيقاظها بعد أن كانت مكنونة في باطنه، وهذا يعني أنّه لم يُمنح حقائق جديدة لم تكن مكنونةً في باطنه سابقًا، ولا علم له بها، لذا هو قادر على استكشافها في كلّ حين.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ نظريّة سقراط هي نظريّة الاستذكار ذاتها[13]، التي طُرحت من قِبل أفلاطون ضمن محاورة «مينون»، والتي تتمحور مواضيعها حول إمكانيّة تعلّم الفضيلة؛ حيث أكّد فيها على أنّ الإنسان عاجزٌ عن تحصيل معرفةٍ حقيقيّةٍ في الحياة الدنيا، بل كلّ ما يتعلّمه فيها مجرّد أمورٍ ظاهريّةٍ وليست حقيقيّة، باعتبارها استذكارًا لما حصل عليه في عالم المـُثُل.

حقائق الوحي وفقًا للاحتمال السقراطيّ يجب أن تكون مكنونةً في نفس النبيّ مسبقًا، ثمّ تتبلور في رحاب الظروف التاريخيّة - الزمانيّة -[14].

الاحتمال المطروح في النظريّة المسيحيّة يتعارض مع الاحتمال المطروح في نظريّة سقراط؛ حيث تؤكّد على أنّ النبيّ قبل تلقّيه الوحي لا يمتلك أيّ حقائق وحيانيّةٍ، ومن هذا المنطلق لا يمكن ادّعاء أنّه يبادر فقط إلى استكشاف هذه الحقائق في باطنه، فالموحي الذي وصفه كير كيغارد بالأستاذ المسيحيّ لا يكتفي في وحيه بمنح النبيّ أو أيّ شخص آخر حقائق لا يعلم بها الناس، بل إضافةً إلى ذلك يوفّر له كافّة الشروط اللّازمة التي تيسّر عمليّة تلقّي هذه الحقائق، وهذا يعني أنّ وجوده يعدّ أمرًا ضروريّا لا محيص عنه.

الاختلاف الآخر بين الاحتمالين السقراطيّ والمسيحيّ يكمن في ذات الوحي، فالنظريّة المسيحيّة تؤكّد على ضرورة وجود أستاذٍ يعلّم النبيّ الحقائق عن طريق الوحي، وهذا الأستاذ هو الله طبعًا.

أستاذ الوحي بناءً على ما ذُكر يختلف بالكامل عن سائر الأساتذة، والأهمّ من ذلك أنّه يقوم بأفعالٍ تختلف عن سائر الأفعال[15].

هناك سؤال يُطرح في هذا المضمار فحواه أنّه: كيف يتلقّى النبيّ الوحيَ أو يتعلّمه وفق النظريّة غير السقراطيّة؟ وقد ذُكرت إجابتان عن هذا السؤال، وهما:

الإجابة الأولى: معلّم الوحي يُلهم الوحي إلى النبيّ شريطة أن يفعل شيئًا كي يبلور حقائقه على أرض الواقع، ممّا يعني أنّ الله سبحانه وتعالى يمنحه حقائق مكنونةً على نحو الاستعداد والقابليّة - بالقوّة - ولا تنزل إلى أرض الواقع - الفعليّة - إلّا إذا قام بعملٍ من شأنه أن يبلورها بالفعل.

الإجابة الثانية: معلّم الوحي - الله سبحانه وتعالى - منذ بادئ الأمر يمنح النبيّ حقائق على نحو الفعليّة لا الاستعداد[16].

خلاصة الكلام أنّ متعلّم الوحي - النبيّ - حسب الاحتمال المطروح في نظريّة سقراط لديه معرفةٌ بالحقائق الوحيانيّة قبل نزول الوحي عليه، وعلى هذا الأساس فالظروف التاريخيّة - الزمانيّة - ذات ارتباطٍ عرضيٍّ بالوحي فقط، أي أنّ الزمان مجرّدُ نطاقٍ تتبلور في رحابه الحقائق الكامنة بشكلٍ علنيٍّ؛ بينما الاحتمال المطروح في النظريّة المسيحيّة تمّ التأكيد فيه على عدم وجود ارتباطٍ على صعيد الترتيب والتوالي الزمنيّ - التأريخيّ -؛ لأنّ أمرًا جديدًا من نوعه وغير مسبوقٍ في تأريخ البشريّة فجأةً ما يحدث في لحظةٍ معيّنةٍ، وحينها يواجه متعلّم الوحي تحوّلًا نوعيًّا في ذاته، هو في الواقع هبةٌ مقدّمةٌ له من قبل الله سبحانه وتعالى، ومن هذا المنطلق تحظى الظروف التاريخيّة بأهميّة بالغةٍ في هذا المضمار[17].

النظريّة الثانية: نظريّة التجربة الدينيّة

نظريّة التجربة الدينيّة هي إحدى النظريّات الأخرى المطروحة على صعيد تفسير الوحي؛ حيث يؤكّد أصحابها على أنّ النبيّ يقابل - يواجه - الله سبحانه وتعالى، وهذه المواجهة هي حقيقة الوحي، وبعبارة أخرى فالوحي لا يعني تحميل النبيّ رسالة من قبل الله سبحانه وتعالى.

إذًا، النبيّ حسب هذه النظريّة يُواجه ربّه تبارك شأنه، ثمّ يذكر تفسيرًا لِمَا حدث خلال مواجهته، وما نعرفه تحت عنوان «رسالة الوحي» هو في الواقع تفسير ذكره النبيّ لتجربته، ويمكن وصفه بالترجمة لهذه التجربة؛ لأنّه لم يتلقَّ الوحي من ربّه على هيئة كلامٍ، باعتبار أنّ تجربته ليست من سنح التجارب الكلاميّة، بل الكلام الذي تبلورت فيه حقائق الوحي عبارة عن صورةٍ أضفاها إليها كي يفسّر مغزاها للناس وفق لغتهم.

لأجل بيان مدلول هذه النظريّة بشكلٍ أفضل لا نرى بأسًا من بيان معاني أهمّ المصطلحات التي تطرح في رحابها، وهي التجربة والتجربة الدينيّة والتفسير، وذلك كما يأتي:

1) التحوّل الدلاليّ لمصطلح «تجربة»

مصطلح تجربة (experience) الذي يُستخدم في بعض التعابير، مثل التّجربة الدينيّة وتجربة الوحي والتجربة الشهوديّة والتّجربة الأخلاقيّة، هو أحد أشهر المصطلحات المطروحة في مواضيع فلسفة الدين في العصر الحديث، ومن جملة المصطلحات التي شهدت تحوّلاتٍ دلاليّةً عديدةً على مرّ التأريخ إلى أن اتّسمت بالمعنى المعهود لها في عصرنا الحاضر.

التّحوّل الدلاليّ الجذريّ الذي شهده هذا المصطلح في العصر الحديث، هو انتقال المعنى الفعليّ - المؤثّر - إلى المعنى الانفعاليّ - المتأثّر - ضمن مواضيع فلسفة الدين، ومنشأ هذا التغيير يكمن في تغيّر الرؤى التي يتبنّاها المفكّرون والباحثون المعاصرون بالنسبة إلى حياة البشر، فالإنسان القديم كان يعتبر الحياة مجرّد سلسلةٍ من الأفعال العظيمة، في حين أنّ الإنسان المعاصر غالبًا ما يُصوّرها في رحاب ذكرياته وتجاربه السّابقة مثل الحزن والفرح والسفر والمصائب والنجاح وما إلى ذلك من أشياء أخرى تطرأ في الحياة؛ وعلى هذا الأساس لا ينظر إلى أقرانه البشر من حيث قيامهم بأفعال معيّنةٍ، بل يعتبرهم مجرّد مستهلكين ومترجمين لتجاربهم[18].

مصطلح «تجربة» برؤية الإنسان القديم كان يعني أيضًا الاختبار كالمعنى المتعارف اليوم، لكن ضمن مدلولٍ يحكي عن فعلٍ وتأثيرٍ، بينما الإنسان المعاصر يعتبرها ذات مدلولٍ يحكي عن انفعالٍ وتأثّرٍ، لكن ما السبب في هذا التغيير الدلاليّ يا ترى؟ الإجابة عن هذا السّؤال واضحةٌ، فالتحوّل الدلاليّ المذكور نشأ منذ القرن السابع عشر، وتبلور بشكلٍ أفضل في العصر الحديث، إثر اتّساع نطاق الفكر وطرح رؤىً متنوّعة تختلف عمّا كان معهودًا في العصور السابقة على صعيد مواضيع الدين والفلسفة وشتّى العلوم؛ بحيث نالت البشريّة في رحابها مصادر معرفيّة قيّمة، وجرّاء ذلك أصبح الإنسان متأثّرًا فقط مقابلها، بصفتها مصادر معرفيّةً خالصةً ينهل منها دون عناء البحث والتحليل الشخصيّ، ومن هذا المنطلق بات كلّ إنسانٍ قادرًا على معرفة الحقائق الكامنة في باطنه.

إذًا، كلّ إنسان خلال هذه الفترة أصبحت لديه القدرة على معرفة الواقع عن طريق تأمّلاته الباطنيّة، ممّا يعني أنّ النّفس في هذه الحالة عبارة عن جهاز استقبالٍ وجانب منفعل - متأثّر - بحيث يكتنفها سيل معلوماتٍ تأتيها من عالم الخارج فتخزّنها وتحتفظ بها.

2) التجربة الدينيّة مواجهة مصحوبة بانفعال  (تأثّر)

حينما طُرح مفهوم التّجربة الدينيّة من قبل علماء اللاهوت المسيحيّين أسفر عن حدوث تحوّلٍ جذريٍّ في المباحث الدينيّة وعلم اللاهوت الحديث، حيث استخدموه للدلالة على المواجهة المصحوبة بالتأثّر[19]، ومثال ذلك أنّ شخصًا ربّما لم يشعر سابقًا بلسعة النّار، أي أنّه لم يُواجه في حياته مسألة الاحتراق، لكنّه قد يجرّب ذلك عندما تلسع النّار جلده أو أحد أعضاء بدنه، لذا عند مواجهة هذا الأمر ستكتنفه حالة انفعالٍ خاصّةٍ - تأثّر - تتمثّل في الشّعور بالاحتراق؛ ومن ثمّ بإمكانه القول «خضت تجربة الاحتراق».

التجربة على أساس المثال المذكور تمتاز بخمس خصائص مهمّة، وهي:

1) تلقّي شيء بشكلٍ عمليٍّ ومباشر.

2) الشعور بالشيء ذاته الذي أحسّ به من خاض التجربة ذاتها سابقًا.

3) عدم ارتكاز التجربة على المفاهيم والاستدلالات العقليّة.

4) التّجربة الشّخصيّة لا تنتقل بذاتها إلى الغير.

5) التجربة ذات طابعٍ شخصيٍّ وتختصّ بمن خاضها.

التجربة وفق هذا التوضيح تعني تلقّي الإنسان شيئًا بشكلٍ عمليٍّ ومباشر، ففي المثال المذكور حدثت تجربة الاحتراق بشكلٍ عمليٍّ ومباشرٍ؛ لذا بإمكان من خاضها أن يشعر بالشيء ذاته الذي شعر به من خاضها قبله من حيث الشدّة والضّعف؛ لذا لولا هذه التجربة التي خاضها لما شعر بذلك الشّعور الذي جرّبه غيره؛ فضلًا عن ذلك لم تتقوّم تجربته هذه على أسسٍ عقليّةٍ، لكونها لم تحدث إثر مواجهةٍ مع مفاهيم واستدلالاتٍ عقليّةٍ، بل هي عبارة عن مواجهةٍ عمليّةٍ ومباشرةٍ لا دخل للمفاهيم العقليّة فيها، ومن خصائصها الأخرى أنّها لا تنتقل بذاتها إلى غير من جرّبها لكونها ذات طابعٍ شخصيٍّ، أي من المستحيل أن تحدث بعينها لغير من خاضها؛ إذ كلّ إنسان حينما يجرّب شيئًا هو في الواقع يخوض تجربته خلال ظروفٍ خاصّةٍ، ومن ثمّ لا يمكن لأيّ شخصٍ آخر وصف تفاصيلها وكيفيّة حدوثها وما حدث فيها لغيره[20].

التجربة الدينيّة هي الأخرى عبارة عن مواجهةٍ متواكبةٍ مع انفعالٍ دينيٍّ؛ حيث تكتنف المعتقدين ببعض الأديان حينما يشعرون بالارتباط بأمرٍ مقدّسٍ ومتعالٍ، وهي كمفهومٍ عامٍّ لا تختصّ بأحد الأديان بالتحديد، بل هي أمرٌ مشهودٌ على نطاقٍ واسعٍ في الأديان جميعها؛ ومن أمثلتها ما يواجهه المتديّنون حين دعائهم وعبادتهم وفي مجالس عزائهم.

التجارب الدينيّة رغم حدوثها في جميع الأديان، لكنّها بطبيعتها تختلف من دينٍ إلى آخر، بحيث تكتسي بحلّة الدّين الذي تتبلور فيه وتصطبغ بلون معتقدات أتباعه وتوجّهاتهم الثّقافيّة؛ لأنّها تمتزج بالكامل مع المفاهيم الدينيّة والمعتقدات امتزاجًا تامًّا، فتجارب المسيحيّين الدينيّة على سبيل المثال تختلف عن تجارب المسلمين؛ لذا نجد تجاربهم تدور في دوّامة عقيدة الثالوث، بينما تجارب المسلمين متأثّرة بالكامل بعقيدة التوحيد.

إضافةً إلى ذلك، فالتجارب الدينيّة ذات مصاديق كثيرةٍ؛ حيث تعمّ تجارب عامّة النّاس، كمشاهداتهم في عالم المنام وما يواجهونه حين يقظتهم، كذلك مثل المكاشفات الروحانيّة لأصحاب السير والسلوك، وغيرها؛ ومن هذا المنطلق تعتبر من أكثر الظّواهر رواجًا بين أصحاب المعتقدات الدينيّة؛ لأنّهم يُجرّبون حالاتٍ دينيّة متباينةً، وكلّ حالةٍ منها تندرج ضمن نطاق إحدى التجارب الدينيّة.

3) كيفيّة تفسير التجربة

ذُكرت العديد من التفاسير بهدف بيان حقيقة ما يذكره النبيّ للنّاس بخصوص تجربته الدينيّة، لكن ما المقصود من التفسير (interpretation) هنا؟

تحدّث الفيلسوف الغربيّ وولتر ستيس (Walter Terence Stace) عن هذا الموضوع، ووضّح المقصود من التفسير في كتاب «التّصوّف والفلسفة» قائلًا: «التفسير عبارة عن شيءٍ يزيد من القدرة على التفكّر بالتّجربة بغية فهمها على حقيقتها، وهذه الزيادة إمّا تكون في المفاهيم اللفظيّة وإمّا تكون في الاستنتاجات المنطقيّة أو إحدى الفرضيّات التي يُراد منها بيان حقيقة ما»[21]. هذا الكلام ذكره بخصوص تفسير التّجارب الرّوحيّة إلّا أنّ بحثه بشكٍل عامٍّ لا يتمحور حولها بالتحديد.

الجدير بالذكر هنا، أنّ تفسير التجارب ذو مستوياتٍ عدّة، وهذا الأمر ملحوظٌ بوضوحٍ على صعيد تفسير التجارب الحسّيّة، فعلى سبيل المثال حينما أقول «أرى اللون الأحمر» يكون التفسير ذا مرتبةٍ متدنّيةٍ ومستوىً منخفض؛ لكونه لا يشتمل على شيءٍ سوى تعيين نوع اللون، في حين أنّ تفسير إحدى النظريّات الفيزيائيّة المعقّدة مثل نظريّة موجات الضّوء هو في الواقع ذو مرتبةٍ عُليا ومستوىً رفيع.

أركان الوحي التجريبيّ

السّؤال الأساسي الذي يُطرح على أصحاب نظريّة التجربة الدينيّة هو كالتالي: يا ترى كيف يمكن تصوّر الوحي وفق مبادئ نظريّة التجربة الدينيّة؟ الإجابة عن هذا السّؤال هي المحور الأساسي في هذا المبحث الذي نستهلّه بشرح هذه العبارة وتحليل: «أوحى الله إلى النبيّ».

الوحي كما ذكرنا في مباحثَ نظريّة المفاهيم يحكي عن نجاح وتحقيق إنجاز، إلا أنّه وفق نظريّة التجربة الدينيّة يحكي عن فعلٍ فحسب؛ لذا تُفسّر العبارة المذكورة أعلاه كما يأتي: «النبيّ جرّب الله»، وبعبارة أدقّ «حدثت للنبيّ مواجهة وحيٍ مع الله»، فهذه العبارات تدلّ على الفعل الذي قام به النبيّ فقط، وهذا هو السبب في وصف الوحي بأنّه تجريبيٌّ تحت عنوان «الوحي التجريبيّ».

الوحي التجريبيّ يتقوّم بثلاثة أركانٍ أساسيّةٍ، هي: الله، والنبيّ، وتجربة الوحي، فالنبيّ واجه الله في تجربة وحي، والله بدوره تجلّى خلال هذه التجربة، والوحي هنا هو تجربة الوحي ذاتها التي حدثت.

المفاهيم التي يتلقّاها النبيّ خلال الوحي ويذكرها للناس يصطلح عليها «رسالة الوحي»، وهي بذاتها ليست وحيًا، وإنّما عبارة عن تفسير يذكره لهم بخصوص تجربته، وهذا يعني أنّ المفاهيم التي يذكرها لهم عبارة عن ترجمة وتفسير لتجربة الوحي التي خاضها مع ربّه، وليست الشيء ذاته الذي تمّ تبادله بشكلٍ مباشرٍ.

تجربة الوحي توصف بكونها تجربةً شخصيّةً على ضوء معنيين، هما:

1) النبيّ وحده له الحقّ في تفسير تجربته ولا يحقّ لغيره ذلك؛ لأنّ جميع التّجارب الدينيّة ذات طابعٍ شخصيٍّ وليس تجربة الوحي فحسب.

2) النبيّ وحده قادرٌ على خوض هذه التجربة، ولا يمكن لأحدٍ غيره خوضها؛ إذ ليس من شأن سائر النّاس أن يخوضوا تجربة الوحي، بل هي من مختصّاته على نحو الحصر.

إذًا، تجربة الوحي تتبلور على ضوء ارتباطٍ خاصٍّ يحدث بين الله سبحانه وتعالى وبعض عباده الذين يوصفون بأنّهم أنبياء ورسل، وهذا هو السبب في ندرتها؛ إذ لا يمكن لغير الأنبياء والرسل خوضها.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ نظريتي المفاهيم والتجربة الدينيّة كلاهما تؤكّدان على كون الوحي أمرًا شخصيًّا؛ لذا سواء أعتبرناه مجموعةً من المفاهيم أم قلنا إنّه مجرّد تجربةٍ دينيّة، فهو في كلا الحالتين يعدّ تجربةً شخصيّةً لا عامّةً، لكن وجه الاختلاف بين النّظريّتين يكمن في أنّ نظريّة المفاهيم تفسّر الوحي بكونه تلقّيًا لرسالة السّماء تزامنًا مع تجربة وحي، في حين أنّ نظريّة التجربة الدينيّة تفسّره بكونه التجربة ذاتها التي يخوضها النبيّ، ولا يعني تلقّي رسالة ممن أوحى إليه - الله أو الملَك - وعلى هذا الأساس فهو ليس مجموعةً من المفاهيم، وهذا هو وجه الاختلاف الجذريّ بين تجربة الوحي وسائر التّجارب الدينيّة، بداعي أنّ التّجارب الشّخصيّة غير الدينيّة ليست من هذا النّوع.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ نظريّة المفاهيم تُعتبر أقدم النظريّات التي طُرحت على صعيد تفسير الوحي وأكثرها رواجًا في المجتمعات الدينيّة التي تؤمن بالأديان السّماويّة، حيث تضرب بجذورها في النّصوص الدينيّة الأصيلة التي تفسّر الوحي بنوعٍ من الارتباط الذي تنتقل في رحابه حقائق دينيّة من الله إلى النبيّ، بينما سائر النّصوص الدينيّة - غير الأصيلة - تؤكّد على مسألة انتقال الحقائق إليه وتنفي تأثير حالاته الروحيّة والشّهوديّة وتجاربه الشّخصيّة في هذا الصعيد، ولكن ليس على نحو الإطلاق، وحتّى حينما تشير إلى تجاربه الشّخصيّة وبعض حالاته الرّوحيّة، فهي لا تقصد أنّ انتقال الحقائق يحدث على ضوء ارتباطٍ وحيانيٍّ وتجربة وحي. مثال ذلك حالة الخوف التي اكتنفت النبيّ موسى عند تلقّيه الوحي من الله تعالى، فقد ذُكرت هذه الحالة في بعض النّصوص الدينيّة ولا يقصد منها تفنيد مفهوميّة الوحي، بل توعزه إلى قضايا أخرى غير المفاهيم.

نظريّة التجربة الدينيّة طُرحت في العصر الحديث مقابل نظريّة المفاهيم، لكنّ هذا لا يعني أفول النظريّة الثانية وتهميشها بالكامل واقتصار الأمر على النظريّة الأولى فحسب، بل ثمّة كثير من الباحثين والمفكّرين ما زالوا يؤيّدونها ويعتقدون بصوابها، فغاية ما في الأمر أنّ نظريّة التجربة الدينيّة طُرحت في حقبةٍ زمنيّةٍ متأخّرةٍ عنها من قبل علماء اللاهوت المسيحيّين إثر عوامل تاريخيّة معيّنةٍ، حيث تبنّاها أتباع المذهب البروتستانتيّ، وسوف نشير إلى الأسباب التي دعتهم إلى ذلك.

غالبيّة علماء اللاهوت المسيحيّين الذين تبنّوا نظريّة التجربة الدينيّة في تفسير الوحي، هم من أتباع اللاهوت الليبراليّ[22] (liberal theology)؛ إذ اعتبروه ضربًا من التجارب، والجدير بالذكر هنا أنّ هذا النّوع من اللاهوت المسيحيّ يعدّ المرحلة الأولى في تأريخ اللاهوت البروتستانتيّ، وخلاصة رأيهم أنّ الوحي مرتبطٌ بباطن الإنسان وتجربته الدينيّة، ومن ثمّ فالكتاب المقدّس ولا سيّما العهد الجديد هو في الواقع مجرّد مصدرٍ لنقل التجارب الدينيّة التي خاضها المتديّنون.

الرأي الرسميّ الذي تبنّته الكنيسة في هذا المضمار هو أنّ الوحي الإلهيّ عبارة عن حالة انتقال الحقائق السماويّة إلى الإنسان، وفي مقابل ذلك أكّد أتباع اللاهوت الليبراليّ على بطلان هذا التفسير مؤكّدين على كونه محض تجربةٍ دينيّة، وفي هذا السياق اعترض بعضهم على أرباب الكنيسة بادّعاء أنّ الله يتجلّى بذاته للنبيّ لا كلامه، ومنهم من رفض قول من قال إنّ الديانة المسيحيّة عبارة عن مجموعةٍ من التعاليم الدينيّة بحيث اعتبرها منهجًا للحياة، وقصده من ذلك نفي مفهوميّة الوحي، أي أنّه ليس مجرّد مفاهيم يتلقّاها النبيّ من الله تعالى، بل هو تجربة دينيّة له[23].

أسباب طرح نظريّة تجربة الوحي وخلفيّاتها

يا ترى ما الذي دعا علماء اللاهوت الليبراليّ إلى تفنيد نظريّة المفاهيم بخصوص الوحي وتبنّي نظريّة التجربة الدينيّة؟

نظريّة تجربة الوحي نشأت في ظروفٍ خاصّةٍ ولأسبابٍ معيّنةٍ، وقد حاول علماء اللاهوت المسيحيّ الليبراليّ تبريرها بأدلّةٍ استندوا إليها، وفي هذا السياق سوف نسلّط الضوء أوّلًا على أهمّ ثلاثة عوامل أدّت إلى ظهورها، وهي كما يلي:

العامل الأوّل: هزيمة اللاهوت العقليّ (الطبيعيّ) (natural theology) في الأوساط المسيحيّة.

العامل الثاني: رواج فكرة التّعارض بين العلم والدين.

العامل الثالث: انتعاش حركة نقد الكتاب المقدّس.

الذين فسّروا الوحي وفق أسس نظريّة المفاهيم اعتبروا الدّين مجموعةً من التعاليم التي يجب على علماء اللاهوت الدّفاع عنها، والجدير بالذكر هنا أنّ علم اللاهوت منذ عهد القدّيس توما الأكويني (Thomas Aquinas) تبلور في مضمارين هما: اللاهوت العقليّ (الطبيعيّ)، ولاهوت الوحي  (revealed theology).

اللاهوت الطبيعيّ يُفسّر الدّين وفق أسسٍ عقليّةٍ وفلسفيّةٍ، وعلى هذا الأساس يتمّ إثبات وجود الله عزّ وجلّ وسائر المعتقدات المسيحيّة مثل عقيدة الثالوث، في حين أنّ لاهوت الوحي يطرح تفسيرًا آخر، ومثال ذلك أنّ القدّيس توما الأكويني كان يعتقد بإمكانيّة إثبات وجود الإله اعتمادًا على أدلّةٍ عقليّةٍ، لكن إلى جانب ذلك لا بدّ من وجود لاهوت وحي يُثبت لنا صواب عقيدة الثالوث، ومن هذا المنطلق اعتبر اللاهوت الطبيعيّ سعيًا من قبل الإنسان لإثبات وجود الإله ولاهوت الوحي سعيًا من الإله للارتباط بالإنسان[24].

علماء الفلسفة انتقدوا مبادئ اللاهوت الطبيعيّ في صورته الجديدة، ولا سيّما الفيلسوف ديفيد هيوم، الذي انتقده بشدّةٍ عبر تشكيكه بالبراهين التي تُطرح لإثبات وجود الله ومعاجز الأنبياء وكثير من المعتقدات الدينيّة الأخرى، ثمّ تبعه في ذلك فلاسفة آخرون من أمثال إيمانوئيل كانط، الأمر الذي أسفر عن تأزيم أوضاع اللاهوت المسيحيّ وإثارة جدلٍ محتدمٍ حول مصداقيّة مبادئه؛ ومن هذا المنطلق حاول بعض علماء اللاهوت المسيحيّين تفنيد قول مَن اعتبر الوحي بأنّه مجموعةٌ من المفاهيم والتعاليم، لذلك أكّدوا على كونه مجرّد تجربةٍ دينيّة يخوضها النبيّ؛ وممّا زاد الطين بلّةً رواج فكرة تعارض الدّين مع العلم في الأوساط المسيحيّة، والتي أسفرت عن الاستهانة بالتعاليم الدينيّة المسيحيّة، وإثر ذلك وقعت الدّيانة المسيحيّة في مأزقٍ خانقٍ، فقد شهد العالم الغربيّ تحقيق الكثير من الإنجازات العلميّة، وتطوّرًا ملحوظًا في العلوم التجريبيّة، ورواجًا لنظريّات علميّةٍ في شتّى المجالات، وكلّ هذه التحوّلات الكبيرة ساهمت في تهميش الدين عن الساحة الاجتماعيّة.

لا شكّ في أنّ نظريّات سيجوندو غاليليه وإسحاق نيوتن وتشارلز داروين وما ناظرها تتعارض في الكثير من جوانبها مع واقع التعاليم المسيحيّة، لذلك تزعزعت أركان علم اللاهوت المسيحيّ وأثير جدٌل محتدمٌ حوله، ممّا جعل أتباع النبي عيسى في وضع لا يحسدون عليه[25]، والعامل الآخر الذي كان له دورٌ ملحوظٌ في هذا المضمار هو شيوع ظاهرة نقد الكتاب المقدّس من حيث النصّ والمضمون.

الهدف الأساسيّ الذي رام علماء اللاهوت المسيحيّون تحقيقه من وراء نقد نصّ الكتاب المقدّس، هو تشذيبه وتنقيح مضامينه والبحث عن أصحّ النّسخ وأكثرها سنديّةً تأريخيًّا ودينيًّا، وتلت هذه المرحلة مرحلة نقد المفاهيم المسيحيّة، فواجهت الكنيسة إثر ذلك مشاكل جادّة[26]؛ لأنّ عمليّة نقد المضمون تتجاوز نطاق نقد النصّ، بحيث تطال تلك الحقائق الارتكازيّة التي يتقوّم بها الكتاب المقدّس، ومن أمثلة النقد الذي طرح بهذا الأسلوب هو اعتقاد الناقدين بأنّ الكتب - الأسفار - الخمسة الأولى في الكتاب المقدّس ليست موروثةً من النبيّ موسى، بل هي من إضافة مدوّنيه الذين هم أربعة على أقلّ تقدير، وهذا الرأي يتعارض بالكامل مع الرأي التقليديّ، سِفر الظهور على سبيل المثال ذكر فيه رأيان مختلفان على صعيد تفسير معنى الخلقة، والتنبّؤات بالأحداث المستقبليّة المذكورة فيه كُتبت بعد وقوعها ممّا يعني أنّها ليست تنبّؤاتٍ من الأساس؛ وبهذا أُثير جدلٌ حول مصداقيّة الكتاب المقدّس، وتمّ التشكيك بجميع مواضيعه[27].

هذه الظاهرة السلبيّة التي واجهتها الكنيسة اضطرّت بعض علماء اللاهوت الليبراليّ المسيحيّ إلى تبنّي نظريّة تجربة الوحي، باعتبارها الحلّ الوحيد لكلّ ما تواجهه ديانتهم من مشاكل جادّةٍ؛ إذ لو اعتُبر الوحي من سنخ التجارب سوف تتنزّه المسيحيّة من كلّ شوائبها، ولا يبقى مجالٌ لطروء أيّ من المعضلات الثلاثة التي أشرنا إليها في بادئ البحث، والتي هي هزيمة اللاهوت العقليّ (الطبيعيّ) في الأوساط المسيحيّة، ورواج فكرة التّعارض بين العلم والدين، وانتعاش حركة نقد الكتاب المقدّس، ومن ثمّ بالإمكان بيان طبيعة اللاهوت الطبيعيّ وفق نهٍج عقليٍّ، وتنظيم كافّة الأخبار المرتبطة بالتجارب الدينيّة على أساس مبادئ هذا اللاهوت الرّصين. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذا البيان والنّظم خارجان عن نطاق الوحي، لذا حتّى إن وردت مؤاخذاتٌ عليهما، فهذا لا يعني تعرّض الوحي لأيّ خللٍ، كما أنّ التّعارض بين العلم والدين لا ارتباط له بذات الوحي، باعتبار أنّ الوحي مصونٌ من التعارض، والتارض الحاصل هنا يكمن في عدم اتّساق بعض أخباره مع الأسس العلميّة المعتبرة، وكما هو معلومٌ فالكتاب المقدّس بحدّ ذاته لا يعتبر وحيًا، وإنّما مجرّد إخبار ونقل لحالاتٍ باطنيّةٍ وتجارب دينيّة للمتديّنين.

علماء اللاهوت المسيحيّ اتّبعوا سبلًا عدّة في مقابل هذه المشاكل التي واجهتها المسيحيّة، فعلى صعيد مسألة تعارض العلم والدين ذكروا تبريراتٍ واستدلالاتٍ متباينةً مع بعضها بالكامل،[28] كذلك ظهرت مدارس لاهوتيّة جديدة من نوعها في مقابل رواج ظاهرة نقد الكتاب المقدّس. فضلًا عن ذلك ظهرت مدارس عقليّة ذات مشارب فكريّة متنوّعة في الأوساط المسيحيّة رغم هزيمة اللاهوت الطبيعيّ (العقليّ)، وفي رحابها طُرحت مبادئ لاهوتيّةٌ تختلف عمّا كان معهودًا قبل ذلك، وفي خضمّ هذه الأحداث أدرك غالبيّة المسيحيّين عدم نجاعة التجربة الدينيّة مؤكّدين على كونها ليست أفضل حلّ لمشاكلهم العقديّة، وذلك للأسباب الآتية:

1) القول بالتّجربة الدينيّة يحرم الناس من حقائق الوحي ويقطع ارتباطهم بالله؛ لأنّ النتيجة الحتميّة لفصل تجربة الوحي عن الأخبار المنبثقة منها والتفسير الذي يطرح لها، إلى جانب تخطئتها واعتبارها متعارضةً مع العلوم الحديثة في مرحلة الإخبار والتفسير، هي ضرورة الاعتقاد بعدم قدرة البشر على فهم المضمون الحقيقيّ للوحي؛ لكون السبيل الوحيد لذلك هو التفسير الذي ذكره الأنبياء أنفسهم بخصوص تجارب الوحي التي خاضوها.

إذًا، تجارب الأنبياء عبارة عن مضمارٍ واجهوا فيه تجربة الله، لذا لو طرأ أيّ خطأٍ عليها لا يمكن للبشر حينها أن يرتبطوا بربّهم بأيّ نحوٍ كان.

2) نظريّة التجربة الدينيّة تتعارض مع التعاليم والمعتقدات التي جاءت بها الأديان، فكلّ دينٍ يؤكّد على أنّ النبيّ الذي بعث لنشره بين النّاس مكلّفٌ بنقل حقائقَ سماويّة لهم، لذا إن أمعنّا النّظر ودقّقنا بالنّصوص الدينيّة سوف نستشفّ منها أنّ الأخبار التي جاء بها الأنبياء هي المحور الارتكازي؛ لأنّها بدل أن تؤكّد على تجاربهم أكّدت على ما جاؤوا به من السماء.

إذًا، هذه النظريّة بدل أن تضع حلًا للمعضلة التي واجهتها المسيحيّة، ساهمت في تأزيم أوضاعها.

3) نظريّة التجربة الدينيّة تتعارض بالكامل مع الحقائق التاريخيّة الثابتة للأديان، فالأنبياء عندما كانوا يعلنون نبوّتهم للنّاس عادةً ما كانوا يخبرونهم عن الحقائق التي تلقوها عن طريق الوحي، أي أنّهم كانوا يدعونهم إلى الإيمان برسالة السماء التي جاءتهم بالوحي واتّباع كافّة أوامرها ونواهيها، وليس هناك أيّ خبر أو نقل تأريخيّ يدلّ على أنّهم كانوا يدعون قومهم إلى خوض تجارب على غرار التجارب التي خاضوها بأنفسهم.

4) حتّى لو افترضنا أنّ الأنبياء أكّدوا على تجاربهم الدينيّة، لكن إن أراد سائر النّاس خوض مثل هذه التجارب، فلا بدّ لهم أوّلًا من معرفة حقيقتها، وهذه المعرفة لا تتحصّل إلا إذا استمعوا إلى أنبيائهم واطّلعوا على الأخبار التي جاؤوهم بها؛ لأنّ جميع التجارب وفق هذا المعنى ذات طابعٍ شخصيٍّ، ومن ثمّ لا يمكن بيان ما حدث في رحابها وتعريف الآخرين بمضامينها إلا بواسطة من خاضها.

إذًا، معرفة حقيقة تجربة النّبوّة لا تتسنّى إلا عن طريق الاستماع إلى إخبار الأنبياء أنفسهم، وحسب الافتراض المذكور لا يمكن الاعتماد على هذا الإخبار، والنّاس أنفسهم غير قادرين على خوض تجربة النبوّة، لذا لا صواب لهذا الافتراض.

5) من جملة النقد المذكور على نظريّة التجربة الدينيّة هو ارتكازها على إمكانيّة الفصل بين التجربة وتفسيرها، فالنبيّ في المرحلة الأولى - بغضّ النّظر عن كلّ اعتبار آخر - يخوض تجربةً بحتةً عاريةً من التفسير، والمرحلة الثانية هي التي يطرح فيها التفسير لهذه التجربة في إطار إخبار وبيان للناس.

علماء الإبستيمولوجيا المعاصرون يؤكّدون على عدم إمكانيّة الفصل بين التجربة وتفسيرها؛ نظرًا لعدم وجود تجربةٍ محضةٍ لا تفسير لها، لكون اللّغة والمعتقدات والمجرّب عبارة عن عناصر أساسيّة فيها، بحيث تصوغ بنيتها الخاصّة، فكلّ تجربة إنّما تحدث في رحاب هذه العناصر الارتكازيّة.

الوحي منهجٌ للحياة

الباحثون والمفكّرون الذين يرفضون نظريّة المفاهيم، ولا يعتقدون بكون الوحي مجموعة من التعاليم التي يتلقّاها النبيّ من الوحي، يؤكّدون بشكلٍ أساسيٍّ على أنّ الرسالة التي يتلقّاها عن طريق الوحي ذات ارتباطٍ بنمط الحياة ومختلف الشؤون السلوكيّة والأخلاقيّة[29]، فالوحي أحيانًا يحكي عن سلوكٍ معيّنٍ؛ ومنهم من استدلّ ببعض الآيات القرآنيّة لإثبات رأيه بهاتين الآيتين: 

قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)[30]، هذه الآية تدلّ بوضوحٍ على أنّ الله سبحانه وتعالى أوحى إلى جميع الأنبياء والرسل، الذين سبقوا النبيّ محمّد(صلى الله ليه وآله وسلم) أن يعبدوه، والعبادة هنا هي الرسالة الموجّهة في الوحي، وكما هو معلوم فهي ترتبط بسلوك الإنسان، حيث تؤكّد على ضرورة العمل بأوامر الله تعالى واتّباع أصول ومبادئ خاصّة في الحياة على ضوء العيش في رحاب نمط محدّدٍ من الحياة.

وقال في آية أخرى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) .[31]

وثمّة من أتمّ هذا الكلام قائلًا: إذا كانت رسالة الوحي تتمحور حول نمط الحياة وطبيعة سلوك البشر، فالنبيّ بطبيعة الحال لديه نهجٌ خاصٌّ في حياته، ومن منطلق كونه نبيًّا فهو يدعو النّاس إلى السير على نهجه، وهذا يعني أنّ الوحي هو الذي يصبح نهجًا لحياة البشر، أي أنّ التجربة التي خاضها النبيّ يجب أن يخوضها الآخرون أيضًا.

نقد هذا الاستدلال يتمحور حول مسألتين أساسيّتين ادّعاهما من استدلّ به، وهما:

1) رسالة الوحي مرتبطةٌ بنهج حياة البشر وسلوكاتهم.

2) الوحي هو ذات نهج حياة البشر ومرتكز سلوكاتهم.

لا شكّ في أنّ رسالة الوحي تحكي عن نهجٍ معيّنٍ لحياة بني آدم وأسلوب معيّنٍ لسلوكهم، فقد دعا الأنبياء قومهم إلى التحلّي بالفضائل الأخلاقيّة وتبنّي سلوكاتٍ فاضلة في سيرتهم العمليّة، ومن المؤكّد أنّ كثيرًا من تعاليم الوحي تتمحور حول هذا الأمر، وحتّى سائر تعاليمه التي فيها أخبار عن الماضي والمستقبل هي في الواقع تهدف إلى تعليم المخاطَب اتّباع نهجٍ معيّنٍ في الحياة وتبنّي سلوكات خاصّة؛ وعلى هذا الأساس يمكن تأييد ما ذُكر في رحاب الاعتقاد بكون الوحي نهجًا معيّنًا للحياة وأسلوبًا سلوكيًّا خاصًّا، ممّا يعني أنّ آراء أصحاب نظريّة تجربة المفاهيم صائبة في هذا المضمار.

من المؤكّد أنّ الوحي مرتبطٌ بسلوكات البشر الأخلاقيّة وحياتهم الدينيّة؛ إذ يعلّمهم الأسلوب السّلوكيّ الأمثل والنهج القويم في الحياة، لكنّ رسالته تختلف بالكامل عن كونه تجربةً كما ادّعى بعض الباحثين؛ إذ كيف يمكن ادّعاء أنّه نهج للحياة ومرتكز للسلوك الأخلاقيّ في عين اعتباره من سنخ التجارب؟! النبيّ بنفسه اتّبع هذا النّهج في الحياة، لذا هل هناك مسوّغ يدعونا لاعتبار الوحي تجربةً؟!

فيما يلي نوضّح الموضوع بمثال:

لنفرض أنّ السيّد (أ) قال للسيّد (ب) "كُـن صادقًا"، ونحن نعلم بأنّ السيّد (أ) صادق.

نستنتج من هذا المثال أنّ السيّد (أ) أمر السيّد (ب) بانتهاج سلوكٍ معيّنٍ وهو الصدق، أي أنّه خاض تجربة الصدق؛ لذا لدينا رسالة انتقلت من شخص إلى آخر على ضوء تجربة خاضها السيّد (أ)؛ وكذا هو الحال في الوحي؛ إذ فيه تجربةٌ مشابهةٌ لهذه ومفهوم شبيهٌ بالدعوة إلى الصدق كما ذُكر في المثال، ومن هذا المنطلق لو أراد السيّد (ب) أن يكون صادقًا، فيجب على السيّد (أ) أن يوضّح له معنى الصّدق وكيفيّة العمل به في رحاب مفهومٍ دالٍّ على مقصوده، أي أنّ السيّد (أ) هو الذي يأمره أوّلًا بذلك.

إذًا، لا بدّ من بيان مدلول رسالة الوحي على هيئة مفاهيم كي يعمل الناس بمضمونها؛ إذ يجب اعتباره شبيهًا بتجربة الصّدق التي أشرنا إليها في المثال أعلاه.

إذًا، رأي أصحاب التجربة الدينيّة في الواقع مغالطةٌ، وفيه مصادرةٌ على المطلوب، فلو أردنا استنتاج أنّ الوحي عبارة عن تجربةٍ يخوضها النبيّ، فلا يمكن الاكتفاء هنا بمقدّمتي الاستدلال اللتين أشرنا إليهما، وهما بتقرير آخر:

المقدّمة الأولى: رسالة الوحي عبارة عن سلوكٍ معيّنٍ ونهجٍ خاصٍّ لحياة البشر.

المقدّمة الثانية: النبيّ تبنّى سلوكًا ونهجًا وفقًا لما تلقّاه من رسالة الوحي.

بل إضافةً إلى هاتين المقدّمتين يجب افتراض أنّ تجربة هذا النّهج في الحياة تعدّ وحيًا بحدّ ذاتها، وهذه هي النتيجة التي نحصل عليها من هذا الاستدلال.

إلى هنا تحدّثنا عن طبيعة ارتباط النبيّ بمخاطبيه، وهكذا هي طبيعة ارتباطه بالله سبحانه وتعالى، فعندما نقول "الله يوحي إلى نبيّه" نقصد من ذلك أنّه يطلب منه أن يعيش هو أو يعيش الناس وفق نمط حياةٍ معيّنٍ، لذا إن أراد النبيّ تجربة هذا النّمط في الحياة، فلا بدّ له أن يفهم قصد الله سبحانه وتعالى ويتأكّد من أنّه طلب منه ذلك.

إذًا، الوحي على أقلّ تقدير عبارة عن ارتباطٍ مفهوميٍّ بين الله والنبيّ، ولغة الوحي ذات مضامين عديدة، ففي بعض الأحيان تتمحور حول الإخبار بالغيب الماضي - ما حدث قديمًا ولا علم للناس به -، حيث يخبر الله نبيّه بأخبار الشّعوب والأمم السالفة، فقد قال في كتابه الكريم: (ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ)[32]. هذه الآية مجرّد مثال على تنوّع مضامين لغة الوحي، فهي توضّح نمط الحياة الأمثل والسلوكات المناسبة التي ينبغي لبني آدم انتهاجها.

إذا قيل إنّ لغة الوحي هي المقصودة من رسالة الوحي، يرِدُ على ذلك أنّ رسالة الوحي لا تتمحور دائمًا حول بيان نمط الحياة والسلوك الأمثل، لكن إذا اعتبرنا رسالة الوحي بأنّها الوحي بذاته، بحيث تشمل مضامين القصص الدينيّة وأخبار الأمم السالفة والإخبار عن المستقبل وما إلى ذلك من مضامين أخرى، ففي هذه الحالة يكون المقصود منها توجيه المخاطبين إلى نمطٍ معيّنٍ في الحياة ودعوتهم إلى انتهاج السلوك الأمثل اعتمادًا على مبادئ الأخلاق الحميدة؛ ممّا يعني أنّ كافّة تعاليم الوحي ومختلف الوظائف التي يمكن تصوّرها له، هدفها تشجيع الناس على ذلك.

رودولف أوتو وتجربة النبوّة

الفيلسوف الألمانيّ رودولف أوتو (Rudolf Otto) هو أحد علماء اللاهوت الذين كان لهم دورٌ مشهودٌ على صعيد طرح نظريّة التجربة الدينيّة في علم اللاهوت المسيحيّ الحديث، بل كان دوره هو الأهمّ من سائر علماء اللاهوت الغربيّين ومن المبتكرين لهذه النظريّة، لكنّه مع ذلك لم يدوّن بحوثًا ودراساتٍ مسهبةً حول تجارب الأنبياء الدينيّة، بل الأمثلة التي ساقها في هذا المضمار ضمن مختلف مباحثه تحكي عن رؤيته هذه، ناهيك عن أنّه نشأ وترعرع فكريًّا في أوساطٍ علميّةٍ ودينيّة تولي الأهميّة في مباحثها لهذا الموضوع.

هذا الفيلسوف الغربيّ أكّد على وجود عنصرين أساسيّين في الأديان لا بدّ من التمييز بينهما، هما:

- عنصرٌ عقليٌّ

- عنصرٌ غير عقليٍّ

وفي هذا السّياق قال: علماء اللاهوت على مرّ التأريخ سلّطوا الضوء على العنصر العقليّ، بحيث تمحورت مباحثهم اللاهوتيّة قاطبة حوله، الأمر الذي أسفر عن تهميش العنصر غير العقليّ وصهره في باطن المباحث العقليّة، إلا أنّ هذا العنصر - غير العقليّ - هو الأساس في الدين[33]، وبناءً على هذا الكلام حاول في كتابه "فكرة المقدّس" تسليط الضّوء على هذا العنصر وبيان معالمه على نحو التفصيل.

وأضاف في هذا السّياق أنّ علماء اللاهوت اعتبروا العنصر العقليّ بأنّه ذات الفكر، واعتبروا العنصر غير العقليّ بأنّه الشعور الباطنيّ، وعلى هذا الأساس استنتجوا أنّ كلّ أمرٍ دينيٍّ مرتبط بالفكر يعدّ عقلانيًّا، وكلّ أمرٍ دينيٍّ مرتبط بالشّعور يعدّ غير عقلانيٍّ.

بعض الباحثين الذين تطرّقوا إلى بيان الوجهة الفكريّة لهذا الفيلسوف أكّدوا على أنّه حينما يتحدّث عن العنصرين العقليّ وغير العقليّ، فهو غالبًا ما يقصد من ذلك التداعيات الفكريّة أو الشعوريّة في الدين، فالعناصر العقليّة ذات ارتباطٍ بالفكر الدينيّ والعناصر غير العقليّة ذات ارتباطٍ بالشّعور الدينيّ.

المقصود من العنصر العقليّ كلّ شيءٍ يتبلور في رحاب الفكر ويندرج ضمن المفاهيم الذّهنيّة، وأمّا العنصر غير العقليّ، فهو لا يندرج ضمن المفاهيم، ومن ثمّ لا يتبلور فكريًّا على الإطلاق[34]. طبقًا للتحليل الذي ذكرناه بخصوص نظريّة التجربة الدينيّة وأسباب ظهورها في الأوساط الفكريّة المسيحيّة، يتّضح لنا السبب الذي دعا رودولف أوتو إلى الاعتقاد بالعنصر غير العقليّ على صعيد الدين، فهو يعتبر الدين ذا ارتباطٍ بما وصفه بـ "الأمر القدسيّ" الذي هو "الله" في الأديان المستندة إلى تعاليم الوحي، وهذا الأمر القدسيّ برأيه عبارة عن شيءٍ غير عقليٍّ من جهةٍ لكونه يتبلور في رحاب الفكر، بحيث يمكن الإخبار عنه بواسطة مفاهيم ومعانٍ ذهنيّة خاصّة، كما لو قلنا "الله حكيم"، و"أفعاله ذات هدف"، و"هو قادر"؛ ومن جهةٍ أخرى، فهو غير عقليٍّ لكونه يتبلور في رحاب الشّعور ولا ارتباط له بالفكر والمفاهيم الذهنيّة[35].

وفي هذا السياق، استخدم مصطلح "نومين" (numen) للإشارة إلى ما اصطُلح عليه "الأمر القدسيّ" - الله - والذي اعتبره غير عقليٍّ، ويمكن أن يُعرف من خلال التجربة. الجدير بالذكر هنا أنّ النومين في اللغة اللاتينيّة يعني الكائن الغيبيّ، ويدلّ على جلال وعظمة الله سبحانه وتعالى، لذلك اصطُلح على التجربة التي يتبلور في رحابها النومين عنوان التجربة النومينيّة "تجربة الأمر القدسيّ" (numinous experience).

هذه التجربة برأيه هي جوهر الدين ومغزاه الحقيقيّ، بحيث لا يمكن أن تتحوّل إلى نوعٍ آخر من التجارب على الإطلاق، والمتديّن في رحابها يدرك النومين باعتباره أمرًا قدسيًّا مختلفًا تمامًا عن سائر الأشياء التي ينالها بواسطة قواه الإدراكيّة، ولهذا النومين ميزتان متناقضتان مع بعضهما؛ لأنّه من جهة جذّابٌ يستقطب الأنفس نحوه، ومن جهة أخرى ينفّرها عنه، لذا فأوّل تجربة يخوضها الإنسان معه حينما يتجلّى له تتمخّض عن شعوره برعب غامض أو "سرّ مخيف" (mysterium tremendum) يكتنف نفسه. أوتو ذكر أوجهًا عدّة لهذه الحالة التي وصفها بالرعب الغامض أو "السرّ المخيف"[36].

نستنتج من جملة ما ذكره هذا الفيلسوف الغربيّ بخصوص تجربة الأمر القدسيّ «الله»، ومن الأمثلة التي استند إليها لإثبات رأيه، أنّ هذه التجربة هي التي خاضها الأنبياء، فالنبيّ موسى مثلًا عندما تكلّم أوّل مرّة مع يهوه «الله» اكتنفته حالتان هما الانجذاب له والرهبة منه[37].

الملفت للنّظر هنا أنّ أوتو فاق أقرانه على صعيد بيان واقع عناصر التجربة الدينيّة التي وصفها بتجربة الأمر القدسيّ، حيث سلّط الضوء على التجارب المذكورة في الكتاب المقدّس والمنقولة من العهدين القديم والجديد وأعارها أهمّيّةً بالغةً، وهو في هذا المضمار قرّر أدقّ التوضيحات بخصوص تجارب الأنبياء ضمن دراساتٍ وبحوثٍ معاصرة. وعلى الرّغم من دقّة الدّراسات والبحوث التي دوّنها هو وغيره من باحثين وفلاسفة غربيّين على هذا الصعيد، لكنّهم لم ينجحوا في إثبات مدّعاهم، باعتبار أنّ الوحي ذات التجربة النومينيّة «تجربة الأمر المقدّس»، بل هناك أشياء أخرى تتزامن معه؛ وهنا يتّضح لنا ضعف جميع النظريّات التي اعتبرت الوحي تجربةً دينيّة، حيث يثبت بطلانها على ضوء تحليل الأخبار التي دلّت على نزول الوحي كلاميًّا على الأنبياء.

النظريّة الثالثة: نظريّة الأفعال الكلاميّة

نظريّة الأفعال الكلاميّة هي النظريّة الثالثة التي طُرحت لتفسير معنى الوحي، حيث عرّفته بأنّه مجموعة من الأفعال الكلاميّة الصادرة من الله سبحانه وتعالى، وأتباعها هم من أشهر علماء فلسفة اللغة من أمثال الفيلسوف البريطانيّ جون أوستين (J. L. Austin) الذي له عصا السّبق في هذا المضمار، وعلى هذا الأساس سوف نسلّط الضوء على موضوع البحث عبر بيان المقصود من الارتباط اللغويّ أو الكلاميّ في رحاب آراء هذا الفيلسوف.

أهمّ ميزة للغة هي أنّها وسيلةُ ارتباطٍ بين البشر، لكن ما المقصود من الارتباط الكلاميّ (اللغويّ)؟ فيا ترى ما الذي يحدث في واقع الحال عندما نرتبط مع أقراننا البشر كلاميًّا؟

عرّف القدماء الارتباط الكلاميّ بأنّه تلاحمٌ يحدث بين البشر عن طريق الجمل اللّغويّة، أي أنّنا نرتبط مع أقراننا لسانيًّا من خلال تبادل جملٍ ذات مداليلَ تامّةٍ، إلّا أنّ جون أوستين رفض هذا التعريف وطرح بدلًا عنه نظريّة جديدةً عُرفت بنظريّة الأفعال الكلاميّة، حيث اعتبر الفعل الكلاميّ حلقة ارتباط بين البشر، ويقصد من ذلك أنّ الارتباط الكلاميّ أو اللسانيّ يتحقّق حينما يبادر المتكلّم إلى فعلٍ كلاميٍّ.

هذه النظريّة استقطبت أنظار كثير من فلاسفة القرن العشرين، وأثارت جدلًا واسعًا حول طبيعة اللغة وواقع الكلام المتبادل بين البشر لدرجة أنّ بعض الباحثين اعتبروها ثورةً في مجال فلسفة اللغة.

الجدير بالذكر هنا أنّ أوستين أكّد في نظريّته هذه على أنّ كلّ متكلّمٍ عندما يُبادر إلى إيجاد ارتباطٍ كلاميٍّ مع غيره، فهو يقوم بأفعال خاصّةٍ في هذا المضمار تتمثّل في ثلاثة أفعال كلاميّةٍ مختلفةٍ عن بعضها، وهي كالآتي:

الفعل الأوّل: إنشاء جملةٍ لغويّةٍ تُفيد معنًى تامًّا من قبل المتكلّم، وهو ما يُسمّى بـ «فعل الكلام» أو فعل قوليّ أو فعل لفظيّ (locutionary act)، ومثال ذلك لو قال المتكلّم لمخاطَبه "أغلق الباب"، فهو في هذه الحالة أنشأ جملةً ذات معنًى تامٍّ، وهذا الإنشاء اللفظيّ في الحقيقة فعلٌ كلاميٌّ.

الفعل الثاني: نقل مضمون خاصّ ومقصود من الكلام للمخاطَب في الجملة التي يصوغها المتكلّم، كما لو أمره أو طلب منه أو نهره أو نهاه عن فعل شيء، وهو ما يُسمّى بـ "فعل ضمن الكلام" أو فعل إنجازيّ (illocutionary act)، وهذا الفعل الكلاميّ يختلف من جملةٍ إلى أخرى، فعلى سبيل المثال عندما يقول المتكلّم "أغلق الباب"، فهذه الجملة تستبطن أمرًا، وعندما يقول "لا تغلق الباب"، فهذه الجملة تستبطن نهيًا، وعندما يقول "هل قرأت درسك؟"، فهذه الجملة تستبطن استفهامًا.

الفعل الثالث: حدوث أثرٍ يترتّب على كلام المتكلّم، كما لو أرغم المخاطب على فعل شيءٍ بالتحديد، لذا عندما يقول له "أغلق الباب"، فهو يجبره على أن يقوم بإغلاق الباب بشكلٍ عمليٍّ، ولو سأله "هل قرأت درسك؟"، فهو قد يقصد تخويفه من ترك درسه، ومن ثمّ إجباره على القراءة، وهذا النّوع من الفعل الكلاميّ اصطلح عليه أوستين عنوان فعل تأثيريّ أو فعل التأثير (perlocutionary act) أي أنّه يعكس أثر الفعل الكلاميّ.

هذه الأفعال الكلاميّة الثلاثة تنشأ عبر صياغة جملةٍ في لغةٍ خاصّةٍ.

ما ذكرناه هو في الحقيقة تقريرٌ بسيطٌ لنظريّة الأفعال الكلاميّة كمقدّمةٍ للولوج في مباحث الوحي وبيان طبيعته في رحاب هذه النظريّة، وقبل ذلك ينبغي لنا بيانها من وجهة نظر جون أوستين، والجدير بالذكر هنا أنّ هذه النظريّة شهدت تغييراتٍ وتعديلاتٍ بعد طرحها، حيث أدخل عليها الفيلسوف جون سيرل (John Searl) تعديلاتٍ لا نرى ضرورةً هنا لبيان تفاصيلها لعدم ارتباطها بموضوع بحثنا.

معرفة الإنسان بلغةٍ خاصّةٍ تعني قدرته على تسخيرها للقيام بأفعال عديدةٍ ومتنوّعةٍ، لذا حينما يقول «أنا أتقن اللغة العربيّة»، فهذا يعني أنّه يستطيع أن يؤدّي كثيرًا من الأفعال الكلاميّة بواسطتها، وهذا هو مراد جون أوستين من نظريّة الأفعال الكلاميّة، وعلى أساس ذلك صُنّف الفعل الكلاميّ ضمن ثلاثة أنواعٍ أشرنا إليها وسنوضّحها بتفصيل أكثر فيما يلي:

الفعل الأوّل: فعل الكلام (فعل قوليّ أو فعل لفظيّ) locutionary act

عندما ينطق الإنسان بألفاظ ضمن جملٍ ذات معانٍ مقصودةٍ فهو في الحقيقة يؤدّي فعلًا كلاميًّا، حيث يصدر أصواتًا خاصّةً ضمن ألفاظٍ خاصّةٍ للدلالة على معانٍ ومداليل محدّدةٍ مكنونة في قواعد وأصول اللغة التي يتحدّث بها، ممّا يعني أنّه يقوم بثلاثة وظائف خطابيّة خلال فعله الكلاميّ وهي:

الوظيفة الأولى: الأصوات التي تصدر من فمه، وقد أطلق جون أوستين على هذه الوظيفة الخطابيّة عنوان: الفعل الصوتيّ (phonetic act).

الوظيفة الثانية: الأصوات التي تصدر من فمه ضمن ألفاظٍ معيّنةٍ للدلالة على معانٍ خاصّة تنطبق مع أسس اللغة التي ينطق بها، وأطلق جون أوستين على هذه الوظيفة الخطابيّة عنوان: الفعل التركيبيّ (Phatic act).

الوظيفة الثالثة: الأصوات التي تتبلور ضمن ألفاظٍ تدلّ على معانٍ خاصّة، تجتمع مع بعضها للدلالة على معنًى محدّدٍ، وقد أطلق جون أوستين على هذه الوظيفة الخطابيّة عنوان: الفعل الدلاليّ (rhetic act)[38].

الفعل الثاني: فعل ضمن الكلام (فعل إنجازيّ) illocutionary act

الفعل الآخر الذي يقوم به المتكلّم هو فعل ضمن الكلام (فعل إنجازيّ)، إلّا أنّ جون أوستين لم يعرّفه بوضوح كما صرّح بنفسه: «لا يمكن تعريف الأفعال الإنجازيّة بوضوح»، لكن نستوحي من مجمل بيانه وجود بعض المعايير الأساسيّة لتشخيصه والتي يمكن تلخيصها بالآتي:

أ - الفعل الإنجازيّ هو أنّ المتكلّم يفعل شيئًا ضمن كلامه، وهو في مقابل الفعل الكلاميّ، ومثاله أن يحذّر المخاطب من شيءٍ أو يعده بشيءٍ ضمن كلامه، والإنسان بطبيعة الحال بإمكانه القيام بهكذا أفعال دون الحاجة إلى فعلٍ كلاميٍّ، حيث يستطيع الإشارة إلى هذه الأفعال ضمن أفعال أخرى كما لو لوّح بعصا يحملها بيده تحذيرًا للطرف المقابل من شيءٍ ما.

الجدير بالذكر هنا أنّ الضرورة لا تحتّم كون كلّ فعل يقوم به الإنسان ضمن كلامه يجب أن يندرج ضمن الأفعال الكلاميّة، كما لو مزح في كلامه أو انتقد الآخرين بكلامٍ لاذعٍ، فهذا النّوع من الأفعال الكلاميّة ليس من سنخ الفعل ضمن الكلام.

إذًا، الفعل ضمن الكلام هو ما ينجز بشكلٍ ضمنيٍّ في قول القائل، لكن ليس كلّ فعل ضمن الكلام يعدّ من جملة الأفعال الضمنيّة في الكلام حسب التقسيم المذكور[39].

ب - معرفة قصد المتكلّم لا تكفينا في إدراك كون الفعل الإنجازيّ قد تمّت تأديته ضمن الكلام، بل إضافةً إلى ذلك لا بدّ من معرفة المضمون الذي أراد أن يُشير إليه، فعلى سبيل المثال يجب أن نعرف أنّه قصد تحذير المخاطب أو أنّه أراد ذكر خبر له فقط، أي ينبغي أن نكون على علمٍ بالمضمون الذي ذكر كلامه لأجله وقصده على نحو الحصر[40].

ج - الشّرط الأساسيّ للنجاح في القيام بفعلٍ كلاميٍّ هو أن يوفّر المتكلّم للمخاطب الأرضيّة المناسبة كي يفهم معنى كلامه ومضمونه المقصود، فعلى سبيل المثال لا يمكنه أن يقول «حذّرت مخاطبي من شيء إذا لم يصغِ إلى كلامي ويدرك منه ذلك المعنى الذي أضمره في نفسي»، بناءً على ذلك فإنّ تأدية فعلٍ ضمن الكلام يستوجب حدوث تأثير في المخاطب بشكلٍ مباشرٍ، ممّا يعني أنّ الفعل ضمن الكلام يستتبع فهمًا يحدث لدى المخاطب[41].

الفعل الثالث: فعل تأثيريّ أو فعل التأثير (perlocutionary act)

الفعل التأثيريّ يحدث في رحاب الكلام وهو نتيجةً له؛ حيث إنّ المتكلّم عندما ينطق جملةً فهو بنحوٍ أو بآخر يؤثّر - بشتّى الأشكال- على أفكار ومشاعر وأفعال المخاطب أو المستمع أو الآخرين[42]، ومثال ذلك الإقناع والتخويف وإثارة الدّهشة والتعجّب بعد إتمام الكلام، فهذه من جملة الأفعال التأثيريّة التي تترتّب على الكلام، وكلّ واحدٍ منها إلى جانب الملاحظات التي ذكرها جون أوستين تمّ بيانها بشكلٍ مسهبٍ ضمن مباحث علم فلسفة اللغة.

الوحي في رحاب نظريّة الأفعال الكلاميّة

أتباع نظريّة الأفعال الكلاميّة لديهم ادّعاءان على أقلّ تقدير في مجال تفسير الوحي:

الادّعاء الأوّل: الوحي ذو طابعٍ كلاميٍّ - لغويّ - ممّا يعني أنّه ليس مستقلًا عن الكلام، وعلى هذا الأساس حينما نقول «أوحى الله إلى نبيّه» نقصد من ذلك حدوث ارتباطٍ كلاميٍّ فيما بينهما.

الادّعاء الثاني: الله سبحانه وتعالى ضمن هذا الارتباط الكلاميّ قام بفعلٍ كلاميٍّ؛ حيث ذكر لنبيّه جملًا ذات معانٍ محدّدةٍ في رحاب لغةٍ معيّنةٍ، وهذه الجمل لها مضامين خاصّة، وبواسطتها تُلقى إلى النبيّ أوامر ويكلّف بواجباتٍ، وكلّ ذلك ذو تأثيرٍ عليه طبعًا.

إذًا، عندما نقول «أوحى الله إلى نبيّه» - حسب هذين الادّعائين - نقصد أنّ الله سبحانه وتعالى قام بفعلٍ كلاميٍّ، والوحي على هذا الأساس عبارة عن فعلٍ، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ نظريّة التجربة الدينيّة هي الأخرى تُعتبر الوحي فعلًا، لكن الاختلاف بين النّظريّتين يكمن في أنّ أتباع النظريّة الثانية يعتبرون الوحي دالًا على فعل النبيّ فقط.

نحن أيضًا نقصد أنّ الله قام بفعلٍ كلاميٍّ عندما نذكر عبارة «الوحي الكلاميّ»، ممّا يعني أنّ الوحي في حقيقته ذو طابعٍ كلاميٍّ.

الجدير بالذّكر هنا أنّ أتباع نظريّتي الوحي المفهوميّ وتجربة الوحي يؤكّدون على أنّ الله حتّى لو قام بفعل كلاميٍّ، فهذا لا يعني أنّ فعله الكلاميّ وحيٌ؛ لكون نظريّة المفاهيم تدّعي أنّ الله يُلقي على نبيّه معلوماتٍ ذات طابعٍ غير لفظيٍّ، والنبيّ بدوره يصوغها في إطارٍ لفظيٍّ ضمن لغة قومه؛ كي يدركوا مغزاها. وأمّا أتباع نظريّة التجربة، فهم يدّعون أنّ غاية ما يفعله النبيّ هو مواجهة الله، وهذه المواجهة ليست ذات طابعٍ لُغويٍّ، أي أنّها عبارةٌ عن ارتباطٍ غير كلاميٍّ.

بعض الباحثين والمفكّرين لم يدركوا مغزى الموضوع بدقّة، لذلك يدّعون حدوث مواجهة - لقاء - بين الله والنبيّ الذي يتلقّى خلالها كلامًا، وإثر ذلك تحدث له تجربةٌ دينيّة، وهذه التجربة حسب ما ذكر تعني تكليمه من قبل الله تعالى. ثمرة هذا الكلام هي تأكيد أتباع نظريّة التجربة الدينيّة على قيام الله بأفعالٍ كلاميّةٍ هي الوحي بذاته.

هذه النتيجة سببها عدم التمييز بدقّةٍ بين الرأيين، فالوحي في رحاب نظريّة التجربة الدينيّة عبارة عن مواجهةٍ تحدث بين الله والنبيّ، وفي رحاب نظريّة الأفعال الكلاميّة عبارة عن فعلٍ كلاميٍّ يصدر من الله عزّ وجلّ؛ إلّا أنّ اعتباره تجربةً كلاميّةً يخوضها النبيّ مع الله يعني الاعتقاد بكونه مركّبًا من شيئين هما التجربة وكلام الله.

إذًا، أتباع نظريّة التجربة الدينيّة اعتبروا الوحي تجربةً مرتبطةً بكلام الله، لكن هل يمكن اعتبار هذا الادّعاء بأنّه رأيٌ آخر؟ وهل يمكن على أساسه القول بأنّ الله يقوم بأفعالٍ كلاميّةٍ؟

للإجابة نقول: هذا الكلام في الواقع يعكس الرأي القائل بالتجربة الدينيّة التي تعتبر مواجهة النبيّ مع الله وحيًا، سواء أكانت قد حدثت بأسلوبٍ كلاميٍّ على ضوء ارتباطٍ لغويٍّ، أم حدثت بأيّ نحوٍ آخر؛ لأنّ مغزى موضوع الوحي هو المواجهة بحدّ ذاتها بغضّ النّظر عن أيّ اعتبارٍ آخر، وعن كيفيّة انتقال التعاليم والحقائق؛ لذا لا فرق في ذلك بين صدور فعلٍ كلاميٍّ من جانب الله تعالى أو عدم صدوره، فهذا الأمر لا يؤثّر على واقع الوحي لكون الأفعال الكلاميّة ليست من مكوّناته الذاتيّة.

هؤلاء يؤكّدون على أنّ الارتباط الحاصل بين الله والنبيّ لا يقتضي بالضرورة حدوث فعلٍ كلاميٍّ، أي أنّ الوحي ليس ذا مغزىً لغويٍّ، بل هو من سنخ المواجهة والتّقابل باعتباره تجربةً؛ لكن هذا الرأي يتعارض مع ما ذهب إليه أتباع نظريّة الفعل الكلاميّ الذين اعتبروا الوحي ذا طابعٍ لغويٍّ[43].

أتباع نظريّة الأفعال الكلاميّة يؤكّدون على تلازم المواجهة بين الله والنبيّ مع أفعالٍ كلاميّةٍ، وفي هذا السياق يعتبرون الأفعال الكلاميّة خارجةً عن ذات الوحي، وهذا الاستثناء ينطبق مع ما ذهب إليه أتباع نظريّة الوحي المفهوميّ حينما قالوا إنّ تجربة النبيّ تتواكب مع نزول الوحي، لكنّها ليست من ذاته، ومن هذا المنطلق فإنّ كلا النّظريّتين لا تنفيان حدوث تجربة وحيٍ للنبيّ.

إذًا، حتّى لو أقررنا بصواب نظريّتي الأفعال الكلاميّة والوحي المفهوميّ، فالمشكلة تبقى على حالها من حيث ضرورة القول بحدوث تجربة وحيٍ للنبيّ، لكن غاية ما في الأمر أنّها غيرُ داخلةٍ في ذات الوحي، بل ملازمة له؛ في حين أنّ نظريّة التجربة الدينيّة تؤكّد على كون الوحي هو تجربة الوحي ذاتها التي يخوضها النبيّ، ومن ثمّ فالمفاهيم التي يتلقّاها من الله والأفعال الكلاميّة التي يواجهها عبارة عن قضايا تتزامن مع الوحي - تجربة الوحي -؛ لذا فهي خارجةٌ عن ذاته.

أركان الوحي الكلاميّ

ذكرنا آنفًا أركان الوحي في نظريّتي المفاهيم والتجربة الدينيّة، وفيما يلي نتطرّق إلى بيان أركانه في نظريّة الأفعال الكلاميّة:

الله عزّ وجلّ يؤدّي أفعالًا كلاميّةً حينما يُوحي إلى نبيّه؛ لذا فالمتكلّم هو أحد أركان الوحي وفق هذه النظريّة؛ لكونه صاحب الفعل الكلاميّ، أي أنّ الله هو الركن الأوّل هنا، حيث ينشئ ارتباطًا كلاميًّا مع النبيّ الذي هو في الحقيقة الركن الثاني في هذا المضمار.

اللّغة المعتمدة في الحوار تعدّ من مكوّنات الوحي وفق هذه النظريّة، وعلى هذا الأساس يلقي الله تعالى لنبيّه جملًا ذات معانٍ ومداليل لغويّة خاصّة، ممّا يعني أنّها الركن الثالث في الارتباط اللغويّ الحاصل في رحاب الوحي الكلاميّ، وهي الفعل الكلاميّ ذاته.

الجمل المذكورة ذات مضمونٍ معيّنٍ، وهو ما يصطلح عليه برسالة الوحي، وهذه الرسالة كما أشرنا في البحوث السابقة عبارة عن فعلٍ إنجازيٍّ - فعل ضمن الكلام - وبالتالي فهي الركن الرابع على هذا الصعيد؛ لكن الفعل التأثيريّ - فعل التأثير - الذي هو نتيجةٌ للفعل الكلاميّ لا يعتبر من أركان الوحي، والسبب في ذلك وضّحه جون أوستين كما يلي: «الفعل التأثيريّ يحدث في رحاب الكلام، وهو في الحقيقة يترتّب عليه كنتيجةٍ له».

لا شكّ في أنّ الفعل الذي يتضمّنه الكلام له تأثيرٌ على أفكار المخاطب أو المستمع وسلوكه ومعتقداته، وهذا التأثير يحدث بطبيعة الحال بعد أن يستمع للكلام أو حينما يستمع له، لذا يصطلح عليه فعل تأثيريّ، كما لو أمره كلاميًّا بفعل شيءٍ، أو ذكر له جملةً تستبطن مفهوم الطلب لأجل أن يجبره على هذا الفعل؛ فالمتكلّم على ضوء الفعل ضمن الكلام - الفعل الإنجازيّ - باستطاعته التأثير على المخاطب أو المستمع من جهاتٍ عديدةٍ.

الفعل التأثيريّ يختلف جذريًّا عن الفعل الكلاميّ، وعن الفعل ضمن الكلام، لأنّ هذين الأمرين من سنخ الجملة ومرتبطان بها ذاتيًّا، فالفعل الكلاميّ يتبلور في رحاب جملةٍ ذات مدلولٍ معيّنٍ، والفعل ضمن الكلام هو الآخر يتبلور في باطن الجملة، بينما الفعل التأثيريّ ليس من سنخ الجملة ولا يرتبط بها ذاتيًّا، بل يترتّب عليها - نتيجة لها - والنتيجة بطبيعة الحال لاحقةٌ للموضوع، وليست من أجزائه، فهي بعكس التأثير الذي انطبع في المخاطب أو المستمع بعد إلقاء الكلام عليه. خلاصة الكلام هي أنّ الفعل التأثيريّ ليس ذا ماهيّةٍ لغويّةٍ، خلافًا للفعل الكلاميّ والفعل ضمن الكلام، فهما ذوا ماهيّةٍ لغويّةٍ.

نستنتج من جملة ما ذكر أنّ الفعل الكلاميّ والفعل ضمن الكلام كامنان في ذات الوحي الكلاميّ، بينما الفعل التأثيريّ يترتّب عليه وليس من ذاتيّاته، وهذا يعني أنّ الله سبحانه وتعالى يخبر نبيّه بجملٍ ذات مداليل معيّنةٍ في رحاب لغةٍ خاصّةٍ، وهنا لا بدّ من وجود مضمونٍ محدّدٍ بطبيعة الحال؛ لذا فالوحي الكلاميّ في الحقيقة عبارة عن مجموعةٍ من هذه الأفعال.

الله سبحانه وتعالى على ضوء الفعل ضمن الكلام، قد يأمر النبيّ بفعل شيءٍ، وفعل النبيّ هنا تأثيريٌّ يتحقّق طبعًا بعد إلقاء الكلام لكونه مترتّبًا عليه - أي أنّه فعلٌ مترتّبٌ على الوحي ونتيجةٌ له - وهنا يقال إنّ الوحي أمرَ النبيّ بفعل شيءٍ؛ لذا يوصف فعله بأنّه ضمن كلام الوحي وأثرٌ له؛ ممّا يعني أنّ الفعل التأثيريّ يعدّ مستبطَنًا في ذات الوحي من جهة واحدةٍ بصفته مترتّبًا عليه فحسب، وليس ذاتيًّا له، وهو ما نستشفّه من قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)[44]. حسب نظريّة الأفعال الكلاميّة، فإنّ الله سبحانه وتعالى أوحى كلامه إلى النبيّ محمّد(صلى الله ليه وآله وسلم) باللغة العربيّة، أي أنّ النصّ القرآنيّ العربيّ عبارة عن وحيٍ منزلٍ، لذا لو تمّت ترجمته إلى لغةٍ أخرى كالفارسيّة أو الإنجليزيّة، فهذه الترجمة بحدّ ذاتها لا تعدّ وحيًا. معنى الآية المذكورة هو أنّ الله سبحانه وتعالى أمر النبيّ محمّدًا(صلى الله ليه وآله وسلم) بشيءٍ وفق مضمون كلمة «قُلْ»، وهو بدوره نقل نصّ كلام الله إلى قومه، بحيث لم يجرّده حتّى من هذه الكلمة التي تمّ فيها توجيه الأمر الرّبّاني له، وما قام به من إبلاغٍ هو في الواقع فعلٌ تأثيريٌّ لكونه مترتّبًا على الوحي، أي أنّه ليس ذات الوحي لكونه هو من تلقّى ذات الوحي.

اختلاف نظريّة الأفعال الكلاميّة عن نظريّتي المفاهيم والتجربة الدينيّة

أوجه الاختلاف بين نظريّة الأفعال الكلاميّة ونظريّتي المفاهيم والتجربة الدينيّة اتّضحت لنا من جملة ما ذكر، وأهمّ هذه الاختلافات تتلخّص في مسألتين أساسيّتين هما:

أوّلًا: لُغَويّة الوحي 

الوحي على أساس نظريّتي المفاهيم والتجربة الدينيّة ليس ذا طابعٍ لغويٍّ، بل يعدّ أمرًا مستقلًا عن الكلام والألفاظ اللغويّة، لكنّه ليس كذلك حسب مضمون نظريّة الأفعال الكلاميّة، ومن ثمّ فهو ذو طابعٍ لُغويٍّ.

الجدير بالذكر هنا أنّ نظريّتي المفاهيم والتجربة الدينيّة بينهما اختلافٌ من جهة اعتبار الوحي ليس ذا طابعٍ لغويٍّ، فالأولى تعتبره من سنخ المعارف لكون النبيّ في رحابه يتلقّى معلوماتٍ من جانب الله سبحانه وتعالى، في حين أنّ الثانية تعتبره من سنخ الحالات الباطنيّة للنبيّ وذا ارتباطٍ بمشاعره الشّخصيّة، أي أنّه عبارة عن انفعالٍ باطنيٍّ يحدث له.

ثانيًا: أركان الوحي

الاختلاف الآخر بين نظريّة الأفعال الكلاميّة ونظريّتي المفاهيم والتجربة الدينيّة على صعيد الوحي يتمثّل في أركانه، فنظريّة الوحي المفهوميّ تعتبره متقوّمًا على ثلاثة أركانٍ أساسيّةٍ، وهي:

الركن الأوّل: الله سبحانه وتعالى

الركن الثاني: النبيّ

الركن الثالث: الرسالة التي يتضمّنها

ونظريّة التجربة الدينيّة تعتبره متقوّمًا على الأركان الثلاثة التالية:

الركن الأوّل: الله سبحانه وتعالى

الركن الثاني: النبيّ

الركن الثالث: تجربة الوحي

ومن ثمّ فالأخبار التي يأتي بها النبيّ بخصوص تجربته هذه تعدّ تفسيرًا لها.

وأمّا نظريّة الوحي الكلاميّ، فهي تعتبره متقوّمًا بأربعة أركانٍ، وهي:

الركن الأوّل: الله سبحانه وتعالى

الركن الثاني: النبيّ

الركن الثالث: الفعل الكلاميّ

الركن الرابع: الفعل ضمن الكلام (الفعل الإنجازيّ)

هذه النظريّات الثلاثة كما هو ملحوظٌ، تعتبر الله تبارك شأنه والنبيّ ركنين أساسيّين في الوحي، لكنّها تختلف عن بعضها في الركن الثالث، ونظريّة الفعل الكلاميّ تتفرّد بركنٍ رابعٍ هو الفعل ضمن الكلام.

نظريّة الأفعال الكلاميّة برؤية وولترستورف

الفيلسوف الأميركيّ نيكولاي وولترستورف (Nicholas wolterstorff) هو أحد مؤسّسي حركة إصلاح اللاهوت المسيحيّ، وقد تبنّى نظريّة الأفعال الكلاميّة؛ لتفسير الوحي في المسيحيّة بخصوص كلام الله المذكور في الكتاب المقدّس، لكنّه أضفى إليها تغييراتٍ طفيفةً، حيث أكّد على أنّه تعالى تكلّم مع إنسان وفق ما ذُكر في الكتاب المقدّس، وكلامه تبلور بأشكالٍ عديدة؛ وفي هذا السياق قال إنّ القرن العشرين فقط شهد نشاطاتٍ تنظيريّةً لتوضيح طبيعة كلام الله، وكلّ هذه النّشاطات تمحورت حول نظريّة الأفعال الكلاميّة.

وقد استهلّ بحثه بخصوص الوحي قائلًا «الوحي ليس كلامًا»، وعلى هذا الأساس حينما نقول «أوحى الله» أو بتعبيرٍ آخر «كشف الله شيئًا»، فهذا لا يعني أنّه تكلّم لُغويًّا.

وأضاف: علماء الفلسفة واللاهوت حتّى الآونة الأخيرة يفسّرون الوحي بأنّه كلام الله، لكنّ الواقع خلاف هذا الرأي لكونه يختلف عن الكلام، واختلافهما يبدو جليًّا في المثال التالي الذي نوضّح فيه حقيقة الوعد: لو أنّ شخصًا قال «أعدكم بأن أفعل كذا»، فهل كلامه هذا يعني أنّه كشف عن قراره بفعل ما وعد به؟ أي هل كشف عن قصده في هذا المجال؟ من المؤكّد أنّ الوعد بذاته يختلف عن كشف القصد وإظهاره، فلربّما يعِد الإنسان الطرف المقابل بأن يفعل شيئًا، لكنّ كلامه في الحقيقة لا يكشف عن الزمان المحدّد للقيام بما قصده، باعتبار أنّه يكذب ولا يقصد فعله من الأساس، بل غاية ما قام به هو ذكر وعدٍ كاذبٍ؛ وهذا الأمر معهودٌ على نطاقٍ واسعٍ في شتّى المجتمعات البشريّة؛ إذ كثيرًا ما لا يقصد الناس فعل شيءٍ لكنّهم رغم ذلك يعدون غيرهم به[45].

تصوير الوحي بكونه ذا طابعٍ لغويٍّ معناه أنّ الكلام من حيث كونه مصدرًا لنقل المعارف والمعلومات يختلف بالكامل عن ذات النّقل الذي يترتّب عليه، فلكلّ واحدٍ منهما ماهيّته الخاصّة رغم ارتباطهما من جهةٍ معيّنةٍ، والوحي على هذا الأساس أوسع نطاقًا من الكلام. على سبيل المثال، عندما نعِدُ الآخرين بشيءٍ ما أو نطلب منهم فعل شيءٍ أو نأمرهم بذلك وإلخ من قضايا مشابهة، فنحن في الواقع نقوم بفعلٍ أوسع نطاقًا من مسألة نقل المعلومات؛ لأنّنا حين الوعد نلزم أنفسنا بفعل شيءٍ ما، وحين الطلب نريد من غيرنا فعل شيءٍ ما، وبالتالي لا يقتصر الموضوع هنا على نقل المعلومات من طرفٍ إلى آخر [46].

وولترستورف يقصد من هذا الكلام تفنيد رأي من اعتبر الوحي المفهوميّ من سنخ الكلام والعبارات اللغويّة؛ لأنّ الله ينقل مفاهيم ذات مداليل خاصّةٍ إلى النّاس في رحاب إيحائه للنبيّ، لكنّه خلال التكلّم إضافةً إلى نقل هذه المفاهيم فهو يقوم بفعلٍ آخر. وقد تطرّق إلى إثبات أنّ الوحي ليس من سنخ الكلام في أحد مؤلّفاته بإسهاب وتفصيل ليستنتج أنّ الوحي المفهوميّ ليس ذا طابعٍ لغويٍّ[47].

إذًا، المقصود من تكلّم الله تعالى هو قيامه بفعلٍ كلاميٍّ، لذا لا بدّ أن نعتقد به حرفيًّا، فحينما نقول «تكلّم الله» لا نعني من ذلك أنّه تكلّم مجازيًّا، بل كلامه حقيقيٌّ وواقعٌ؛ والجدير بالذّكر هنا أنّ بعض الباحثين من منطلق اعتقادهم بكون كلامه متعاليًا وذا شأنٍ رفيعٍ أكّدوا على ضرورة عدم الاعتقاد به حرفيًّا، باعتبار أنّ المقصود منه شيء مجازيّ لكون الكلام الحقيقيّ الذي يحمل على معناه الحرفيّ، لا يصدر إلّا من كائنٍ مادّيٍّ لديه فمٌ ولسانٌ وشفتان وحنجرة، بينما الله عزّ وجلّ منزّه من هذه الأعضاء المادّيّة[48].

فضلًا عن ذلك هناك إشكال آخر يمكن إضافته إلى ما ذكر، وهو أنّ تكلّم الله سبحانه وتعالى لم يحدث بصوتٍ مادّيٍّ، أي أنّه لا يكلّم النبيّ بجملٍ لفظيّةٍ مسموعةٍ؛ إذ لو كان الأمر كذلك لتمكّن سائر الناس من سماع صوته.

اعتبر نيكولاي وولترستورف نظريّة الأفعال الكلاميّة أفضل وسيلة للردّ على إشكالاتٍ كهذه؛ لكونها تستند إلى الفصل بين الفعل الكلاميّ والفعل ضمن الكلام (الإنجازيّ) والفعل التأثيريّ؛ لذا إن أردنا فهم كلام الله يكفينا التركيز على الفعلين الأوّل والثاني - الكلاميّ والإنجازيّ - بغضّ النّظر عن الفعل الثالث - التأثيريّ -، ومثال ذلك لو أمرني المتكلّم قائلًا «أغلق البابـ«، فهو حسب هذه النظريّة قام بفعلين مختلفين عن بعضهما بالكامل، ممّا يعني أنّ القيام بالفعل الأوّل يتمخّض عن حدوث الفعل الثاني بشكلٍ مستقلٍّ عنه، وذلك بأن يلفظ العبارة المذكورة باللّغة العربيّة أوّلًا، وبواسطة هذا اللفظ يطلب تنفيذ محتوى الكلام الذي هو هنا إغلاق الباب. من المؤكّد أنّ النّاطقين باللّغات الأخرى لديهم القدرة أيضًا على صياغة هذه الجملة، كلٌّ بلغته الخاصّة، كذلك يمكن التعبير عنها بأساليب أخرى غير الألفاظ، كما لو رسم صاحب الطلب صورةً يطلب فيها من مخاطبه أن يغلق الباب.

بناءً على ذلك عندما نقول «الله يتكلّم» نقصد من ذلك أنّه يقوم بفعلٍ ضمن الكلام - فعل إنجازيّ - وهذا هو واقع أوامره ووعده ووعيده، حيث يعلّمنا بهذه الأمور دون الحاجة إلى أن يوضّحها بأعضاء بدنيّةٍ[49].

نستنتج مسألتين أساسيّتين ممّا ذُكر:

المسألة الأولى: كلام الله ليس ذات الوحي المفهوميّ.

المسألة الثانية: يجب فهم كلام الله وفق معناه الحرفيّ والمداليل الحقيقيّة للألفاظ التي تبلور في رحابه.

أضاف وولترستورف مسألةً ثالثةً حينما قال إنّ الله يتكلّم عن طريق إنجاز نصّ مقدّس[50]، وهذا اصطلاحٌ خاصٌّ ذكره للدّلالة على مقصوده، فعندما يقال إنّ المتكلّم أو الكاتب ينجز نصًّا يراد من ذلك قيامه بفعل شيءٍ كي يُـنسب نصّ الكلام أو الكتابة إليه دون غيره، كما لو وقّع مدير في أسفل ورقةٍ مكتوب فيها قرار أصدره بخصوص موضوع مسؤوليّته؛ لأنّه بهذا التوقيع ينجز كلامه بشكلٍ عمليٍّ ويثبت أنّ النصّ عائدٌ له[51].

هذا الرأي الذي تبنّاه وولترستورف يمكن أن يوضّح ضمن تفاسير وتأويلاتٍ عديدةٍ لا يسع المجال هنا لبيان تفاصيلها، لكنّ خلاصة كلامه هو التأكيد على كون الوحي الكلاميّ موجودًا اليوم في النّصوص الدينيّة المقدّسة، لذا عندما يسعى أتباع بعض الديانات إلى استماع كلام الله لمعرفة أفعاله الكلاميّة - حسب الاصطلاح العلميّ -، فينبغي لهم قراءة هذه النّصوص.

الكتاب المقدّس برأيه يتضمّن نصًّا يعكس كلامًا ثنائيًّا (مزدوجًا) (double discourse)، ويقصد من ذلك أن يتحدّث شخصٌ بكلامٍ غيره، كما لو يكتب سكرتير المدير رسالةً على لسان المدير نفسه، والأخير بدوره يوقّع عليها فقط تأييدًا لمضمونها، فهذه الرسالة في الحقيقة تحكي عن قصد المدير؛ لأنّ ما كتبه السكرتير مجرّد وسيلةٍ لبيان هذا القصد؛ لذا لدينا عنصران هنا أحدهما تكلّم على لسان الآخر.

الكلام الثنائي يمكن أن يتحقّق في صورتين:

الصورة الأولى: أحيانًا يتكلّم الإنسان على لسان شخصٍ آخر أو نيابةً عنه أو باسمه، كما لو تحدّث سفير في أحد البلدان على لسان رئيس بلده، وهذه هي الصورة التي تبنّاها بنو إسرائيل إزاء أنبيائهم؛ إذ اعتبروهم ناطقين بلسان الله تعالى، أي أنّهم نائبون عنه في الأرض، بحيث لا تقتصر مهمّتهم على النطق باسمه تعالى، بل ينطقون ذات ما نطقه، ومن هذا المنطلق اعتبروا كلامهم وسيلةً لنقل كلام الله، وهذا هو الكلام المزدوج الذي يصطلح عليه كلام بالنيابة (deputized discourse)[52].

الصورة الثانية: الكلام المزدوج هو أن ينطق شخصٌ كلامًا وأنا بدوري أؤيّده وأقول "هذا هو قصدي بالتحديد" أو «هذا هو كلامي بذاته». أنا في هذه الحالة خصّصت نصّ المتكلم لنفسي، حيث تعيّن كلامي بتعيّن كلامه، وهو ما يُصطلح عليه التكلّم بالتخصيص (appropriated discourse).

الجدير بالذكر هنا أنّ بعض فقرات الكتاب المقدّس - التوراة والإنجيل - لا يمكن اعتبارها من كلام الأنبياء، فالمزامير على سبيل المثال فيها خطابٌ موجّهٌ من البشر إلى الله عزّ وجلّ، وليس منه إليهم، لذا لا يمكن اعتبار هذا النوع من النصوص كلامًا بالنيابة، وهذا ما أراده وولترستورف واعتبره كلامًا بالتخصيص.

الفيلسوف الفرنسيّ بول ريكور (Paul Ricoeur) استنتج ممّا ذكر أنّ الوحي ليس كلامًا للأنبياء، وإنّما نوعٌ من الكشف، بينما وولترستورف اعتبر هذا الرأي مغالطةً، وبرّر ذلك قائلًا: ليس من الضرورة أن يكون الوحي كلامًا للأنبياء بالنيابة عن الله، بل كلامهم من نوع التخصيص[53].

عادةً ما يوصف الكتاب المقدّس عند اليهود والمسيحيّين بأنّه كتاب الله، إلا أنّ هذا الكلام لا يعني كونه مجموعةً من الكتب الإلهيّة، فهو ليس كلام الله، حيث نجد فيه كلامًا للبشر خصّص لله، كذلك فيه كلام نيابيٌّ ذكره الأنبياء عن الله عزّ وجلّ.

ملاحظتان حول رأي وولترستورف

وضّح نيكولاي وولترستورف المقصود من الوحي وكلام الله الموجّه إلى البشر في الديانة المسيحيّة على ضوء مبادئ نظريّة الأفعال الكلاميّة، كذلك اعتمد على هذه النظريّة لبيان المقصود من ادّعاء أنّ الكتاب المقدّس كتاب الله، وفيما يلي نوضّح الموضوع ضمن نقطتين:

1) عرّف الفيلسوف البريطانيّ جون أوستين الأفعال الكلاميّة بأنّها أفعالٌ تُنجز في رحاب لغةٍ وألفاظٍ، وفي هذا السياق نوّه إلى إمكانيّة القيام بأفعالٍ مشابهةٍ لها بأسلوبٍ غير لغويٍّ، كما لو رسمنا صورةً نطلب على أساسها من المخاطَب أن يغلق الباب، ففي هذه الحالة لم يصدر منّا فعلٌ كلاميٌّ لكون كلّ فعل من هذا القبيل مشروطًا بقالبٍ لغويٍّ.

كما اعتبر وولترستورف كلام الله دالًا على المعنى الحرفيّ - اللفظيّ - الذي تبلور فيه، لكنّه مع ذلك أكّد على أنّ أفعاله الكلاميّة لا تتقوّم بالألفاظ، وفي هذا السياق حاول إثبات تنزّه الله سبحانه وتعالى من الأوصاف المادّية وعدم صواب تصوّر امتلاكه فمًا ولسانًا وشفتين وحنجرةً ينطق بها، لذا بادر إلى تفكيك نظريّة الأفعال الكلاميّة حسب أقسام الأفعال التي تتبلور خلال الكلام، وليس المعنى الذي يتبلور من الألفاظ؛ ويبدو من هذا التفكيك أنّ الأفعال التي قصدها هذا الفيلسوف ليست لغويّةً.

وممّا أكّد عليه أيضًا أنّ النطق اللفظيّ المتعارف لدى البشر يحدث عن طريق وسائلَ مادّيةً هي الفم واللسان والشفتين والحنجرة، لكنّ هذا لا يعني ضرورة امتلاك الله سبحانه وتعالى هذه الأعضاء كي يصدر منه كلام؛ لأنّه قادرٌ على بلورة الكلام بأساليب عديدةٍ دون الاعتماد على عضوٍ مادّيٍّ؛ لأنّ كلامه ينطبع في باطن النبيّ، لذلك لا يسمعه الآخرون.

إذًا، نظريّة الأفعال الكلاميّة برأيه تتقوّم على مسألة قيام المتكلّم بأفعالٍ في رحاب لغة وألفاظ، وهذا الرأي بكلّ تأكيد يتناغم مع تعاليم الديانة المسيحيّة لكون نصّ الكتاب المقدّس ليس منطوقًا بلسان الله تعالى.

2) الكتاب المقدّس هو كتاب الله حسب رأي وولترستورف، وهذا يعني ما يلي:

أ - الله قام بأفعالٍ كلاميّةٍ.

ب - بعض فقرات الكتاب المقدّس عبارة عن كلام ذكره الأنبياء نيابةً عن الله، وبعضها تخصيص - بالمعنى الذي أشرنا إليه - لكنّ هذا لا يعني أنّ ألفاظه هي ذات الألفاظ التي نطقها الله سبحانه وتعالى.

الجدير بالذكر هنا أنّنا أثبتنا في مبحث أسباب ظهور التجربة الدينيّة أنّ الكتاب المقدّس بذاته يدلّ على كونه ليس كلام الله حرفيًّا، وفي هذا السياق لا نرى بأسًا من الإشارة إلى ما ذكره الفيلسوف دون كوبيت (Don Cupitt) حينما تطرّق إلى بيان الخلاف الموجود بين الرؤيتين الدّينيّتين التقليديّة والعلميّة على صعيد نقد الكتاب المقدّس، حيث قال: «التقليديّون يعتبرون التوراة والإنجيل كتابين مقدّسين منزّلين من السّماء ومؤلّفهما الله بذاته، أي أنّهما كلام الله الموجّه إلى بني آدم؛ وعلى هذا الأساس فالأسلوب الأصحّ في تلاوته ومعرفة أسراره هو تلاوته بحضور قلب والاعتقاد بتعاليمه وفق أسس الإيمان التقليديّ.

لا شكّ في أنّ نقد هذه النّزعة التقليديّة ليس لائقًا لكونه يمسّ بمصداقيّة الكتاب المقدّس، ويُثير شكوكًا حوله، بحيث يجعل النّاس يعتبرونه من صياغة البشر وليس كلامًا صادرًا من الله.

الردّ الذي ذكره منتقدو التوراة والإنجيل على التقليديّين فحواه وجود اختلافٍ شاسعٍ بين الدين وبين الكتاب المقدّس، وفي هذا السياق أكّدوا على ضرورة عدم الجزم بصواب أحدهما وبطلان الآخر، بل لا بدّ من النظر إلى جميع النصوص المقدّسة برؤيةٍ تحليليّةٍ دقيقةٍ وبيان طبيعة تعاليمها وقيمها الدينيّة والأخلاقيّة وما فيها من معلوماتٍ تاريخيّة بأسلوبٍ صائبٍ، فضلًا عن ذلك فالإنجيل الموجود عند المسيح اليوم مصدره بشريٌّ، وقد طوى مراحل تاريخيّة متدرّجة خلال فترة تدوينه؛ لذا فهو ذو ارتباطٍ بحقبٍ زمنيّةٍ وبقاعٍ جغرافيّةٍ محدّدةٍ؛ لذا إن اعتبرناه مصدرًا معلوماتيًّا نعتمد عليه، فلا بدّ لنا في هذه الحالة من تقويمه بأسلوبٍ علميٍّ دقيقٍ، ونستقصي حقيقة مصادره مثلما نتعامل مع سائر الكتب التاريخيّة عندما نريد أن نجلعها مصادر مرجعيّة معتبرة.

الجدير بالذكر هنا أنّ الإنجيل على خلاف بعض الكتب المقدّسة من حيث امتزاج نصّه بكثير من الأساليب الأدبيّة، فهو لم يكن ذا طابعٍ مقدّسٍ في باكورة ظهوره، بل نصوصه عبارة عن مدوّناتٍ حُفظت من التلف وحظيت باحترام النّاس على مرّ الزّمان، ثمّ أضفت الكنيسة إليها طابعًا قدسيًّا.

إذًا، الإنجيل لم يكن كتابًا مقدّسًا منذ بادئ الأمر، بل التغييرات التاريخيّة هي التي أضفت إليه قدسيّةً، فالرسالة التي يقال إنّ بولس كتبها إلى أهل روميّة لا تدلّ في مضمونها على أنّها خطابٌ إلهيٌّ سرمديٌّ موجّهٌ إلى البشر؛ لذلك يقول ناقد الإنجيل إنّ قرائتي لنصّه هي الصحيحة وليست القراءة التقليديّة»[54]. تعليقًا على هذا الكلام نقول إنّ الحقّ مع أصحاب النّهج النقديّ بكون الرسالة التي يُقال إنّ بولس كتبها إلى أهل روميّة، لا تدلّ في مضمونها على أنّها خطابٌ إلهيٌّ سرمديٌّ موجّهٌ إلى البشر، ممّا يعني أنّ الكتاب المقدّس الموجود لدى المسيحيّين اليوم لا يتضمّن خطابًا إلهيًّا سرمديًّا، ومن هذا المنطلق فالمسيحيّة تواجه تحدّيًا جادًّا إذا ما تمّ تفسير الوحي بأنّه من أفعال الله الكلاميّة.

خلاصة البحث

يمكن تلخيص ما ذكرنا ضمن النقاط الآتية:

1) الوحي عبارة عن مفهومٍ أساسيٍّ في الأديان السماويّة، لكنّه لم يُطرح فيها على نسق واحد، فالمسيحيّون المعاصرون يعتبرونه تجليًا لله في شخصيّة النبيّ عيسى وتنزيلًا لحقائق من عنده تعالى، بينما الإسلام طرحه بشكلٍ آخر بمحوريّة القرآن الكريم.

2) الأديان متشابهةٌ فيما بينها من حيث الفكرة الأساسيّة، لكن مع ذلك لا يمكن ذكر تعريفٍ شاملٍ وجامعٍ لها، بل يمكن اعتبارها كأعضاء عائلةٍ واحدةٍ لا يشتركون فيما بينهم بميزات موحّدةٍ.

3) علماء اللاهوت الحديث تبنّوا ثلاث نظريّات على صعيد تفسير الوحي، هي:

- نظريّة المفاهيم

- نظريّة التجربة الدينيّة

- نظريّة الأفعال الكلاميّة

الوحي حسب نظريّة المفاهيم عبارة عن حقائق يتلقّاها النبيّ من الله عزّ وجلّ أو من ملَك مبعوث لهذا الغرض؛ لذا فهو ليس من سنخ الألفاظ اللغويّة، وتجربة الوحي متزامنة معه وليست ذاته، وتتقوّم بثلاثة أركان أساسيّة هي:

- الله

- النبيّ

- الرسالة.

4) الوحي المفهوميّ هو الفعل الدالّ على النجاح والإنجاز، حيث يتقوّم بثلاثة أركانٍ أساسيّةٍ هي:

- المرسِـل

- المتلقّي (المرسَـل)

- الرسالة

المقصود من مفاهيم الوحي حسب نظريّة المفاهيم تلك الحقائق التي يُلقيها الله عزّ وجلّ للنبيّ، وهي في الواقع ليست ذات طابعٍ لغويٍّ (كلاميّ).

5) الوحي على أساس نظريّة التّجربة الدينيّة عبارة عن مواجهةٍ تحدث بين الله والنبيّ، ورسالته تتمثّل في الأخبار التي يذكرها النبيّ بخصوص هذه المواجهة وعلى ضوء تفسيره لما حدث فيها، وهو هنا يتقوّم على ثلاثة أركانٍ أساسيّةٍ، وهي:

- الله

- النبيّ

- تجربة الوحي

هذه النظريّة طُرحت من قبل علماء اللاهوت الليبراليّ بهدف الإجابة عن بعض الإشكالات التي تُطرح على المسيحيّة.

6) نظريّة الأفعال الكلاميّة كما هو واضح من عنوانها فسّرت الوحي بمجموعةٍ من الأفعال الكلاميّة، وهي مقتبسةٌ من نظريّة الفيلسوف جون أوستين.

الوحي حسب هذه النظريّة يفسّر كما يلي:

- الله يلقي على النبيّ جملًا ذات مداليل معيّنةٍ بلغةٍ خاصّةٍ.

- هذه الجمل ذات مضامين لغويّة محدّدة مثل الأمر أو النهي أو الإخبار.

- الله على ضوء هذه الجمل يأمر النبيّ أو سائر الناس بأداء أفعالٍ معيّنةٍ.

7) نظريّة الأفعال الكلاميّة تطرح رأيين على الأقل في مجال الوحي، وهما:

الرأي الأوّل: الوحي ذو طابع لغويّ (كلاميّ) وعبارة عن ارتباطٍ دالٍّ يحدث بين الله والنبيّ في رحاب لغةٍ خاصّةٍ.

الرأي الثاني: الله يقوم بأفعال كلاميّةٍ ضمن هذا الارتباط اللغويّ.

الوحي على أساس هذه النظريّة يختلف جذريًّا عمّا هو مطروح في نظريّتي المفاهيم والتجربة الدينيّة.

8) المقصود من الوحي الكلاميّ ما كان ذا طابعٍ لغويٍّ وعلى أساسه يقوم الله بأفعال كلاميّةٍ، وهو يتقوّم بأربعة أركانٍ أساسيّة، وهي:

- الله

- النبيّ

- الفعل الكلاميّ

- الفعل ضمن الكلام (الفعل الإنجازيّ)

وأمّا الفعل التأثيريّ الذي يترتّب على الفعل الإنجازيّ، فهو لا يعتبر ركنًا من أركان الوحي؛ لأنّه خارجٌ عن ماهيّته.

9) مصطلح «التجربة الدينيّة» وفق المصطلح الحديث يمتاز بخمس خصائص أساسيّة هي:

أ - تلقّي شيءٍ بشكلٍ عمليٍّ ومباشرٍ.

ب - الشّعور بالشّيء ذاته الذي أحسّ به من خاض التجربة ذاتها سابقًا.

ج - عدم ارتكاز التجربة على المفاهيم والاستدلالات العقليّة.

د - التجربة الشّخصيّة لا تنتقل بذاتها إلى الغير.

هـ - التجربة ذات طابعٍ شخصيٍّ وتختصّ بمن خاضها.

10) المقصود من الوحي وفق ما هو مطروح في نظريّة التجربة الدينيّة هو أنّه مجرّد تجربةٍ دينيّة تتقوّم بثلاثة أركانٍ أساسيّةٍ هي:

- الله

- النبيّ

- تجربة الوحي

النبيّ على هذا الأساس يخوض تجربة وحي ضمن مواجهةٍ مع الله.

11) نظريّة التجربة الدينيّة بصيغتها المعاصرة تبلورت في رحاب علم اللاهوت الليبراليّ، وهناك ثلاثة عوامل أساسيّة ساهمت في ظهورها هي:

العامل الأوّل: هزيمة اللاهوت العقليّ (الطبيعيّ) (natural theology) في الأوساط المسيحيّة.

العامل الثاني: رواج فكرة التّعارض بين العلم والدين.

العامل الثالث: انتعاش حركة نقد الكتاب المقدّس.

12) علماء اللاهوت المسيحيّون حاولوا وضع حلول لمشاكلهم العقديّة على ضوء طرح نظريّة التجربة الدينيّة، إلا أنّهم أخفقوا في مساعيهم هذه بسبب السلبيّات التالية التي تردِ على نظريتهم هذه:

أ - تحول دون اطّلاع الناس على حقائق الوحي.

ب - تتعارض مع ما تدعو إليه الأديان السماويّة.

ج - لا تتناغم مع تأريخ الأديان السماويّة.

د - لا يمكن فهمها إلا إذا فسّرت من قبل النبيّ نفسه.

هـ - تتقوّم على الفصل بين التفسير والتجربة.

13) الفيلسوف المعاصر رودولف أوتو تطرّق إلى تدوين بحوثٍ حول تجارب الأنبياء، ومن جملة النتائج التي توصّل إليها أنّ الدين ذو ارتباطٍ بما وصفه بالأمر القدسيّ "نومين" (numen)، وهو برأيه ذو عناصر عقليّةٍ وغير عقليّةٍ، والتجربة النومينيّة على هذا الأساس هي جوهر الدين ومغزاه الحقيقيّ، لذا فالأنبياء خاضوا تجارب من هذا النّوع.

14) نظريّة الأفعال الكلاميّة تبلورت في الأوساط اللاهوتيّة المسيحيّة على ضوء آراء الفيلسوف جون أوستين اللغويّة، حيث يعتقد أنّ المتكلّم يقوم بثلاثة أفعال حينما ينطق كلامه، وهي:

- الفعل الكلاميّ

- الفعل ضمن الكلام (الفعل الإنجازيّ)

- الفعل التأثيريّ.

المصادر والمراجع العربية

1- القرآن الكريم

2- الشريف الرضيّ، نهج البلاغة، الخطبة رقم 147.

3- دون كوبيت، درياي ايمان (باللغة الفارسيّة)، ترجمه إلى الفارسيّة حسن كامشاد، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، طهران، منشورات كامشاد، 1997م.

4- إيان بربور، علم ودين (باللغة الفارسيّة)، ترجمه إلى الفارسيّة بهاء الدين خرمشاهي، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، طهران، منشورات مركز النشر الجامعيّ، 1983م.

5- علي رضا قائمي نيا، تجربه ديني وگوهر دين (باللغة الفارسية)، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، قم، منشورات مركز الإعلام الإسلاميّ، 2002م.

6- مرتضى مطهري، نبوت (باللغة الفارسيّة)، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، سلسلة البحوث النقديّة التي أُقيمت في نقابة الأطباء الإسلاميّة.

7- وليام هوردون، راهنماي إلهيات پروتستان (باللغة الفارسيّة)، ترجمه إلى الفارسيّة طاطه وس ميكائيليان، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، طهران، منشورات دار العلم والثقافة، 1989م.

8- وليام هوردرن، دليل اللاهوت البروتستانتيّ.

المصادر والمراجع الأجنبية

9- https://ar.wikipedia.org/wiki/نظريّة_الاستذكار_الأفلاطونيّة

10- Emmanuel Steven M. , Kierkegaard & the concept of revelation.

11- Don Cupitt, Mysticism after modernity.

12- Louis Breakoff, Systematic theology.

13- Davis Charles, Religion and the making of society.  

14- Rudolf Otto, The idea of the Holy, translated by John W. Harvey.

15- Philip C. Almond, Rudolf Otto: An introduction to his philosophical theology.

16- John Austin, How to do things with words. 

17- Nicholas wolterstorff, “The importance of Hermeneutics for a Christian world view” in Disciplining Hermeneutics, ed. By Roger Lundin.

18- Nicholas wolterstorff, Divine discourse: Philosophical reflections on the claim that God speech.

19- Idem, The importance of Hermeneutics for a Christian worldview.

20- Gilbert Ryle, The concept of mind.

21- Richard Swinburne, Revelation.

---------------------------------

[1]*ـ باحث في الفكر الديني ـ إيران.

ـ هذه المقالة هي الفصل الأوّل للكاتب بعنوان: (الوحي والأفعال الكلاميّة: نظريّة الوحي الكلاميّ)، وقد صدر عن مؤسّسة طه الثقافيّة للنشر، قم - إيران-  2018م.

ـ ترجمة: د. أسعد مندي الكعبي.

[2]- Richard Swinburne, Revelation, p. 2.

[3]- الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة رقم 147.

[4]- سورة فصلت، الآية 42.

[5]- Gilbert Ryle, The concept of mind, pp. 143 - 153.

[6]- Davis Charles, Religion and the making of society, pp. 96 - 97.

[7]- Ibid, pp. 96 - 97.

[8]- مصطلح تجربة الوحي يطلق على مفهوم آخر يختلف عمّا ذكرنا في النصّ.

للاطلاع أكثر، راجع: علي رضا قائمي نيا، تجربه ديني وگوهر دين (باللغة الفارسيّة)، الجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة، قم، منشورات مركز الإعلام الإسلاميّ، 2002م، ص 58 - 61.

[9]- مرتضى مطهري، نبوّت (باللغة الفارسيّة)، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، سلسلة البحوث النقديّة التي أقيمت في نقابة الأطبّاء الإسلاميّة، ص 85.

[10]- م.ن، ص 85 - 86.

[11]- وليام هوردون، راهنماي الهيات پروتستان (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسيّة طاطه وس ميكائيليان، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، طهران، منشورات دار العلم والثقافة، 1989م، ص 97.

[12]-  Emmanuel Steven M. , Kierkegaard & the concept of revelation, p. 62.

[13]- يقصد بالاستذكار في الفلسفة نظريّة الاستذكار الأفلاطونيّة (بالإنجليزيّة: Platonic Reminiscence)‏ وهي نظريّة إبستيمولوجيّة طوّرها الفيلسوف أفلاطون محاولًا شرح مصادر المعرفة أو التصوّرات، وتقسم الوجود الإنسانيّ إلى وجود مثاليّ وآخر مادّيّ، النفس في الوجود المثاليّ هي التي تعرف تصوّرات الأشياء، ولكن عندما نزلت من العالم العلويّ «مثال» إلى العالم المادّيّ والتحمت بالبدن، فَقَدت بذلك المعارف وأصبح الإنسان يعرف الأشياء باستذكار - استرجاع - ما عرفته النفس في الوجود المثاليّ عن طريق الإحساس بالمعاني الخاصّة والأشياء الأوليّة. (المترجم)

المصدر: https://ar.wikipedia.org/wiki

[14]- Emmanuel Steven M. , Kierkegaard & the concept of revelation, p. 62.

[15]- Ibid.

[16]- Ibid, p. 63.

[17]- Ibid.

[18] Don Cupitt, Mysticism after modernity, p. 15.

[19]- للاطلاع على تفاصيل هذا الموضوع ومعرفة شتّى المعاني التي يدلّ عليها مصطلح «تجربة»، راجع: على رضا قائمي نيا، تجربه ديني وگوهر دين (باللغة الفارسيّة)، ص 24.

[20]- علي رضا قائمي نيا، تجربه ديني وگوهر دين (باللغة الفارسيّة)، ص 25 - 26.

[21]- علي رضا قائمي نيا، تجربه ديني وگوهر دين (باللغة الفارسية)، ص 25 - 26.

[22]- للاطّلاع على معلومات أكثر حول اللاهوت الليبراليّ، راجع: وليام هوردرن، دليل اللاهوت البروتستانتيّ، ص 63 - 93.

[23]- Louis Breakoff, Systematic theology, p. 121.

[24] وليام هوردرن، دليل اللاهوت البروتستانتيّ، م.س، ص 94.

[25]- دون كوبيت، درياي ايمان (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسيّة حسن كامشاد، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، طهران، منشورات كامشاد، 1997م، ص 67.

راجع أيضًا: إيان بربور، علم ودين (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسيّة بهاء الدين خرمشاهي، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، طهران، منشورات مركز النشر الجامعي، 1983م، ص 17 - 67.

[26]- وليام هوردرن، دليل اللاهوت البروتستانتيّ، م.س، ص 37.

[27]- وليام هوردرن، دليل اللاهوت البروتستانتيّ، م.س، ص 38.

[28]- إيان بربور، علم ودين (باللغة الفارسيّة)، ترجمه إلى الفارسيّة بهاء الدين خرمشاهي، ص  17 - 67.

[29]- Davis Charles, Religion and the making of society, p. 99.

[30]- سورة الأنبياء، الآية 25.

[31]- سورة النحل، الآية 123.

[32]- سورة يوسف، الآية 102.

[33]- Rudolf Otto, The idea of the Holy, translated by John W. Harvey, pp. 1 - 3.

[34]- Philip C. Almond, Rudolf Otto: An introduction to his philosophical theology, p. 55.

[35]- Ibid, pp. 56 - 57.

[36]- Rudolf Otto, The idea of the Holy, pp. 12 - 23. 

[37]- Ibid, pp. 72 - 81.

[38]- John Austin, How to do things with words, pp. 92 - 98.

[39]- Ibid, pp. 104 - 105 & 120.

[40]- Ibid, pp. 98 - 100.

[41]- Ibid, pp. 116 - 117. 

[42]- Ibid, p. 102.

[43]- يمكننا توضيح هذا الموضوع على ضوء القول الفلسفيّ «التقيّد داخل في الموضوع والقيد خارج عنه»، لذا حينما نعتبر تجربة الوحي بمعنى تكلّم الله، فالتقيّد هنا داخل في «الكلام والأفعال الكلاميّة» لكن نفس «الأفعال الكلاميّة» لله والتي هي في الواقع قيد، تعدّ خارجةً من موضوع الوحي.

[44]- سورة الكهف، الآية 110.

[45]- Nicholas wolterstorff, “The importance of Hermeneutics for a Christian world view” in Disciplining Hermeneutics, ed. By Roger Lundin, pp. 29 - 30.

[46]- Ibid.

[47]- Nicholas wolterstorff, Divine discourse: Philosophical reflections on the claim that God speech, pp. 19 - 37.

[48]- Idem, The importance of Hermeneutics for a Christian worldview, p. 30.

[49]- Ibid, p. 31.

[50]-  Ibid.

[51]- Nicholas Wolterstorff, Divine discourse, pp. 41 - 42.

[52]- Ibid, pp. 42 - 44.

[53]- Ibid, pp. 51 - 52.

[54]- دون كوبيت، درياي ايمان (باللغة الفارسيّة)، ص 109 - 110.