البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

July / 13 / 2021  |  203التغريب بما هو الوجه الآخر للهيمنة الغربيّة حقبة الخلافة العثمانيّة نموذجًا

هاشم الميلاني المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية ربيع 2021 م / 1442 هـ
التغريب بما هو الوجه الآخر للهيمنة الغربيّة حقبة الخلافة العثمانيّة نموذجًا

تتناول هذه الدراسة واحدة من أبرز القضايا الإشكاليّة التي لا تزال تعصف بالفكر الإسلاميّ منذ أكثر من قرن مضى، عنينا بها قضيّة التغريب وما ينجم عنها من آثار وتداعيات ثقافيّة وحضاريّة على بنية مجتمعاتنا المعاصرة.

في هذه الدراسة للباحث في الفكر الإسلاميّ السيد هاشم الميلاني سنقرأ مقاربة معمَّقة لمفهوم التغريب في بواعثه المعرفيّة والسوسيولوجيّة، ومصادره التاريخيّة، فضلًا عن بيان العلاقة شديدة الحساسيّة والتعقيد بين العالم الإسلاميّ والظاهرة الاستعماريّة. ولعلّ ما يكسب الدراسة أهمّيّتها هو اعتماد الباحث حقبة الخلافة العثمانيّة حقلًا تطبيقيًّا لتأصيل مفهوم التغريب والنظر إليه كظاهرة تاريخيّة هي من أبرز وأخطر ظواهر الهيمنة الاستعماريّة على مجتمعاتنا الإسلاميّة.

المحرِّر


«إنّ ما قد بلغته الروح الغربيّة في الشرق من سعة الانتشار وشدّة التأثير، هما من الأهمّيّة بحيث لو أردنا الكلام عليه تفصيلًا استغرق ذلك المجلّدات الضخام»[1].

لماذا السؤال عن الغرب والاهتمام به، وهو الأمر الذي ربّما لم يكن ذا بال قبل عدّة قرون؟.. وللإجابة لا بدّ من مراجعة الذاكرة وقراءة الماضي القريب، حيث راح العالم الإسلاميّ ينحدر بعد ما كان في الصدارة والتألّق، وبات يعيش رويدًا رويدًا على هامش الغرب فكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا بعد أن كان رائدًا ومتقدّمًا، منذ ذلك الحين بدأ يتولّد ما عُرف بسؤال النهضة عند النخب الإسلاميّة: «لماذا تأخّر المسلمون وتقدّم عليهم غيرهم؟».

وجواب سؤال النهضة كامن في السؤال الأوّل الذي طرحناه في مستهلّ البحث، إنّنا تأخّرنا إذ لم نُسائل الغرب ولم نحاكمه، وزعمنا أنّه سبب التقدّم والرقي لو اقتفينا أثره حذو القذّة بالقذّة، بل الأمر على العكس إذ سبب تأخّرنا هو الغرب نفسه. بيان ذلك أنّ علاقة العالم الإسلاميّ مع العالم الغربيّ قبل ثلاثة قرون تقريبًا، كانت علاقة تفوّقٍ في كثير من المجالات، أو علاقة الندّ للندّ، وإذا سردنا أبرز المعالم الحضاريّة، لرأينا ذلك عيانًا، فالتقدّم العلميّ والمعرفيّ والثقافيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ وغيرها من الأمور، كان للعالم الإسلاميّ، كما أنّ النظام السياسيّ والاقتصاديّ لم يكن يختلف كثيرًا بين الشرق والغرب، ففي الشرق يحكم الملك وفي الغرب يحكم الإمبراطور، وفي الشرق يكون الاعتماد على الزراعة وتربية المواشي والحرف اليدويّة وكذلك في الغرب، وإذا كان ثمّة تفوّق في مكان، كان الاعتماد على تبادل الخبرات والعلوم، فالإنسان بطبيعته يقتبس ويتعلّم ليتطوّر ويسدّ حوائجه المادّيّة، وهذا هو دأب نموّ الحضارات وتبادلها فيما بينها.

يشير المؤرّخ العثمانيّ أحمد جودت إلى أنّ الغرب انتفع من خلال الحروب الصليبيّة من العالم الإسلاميّ انتفاعًا عظيمًا: «فإنّ العلوم والفنون والصنائع في ذلك العصر كانت بأعلى درجة في استنطبول ومصر، فتعلّم الإفرنج فيهما أشياء كثيرة، واشتروا عدّة كتب روميّة وسريانيّة وعربيّة، وأخذوها إلى أوروبا واجتهدوا في مطالعتها... وصاروا ينشرون في جهات أوروبا بعض العلوم التي نقلت من بلاد العرب إلى أسبانيا وشاعت بين أهل الإسلام، كالطبّ والكيمياء وعلم النباتات والحساب والهندسة والمنطق.. ومن ذلك الوقت ظهر لعالم الوجود كلّ ما كان غير معروف في أوروبا من أنواع النبات والأمتعة»[2]، كما أنّ المؤرّخ الغربيّ إيان موريس عندما يصف تقدّم الغرب في الآونة الأخيرة يقول: (لم تكن ريادة الغرب محتومة في الماضي البعيد، فلأكثر من ألف سنة، بدءًا من حوالي 550م إلى عام 1775م أحرزت المناطق الشرقيّة نتائج أعلى)[3]، وأضاف قائلًا: (في عام 1776م كان الشرق والغرب لا يزالان متعادلين)[4]، وأكثر من هذا (فإن ّ أوروبا القرن الثامن عشر تستورد على نطاق جدّ واسع  منتجات من المصنوعات الآسيويّة، خاصّة مصنوعات الهند، فالأقمشة القطنيّة الشهيرة المسماة بالقطنيّات الهنديّة تغرق السوق الأوروبيّة)[5]، فالعالم الإسلاميّ كان يتقدّم ويتطوّر بنحو طبيعيّ، يؤثّر ويتأثّر، يأخذ ويعطي، يُعلّم ويتعلّم، وكان الأمر جاريًا على هذا المنوال طول القرون الماضية، غير أنّ الغرب بعدما نهض أراد أن يسيطر على العالم ليبقى الجهة المستفيدة الوحيدة، ليكون هو المركز والباقي أطرافًا، فقطع صلة التّواصل والتبادل وحارب الشرق للحيلولة بينه وبين سُبُل الرقيّ والتقدّم الحقيقيّة، ولم يفسح له منها بشيء إلّا بما يدرّ عليه الأرباح وينفعه في خططه الإمبرياليّة والاستعماريّة.

فسبب التخلّف كما يراه إيف لاكوست الجيوسياسيّ البارع هو الاستعمار الذي مارسته دول الشمال حيال هذه الدول منذ القرن التاسع[6]، مضافًا إلى ما يشير إليه المستشرق الأمريكيّ ستودارد (1883-1950) إلى وجود تخوّف حقيقيّ عند طبقة مفكّري الغرب بأنّ الشرق لو حاز على رؤوس الأموال، فسوف يسبق الغرب اقتصاديًّا[7].

إذًا عندما نرجع مرّة أخرى إلى سؤال النهضة، نرى أنّ سبب تأخّرنا ليس الدين ولا التراث ولا التقاليد والأعراف القديمة، بل إنّ سبب تأخّرنا الوحيد هو الغرب ذاته، وما استخدمه من أخبث الوسائل للإطاحة بنا ولاستعمارنا، ليبقى هو الأعلى وهو المتفوّق الوحيد؛ ففي «القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كان التطوّر في هذه المجتمعات[أي الإسلاميّة] قد انحرف جرّاء التدخّل الأوروبيّ»[8].

هذا ماذكره واعترف به المستشرقون أنفسهم، وقد تنبّه إليه غير واحد من المسلمين أيضًا، فقد قال محمّد لطفي جمعة إنّ «أوروبّا تريد اغتيال الشرق واستغلاله والقضاء على مصادر الحياة فيه وتسخيره لأغراضها حتّى في محاربة أعدائه»[9]

ونحوه ما يذكره شكيب أرسلان في خصائص الغرب الاستعماريّ: «أنّ الأوروبيّ بمقتضى فطرته لا يطيق وجود غيره، ولا يرى إذا ساد حقًّا إلّا لنفسه، فهو لا يقف بمجرّد الوجدان كما يقف المسلم عن استقصاء حقوق من يستولي على بلاده، بل إذا وقف لا يقف إلّا بسبب قوّة تصادمه، أو بسبب موازنة يترجّح بها عنده نفع الوقوف على ضرره. فأمّا إذا وجد نفسه قادرًا أن يفعل ولا يلحق به ضرر، فإنّه قلّما يتوقّف عن هضم حقوق الذين تغلّب عليهم إلّا نادرًا»[10].

ويشير أيضًا محمّد فريد بك إلى أنّ «كلّ وعود الأجانب للشرقيّين وعود عرقوبيّة، وسراب كاذب يحسبه الظمآن ماء، وأنّ إظهارهم لنا الولاء والصداقة لم يكن إلّا لنوال أمانيهم والفوز بغاياتهم، فالعاقل من لم يتمسّك بذيل وعودهم، ولا يخالج فكره أنّ دولة أوروبيّة تودّ خيرًا أو تبغي صلاحًا لدولة أو أمّة شرقيّة مطلقًا»[11]. ويضيف قائلًا: «ومن الغريب أنّ جميع دول أوروبا لا تأنف من استعمال أنواع الغشّ والخديعة في سياستهم، حتّى صارت لفظة سياسة عندهم مرادفة للكذب والمين والتظاهر بغير الحقائق»[12].

التغريب:

من أهم أسباب سيطرة الغرب على العالم الإسلاميّ، هو أداة التغريب، حيث يُستعان بها على هدم البناء من خلال النخر في أسسه ومبانيه، وإلباس المجتمع لباسًا آخر، وكلّ ذلك بأيادٍ محلّيّة ووطنيّة. ولأجل الوقوف على هذه الأداة ومعرفة طرق فاعليّتها نتطرّق إليها من خلال فحص تطبيقيّ في إحدى أكبر إمبراطوريّات العالم الإسلاميّ، ألا وهي الإمبراطوريّة العثمانيّة، لنرى كيف جرى تفكيكها والسيطرة عليها من خلال تغريبها، بعدما كانت أعظم قوّة في العالم أجمع.

وسنبحث الموضوع ضمن إطارين:

الإطار النظريّ، ونبحث فيه عن معنى التغريب وعوامله.

الإطار العمليّ، ونبحث فيه عن بعض المعالم التغريبيّة الحاصلة في لمجتمع العثمانيّ. 

الإطار النظريّ:

التغريب لغة من باب التفعيل يأتي بمعنى التّشبيه أو الدلالة على التكثير أو نسبة المفعول إلى الفاعل.

والتغرّب لغة من باب التفعّل يأتي أيضًا بمعنى التلبّس والصيرورة والمطاوعة.

وكلا المصطلحين: (التغريب-التغرّب) في معناهما الاصطلاحيّ يدلّان على التشبّه بالغرب، أو التلبّس به ومطاوعته والصيرورة مثله، فالتغريب اذًا أن يصبح المرء متشبّهًا بالغرب ومتلبّسًا ومنبهرًا به.

يقول أنور جندي في معنى التغريب: «التغريب في أبسط مفهوم هو: حمل المسلمين والعرب على قبول ذهنيّة الغرب، وغرس مبادئ التربية الغربيّة في نفوس المسلمين حتّى يشبّوا مستغربين في حياتهم وتفكيرهم، وحتّى تجفّ في نفوسهم موازين القيم الإسلاميّة»[13].

ويصف جلال آل الحمد التغريب بقوله: (مجموعة الأعراض التي تطرأ على حياتنا في جوانبها الثقافيّة والحضاريّة والفكريّة من دون أن يكون لها أيّ جذور في التراث، أو أيّ عمق في التاريخ، وبدون أن يكون دخولها تدريجيًا يسمح بالاستعداد لها.... وإنما تداهمنا دفعة واحدة، تقول لنا: أنا هدية الآلة إليكم. التغريب إذن مؤشّر حقبة من تاريخنا لم نضع فيها اليد على الآلة، ولم تكن لنا معرفة بنظامها وبنائها، ولم تتوافر خلالها على مقدمات الآلة، أي العلوم الحديثة والتكنولوجيا. والتغريب بعد ذلك: خصوصيّة فترة من تاريخنا اضطررنا فيها تحت وطأة جبر السوق والاقتصاد وتداول النفط، إلى استيراد واستهلاك الآلة[14]، فالتعريف الأوّل اقتصر على التغريب الثقافيّ، أمّا الثاني فحدّد البعد التقنيّ والتكنولوجيّ والتبعيّة فيه، والحال أنّ التغريب له وجوه متعدّدة ولا يقتصر على بعد أو بعدين، كما أنّ مطاع صفدي جعل التغريب هدفًا للسيطرة السياسيّة، حيث يقول: (كان مبدأ تدمير الثقافات الذاتيّة الخاصّة بالشعوب المستعمرة وإلباسها النمذجة التغريبيّة المسلوخة في مضمونها المعرفيّ والتقنيّ الأصليّ، أساسًا لزعزعة الاستقلال الوطنيّ لهذه الشعوب)[15].

وعمليّة التغريب هذه تعدّ من أهمّ أسباب هيمنة الغرب على العالم الإسلاميّ، وكانت الدول المستعمرة تضع الخطط والبرامج للتوسّع في ذلك، وهذا ما يعترف به المستشرق الأميركيّ ستودارد بكلّ صراحة، إذ يقول: «وقد كان من ديدن الحكام والمتسلّطين الغربيّين أنّهم متى قبضوا على أعنّة الحكم في بلاد شرقيّة يشرعون بمقتضى الضرورة في نشر المؤثّرات والعوامل الغربيّة جاهدين في تقريب متناولها.

وفي ذلك أسباب: ففي المقام الأوّل كانت الدولة المتسلّطة ترى من مصلحتها أن تحمل السكّان على طأطأة رؤوسهم لها وانقيادهم إلى حكمها وأمرها، وأن تسعى في توفير أسباب العمران المادّيّ، وصيانة السلم والأمن، لكي يتسنّى لها بذلك كلّه الانتفاع واستدرار الخيرات وابتزازها.. ولكن هذه الحكومات الغربيّة لم تقصر همّها على الترقية المادّيّة فحسب، بل سعت في سبيل ترقية الأمم الداخلة في حكمها الترقية الاجتماعيّة والعقليّة والأدبيّة»[16].

«وإذا ما قام المرء بفحص دقيق للعالم الإسلاميّ، لرأى المؤثّرات الغربيّة في جميع مفاصل الحياة الاجتماعيّة والدينيّة والثقافيّة والسياسيّة للفرد المسلم، حتّى أنّ بعضهم ذهب شططًا وتغربن نهائيًّا، «فباتوا لا يكترثون لشأن من شؤون الدين الذي ولدوا فيه، ولا يهابون المصارحة بالتعطيل والإلحاد، فتلاشت في نفوسهم حرارة الإسلام، وذهبت منهم عصبيّة الإيمان»[17].

ومن الطريف ما وصف به محمّد لطفي جمعة الشرقيّ المتغربن بقوله: «فإنّه إذا كان يلبس الملابس الإفرنجيّة فهو من رأسه إلى أخمص قدميه مجهّز من أوروبا، فطربوشه من النمسا، وقميصه من فرنسا، وربطة عنقه من إيطاليا، وزراريره من تشيكوسلوفاكيا، وقماش بدلته من شفليد أو برمنجهام أو ولفرهامبتون وجواربه من أميركا أو لندن، وحذاؤه من إنجلترا أو سويسرا، وثيابه التحتانيّة الصوفيّة منها والقطنيّة من ألمانيا واليابان، ولم يبق بعد ذلك إلّا صورة اللحم والدم، والله أعلم كم من الأمم اشتركت في تكوينها، دع عنك عاداته الأخرى اليوميّة، فهو يركب في سيارة إنجليزيّة أو فرنسيّة، ويشرب مشروبًا اسكتلنديًّا، ويدخّن سجائر من هولندا، ويقبض على عصا مصنوعة في يوجوسلافيا»[18]. ووصل الأمر في تركيا إلى حدّ ظهر فيها تيّار سمّاه المؤرّخ التركيّ يلماز بالتيّار الرومانطيقيّ وهم يقولون: «بأفضليّة كلّ شيء أوروبيّ، وإنّ كلّ شيء تركيّ، عثمانيّ، ويجوز إسلاميّ، هو فاسد، كما إنّهم يتنكّرون للتاريخ التركيّ والعثمانيّ والإسلاميّ»[19].

عوامل التغريب

والتغريب هذا لم يولد في العالم الإسلاميّ فجأة ومن دون أسباب وعوامل، بل تظافرت مجموعة عوامل أدّت إليه، مع الالتفات إلى أنّ التغريب كان يختلف سعة وضيقًا بين حين وآخر، فتارة يشتدّ إذا تظافرت واتحدت جميع الأسباب والعوامل، وتارة يخف إذا قلّت الأسباب والدواعي، واذا نشطت سائر الحركات والتيّارات المناهضة للغرب، حتّى أنّ الشخص الواحد ربّما كان متغربنًا في برهة من حياته، غير أنّه يتراجع في أخريات حياته وتنكشف له الحقيقة[20]، كما هو الحال عند زكي نجيب محمود[21]، وغيره من المفكّرين.

وفيما يلي نشير إلى أهمّ العوامل في نشر التغريب، مع تركيزنا على الإمبراطوريّة العثمانيّة كنموذج لذلك:

جهاز الدولة

لا يخفى أنّ جهاز الدولة (السلطان أو الرئيس أو الوزراء) لما يملك من قوّة ومال، كفيل بأيّ تغيير يطرأ على المجتمع، وقد ورد عن أمير المؤمنين  قوله: «إذا تغيّر السلطان تغيّر الزمان»[22]. وبخصوص بحثنا فإنّنا نرى أنّ جهاز الدولة كلّما كان متغربنًا أدّى ذلك إلى سرعة حركة التغريب في البلاد.

إنّ الحكّام والملوك العثمانيّين كغيرهم، كانت تحكمهم المصالح قبل كلّ شيء، بحيث أصبحت المصالح الشخصيّة والحفاظ على الملك في الدرجة الأولى من الأهمّيّة وفوق جميع القيم، وكم قرأنا في كتب التاريخ من قتل الأولاد أو الإخوان أو الأرحام لأجل البقاء في الملك! وهذا ما تنبّه إليه حتّى المستشرقون، حيث يقول جيرمي سولت: (والواقع أنّه خلال حكم الممالك الإسلاميّة الكبرى، كانت العقائد والمبادئ دائمًا في الدرجة الثانية بعد مصلحة الحاكم والدولة والمشرّعين والفقهاء في المؤسّسات الدينيّة الذين كانوا يتشاورون ويستفتون، لتبرير شرعيّ لأيّ أمر قضى به الحاكم أو أراد القيام به، وأيّ عالم يتجاسر على إبداء رأي الشرع في أمر لا يريد الحاكم سماعه، قد يعدم بقطع رأسه)[23].

هذه المصلحة كانت تربط الدولة العثمانيّة مع جيرانها من جهة الغرب، فكانت تحصل بينهم روابط أسريّة وتزاوج، أو عقد معاهدات تجاريّة أو سياسيّة، وكانت الأمور تجري بشكل طبيعيّ، ولم تخرج عن طورها ولم تصل إلى مرحلة الانبهار والتغربن إلّا بعدما تفوّق الغرب وحاول بث هيمنته وسيطرته بكلّ وسيلة.

من هنا نرى بعض ضعاف النفوس من سلاطين الدولة العثمانيّة، وكذلك بعض الوزراء سيّما الصدر الأعظم كان أداة فاعلة في غربنة الدولة والمجتمع، علمًا بأنّ الانفتاح على الغرب بدأ مبكرًا عند سلاطين الدولة العثمانيّة، فمع قطع النظر عن مسألة التزاوج بين الأمراء العثمانيّين في القرن الرابع عشر وبين حكّام الغرب وأمرائه، يذكر لنا التاريخ أنّ السلطان محمّد الثاني (1432-1481) يُنسب إليه ترتيب الحكومة على أنظمة جديدة، ووضع أوّل مبادئ القانون المدنيّ وقانون العقوبات[24].

ثمّ إنّ السلطان سليمان القانونيّ (1494-1566) عندما فتح بلاد المجر أخذ معه إلى تركيا الكتب التي كانت موجودة في خزائن متياس كورفن[25]، مما كانت سببًا في الاطّلاع على ثقافة الغرب والاقتباس منه.

أمّا السلطان سليم الثالث (1789-1807) فإنّه كان «يستلهم أوروبا بقصد أخذ تكنولوجيّتها العليا، وكلّ الذين جاؤوا بعده قلّدوه... استقدم من أوروبا الضباط والمهندسين والبحريّين، ألبس الجيش ملابس بطراز مستنبط من اللباس الأوروبيّ»[26].

ثم إنّه كان «يرغب في تكوين دراية بنظم الحكم الأخرى في العالم، خاصّة في فرنسا... كما أنّه أوّل سلطان عثمانيّ يرسل سفراء دائمين إلى العواصم الأوروبيّة... ويعتبر سلطان سليم الثالث نصيرًا للانفتاح على الغرب، وبشكل أخصّ على فرنسا التي يحترم ثقافتها»[27].

أمّا السلطان محمود الثاني (1785-1839) فإنّه ارتدى الملابس الأوروبيّة، وسكن في قصر دولما باختشي المبنيّ على طراز النموذج الغربيّ، وتنقّل في عربة وأدخل الموسيقى الغربيّة إلى البلاط وإلى الجيش، وقد اقتدى به الموظّفون الحكوميّون والوجهاء ولبسوا الزيّ الأوروبيّ، وأصبحت اللغة الفرنسيّة علامة الحضارة[28].

وقد وصفه الدبلوماسيّ الفرنسيّ في الدولة العثمانيّة انكه لهارد بقوله: (وقد أسرف في التقليد الأعمى للدول الأجنبيّة من حيث ملبسه وعاداته)[29].

أمّا السلطان عبد العزيز الأوّل (1830-1876)، فإنّه أوّل من زار أوروبا من سلاطين الدولة العثمانيّة وذلك عام 1867م، واستغرقت الرحلة 46 يومًا، زار فيها فرنسا ولندن وغيرهما، وفي لندن أكل الطعام مع الملكة وذهب معها إلى المراقص والمسارح[30].

وقد تطوّر الأمر عند السلطان مراد الخامس (1840- 1904)، فدخل الماسونيّة عام (1867م) بشكل رسميّ، وكان مدمنًا على الشرب، وأصبح آلة بيد إنكلترا والوزراء الذين يلعبون لعبة المشروطيّة[31].

أمّا السلطان عبد الحميد الثاني (1842-1918)، فإنّه رغم استبداده السياسيّ وتركه النظام اللليبراليّ السياسيّ، فقد كان من أكبر أنصار التحديث في سائر المجالات[32].

فإنّه أرسل مئات من الضباط والأطباء والمتخرّجين الشباب وأرباب المهن الأخرى إلى أوروبا وخاصّة فرنسا وألمانيا لغرض التحصيل، وقد ارتقت العلوم التطبيقيّة والإنسانيّة إلى المستوى الأوروبيّ، فربّى جيلًا مجهّزًا بالثقافات واللغات الغربيّة[33].

وأنت ترى أنّ حركة التغريب ظهرت في تركيا قبل باقي دول الإسلام، وذلك بسبب توجّه الحكّام والملوك إلى الغرب بغية اقتفاء أثره للوصول إلى التقدّم والرقي. طبعًا هذا عدا ما فعله الصدر الأعظم وباقي الوزراء من حركة تغريبيّة نشطة في جهاز الدولة والمجتمع العثمانيّ آنذاك، من قبيل صدر الأعظم رشيد باشا (1800-1858) حيث يعد رئيس حركة الإصلاح والتنظيمات، وكان يجيد اللغة الفرنسيّة وله دراية جيّدة بالشؤون الأوروبيّة[34].

وكذلك مدحت باشا (1822-1884)، حيث دعمت بريطانيا صدارته، وكان منهمكًا في حبّ بريطانيا، وكان عدوًّا للإسلام، وقد ضرب القرآن على الكرسيّ في مقصورة مجلس العوام[35]. ومنهم أيضًا إبراهيم حقّي باشا (1863-1913)، حيث فتحت سبل المدنيّة أيّام صدارته[36]، وكان متسلّطًا على الثقافة الغربيّة ومعتادًا على الحياة الأوروبيّة، ومتفرنجًا[37].

السفراء

من العوامل المؤثّرة في تغريب الدولة والمجتمع العثمانيّ، وجود السفراء الغربيّين في العاصمة واعتماد الصدر الأعظم أو السلطان عليهم، حتّى تمكّن السفير الفرنسيّ عام (1673م) من تحسين العلاقات مع الدولة العثمانيّة بعد تصدّعها[38].

وقد اشتدّت حركة السفراء في زمن صدارة إبراهيم باشا (1718-1730)، حيث إنّ «ما ميّز صدارة إبراهيم باشا العظمى هو اهتمامه الذي أولاه للعلاقات الدبلوماسيّة مع الدول الغربيّة»، كما أنّه كان يوفد مندوبين إلى أوروبا لفهم أسباب التقدّم في الغرب والاطّلاع على حياتهم[39].

النخب والمثقّفون

من العوامل المهمّة في تغريب المجتمع العثمانيّ، ما قام به النخب والمثقّفون في الدعوة إلى التمسّك بالغرب، وهذه العمليّة قد بدأت في وقت مبكر، ففي عهد السلطان عبد الحميد الأوّل (1774-1789) بدأ مثقّفون عثمانيّون بنداءات لإدخال التجديدات على الفكر الإسلاميّ، سيّما الذين سافروا إلى الغرب، «وقد تسنّى لهم أن يرصدوا عن قرب هياكل ونظم حكم الدول الأوروبيّة، وأنّهم قد نقلوا منها عددًا معيّنًا من الأفكار بالنسبة للمستقبل»[40].

وإلى هذه الفئة يشير المستشرق الأميركي استودارد: «وهناك فريق آخر من المسلمين الذين بلغت منهم مؤثّرات الحضارة الغربيّة مبلغًا عظيمًا، ووغل فيهم تيّارها موغلًا كبيرًا، فأقبلوا على كلّ شيء غربيّ أغثًّا كان أم سمينًا، وولّوا ظهورهم جميع ماضيهم بحيث صاروا لا يحفلون بمفخرة من مفاخر تاريخهم، ولا يبالون بذكرى من ذكريات سالف أيّامهم...»[41].

طبعًا لا يفوته التعريض لهذه الطبقة المتغربنة، لا لأجل أنّ عملها غير صحيح، ولا من باب لزوم التمسّك بالهويّة الدينيّة والوطنيّة، بل من باب أنّ عملهم هذا يوغر قلوب المسلمين عداء ضد الغرب، ويسبّب ردّة فعلهم تجاه تقبّل قيم الغرب، إذ يقول: «دأبهم استثارة الروح الدينيّة في قلوب سواد الأمّة، وحمل هذا السواد على مقت كلّ شيء غربيّ يرونه في بلادهم»[42].

وقد اشتدّت عمليّة التغريب في فترة التنظيمات (1839-1878) حيث أنّها «تتميّز بظهور كوكبة كاملة من الأدباء الذين يجربّون شيئًا فشيئًا الأشكال الأدبيّة المأخوذة عن الغرب: الرواية، المسرح، البحث الفلسفيّ، فنّ الكتابة الصحفيّة. ويستخدمون هذه الوسائل التعبيريّة لتوجيه النقد وللسجال ولتقديم الدرس إلى القادة ولتهذيب القرّاء. وقد يتصوّر المرء أنّ هؤلاء الكتّاب ليسوا غير مجرّد نشطاء بلا فائدة، لكن ذلك غير صحيح، فإذا كانت عجلة الإصلاح تتحرّك، فالفضل في ذلك إنّما يرجع إليهم أيضًا، فعبر الحماس الذي يحتفون به بالحضارة الغربيّة، وعبر الحميّة التي ينادون بها بتحوّلات أكثر جسارة باستمرار، يسهمون إسهامًا فعّالًا في تحريك الأمور»[43].

(ثمّ إنّهم، بحكمهم انفتاحهم على الثقافة الأوروبيّة، ينفعلون عن أوساطهم الأصليّة جدّ المتديّنة. والأيديولوجيا الأكثر انتشارًا في صفوف الجيش، هي نوع من المادّيّة المبتذلة القائلة بالتفوّق المطلق للعلم على الدين والأكثر ثقافة مشرّبون بأفكار أُوجوست كنت وهربرت سبنسر، أي بسوسيولوجيا تطبيقيّة تميل في النهاية إلى ما سُمّي بالداروينيّة الاجتماعية المفضية إلى تقديم تفسير بيولوجيّ للنزاعات بين الأمم)[44].

ويمكن أن نشير إلى بعض هؤلاء المثقفين من قبيل محمّد أفندي الذي أرسله أحمد الثالث عام (1720م) إلى فرنسا، وقد «ترك تقريرًا مثيرًا عن رحلته إلى فرنسا، قد أثار حماسه إلى أقصى حدّ ما شاهده في ذلك البلد، ولدى عودته إلى اسطنبول يصبح داعية الثقافة والمدنيّة والتقنيّات الفرنسيّة إلى درجة أنّ الصدر الأعظم الشديد التأثّر بما سمع، يدفع أوساط البلاط والحكومة إلى تبنّي أسلوب حياة جديدة... ويتبنّى السلطان أحمد الثالث عن طيب خاطر هذه الحالة الذهنيّة، ويدعو إلى اسطنبول عددًا من الفنّانين الأجانب، وينظّم الكثير من أشكال اللهو المكلفة...»[45].

ومنهم أيضًا نامق كمال (1840-1888) الصحفيّ والمثقّف النشط الذي حاول لبرلة الإسلام، وكان يحمل بين جنبيه كلّ إيمانات العصر، وكانت له «ذخيرة من الأفكار التقويضيّة الرامية بشكل خاصّ إلى لبرلة نظام الحكم والمؤسّسات... وكان مدافعًا متحمّسًا عن فكرة الحرّيّة[46]».

ومنهم أيضًا أحمد مدحت (1844-1913) من الأدباء اللّامعين، ومن الدعاة إلى التغريب، وقد سعى «إلى أن ينقل إلى العدد الأكبر من القرّاء بشكل ميسور وبلغة بسيطة العناصر الأساسيّة للحضارة الأوروبيّة... ويتولّى تبسيط معارف أوروبا للجماهير»[47].

ومنهم عبد الله جودت (1869-1932) من مؤسّسي حركة تركيا الفتاة ومن دعاة التغريب، كان طبيبًا ويمارس الكتابة والترجمة، وقد رأى أنّ التغريب ضرورة مطلقة بالنسبة إلى الإمبراطوريّة العثمانيّة، وقد كتب: «ليست هناك حضارة غير الحضارة الأوروبيّة، ولا بدّ من الأخذ بها بورْدِهَا وشوكها». وكتب أيضًا: «الغرب قدوتنا، وأن نحبّه فذلك يعني أن نحبّ العلم والتقدّم والتطوّر الماّديّ والأدبيّ»[48]

التيّارات والأحزاب

من العوامل الأخرى في غربنة المجتمع، وجود تيّارات فكريّة وأحزاب سياسيّة متغربنة، أخذت على عاتقها تغريب الدولة والمجتمع، وربّما يقال إنّ الأحزاب والتيّارات هي بمثابة عملة ذات وجهين، فهي عامل مهم من عوامل التغريب من جهة، وهي أثر ومَعْلم من معالم التغريب من جهة ثانية.

تُعدّ الماسونيّة من أهم التيّارات التغريبيّة في الدولة العثمانيّة، حيث إنّ «الرهان على الماسونيّة الفرنسيّة كان في ذلك العصر اختيارًا للعقلانيّة، وللروح الفولتيريّة، ولأفكار الثورة الكبرى[49]». وبلغ الأمر في اللهث وراء الماسونيّة للوصول إلى التحديث، إنّ السلطان مراد الخامس انضمّ عام (1872م) إلى المحفل الماسونيّ رسميًّا[50].

كما تمّ تأسيس محفل ماسونيّ عام (1863م) في تركيا تحت عنوان (محفل اتّحاد الشرق)، وهو محفل مرتبط بمحفل الشرق الكبير الفرنسيّ، وتبنّى فكرة التعايش الأخويّ، والوفاق بين الأجناس، وضمّ بين جنبيه (143 عضوًّا) من مختلف طبقات المجتمع العثمانيّ[51].

ومن التيّارات التغريبيّة أيضًا جماعة العثمانيّين الشبّان، التي تأسّست عام (1865) على يد كلّ من الأمير المصريّ مصطفى فاضل (1829ـ 1875) والكاتب الاجتماعيّ علي سواوي (1838-1878) وضياء باشا، حيث كانت جمعيّة سرّيّة للغاية، تهدف إلى ترويج الأفكار الجديدة، وهؤلاء القادة في هذه الجمعيّة كانوا مقيمين برهة من الزمن في أوروبا، حيث تعرّفوا عن كثب على الأفكار والتقنيات وأساليب الحياة الغربيّة، ممّا سبّب المزيد من تغربنهم وانسلاخهم عن هويّتهم القوميّة والدينيّة[52].

ومنها أيضًا حركة (الأدب الجديد) المتأثّرة بالنهضة الأدبيّة الأوروبيّة، وقد تجمّعت تحت لواء مجلّة (ثروة-أي فنون) بإدارة توفيق فكرت، وكتب فيها أحمد مدحت، حيث نقل العناصر الأساسيّة للحضارة الغربيّة بلغة سهلة إلى المجتمع التركيّ وتمكّن من تبسيط معارف أوروبا للجماهير[53].

ومنها أيضًا حركة (تركيا الفتاة) التي تأسّست عام (1902م) في فرنسا على يد خمسين ليبراليًّا معارضًا لسياسات عبد الحميد الثاني، وإن كانت جذور هذه الحركة ترجع إلى عام (1889م)، حيث انطلقت على يد طلّاب مدرسة الطبّ العسكريّ، وكانت هذه الحركة مدعومة من قبل الدول الأوروبيّة سيّما بريطانيا، كما أنّ اليهود والحركة الماسونيّة كانت داعمة لها أيضًا[54].

وتثبيتًا لهذه المعلومة يؤكّدها المستشرق الأميركيّ ستودارد قائلًا: «إنّ تركيا الفتاة غدت تدير دفّة سفينتها عصبة من الجحدة الغربيّين، غالبهم ليس من المسلمين أو ليسوا مسلمين إلّا اسمًا، بل هم من زنادقة اليهود[55]».

الإطار التطبيقيّ

 وهنا نبحث عن تطبيقات التيار التغريبيّ في الإمبراطوريّة العثمانيّة والنتائج التي وصلت إليها، ونذكر أهم العوامل التغريبيّة:

معالم التغريب

العوامل التي ذكرناها أدّت إلى ظهور تيّار تدريجيّ يتكوّن من الساسة والمثقفين وعامّة الناس، ينحو نحو الحياة الغربيّة، سيّما بعدما تفوّق الغرب على العالم الإسلاميّ، وبدأ بغزوه سياسيًّا وثقافيّا واجتماعيًّا.

وحركة التغريب هذه كانت تأخذ بالشدّة والضعف، ففي البداية كانت محاولات لتجديد الجيش والمعدّات العسكريّة مع الحفاظ على الدين والتمسّك به، ولكن تدريجًا توسّع نطاق التغريب ليشمل جميع مفاصل الحياة في العالم الإسلاميّ، فترى -كما مرّ- التأثير الغربيّ في الملبس والمنطق والمأكل والمسكن.

ففي الإمبراطوريّة العثمانيّة، وخلال ثلاثة قرون تقريبًا (18-20) تتطوّر مشاهد التغريب والاختراق الشامل، فالتغريب بدأ من نقطة صغيرة وتوسّع شيئًا فشيئًا بشكل سريع ومذهل: «إنّ جرعة معيّنة من الحريّة ومن الانفتاح على أفكار التقدّم، قد فتحت الطريق أمام هجمات متكرّرة على النظام القائم»[56].

ويرى بعض الباحثين أنّ القرن الثامن عشر هو بداية هجوم الدول الأوروبيّة على الإمبراطوريّة العثمانيّة في كافّة الأصعدة السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة والتقنيّة والثقافيّة[57].

واشتدّت في القرن التاسع عشر مع فترة التنظيمات (1839-1878) التي نشأت جرّاء البحث عن سبب تأخّر الدولة العثمانيّة، حيث كان الجواب هو الالتحاق بالغرب واقتفاء أثره، بمعنى علمنة المجتمع والقانون والتعليم والثقافة العامّة[58].

وفي هذه المرحلة يشترك الجميع في غربنة الدولة والمجتمع، بحيث أنّك تشهد في أواخر هذا القرن الرجال الذين يرتدون الملابس الأوروبيّة، محطّات السكك الحديديّة، الموانئ الخاصّة بالسفن التجاريّة، بنايات عامّة ومزيّنة بشكل باذخ، النسيج الحضريّ الجديد، صالات المسرح وغيرها من الأمور التي تدلّ على تحديث المجتمع وعلمنته[59].

وفي بدايات القرن العشرين «فإنّ التغريب يستمر أكثر فأكثر: لا تتوقف الصحف الأوروبيّة والأفكار الغربيّة، والموضة، وأحدث التقنيات والألعاب وأشكال اللهو كالدراجة والسينما، عن غزو المدن الكبرى للإمبراطوريّة[60]».

وفيما يلي يمكن أن نرصد أهم المعالم التغريبيّة في الإمبراطوريّة العثمانيّة:

 التغريب الثقافيّ 

التغريب الثقافيّ هو أوسع نطاقًا من غيره، لأنّ للثقافة مساحة واسعة تشمل في آن واحد مجموعة مهام متنوّعة، وقد تأثّرت الثقافة العثمانيّة بالمؤثّرات الغربيّة كثيرًا، وهذا ما يعترف به المستشرق فرانسوا جورجو ويقول: «وبالرغم من الرقابة فإنّ الحياة الثقافيّة في اسطنبول حول عام (1900) تظلّ مفعمة بالحركة، وبالرغم من ارتفاع النبرة الإسلاميّة السائدة، فإنّ الحياة الثقافيّة تعتبر مشرّبة أكثر من ذي قبل بمثل الغرب[61]». وفي هذا المحور بالخصوص يمكن أن نشير إلى الأمور الآتية:

الصحافة

قد دخلت الصحافة إلى الإمبراطوريّة العثمانيّة أواخر القرن الثامن عشر، حيث صدرت مجموعة صحف عام (1795م) فرنسيّة، وقد صدرت أوّل صحيفة تركيّة في اسطنبول بأمر محمود الثاني عام (1831م)، ويرى المستشرق مانتران أنّ الصحافة التركيّة لم تشهد انطلاقها الحقيقيّ إلّا في الشطر الثاني من القرن التاسع عشر[62]. كما يرى بول دومون أنّ أكثر الجماعات الأثنيّة والطائفيّة كانت لها صحف خاصّة في الإمبراطوريّة العثمانيّة وبلغات مختلفة، يعدّ القاسم المشترك بينها الدعوة إلى التقدّم والعدالة والإخاء[63]. وعند فرانسوا جورجو يكون المحور هو «الانفتاح الأوسع على العالم الغربيّ»[64].

الترجمة

إنّ الاهتمام بالتراث الغربيّ ظهر مبكرًا في الخلافة العثمانيّة، فالسلطان محمّد الثاني (1451-1481) أمر بترجمة بعض الكتب اليونانيّة والغربيّة المختلفة، وكان يرغب بالتعرّف على الدين المسيحيّ[65]. وقد مرّ أنّ السلطان سليمان القانوني (1494-1566) عندما فتح بلاد المجر اصطحب معه الكتب.

وبعدما تأسّست أوّل مطبعة في الخلافة العثمانيّة عام (1727م)، قامت بنشر ترجمات كتب فرنسيّة وإنكليزيّة خاصّة كتب التاريخ والجغرافيا والعلوم[66]، كما تزايدت نسبة الكتب المترجمة في بدايات القرن العشرين.

يقول فرانسوا جورجو: «فحتّى عام (1875م) كانت نسبة المؤلّفات المترجمة من لغة أجنبيّة إلى التركيّة (4،6%) قياسًا إلى مجموع الكتب الصادرة منذ إدخال الطباعة. وفي عصر عبد الحميد تنتقل هذه النسبة إلى (23%)، كما أنّ نوع الأعمال المترجمة يتغيّر، ففي زمن التنظيمات كانت الكتب المترجمة قليلة، لكنّها كانت كبرى أعمال الآداب الأوروبيّة. وبعد عام (1880م) نجد أنّ الأعمال المترجمة عن الفرنسيّة أساسًا، تعتبر في غالبيّتها كتبًا شعبيّة تتمتّع بتوزيع واسع، وروايات أخلاقيّة، وقصص مغامرات، وكتب خيال علميّ»[67].

نظام التعليم

لقد تمّ الاهتمام بالتعليم الغربيّ بشكل ملحوظ في عهد التنظيمات (1839-1878)، بدءًا من التعليم العسكريّ وانتهاء إلى باقي العلوم الإنسانيّة، وجرّاء ذلك نشأ جيل أخذ يتعمّق في الثقافة الغربيّة[68]. وكذلك افتتحت الكلّيّات الفرنسيّة والإنكليزيّة والأميركيّة شيئًا فشيئًا[69].

وقد نسخ هذا التعليم الغربيّ النظام التعليميّ القديم، وانتشر «في جميع المحيط التعليميّ، من كتاتيب الأطفال حتّى الجامعات والكلّيّات الكبرى، فصار الناشئ الشرقيّ يرتضع أفاويق العلوم على مناهج غربيّة»[70].

يذكر المستشرق بول دومون أنّه في عهد محمود الثاني تمّ إنشاء المدارس العلمانيّة الأولى المخصّصة للأطفال والبالغين، ولتفعيل عجلة التغريب في النظام التعليميّ، قدّم فيكتور دوروي وزير التعليم العام في عهد نابليون الثالث، مشروعًا للسلطان العثمانيّ لإصلاح التعليم، وقد تمّ تعميمه عام (1869م)، كما ساعدت فرنسا لتأسيس مجموعة مدارس في تركيا على هذا النحو[71].

الفنّ

من المعالم التغريبيّة الأخرى التي لا تمسّ الطبقة المثقّفة فحسب، بل تشمل جميع طبقات المجتمع، هو الفنّ بفروعه الكثيرة، ليشمل الرسم والنحت والمسرح والموسيقى ونمط العمران والبناء وغيرها، وكان للتغريب فيها ميدان واسع للعمل.

وقد تأثّر الفنّ العثمانيّ بمؤثّرات كثيرة منها البيزنطيّ والإيطاليّ، سيّما أنّ جهاز الدولة كان من الدعاة إلى ذلك ومن المتحمّسين إليه، فالسلطان أحمد الثالث (1673-1736) قد دعا إلى اسطنبول عددًا من الفنّانين الأجانب، ونظّم كثيرًا من أشكال اللهو واللعب[72].

يقول المؤرّخ العثمانيّ يلماز أوزتونا بخصوص فترة حكم السلطان محمود الثاني: «دخلت الموسيقى الغربيّة البيانو، الجوقة، الأوركسترا، المسرح، الأوبرا، إلى المجتمع العثمانيّ، كانت هذه الفنون موجودة سابقًا يتولّاها ويقوم بها الأوروبيّون، والآن أصبحت من مؤسّسات الدولة الرسميّة[73]».

وبخصوص المسرح فإنّ السلطان عبد الحميد الثاني كان مولعًا به، وقد أمر بإنشاء مسرح في يلدز، ودعا إليه الفرق التمثيليّة والفرق الموسيقيّة الغربيّة[74].

علمًا بأنّ المسرح «مأخوذ بالكامل من أوروبا، إذ يجري ترجمة شيللر وفيكتور هيجو واقتباس موليير.... إنّ هذه المسرحيّات المبنيّة بالكامل في أغلب الأحيان على نجاحات المشاهد الأوروبيّة، تتحدّث عن إيجابيّات الحضارة الغربيّة، وتعلي من شأن الأفكار وأساليب الحياة الواردة من أوروبا»[75].

وبخصوص الرسم «نجد أنّ عثمان حمدي (1842-1910) الذي تتلمذ على أيدي جيروم وبولانجيه، يستمدّ إلهامه من الروح الاستشراقيّة للرسّامين الأوروبيّين المعاصرين[76]».

أمّا الرواية فقد ظهرت عام (1870) من خلال ترجمة الروايات الغربيّة أمثال البؤساء، روبنسون كروزو، تيليماك وغيرها، وهي رغم سذاجتها غير أنّها «تُحْسِن تمامًا أداء وطيفتها التربويّة، إذ تدعو إلى الحضارة الحديثة، ويعلي هذا النوع من الروايات من شأن العلاقات بين الجنسين، ويستمتع بتناول مشكلة التحرّر الأنثويّ»[77].

أمّا بخصوص الموسيقى، فقد افتتح عام (1831م) معهد لتعليم الموسيقى الغربيّة على الطراز الإيطاليّ، ثمّ بعدها الموسيقى الألمانيّة والفرنسيّة، وأصبحت الموسيقى الغربيّة فنًّا يتذوّقه المثقّفون[78].

وفي مجال العمران ونمط البناء وتشييد البيوت والقصور، فإنّه بعد رجوع المندوبين والسفراء العثمانيّين إلى تركيا، وبعد تدوين مشاهداتهم عن نمط الحياة الغربيّة ونشرها في البلاط والأوساط المثقّفة، تظهر رغبة في تغيير نمط الحياة وفقًا للنموذج الغربيّ، فالصدر الأعظم إبراهيم باشا (1718-1730) بعدما يستمع إلى تقرير محمّد أفندي المبعوث إلى أوروبا «يدفع أوساط البلاط والحكومة إلى تبنّي أسلوب حياة جديدة، ويرمز إلى تشييد القصور... وإنشاء الحدائق كحدائق مياه أوروبا العذبة»[79].

ومنذ عهد عبد الحميد الثاني شهدت المدن الكبيرة في الإمبراطوريّة العثمانيّة تغييرات كثيرة، فهندسة الشوارع، محطّات السكك الحديديّة، مكاتب البريد، مستودعات السلع، الفنادق، الترام، المقاهي وغيرها من الأمور، فإنّها كلّها مقتبسة من الغرب[80].

كما أنّ الصدر الأعظم مصطفى رشيد باشا (1800-1858) كان يرغب في إعطاء العاصمة العثمانيّة ملمحًا مماثلًا للحواضر الغربيّة؛ لذا صاغ عام (1836م) مجموعة قوانين ومبادئ لا بدّ من الالتزام بها في تخطيط المدن وبناء البيوت، تحقيقًا لرغبته تلك[81].

التغريب في المنظومة السياسيّة

المنظومة السياسيّة متشعّبة الأطراف وينضوي تحتها مجموعة أمور، من قبيل شؤون الدولة ونوعيّة نظام الحكم، الدستور والبرلمان، الدبلوماسيّة والعلاقات الدوليّة، شؤون العسكر والحرب والأحزاب وغيرها من الأمور، ونحن نرى أنّ التغريب قد نال جميع هذه الشؤون.

ففي نظام الحكم وإن كانت الدولة العثمانيّة تتبع نظام الإمبراطوريّة أو الحكم المطلق للسلطان إلى حين القرن العشرين، غير أنّ سلطات الحاكم تمّ تقييدها بالبرلمان ونظام المشروطة، حتّى أنّ عبد الحميد الثاني بعدما ألغى البرلمان اضطر لفتحه من جديد في أخريات حكومته.

إنّ الحكم العثمانيّ في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، بعدما أفل نجمه واجه انتكاسات عديدة في العالم، وبدأت الدول الغربيّة بالضغط عليه لإجراء اصطلاحات سياسيّة تصبّ في مصالحهم وتدعم مشاريعهم.

وتشتدّ حركة تغريب المنظومة السياسيّة في فترة التنظيمات (1839-1878)، حيث تتغيّر الأمور بشكل تدريجي إلى أن يتمّ صبّ الدولة بقالب جديد مأخوذ من أوروبا، وتفتتح وزارات على غرار وزارات الدول الأوروبيّة، كالشؤون الخارجيّة والداخليّة والعدل والماليّة والتجارة وغيرها من الوزارات[82]، وهذا ما يعترف به المستشرق دومون؛ إذ يقول: «فمنذ ذلك الحين تبدو الدولة العثمانيّة مزوّدة بنظام حكم مماثل تمامًا لنظام حكم أمم الغرب الحديثة»[83].

أمّا الأحزاب فقد نشأت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر[84]، وتأسّست في بدايات القرن العشرين أي عام (1902م) حركة (تركيا الفتاة) لتتولّى لاحقًا وبالتدريج المشهد السياسيّ في تركيا، وتقوم بتغيير المنظومة السياسيّة نحو العلمنة والليبراليّة، إلى أن ينهار الحكم العثمانيّ على يد مصطفى كمال أتاتورك، ليحارب كلّ أنواع التديّن والتقاليد، ويفتح الباب أمام الغرب على مصراعيه.

أمّا الأحزاب فإن أكثر ما كانت تنادي به إنّما هو مسألة الحرّيّة والعدالة، متأثّرة بالغرب؛ إذ كثير منها نشأ في المهجر جرّاء الخوف من بطش السلطة، يقول المستشرق الأميركيّ ستودارد: «وأخذ الشبان المسلمون المتمشّية في عروقهم روح الوطنيّة، يفرّون إلى ديار الغربة سعيًا وراء غرضين: طلب العلم، إنشاء الدعوات السياسيّة الحرّة المنظمة... ثمّ شرعوا يصدّرون مئات النشرات والكتب الأدبيّة والثوريّة، ويبعثون بها خفية إلى أبناء أوطانهم»[85].

وقد خفي على هؤلاء المتحمّسين للحرّيّة والعدالة المتمسّكين بأذيال الغرب، أنّ احتضان الغرب لهم ودعمه لهم وفتح المجال أمامهم ليس ناشئًا من حبّهم لهم، بل هي أطماع وأغراض استعماريّة، يرمون من خلالها التدخّل في شؤون العالم الإسلاميّ والسيطرة عليه، وإلّا فهم أبعد ما يكونون من الحرّيّة وحقوق الإنسان، وإنّ شعارات الإنسانيّة وحقوق الإنسان «ما هي إلّا ألفاظ لا معاني لها، إلّا فيما يلائم مصالحهم»[86].

أمّا في مجال القانون، فكانت تعتمد الدولة العثمانيّة في بدايات تأسيسها على الشريعة الإسلاميّة وفق المذهب الحنفيّ، ولكن جرّاء الفتوحات والتوسّع في الأراضي البيزنطيّة والصربيّة والبلغاريّة في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، تعرّفت الحكومة العثمانيّة على مدوّنات قانونيّة تواجدت في هذه البلدان، ونظرًا لعدم استجابة ما عندهم من الفقه الحنفيّ للمستجدات الطارئة، فقد لجأ الحكّام إلى الاستفادة من تلك القوانين العرفيّة.

ففي منتصف القرن الخامس عشر، يصدر محمّد الثاني سلسلة قوانين عرفيّة يعتمد فيها على مدوّنات الإمبراطوريّة البيزنطيّة القانونيّة، وإلى هذا يشير المستشرق نيكورا بقوله: «ولذا فليس ممّا يدعو إلى الدهشة أن نجد في المدوّنات القانونيّة التي أصدرها السلاطين عناصر تشريع تجد جذورًا عميقة لها في هياكل لها أصل رومانيّ أو بيزنطيّ أو سلافيّ أو جرمانيّ»[87].

وفي فترة التنظيمات اشتدّت هذه الحركة، حيث «كانت إحدى المهام الرئيسة التي كان على مكاتب الباب العالي إنجازها تتمثّل في صوغ قوانين جديدة، تتماشى مع روح التنظيمات، قوانين تليق بدولة حديثة»[88].

ولم تقتصر الأمور على قانون الدعاوى والمرافعات القضائيّة فحسب، بل سائر الأمور أيضًا، ففي عام (1850م) قدّمت فرنسا للدولة العثمانيّة نموذج قانون تجاريّ جديد[89]. طبعًا لا يعني هذا نفي قوانين الشريعة رأسًا، إذ إنّ الظرف لم يسمح لذلك الأمر الذي تهيّأ في فترة أتاتورك، بل كانت الأمور تجري على نوع التوافق والتزاوج بين القوانين العرفيّة المستوردة وبين القوانين الشرعيّة، وإن كان على حساب الثاني وباستعمال الحيل الشرعيّة.

يقول المؤرّخ العثمانيّ يلماز: «كان مبدأ الاستحسان في المذهب الحنفيّ، والاستصلاح في المذهب المالكيّ، يوفّران تسهيلات وراحة وحرّيّة لمن بيدهم الصلاحيّات التشريعيّة في الدولة. وأبدع الأمثلة لذلك هي القوانين التي أمر القانونيّ بوضعها، وأعدّها شيخ الإسلام أبو سعود أفنديّ، أمكن بها بدهاء قانونيّ خارق تلبية احتياجات الدولة العالميّة العظمى لذلك العصر بشكل لطيف جدًّا دون معارضة أحكام الشريعة»[90].

وهذا الأمر نفسه جرى في القضاء أيضًا، حيث تمّ فصل القضاء الدينيّ عن القضاء العرفيّ والمدنيّ، ففي عام (1840م) أنشئت محاكم التجارة منفصلة عن الجهاز الدينيّ، وهذه المحاكم كانت «تطبّق قانونًا مستوردًا من فرنسا، وتباشر عملها وفق إجراءات مناظرة لتلك المعمول بها في أوروبا»[91].

وفي عام (1860م) تمّ إنشاء شبكة من المحاكم المسمّاة بالمحاكم النظاميّة، والمكلّفة بالنظر في جميع المسائل التي تخرج عن اختصاص السلطات الدينيّة، وهذه المحاكم وإن كانت لا تخرج عن الإطار الإسلاميّ العام، غير أنّ إدارتها كانت بيد العلمانيّين وأصحاب الديانات الأخرى، ممّا شكّلت ثورة حقيقيّة وصامتة نحو علمنة القضاء.

وقد انطلى الأمر على العلماء آنذاك وعلى شيوخ الإسلام، حيث لم ينتبهوا إلى ما يجري وراء الأكمة، وتصوروا أنّ الأمور تجري وفق الشريعة الإسلاميّة، وأنّ الإصلاح إنّما هو إصلاح داخليّ لا علاقة له بمؤثّرات أجنبيّة، وإلى هذا الأمر يشير المستشرق بول دومون قائلًا: «ومن المؤكّد أنّ انتماء الحقوقيّين المكلّفين بوضع القوانين الجديدة وإنشاء الهياكل القضائيّة الجديدة كلّهم تقريبًا إلى فريق العلماء قد سهّل الأمور، فقد أمكن بهذا الشكل لإصلاح القانون أن يظهر -إلى حدّ بعيد- بوصفه إصلاحًا نابعًا من الداخل، وبهذا الشكل تمّ تمرير كثير من أقراص العلاج، بما في ذلك القرص المرّ إلى حدّ ما، والمتمثّل في اعتماد قوانين مأخوذة عن الغرب المسيحيّ»[92].

وهكذا لم ينتبه شيوخ الإسلام إلى ما خبّأه المتلبسون بلباس الإسلام ظاهرًا والمتغربنون باطنًا، إلى أن انتهت الأمور إلى عام (1913م)، حيث «أصدرت الحكومة تشريعًا جديدًا يحدّ بشكل ملحوظ من مجال تدخّل المحاكم الدينيّة، ويضع القضاة الشرعيّين والمفسّرين الآخرين للشريعة، تحت سيطرة سلطات مدنيّة، وسوف يكون ذلك تدشينًا لسياسة علمنة نشيطة سوف تؤدّي في غضون سنوات قليلة إلى تبديل المشهد المؤسّسيّ العثمانيّ تبديلًا محسوسًا»[93].

هذا كلّه بخصوص القانون والقضاء، أمّا في مجال العسكر والجيش، فقد بدأ التأثير الغربيّ فيه مبكرًا، حيث استجلب السلطان العثمانيّ مدرّبين من شتّى دول الغرب لتعليم الجيش وتحسين المعدّات العسكريّة، وأشار إلى هذا الأمر المؤرّخ العثمانيّ جودت باشا، حيث قال: «وكان ترتيب العسكر الجديد وانتظامه موقوفًا على استجلاب معلّمين ومهندسين من أوروبا»[94].

إنّ التدريب والتعليم على النمط الأوروبيّ في الجيش العثمانيّ، بدأ عام (1728م)، وفي عام (1791) بدأ سليم الثالث في تأسيس جيش النظام الجديد، مزوّدين بالعلوم الحديثة وعلى الطراز الأوروبيّ[95]، وهكذا استمرّ الأمر عند باقي السلاطين العثمانيّين، وممّا يؤسف له أنّ عمل هذه الجيوش لم يصبّ في مصلحة الدين والأمّة الإسلاميّة، بل أصبحت أداة لقمع المسلمين المناوئين للخلافة العثمانيّة من جهة، وأداة للدول الغربيّة في ضرب خصومهم من جهة ثانية من خلال عقد تحالفات واهية، فكم من دم المسلمين أريق بيد الجيش العثمانيّ، وكم من مسلم عثمانيّ أريق دمه حفاظًا على مصالح دول غربيّة تجاه دولة غربيّة أخرى!.

التغريب في المنظومة الاقتصاديّة

إنّ الاقتصاد هو عصب الحياة ورأس مال التقدّم والرقي، ولذا ترى أنّ كثيرًا من الحروب قد حدثت نتيجة للعثور على موارد ماليّة جديدة أو الحصول على أسواق لتصريف المنتوجات، والسيطرة على المال يعني السيطرة على المجتمع؛ لذا حاول الغرب استغلال هذا الأمر لتضعيف الدول الأخرى من جهة، وتقوية نفسه من جهة أخرى، واستعملوا لذلك أخبث الأساليب وبأبشع الطرق، بحيث أصبح الاقتصاد والمال من أقوى سبل هيمنة الغرب على الدول واستعمارها.

وهذه هي القرصنة الاقتصاديّة التي أشار إليها جون بركنز، حيث تعتمد على إعطاء قروض، خلق شركات تجاريّة كبيرة تابعة للقوى العظمى، إنهاك البلاد بالديون وما شاكل لتتمّ السيطرة، إذ يقول: «ويحقّق قرصان الاقتصاد أكبر نجاح عندما تكون القروض كبيرة لدرجة تضمن عجز الدولة المستدينة عن سداد ما عليها من ديون في ظرف سنوات قليلة. آنئذٍ نسلك سلوك المافيا، ونطلب رطلًا من اللحم مقابل الدين، وتتضمّن قائمة طلباتنا واحدة أو أكثر من التالي: السيطرة على تصويت الدول في الأمم المتحدة، أو إنشاء قواعد عسكريّة، أو الهيمنة على موارد الثروة كالبترول أو قناة بنما. بالطبع يبقى البلد مثقلًا بالدين، وبذلك يضاف بلد آخر إلى إمبراطوريّتنا العالميّة»[96].

ويقول في شرح وتوضيح الخدع المستخدمة لإلقاء الدول في فخّ التبعيّة الاقتصاديّة: «نحن اليوم لا نحمل سيوفًا، ولا نرتدي دروعًا أو ملابس تعزلنا عن غيرنا... نزور مواقع المشروعات، ونتسكّع داخل القرى الفقيرة، نتظاهر بإنكار الذات، ونحدّث الصحف المحلّيّة عن الأعمال الإنسانيّة العظيمة التي نؤدّيها. نغطّي طاولات مؤتمرات اللجان الحكوميّة بأوراقنا ومشاريعنا الماليّة، ونحاضر في كليّة إدارة الأعمال في هارفارد عن عجائب المشروعات الكبرى»[97].

وليست هذه القرصنة بجديدة، بل استعملتها الدول الغربيّة تجاه الحكومة العثمانيّة للإطاحة بها والسيطرة عليها، يصف المستشرق مانتران القرن الثامن عشر بأنّه بداية حقيقيّة لهجوم الدولة الغربيّة على الدولة العثمانيّة عسكريًّا واقتصاديًّا، ويقول بهذا الصدد: «سوف يشهد القرن الثامن عشر تطوّر وجود غربيّ في التجارة الدوليّة للإمبراطوريّة العثمانيّة، وهو وجود راجع إلى انطلاق رأسماليّة ميركانتيليّة (تجاريّة) تدعمها الحكومات وتعبّر عن نفسها من خلال إنشاء أو توسيع الشركات التي تستفيد في الموقع من دعم السفراء والقناصل، ويفرض هؤلاء الأخيرون قدرًا كبيرًا من السلطة بل والمطالب، بما يتناسب مع تضاؤل القوّة العثمانيّة، وعندئذ يجري استخدام الامتيازات على نطاق واسع لحساب التجّار الغربيّين المتواجدون في ثغور الإمبراطوريّة[98]».

ويكشف القناع عن النوايا والأهداف من هذا التوسّع الاقتصاديّ قائلًا: «إنّ أوروبا التجار والشركات، ترتدي قناع النوايا الحسنة ليتسنّى لها بشكل أحسن التستر على الاستيلاء الاقتصاديّ على الأسواق، وعلى الاستحواذ على المواد الأوّليّة، وعلى السيطرة السياسيّة في نهاية الأمر[99]».

وهذا ما يسمّيه مستشرق آخر بالفتح السلميّ أمام الفتح العسكريّ، حيث يصف بقوله: «أعني به القبض على خناق بلاد شرقيّة مستقلّة استقلالًا مخترق السياج، برؤوس الأموال الغربيّة تمدّ بها الدولة الفاتحة تلك البلاد على شكل القروض والامتيازات، ومتى ما تمّ ذلك أخذت السيطرة السياسيّة تبدو شيئًا فشيئًا»[100].

كما أنّ المستشرق الروسيّ لوتسكي يشهد بأنّ الامتيازات التجاريّة التي أُعطيت لدول الغرب، كانت وسيلة من وسائل الاستعباد الاستعماريّ[101].

ثم إنّ الانخراط في الاقتصاد العالميّ فخّ آخر وقعت فيه تركيا أدّى إلى تبعيّة تامّة، وقد أشار المستشرق لابيدس إلى أنّ التنمية الاقتصاديّة العثمانيّة كانت معتمدة على قروض أوروبيّة، حيث تستخدم تلك الأموال في مدّ سكك الحديد وإنشاء المرافق العامّة الأخرى وتمويل النفقات العسكريّة، وعندما لم تتمكّن الدولة العثمانيّة من تسديد الديون المترتّبة عليها، اضطرّت للموافقة على نوع من الإدارة الأجنبيّة لحلّ مسألة الديون، وعليه «منذ ذلك التاريخ وصاعدًا أحكمت البنوك الأجنبيّة قبضتها على الاقتصاد العثمانيّ»[102].

ومضافًا إلى الأهداف السياسيّة الكامنة في التغريب الاقتصاديّ، فهناك الهيمنة الثقافيّة أيضًا، حيث تغيّر سلوك المجتمع ونمط الحياة، فإنّ التجار «يقومون أيضًا بترويج الحياة والفنون التقنيّة والفلسفات... ومهمّة تمويل التغيير»[103].

وقد شكا غير واحد من الوطنيّين من هذه الحالة، واتّجاه الناس إلى سلوك الحياة الغربيّة، والتوجّه نحو زخرف الحياة الدنيا، والتشبّه في المأكل والملبس والمسكن بالغربيّين[104].

وثمّة أثر آخر نتج من التغريب الاقتصاديّ، ألا وهو ترك المنتوج الوطنيّ والتوجّه نحو الغربيّ، وكثيرًا ما كان الإنتاج الوطنيّ أفضل من نظيره الغربيّ، وهذا ما أثار تعجّب المستشرق الأميركيّ ستودارد وغيره من مفكّري الغرب[105]، وقد أشار مستشرق آخر إلى أنّ التغريب الماليّ ترك آثارًا مباشرة وغير مباشرة على المجتمع التركيّ، من حيث التوجّه نحو الكماليّات وتقليد النمط الغربيّ، وترك الإنتاج الداخليّ وتدمير الصناعات المحلّيّة[106]، كما أنّ محمّد لطفي جمعة يستشهد بمسألة الطرابيش، ويتعجّب من الدولة كيف أنّها تشتري للجيش الطرابيش المصنوعة في الغرب وتترك الإنتاج الوطنيّ مع كونه أفضل، ويرى أنّ ذلك كان بسبب التدخّل الأجنبي لدعم تجارته على حساب الوضع الاقتصاديّ الداخليّ[107].

ومن الآثار الأخرى للتغريب الاقتصاديّ أيضًا، سعي الشركات التجاريّة الغربيّة لضرب العملة الوطنيّة أي الليرة التركيّة، بهدف شراء المواد الخام بسعر بخس[108].

تغريب المجتمع

ليس المجتمع حالة مستقلّة عن أفراده وما ينتجه كلّ شخص لنقوم بدراسته بشكل مستقلّ، بل المجتمع هو المجموع المتكوّن من الأشخاص والجامعات والأفكار والتجارة والسياسة وغيرها من الأمور، وكلامنا السابق عن التغريب في الثقافة والسياسة والاقتصاد هو بمجموعه عبارة أخرى عن تغريب المجتمع؛ إذ المجتمع -كما قلنا- ليس بمعزل عن أفراده، ولكن اقتضت العادة تصنيف بعض الموارد ضمن المجتمع بشكل خاصّ كنمط الحياة والأسرة ومقوّمات الهويّة وما شاكل، وكلّ هذه الأمور قد نالها التغريب على أوسع نطاق.

وكما يقول ستودارد: «فإنّ ما بلغته الروح الغربيّة في الشرق من سعة الانتشار وشدّة التأثير، هما من الأهمّيّة بحيث لو أردنا الكلام عليه تفصيلًا استغرق ذلك المجلّدات الضخام[109].

الخاتمة

إنّ عوامل التغريب في المجتمع التركيّ أنتجت معالم تغريبيّة مسّت الدولة والاقتصاد والثقافة والمجتمع، حتّى أنّ الدين لم يسلم من الغربنة ومسّته شرارتها.

لم يكن المجتمع التركيّ بدعًا من سائر المجتمعات، فالعوامل تلك تنتج المعالم نفسها في كلّ مكان، فإذا طُبّقت تلك العوامل في إيران أو مصر أو الهند لحصدت النتائج نفسها؛ إذ الغرب هو الغرب لم تتغيّر خططه وبرامجه الاستعماريّة أينما كان.

ينبغي على الخطاب الإسلاميّ الذي يرى أنّ الاسلام هو الحلّ، النظر في حالة تركيا، حيث تحوّلت من دولة كانت تُعد عاصمة الخلافة الإسلاميّة إلى دولة علمانيّة ليس للدين فيها أثر على يد كمال أتاتورك، ليقف على مناورات الغرب وخططه الناعمة والصلبة التي أطاحت بالأمبراطوريّة العثمانيّة خلال مدّة زمنيّة قليلة لا تتجاوز القرن الواحد.

ينقل لنا المستشرق كامبفماير صورة حسّيّة مؤلمة عن تركيا، حيث يشير إلى أنّه لا توجد في تركيا حركة إسلاميّة، وصارت تركيا دولة غير إسلاميّة، فليس في مدارسها ثقافة إسلاميّة، واللغة العربيّة لا يسمح بتعليمها، والحكومة التركيّة راغبة عن الإسلام، والبلاد مفتوحة على مصراعيها أمام مدنيّة أوروبا بما تحمل من شرّ[110]

ليس كلّ اقتباس من الغرب أو كلّ تاثير تغريبًا؛ إذ لا ضير في الاستفادة من التقنيات الحديثة، وأسباب الرفاه والراحة، أينما كان المنشأ؛ إذ نظام الكون مبنيّ على التسخير، فالله سبحانه وتعالى سخّر الناس لبعضهم، فالإنسان بطبيعته وفطرته يتّجه لسدّ حاجاته، إمّا من خلال ما يقوم به هو، أو من خلال الاستفادة ممّا يصنعه غيره، سواء أكان في الشمال أم في الجنوب، في الغرب أم في الشرق. والمذموم الذي نعدّه تغريبًا، هو الانبهار بالغرب والوصول إلى التلبّس بمبادئه وأسسه وترك الهويّة القوميّة والدينيّة والوطنيّة.

ممّا يوجب العجب استمرار بعض النخب الفكريّة في العالم الإسلاميّ بالحالة الغربويّة، بعدما رأينا أنّ الغرب نفسه قد تخلّى عن كثير من مبادئه التي كان يظنّ فيما مضى خلودها وصحّتها، فظهرت المابعديّات سيّما ما بعد الحداثة وما بعد العلمانيّة، فالأجيال السابقة التي شهدت صدمة الغرب، ربّما كانت معذورة لو أصابها لوثة التغريب، غير أنّ جيل الحاضر غير معذور في ذلك بعدما انقلب الغرب على نفسه. وبهذا الصدد يشير أحد روّاد الفكر العلمانيّ العربيّ المعاصر إلى أنّ الخطاب الحداثويّ قد تعمّد غضّ النظر عن نقد الحداثة في الغرب بدافع أيديولوجيّ معرفيّ بحت؛ إذ ساد في الغرب نقد حادّ أعاد النظر في جميع اليقينيّات التي رسّختها موجة الحداثة في الغرب، وطال هذا النقد القيم العقلانيّة والإنسانويّة والرأسماليّة والتقنيّة وغيرها، ولكن الفكر العربيّ تعمّد إخفاء هذا الجانب، وعدم التأثّر به، وعدم التعامل معه، بل طفق ينهل من منظومة الفكر الغربيّ السابق، وسبب ذلك يعود إلى حاجتهم إلى خطاب الحداثة من دون خطاب مساءلة الحداثة ونقدها[111].

إنّ ما ذكرناه من وجود تيّار تغريبيّ في الإمبراطوريّة العثمانيّة يحاول غربنة كلّ شيء، لا يعني نجاح هذا التيّار مئة بالمئة، بل كان هناك تيارّ معارض أيضًا في عامّة الناس وفي طبقة العلماء، ولم يكتسح التغريب الساحة العثمانيّة تمامًا.

ففي منتصف القرن السادس عشر تمّ إعدام ثلاثة من العلماء بسبب تفكيرهم المتحرّر، وكذلك تمّ استبعاد أيّ فرصة يستفيد منها العثمانيّون من التقدّم العلميّ المعاصر الذي حدث في أوروبا، عن طريق خطر استيراد الكتب المطبوعة[112].

 وفي الفترة الممتدّة من 1700 إلى 1774م ظهرت حركة إسلاميّة نشطة تعارض الإصلاحات المتأثّرة بالأفكار والتقنيّات الأوروبيّة[113]، كما أنّ الشعب سمّى السلطان محمود الثاني (1785-1839) «كاوور بادشاه» أي البادشاه الكافر.[114] كما أنّ الاتّجاه التغريبيّ بدأ يخسر نوعًا ما في زمن السلطان عبد الحميد الثاني (1842-1918)، حيث ظهرت في صفوف المثقّفين الإسلاميّين اتّجاهات معادية للغرب، يقول الباحث ويتكروفت: (وبحلول عام 1900م كان الخوف من الهيمنة الأوروبيّة قد شاع في أوساط المسلمين العثمانيّين)[115]. وقد كتب شاب صحفيّ آنذاك: «لقد اجتذبنا التغريب من نواح كثيرة، لكن الغرب هو الإمبرياليّة، وطالما كان البلد شبه مستعمرة في أيدي الإمبرياليّين، وطالما ظلّت الامتيازات قائمة، فقد كان من الصعب الدفاع عن الغرب[116]». ولكن مع هذا بقي الحظّ التغريبيّ نشطًا بسبب دعم جهاز الدولة له لا سيّما بعض الوزراء وأصحاب المناصب، وكذلك بعض المثقّفين والنخب، إلى أن وصل الأمر على يد أتاتورك من محاربة سافرة للدين ولمظاهر التديّن.

إنّ نموذج الدولة العثمانيّة خير دليل ملموس على فشل الآراء والنظريّات التي ترى أنّ التقدّم والرقي يحصل باقتفاء النموذج الغربيّ؛ إذ إنّ هذا لو كان متاحًا وصحيحًا لما انهارت الدولة العثمانيّة التي سعت بكلّ جهدها اللهث وراء الغرب واقتفاء أثره، حتّى أنّ علمانيّة أتاتورك الصارخة لم تكن شفيعة لتركيا كي تدخل في حقل الدول الأوروبيّة وتلحق بهم، بل بقيت محسوبة على دول الشرق الأوسط المصنّفة ضمن العالم الثالث، وعليه فقد بات سراب الغرب مكشوفًا أمام الناظرين، حيث إنّه لا يزيد الظمآن إلاّ عطشًا ولَهْثًا.

إنّ ما يحتاجه العالم الإسلاميّ اليوم في سبيل إعادة نهضته ليس هو نفي الغرب بتاتًا ولا هو التغريب، بل الاعتماد على النفس، وتفعيل الطاقات الكامنة في جسد الأمّة، مع الاستفادة من آخر ما توصّل إليه العلم، ومحاولة الإسهام فيه؛ إذ العلم والمعرفة والإبداع ليس حكرًا على أحد، بل هو موزّع بين البشر على السويّة، وإنّما بحاجة إلى تفعيل وجهد ومثابرة؛ إذ «ليس الإنسان إلّا ما سعى».

(وكأنّما غاب عنّا أنّ الانفتاح على العالم من حولنا والانتفاع بثقافاته وعلومه أمر، وأنّ نفي الذات وتغيير الجلود والاغتراب في الآخر أمر آخر)[117]. فعندما نأخذ ونقتبس من الآخر، لا يعني أن نقف أمامه مكتوفي الأيدي ومنبهرين، بل نشاطره الرأي والإبداع، ونستفيد لنضيف إلى عجلة العلم نقطة، نحن لا نتحرّج من التتلمذ عند أيّ أحد لأخذ العلم والمعرفة -شرقًا أو غربًا- إنّما لا نريد أن نبقى تلاميذ إلى الأبد.! 

ولنختم كلامنا بما قاله الأمير شكيب إرسلان: «رائحة التفرنج تؤذيني، فالتفرنج لا يفيد شيئًا، والتعلّم غير التفرنج، واليابانيّون تعلّموا وبقوا يابانيّين بجميع عواطفهم وأطوارهم وأوضاعهم[118]...».

المصادر والمراجع

1- الاغتيال الاقتصاديّ للأمم، جون بركنز، دار الطناني للنشر.

2- أهداف التغريب، أنور الجندي، من إصدارات اللجنة العليا للدعوة الإسلاميّة في الأزهر.

3- التعصّب الأوروبيّ أم تعصّب الإسلام، شكيب أرسلان، ط الثالثة 1995م دار ابن حزم.

4- العثمانيّون تفكيك الصور، أندرو ويتكروفت، ط الأولى 2014 مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجيّة.

5- تاريخ الأقطار العربيّة الحديث، لوتسكي، ط التاسعة 2007، دار الفارابيّ.

6- تاريخ الدولة العثمانيّة، مجموعة مؤلّفين، إعداد روبير مانتران ط الأولى 1992 دار الفكر القاهرة.

7- تاريخ الدولة العثمانيّة، محمّد فريد، طبع عام 2012م مؤسّسة الهنداويّ.

8- تاريخ الدولة العثمانيّة، يلماز أوزتونا، طبع عام 1988 مؤسّسة فيصل للتمويل تركيا.

9- تاريخ جودت، ترجمة عبد القادر أفندي، طبع عام 1308هـ، مطبعة جريدة بيروت.

10- تجديد الفكر العربيّ، زكي نجيب محمود، ط التاسعة عام 1993م، دار الشروق.

11- تفتيت الشرق الأوسط، تاريخ الاضطرابات التي يثيرها الغرب في العالم العربيّ، جيرمي سولت، ط الأولى، 2011م، دار النفائس.

12- حاضر العالم الإسلاميّ، لوثروب ستودارد، القاهرة 1352هـ، مكتبة البابي الحلبيّ.

13- حياة الشرق، دوله وشعوبه وماضيه وحاضره، محمّد لطفي جمعة، الهنداويّ عام 2012م.

14- شعرنا القديم والنقد الجديد، وهب رومية، سلسلة عالم المعرفة رقم 207.

15- لماذا يهيمن الغرب اليوم، إيان موريس، ط الأولى 2018م، مركز نماء للبحوث والدراسات.

16- من النهضة إلى الإصلاح، عبد الإله بلقزيز، مركز دراسات الوحدة العربيّة.

17- نزعة التغريب، جلال أحمد، ط 2، عام 2005م، دار الهادي.

18- نهج البلاغة، جمع الشريف الرضيّ، طبع عام 2011، العتبة العلويّة المقدّسة.

19- المجتمع الإسلاميّ والغرب، هاميلتون جب وهارولد باون، ط1، عام 2012م، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة.

20- الأزمات الشرقيّة، المسألة الشرقيّة واللعبة الكبرى 1768 – 1914. هنري لورنس ط1، 2018، المركز القوميّ للترجمة.

21- نقد الشر المحض، نظريّة الاستبداد في عتبة الألفيّة الثالثة، مطاع صفدي، ط1، 2001، مركز الإنماء القوميّ.

22- فرنسا والإسلام من نابليون إلى ميتران، جاك فريمو، ط1، 1991، دار قرطبة.

23- تاريخ الاصلاحات والتنظيمات في الدولة العثمانيّة، أنكه لهارد، ط1، 2017، دار ومؤسسة رسلان.

24- الجغرافيا السياسيّة للمتوسّط، إيف لاكوست، ط1، 2010، الكلمة.

25- تاريخ المجتمعات الإسلاميّة، أيرا  م. لابيدس، ط الثانية دار الكتاب العربيّ.

26- وجهة الإسلام نظرة في الحركات الحديثة في العالم الإسلاميّ، إعداد وتقديم: هاملتون جب، المركز القوميّ للترجمة عام 2008.

---------------------------


[1]ـ  باحث في الفكر الإسلامي، مدير عام المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة.

- استودارد – حاضر العالم الإسلاميّ 4: 237.

[2]- تاريخ جودت: 228.

[3]- لماذا يهيمن الغرب اليوم، ايان موريس: 44. وانظر ايضا: فرنسا والاسلام، جاك فريمو: 14.

[4]- م ن: 636.

[5]- الأزمات الشرقيّة، هنري لورنس: 13.

[6]- الجغرافيا السياسيّة للمتوسط، إيف لاكوست: 33.

[7]- حاضر العالم الإسلاميّ، ستودارد 4: 216.

[8]- تاريخ المجتمعات الإسلاميّة، لابيدس2: 749.

[9]- حياة الشرق، محمّد لطفي جمعة: 18.

[10]- التعصّب الأوروبيّ أم تعصّب الإسلام، شكيب أرسلان: 199، وايضًا حاضر العالم الإسلاميّ، تأليف ستودارد (مع تعليق شكيب أرسلان) 3: 329.

[11]- تاريخ الدولة العلية العثمانيّة، محمّد فريد: 280.

[12]- م ن 286.

[13]- أهداف التغريب، أنور الجندي: 13.

[14]- نزعة التغريب: 38

[15]- نقد الشر المحض، مطاع صفدي: 199

[16]- حاضر العالم الإسلاميّ، 4: 8.

[17]- حاضر العالم الإسلاميّ، 1: 273.

[18]- حياة الشرق: 175.

[19]- تاريخ الدولة العثمانيّة، يلماز أوزتونا 1: 645.

[20]- للمزيد راجع: حاضر العالم الإسلاميّ، ستودارد 4:4.

[21]- راجع تجديد الفكر العربيّ، زكي نجيب محمود: 5.

[22]- نهج البلاغة، الكتاب رقم 31.

[23]- تفتيت الشرق الأوسط، جيرمي سولت: 43

[24]- تاريخ الدولة العلية العثمانيّة، محمّد فريد:92.

[25]- تاريخ الدولة العلية العثمانيّة، محمّد فريد: 119.

[26]- تاريخ الدولة العثمانيّة، يلماز أوزتونا 1: 646-647.

[27]- بدايات المسألة الشرقيّة، روبير مانتران (ضمن كتاب تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 12، 14.

[28]- م ن 2: 59، وانظر أيضًا تاريخ الدولة العلية العثمانيّة، محمّد فريد: 325.

[29]- تاريخ الاصطلاحات والتنظيمات في الدولة العثمانيّة، انكه لهارد: 25.

[30]- تاريخ الدولة العثمانيّة، يلماز 2: 72.

[31]- م ن 2: 89.

[32]- بدايات المسألة الشرقيّة، روبير مانتران ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 66.

[33]- تاريخ الدولة العثمانيّة، يلماز 2: 187.

[34]- بدايات المسألة الشرقيّة، روبير مانتران ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 67.

[35]- تاريخ الدولة العثمانيّة، يلماز 2: 128.

[36]- تاريخ جودت: 75.

[37]- تاريخ الدولة العثمانيّة، يلماز 2: 204.

[38]- الدولة العثمانيّة في القرن السابع عشر، روبير مانتران ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 1: 372.

[39]- الدولة العثمانيّة في القرن الثامن عشر، روبير مانتران ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 1: 415.

[40]- بدايات المسألة الشرقيّة، روبير مانتران ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 25، 29.

[41]- حاضر العالم الإسلاميّ، استودارد 1: 273.

[42]- م ن 1: 275.

[43]- بدايات المسألة الشرقيّة، مانتران ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 71.

[44]- الازمات الشرقية، هنري لورنس: 242 – 243.

[45]- الدولة العثمانيّة في القرن الثامن عشر، مانتران ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 1: 415.

[46]- فترة التنظيمات، بول دومون ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 74-75.

[47]- النزاع الأخير، فرانسوا جورجو ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 211.

[48]- موت إمبراطوريّة، بول دومون ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 262، 263.

[49]- فترة التنظيمات، بول دومون ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 63.

[50]- م ن 2: 66.

[51]- م ن 2: 79-80.

[52]- م ن 2: 77.

[53]- النزع الأخير، فرانسوا جورجو ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 211.

[54]- النزع الأخير، فرانسوا جورجو ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة)، 2: 227-237.

[55]- حاضر العالم الإسلاميّ، ستودارد 1: 317.

[56]- فترة التنظيمات، بول دومون ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 125.

[57]- الدولة العثمانيّة في القرن الثامن عشر، روبير مانتران ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 1: 428-429.

[58]- راجع: فترة التنظيمات، بول دومون ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 63.

[59]- م ن 2: 158-159.

[60]- موت الامبراطورية، بول دومون، ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة ) 2:253-254.

[61]- النزع الأخير، فرانسوا جورجو ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 209.

[62]- بدايات المسألة الشرقيّة، مانتران ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 59.

[63]- فترة التنظيمات، بول دومون ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 71.

[64]- النزع الأخير، فرانسوا جورجو ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 210.

[65]- صعود العثمانيّين نيقولا فاتان ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 1: 113.

[66]- الدولة العثمانيّة في القرن الثامن عشر، مانتران ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 1: 418.

[67]- النزع الأخير، فرانسوا جورجو ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 210.

[68]- تاريخ الدولة العثمانيّة، يلماز 2: 507.

[69]- م ن 2: 512.

[70]- حاضر العالم الإسلاميّ، ستودارد 4: 234.

[71]- فترة التنظيمات، بول دومون ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 92-93.

[72]- الدولة العثمانيّة في القرن الثامن عشر، روبير مانتران ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 1: 415.

[73]- تاريخ الدولة العثمانيّة، يلماز 2: 21.

[74]- النزع الأخير، فرانسوا جورجو ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 210.

[75]- فترة التنظيمات، بول دومون ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 72.

[76]- النزع الأخير، فرانسوا جورجو ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 211.

[77]- فترة التنظيمات، بول دومون ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة)2: 72.

[78]- تاريخ الدولة العثمانيّة، يلماز 2: 509.

[79]- الدولة العثمانيّة في القرن الثامن عشر، مانتران، ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 1:415.

[80]- فترة التنظيمات، دومون ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 109-112.

[81]- م ن 2: 113.

[82]- فترة التنظيمات، بول دومون ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 84.

[83]- م ن 2: 151.

[84]- حاضر العالم الإسلاميّ، ستودارد 4: 46.

[85]- حاضر العالم الإسلاميّ، ستودارد، 4: 47.

[86]- تاريخ الدولة العلية العثمانيّة، محمّد فريد: 484.

[87]- تنظيم الإمبراطوريّة العثمانيّة، نيكورا بيلدبسينو ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 1: 171-172.

[88]- فترة التنظيمات، دومون ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 88.

[89]- م ن 2: 88.

[90]- تاريخ الدولة العثمانيّة، يلماز 2: 465.

[91]- فترة التنظيمات، دومون ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 90.

[92]- فترة التنظيمات، دومون ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة)، 2: 91.

[93]- موت الإمبراطوريّة، بول دومون ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 323.

[94]- تاريخ جودت: 137.

[95]- تاريخ الدولة العثمانيّة، يلماز 2: 411.

[96]- الاغتيال الاقتصاديّ للأمم، جون بركنز: 24.

[97]- م ن:27.

[98]- الدولة العثمانيّة في القرن الثامن عشر، مانتران ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 1: 429. 

[99]- الدولة العثمانيّة في القرن الثامن عشر، مانتران ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة)، 1: 434.

[100]- حاضر العالم الإسلاميّ، ستودارد 4: 7.

[101]- تاريخ الأقطار العربيّة الحديث، لوتسكي: 25.

[102]- تاريخ المجتمعات الإسلاميّة، لابديس2: 823.

[103]- فترة التنظيمات، بول دومون ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 81.

[104]- للمزيد راجع: حياة الشرق، محمّد لطفي جمعة: 175.

[105]- انظر: حاضر العالم الإسلاميّ، ستودارد 4: 208.

[106]- العثمانيّون تفكيك الصور، اندرو ويتكروفت:206.

[107]- انظر: حياة الشرق، محمّد لطفي جمعة: 188.

[108]- انظر: تاريخ الدولة العثمانيّة، يلماز 2: 574.

[109]- حاضر العالم الإسلاميّ، ستودارد 4: 237.

[110]- مصر وآسيا الغربيّة، كامبفماير:103-104 (ضمن كتاب وجهة الإسلام). ونحوه أيضًا: تاريخ المجتمات الإسلاميّة، لابيدس2: 825.

[111]- من النهضة إلى الإصلاح، عبد الإله بلقزيز، 27-28.

[112]- المجتمع الإسلاميّ والغرب، هاميلتون جب 2: 218.

[113]- الدولة العثمانيّة في القرن الثامن عشر، مانتران ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 1: 411.

[114]- تاريخ الدولة العثمانيّة، يلماز 2: 21.

[115]- العثمانيّون تفكيك الصور: 183

[116]- موت الإمبراطوريّة، بول دومون ضمن كتاب (تاريخ الدولة العثمانيّة) 2: 281.

[117]- شعرنا القديم والنقد الجديد، وهب رومية: 21.

[118]- حياة الشرق، محمد جمعة: 19(نقلًا عن مجلّة الكويت العدد الرابع شعبان 1350).