البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

June / 24 / 2021  |  352آفاق النقد الإسلامي للحضارة الغربية علي عزت بيجوفيتش مثالاً

يعقوب الميالي المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية خريف 2021 م / 1442 هـ
آفاق النقد الإسلامي للحضارة الغربية علي عزت بيجوفيتش مثالاً

تعدّ تجربة المفكر الإسلامي علي عزت بيجوفيتش من التجارب الفريدة في نقد الحضارة الغربيّة، فهو العالم الفيلسوف المتبحّر في التّراث الإسلامي، الغائص إلى عمق الثقافة الغربيّة، وصاحب إلمامٍ كبيرٍ بفلسفتها. فهو مسلم أوروبي، درس العالم الغربي عن كثبٍ، وعنده إلمام واسع بالفلسفة الغربيّة وفنونها والأدب والفن الغربيين، كما تكشف خلفيّته الثقافيّة عن أستاذيّته في كثير من العلوم، فهو عالم وفيلسوف وأديب وفنان. فنجد في دراسته إحصاءاتٍ دقيقةً لأشياءٍ كثيرة في الغرب، كنسبة الجريمة وتصاعدها في الولايات المتّحدة الأميركيّة، ومعدّلات الانتحار في الدول التي توصف أنّها ذات تقدّم حضاريّ وتطوّر تكنولوجيّ.

هذه القراءة تحاول تقديم المشروع الفكري عند بيغوفيتش وتسعى إلى استظهار التهافت المريع في البنية الفكرية والمعرفية لحركة الحداثة في الغرب.

المحرر


يُقدّم علي عزّت بيجوفيتش الإسلام كحلٍّ بديلٍ لخلاص الإنسانيّة من ضياعها الرّوحي، فهو دين يحمل الثقافة الروحيّة التي تنزل السكينة في قلوب المؤمنين، ويتمثّل هذا فيما اشتمل عليه الإسلام من عبادات، ومع كون الإسلام ثقافة فهو حضارة أيضًا؛ إذ يهتمّ بالجانب الخارجي المادي للإنسان، ويتمثّل هذا في جانب المعاملات في الفقه الإسلامي. فالإسلام يختلف عن المسيحيّة من جهة أنّه ليست ثقافة روحيّة فقط، ويختلف عن الحضارة الماديّة الغربيّة التي تؤكّد على الجانب الحضاري المادي للإنسان دون الجانب الروحي. فالإسلام يدعو إلى خلق إنسان متّسق مع روحه وبدنه، ومجتمع تحافظ قوانينه ومؤسّساته الاجتماعيّة والاقتصاديّة على هذا الاتساق ولا تنتهكه؛ إذ إنّ واجب الإسلام التاريخي هو تحقيق التوازن بين العالم الجوّاني (الروحي) للإنسان وبين عالمه البرّاني (المادي).

لقد قسّمنا هذا البحث إلى ثلاثة محاور: المبحث الأوّل اشتمل على بيان حياة علي عزّت بيجوفيتش ومؤلّفاته. أمّا المبحث الثاني فخصّصناه للبحث عن الرؤية النّقديّة للحضارة الغربيّة عند علي عزّت بيجوفيتش. أمّا الثالث فقد كان لبيبان الثنائيّة التكامليّة في الإسلام. وكانت هناك خاتمة لبيان أهم النتائج التي توصّلنا إليها.

حياته وأعماله

علي عزّت بيجوفيتش المفكّر والسياسي والمقاوم المجاهد البوسني، الذي قاد الشعب البوسني للاستقلال بعد تفكّك الاتّحاد اليوغسلافي. لقد جُمعت في علي عزّت بيجوفيتش صفات من النادر أن تجتمع في شخص واحد، فهو مثال للمفكّر المبدع الذي يغوص في الأعماق، ملمًّا بالعلوم الشرعيّة الإسلاميّة وبألوان الثقافة العصريّة، وفي الوقت نفسه يمثّل النموذج للسياسي الوطني الذي يحمل هموم شعبه، وهو المناضل السياسي الذي يبحث عن الحرية في المحافل الدوليّة كرئيس لجمهوريّة البوسنة والهرسك، وفي الوقت نفسه هو القائد الميداني لقوّات المقاومة البوسنيّة ضدّ قوّات الصرب التي شنّت حرب إبادة ضدّ المسلمين في البوسنة.

ولد علي عزّت بيجوفيتش في سنة (1925م)، وهو ينتمي إلى أسرة مسلمة عريقة في مدينة كروبا في جمهورية البوسنة والهرسك، التي كانت جزءًا من الاتّحاد اليوغسلافي[2].

تعلّم في مدارس سراييفو والتحق بجامعتها، فتخرّج من كلّية القانون، فعمل بعد تخرّجه مستشارًا قانونيًّا لمدّة (25 سنة)، ثمّ اعتزل بعدها ليتفرّغ للكتابة والبحث. وقد عُرف بنشاطه في مجال العمل الإسلامي كاتبًا ومحاضرًا. وقد حُكم عليه بالسجن خمس سنوات مع الأشغال الشاقّة سنة (1946م) أكمل ثلاث سنوات ثمّ خرج سنة (1949م)، وكانت تهمته أنّ له علاقة بمنظمة (الشبّان المسلمين)، ولم تكن هذه المنظمة تعمل في الجانب السياسي، بل إنّ نشاطها منصبٌّ على التعليم الإسلامي والأعمال الخيريّة؛ إذ هي عبارة عن مؤسّسة خيريّة أسّسها قبل الحرب العالميّة الثانية بعض العلماء البوسنيين الذين تلقّوا العلم في الأزهر الشريف بالقاهرة، وتأثّروا بالحركة الإسلاميّة في مصر فنقلوها إلى الشبّان المسلمين في البوسنة، وكان لها دور كبير قبل الحرب العالميّة الثانية وأثناءها في إيواء المهاجرين ومساعدة الفقراء وكفالة الأيتام، وكان علي عزّت بيجوفيتش من أبرز أعضائها في تلك الفترة[3].

كان علي عزّت بيجوفيتش مدافعًا عن حقوق المسلمين الذين كانوا يتعرّضون للتصفية الجسديّة والاضطهاد في البوسنة التي كانت تحت حكم الاتحاد اليوغسلافي، وعلى أثر نضاله وجهاده في الدفاع عن حقوق شعبه المسلم تعرض للاعتقال مرّة أخرى؛ حيث كان أوّل المتّهمين في قضيّة سراييفو سنة (1981م)، فحُكم عليه بالسجن أربعة عشر عامًا، أكمل منها ثمانية سنوات حيث خرج سنة (1988م)[4].

أنشأ حزب العمل الديمقراطي عام (1989م)، وترأسه عام (1990م). ثمّ أصبح رئيسًا للمجلس الرئاسي في البوسنة والهرسك، فقاد علي عزّت بيجوفيتش حرب الاستقلال ضدّ الصرب، الذين شنّوا حرب إبادة ضدّ المسلمين في البوسنة سنة (1992م)، ولكن صمود الشعب البوسني أنهى سيطرة الصرب على البوسنة والهرسك. وبعد أن أصبح بيجوفيتش رئيسًا للمجلس الرئاسي في البوسنة نظّم استفتاءً للاستقلال عن الصرب الدولة التي تدعو إلى إنشاء الصرب الكبرى على أنقاض يوغسلافيا المنهارة، وقد اختار الشعب البوسني الاستقلال على غرار ما فعلت سلوفينيا وكرواتيا، وقد استطاعت البوسنة والهرسك وبجهود كبيرة من علي عزّت بيجوفيتش وبدعم من الشعب البوسني أن تحصل على اعتراف المجتمع الدولي بكيانها المستقل كدولة عضو في الأمم المتحدة[5].

وفي سنة 2000م وبعد عشرة سنوات من رئاسته للمجلس الرئاسي في البوسنة والهرسك تنحّى علي عزّت بيجوفيتش عن الرئاسة طواعيّة بسبب حالته الصحيّة، توفي عام 2003م، وتمّ تشييعه تشييعًا رسميًّا، وكانت جنازته أكبر جنازة في تاريخ البوسنة والهرسك[6].

مؤلّفاته

هروبي إلى الحرّيّة، كتبه في السجن، عندما اعتقله الشيوعيون عام (1946م) بسبب نشاطه السياسي، ولانتمائه إلى جمعيّة الشبان المسلمين.

ـ عوائق النّهضة الإسلاميّة.

ـ الأقليّات الإسلاميّة في الدول الشيوعية.

البيان الإسلامي، وهو مجموعة مقالات كان قد نشرها في مجلّة (تاكفين) كانت تصدرها جمعية العلماء في البوسنة. وقد جمع ابنه هذه المقالات في كتاب تحت هذا الاسم.

الإسلام بين الشرق والغرب، ويعدّ هذا الكتاب موسوعة معرفيّة كبيرة في نقد الثقافة الغربية، وبيان عدم جدواها في قيادة الثقافة الإنسانيّة، فقد هزّ هذا الكتاب أركان العالم الغربي، فقد خاطب به قادة الفكر في الغرب، وكان فيه عالمًا وفيلسوفًا وأديبًا وفنانًا مثقفًا مسلمًا.

الرؤية النقديّة للحضارة الغربيّة

إنّ نقد علي عزّت بيجوفيتش للحضارة بشكلٍ عام والحضارة الغربيّة بشكل خاص  باعتبارها الحضارة المهيمنة على مقدّرات العالم  ليست دعوة إلى رفض الحضارة، فالحضارة كما يقول: لا يُمكن رفضها حتّى لو رغبنا في ذلك، إنّما لا بدّ من أنسنة الحضارة، وهذه الأنسنة ضروريّة، كما أنّها ممكنةٌ، وتتم هذه الأنسنة من خلال تحطيم الأسطورة التي تحيط بالحضارة، فإنّ تحطيم هذه الأسطورة سيؤدّي إلى مزيدٍ من أنسنةِ هذا العالم، وهي مهمّة تنتمي بطبيعتها إلى الثقافة.[7]

ويمكن بيان أهم الانتقادات التي وجّهها علي عزّت بيجوفيتش إلى الحضارة الغربية من خلال مجموعة من المطالب.

الأصل الإنساني

ينطلق علي عزّت بيجوفيتش في نقده للحضارة الغربية من السؤال التالي: (ما هو الإنسان؟)، ويرى بأنّ الإجابة على هذا السّؤال هي التي تحدّد الرؤية المعرفيّة لكلّ أفكار العالم.

ويرى علي عزّت بيجوفيتش أنّ الحضارة الغربيّة بشقّيها الرأسمالي والاشتراكي يصدران عن مقولةٍ واحدةٍ، وهي مقولة الإنسان الطبيعي (المادي)، أي الإنسان ذو الأبعاد المادّيّة الطبيعيّة، وتنفي عنه وجود أي بعد آخر غير المادة، في جوابهما عن السؤال المتقدّم وتنظر الحضارة
الغربيّة وبحسب المنطق الدارويني الذي سيطر على الفكر الغربي  إلى أصل الإنسان كنتيجةٍ لعمليّة طوليّة من التطوّر ابتداءً من أدنى أشكال الحياة، حيث لا يوجد تميّز واضح بين الإنسان والحيوان. وتتحدّد النظرة العلميّة للكائن البشري باعتباره إنسانًا ببعض الحقائق الماديّة الخارجيّة: كالمشي قائمًا، وصناعة الأدوات، التواصل بواسطة لغة منطوقة مفصّلة. فالإنسان هنا ابن الطبيعة ويبقى دائمًا جزءًا منها، فالإنسان هو الحيوان الكامل، وإنّ الفرق بين الإنسان والحيوان إنّما هو فرق في الدرجة وليس في النوع، فليس هناك جوهر إنساني متميّز عن الحيوانات الأخرى[8].

وكذلك كان إنسان نيتشيه (السوبرمان) فهو من إلهام داروين؛ لأنّ الرجل السوبرمان حاصل نتيجة تطوّر الحيوان الذي اتّجه نحو الكمال الجسمي والفكري، ومنه إلى الذكاء الخارق والحيوان الأمثل، ثمّ إلى الإنسان الأمثل، وهو في الحقيقة الحيوان الكامل. فهو كائن بلا حياة جوّانيّة (روحيّة)، بدون إنسانيّة أو مأساويّة أو شخصيّة أو قلب[9].

وهذا يدلّ على أنّ الحضارة الغربيّة عاجزة عن تفسير الحقيقة الإنسانيّة، وعاجزة عن تفسير البُعد الإنساني في الإنسان؛ لأنّها ترى أنّه ذو بعدٍ واحد هو البُعد المادي، أي إنّ الإنسان عبارة عن حيوان مثالي، وليس له تميّز آخر على سائر الحيوانات، بينما نجد أشياء كثيرة في الإنسان لا يستطيع المنهج العلمي (التجريبي)  الذي اعتمدت عليه نظريّة التطوّر الداروينيّة  أن يفسّرها، مثل الدين والأخلاق والفن والفلسفة في حياة الإنسان، وغيرها من الأشياء التي لا ترتبط بالجانب المادي.

الدوار الميتافيزيقي للإنسان

مما لا شكّ فيه أنّ هناك الكثير من المشتركات بين الإنسان والحيوان، كما أنّ هناك فارق واضح بين الإنسان والحيوان، ويطرح علي عزّت بيجوفيتش تساؤلات محوريّة في هذا المجال وهي[10]: إذا كان الإنسان مثل باقي الحيوانات، وإنّه يختلف عنها بالدرجة فقط دون الحقيقة أو النوع كما تقول الحضارة المادية، فما هي اللحظة الفارقة التي جعلته إنسانًا بهذا الشكل دون باقي الحيوانات؟ ولماذا لم يقتنع الإنسان بجانبه الحيواني المادي، بحيث بدأ رحلة يبحث من خلالها عن الوجود المقدّس ويبدأ بمعارضته للطبيعة؟ فما هذا الشيء الذي جعله لا يكتفي بصنع لوازم الحياة المادية مثل صنع الآلات التي تحسن قدرته على الصيد والحياة المعيشيّة المادّيّة، وبدلًا من هذه الأفعال راح يبتكر ويصنع العبادات والأساطير والمعتقدات الخرافية والغريبة والرقصات والأوثان والسحر، وبدأت تنشأ عنده أفكار عن الطهارة والنجاسة، والسمو واللعنة والبركة والقداسة، وبدأت تظهر في حياته قائمة من المحرمات والمحظورات الأخلاقيّة التي ألزم نفسه بها ونظم حياته من خلالها؟ فبدلًا من أن يكون مثل قطعان الحيوانات الأخرى وهي تبحث عن الطعام وتتصارع من أجل البقاء، أصبح خائفًا مشوّشًا بمعتقداته ومحرّماته الغريبة، وغارق في أسراره ورموزه الغامضة؟[11]

يجيب علي عزّت بيجوفيتش عن الأسئلة المتقدّمة من خلال مقولة الدوار الميتافيزيقي، ويقصد بالدوار الميتافيزيقي هو أنّ الإنسان أصيب بدوار مجهول الأصل ليس له سبب مادي ملموس، ولذا يسميه (الدوار الميتافيزيقي)، وهو دوار يُشكّل لحظةً فارقةً في تاريخ الإنسان، ذلك أنّه إلى جانب الإنسان الصانع الذي أدّت إليه عملية التطوّر، وجد الإنسان العاقل، وهو إنسان مختلف عن الحيوان وعن إنسان داروين الطبيعي، فهو إنسان ذو عقل وخيال ووجدان، يحسّ بأنّه جزء من الطبيعة وغريب عنها في الوقت ذاته؛ إذ توجد مسافة تفصله عنها. ولذا فهو يشعر بوجود عالم آخر يحتاج للتعبير عنه والتواصل معه؛ ولهذا امتلأت حياته بالعبادات والأسرار والمحظورات والاعتقادات[12].

وهكذا ساهم الدوار الميتافيزيقي في فصل الإنسان عن المادة، وجعله ينتمي إلى عالمه الروحي الذي يفصله ويميّزه عن الحيوانات الأخرى.

عقدة الإنسان البدائي

يرى علي عزّت بيجوفيتش أنّ هناك ظاهرة في التاريخ الإنساني لا يمكن تفسيرها وفق الرؤية الأحاديّة الماديّة للإنسان، وهي ما يُعرف عند الماديين بعقدة الإنسان البدائي. وخلاصة هذه العقدة مرتبطة بظاهرة التضحية عند الإنسان، وهي أن يضحوا بأحد الأفراد، ولا تكون التضحية بشخص قليل القيمة أو منبوذ في المجتمع، وإنّما كان يُختار عادةً من بين أحسن الشبان أو الفتيات، وكان يُعامل باحترام إلى درجة العبادة، ولقد وجدت هذه التضحية في جميع الأديان بلا استثناء. ويرجع تاريخ هذه الظاهرة إلى العصور الحجرية[13].

ومن وجهة نظر بيجوفيتش، إنّ الحضارة الغربية المادية عاجزة عن تفسير هذه الظاهرة وهذه الأفعال الصادرة من الإنسان البدائي؛ لأنّها تتعارض مع كونه حيوانًا؛ لأنّ مبدأ التضحية مناقض لمبدأ المصلحة والمنفعة والحاجات، فالمصلحة مبدأ حيواني  وهي إحدى الأفكار الأساسيّة في السياسة والاقتصاد السياسي  فهي مبدأ يمثّل جانبًا آخر في الإنسان غير الجانب المادي، فالتضحية من المبادئ الرئيسيّة في الدين والأخلاق. ومن الخطأ استنتاج أنّ الناس كانوا حيوانات متوحّشة؛ لأنّا لم نرَ شيئًا مثل هذا عند الحيوانات، ولكن فكرة التضحية إنّما هي أنماط سلوكية ملازمة للإنسان تتعلق بمعاناته وضلاله، وهما أمران يتكرّران في مأساة الجنس البشري، حيث تسلك الأمم سلوكًا لا معقوليّة فيه، لا تدفع إليه غرائزهم، وإنّما تعصَّبات وأخطاء متأصلة فيهم[14].

ولو كان الإنسان أكثر الحيوانات كمالًا لكانت حياته بسيطة خالية من الأسرار. ولكنّه يخوض غمار المجاهدة الأخلاقيّة، وما في الحياة من مآسٍ ومعضلات وإحباطات، ويصادف النقمة والقسوة وخبث الطوية. ولا يعرف الحيوان شيئًا من هذا كلّه، ومن هنا يعلم معنى تلك اللحظة التي صنعت عصرًا جديدًا[15].

إنّ ظاهرة التضحية في حياة الإنسان البدائي تعدّ انتكاسةً في حياة الإنسان من وجهة النّظر الماديّة، فهي تعوق التقدّم. وإنّ ما يُسمّيه الماديّون عقدة الإنسان البدائي في الواقع هي التعبير عن الخصوصيّة الملازمة للإنسان، وهي مصدر لكلّ تديّن عنده، كما أنّها مصدر الشّعر والفنّ في حياة الإنسان، فهي تشير إلى أصالة الإنسان، وإنّه متميّز عن باقي الحيوانات بما يحمله من عالم جوّاني (روحي) لا تنتمي إلى عالم المادة، ألا وهي الروح الإنسانيّة. ولكن النظرة المادّيّة في أنّ القيم الإنسانيّة تؤخّر التقدّم تكرّرت مرّةً أخرى في الحضارة الغربية المعاصرة، وذلك من خلال الدعوة إلى تحطيم المثاليّة في الإنسان في سبيل التقدّم؛ لأنّ التقدّم قيمة مطلقة مع أنّ الحضارة الغربية تدعوا إلى فكرة النسبيّة!![16].

الدين في حياة الإنسان

يرى علي عزّت بيجوفيتش أنّ نظريّة داروين عن الإنسان بحاجة إلى تجديد ومراجعة؛ لأنّها لا تستطيع أن تجيب على كلّ الأسئلة حول الأصل الإنساني، ومن هذه الأسئلة ظاهرة الدين في حياة الإنسان، كيف نشأت؟ ولماذا نشأت؟ فنظريّة التطوّر لم تستطع أن تفسّر بطريقةٍ مقنعةٍ ظهور التدين في حياة البشريّة، ولا حتّى وجود هذه الظاهرة في العصور الحديثة[17].

 ويُرجِع بيجوفيتش سبب عجز النظريّة الداروينية في الإجابة عن أصل الدين في حياة الإنسان إلى أنّ نظرية التطوّر قائمةٌ على أساس الوحدة بين الإنسان والحيوان، وعليه فإنّ النظرية الداروينية أبطلت الاختلاف بين الطبيعة (المادة) وبين الثقافة. ولكن الدين في الواقع يُعيد إقامة هذا الاختلاف. وكأنّ الدين يقول: انظر ماذا يفعل الحيوان وافعل عكسه، إنّه يفترس فيجب أن تصوم، إنّه يتسافد فيجب أن تتعفّف، إنّه يعيش في قطيع فحاول أن تعيش متفرّدًا، إنّه يسعى إلى اللذّة ويهرب من الألم، فعليك أن تُعرِّض نفسك للمصاعب، وباختصار: الحيوانات تعيش بأجسامها، فعليك أن تعيش بروحك[18].

وهنا يُشير علي عزّت بيجوفيتش إلى أنّ هناك ثغرة في نظريّة التطور الدارويني في تفسيرها للظاهرة الإنسانيّة، إذ إنّ النظريّة الداروينيّة لم تعطِ أهميّة أو تفسيرًا للظواهر الثقافيّة في حياة الإنسان، وسبب هذا الإهمال هو أنّ الظواهر الثقافيّة ليست نتاجًا لعمليّة التطوّر؛ لأنّ الظواهر الثقافيّة مفارقة لعملية التطوّر؛ ولهذا ركّز عليها بيجوفيتش؛ إذ إنّها تحمل إجابات حاسمة عن الوجود الإنساني. فإذا كان هناك خطٌّ متّصل لعملية التطور في حياة الإنسان المادّيّة البيولوجيّة، وإنّ هذا التطوّر يتمثّل في تسخير الطبيعة (المادة) والآلات، وهو مبنيّ على المنفعة وترشيد الكفاءة، فإنّ هناك مجال آخر في حياة الإنسان يهتمّ بقيم مختلفة تمامًا لم يحدث فيها أي تطور مطلقًا، مثل ظهور الفنّ في حياة الإنسان والدين والأخلاق والفلسفة، والخوف من الموت والضمير الذي يعيش مع الإنسان، وفكرة التضحية ومساعدة الآخرين. كلّ هذه الأشياء تشير إلى وجود جانبٍ آخر في حياة الإنسان غير الطبيعة (المادة). وهذه الجوانب غير خاضعةٍ للتطوّر. فحتّى في أكثر أنواع الحيوانات تطوّرًا، لا نستطيع أن نجد أدنى أثر لعبادات أو محرّمات، بينما نجد الإنسان حيثما ظهر يظهر معه الدين والفن، فلقد كان الدين والفن في تلازم وثيق، وهذه الظاهرة تحمل في ثناياها إجابات عن بعض الأسئلة الحاسمة عن الوجود الإنساني[19].

فإنّ ظاهرة الحياة الجوّانيّة (الروحية) أو التطلّع إلى السماء، ظاهرة ملازمة للإنسان غريبة عن الحيوان، وهذه الظاهرة تظلّ مستعصية على أيّ تفسير منطقي، ويبدو أنّها نزلت من السماء؛ لأنّها ليست نتاجًا للتطوّر، فهي تقف متعالية عنه مفارقة له[20].

إنّ نظرية التطوّر الداروينيّة لا تفسّر كيف لم يتغيّر تاريخ البشر الجوّاني (الروحي) كثيرًا، فالإنسان هو الإنسان بأخطائه، وفضائله وشكوكه وخطاياه، والتعلّق بالدين والفن، وكلّ ما يشكّل عالمه الروحي، يبرهن على عدم قابليته للتغيير. فإنّ دراسة رسوم إنسان نياندرتال في فرنسا تبين أنّ الحياة النفسيّة للإنسان البدائي لا تختلف إلّا قليلًا جدًّا عن الحياة النفسيّة للإنسان المعاصر[21].

نقد نظريّة الصدفة

المراد من الصدفة في الفكر الفلسفي: هو أنّ الأشياء والوجودات في العالم وجدت دون سبب أو علّة للإيجاد، وإنّما من طبيعتها الوجدان والظهور أو الفقدان والضمور، فليست مرتبطة بأيّ جهازٍ تخطيطيٍّ أو عقلٍ مدبّرٍ ومخطّطٍ[22].

وتقع نظريّة الصدفة في صميم النظريات المادية ونظريّة التطوّر الداروينيّة بالخصوص، وتعود جذور هذه النظرية إلى ديمقريطس أبيقور قديمًا، وماركس وإنجلز حديثًا[23].

ويقوّض علي عزّت بيجوفيتش هذه الرؤية التي تدّعي وجود العالم من خلال الصدفة، فهي مع كونها فرضيّات وتكهّنات لم يقيموا أيّ دليل عليها، فهم من جهة أخرى يدّعون أنّ المادة ومن خلال الصدفة وحدها قد أدّت إلى وجود عناصر متجاوزة للمادة، مثل الإنسان، أي إنّهم ينسبون للمادة قدرات غير ماديّة. وعدم عقلانيّة القول بالصدفة من المسلمات عند بيجوفيتش، ويعطينا مثالًا على عدم عقلانيّة القائلين بالصدفة وهو: إذا وجدنا في اكتشاف أثري حجرين موضوعين في نظام معيّن أو قُطعا لغرض معيّن، فإنّنا جميعًا نستنتج بالتأكيد أنّ هذا من عمل إنسان ما في الزمان القديم. فإذا وجدنا بالقرب من الحجر جمجمة بشريّة أكثر كمالًا وأكثر تعقيدًا من الحجر بدرجةٍ لا تُقارن، فإنّ بعضًا منّا لن يُفكّر في أنّها من صنع كائن واع، بل ينظرون إلى هذه الجمجمة الكاملة أو الهيكل الكامل كأنّهما قد نشآ بذاتهما أو بالصدفة هكذا بدون تدخّل عقل أو وعي[24]!

وينتهي بيجوفيتش إلى النتيجة التالية: إنّنا لا نستطيع تفسير الحياة بالوسائل العلميّة فقط؛ لأنّ الحياة معجزة وظاهرة معًا، والإعجاب والدهشة هما أعظم شكل من أشكال فهمنا للحياة[25].

الأخلاق والماديّة

ظاهرة الأخلاق في حياة الإنسان واحدة من الظواهر المهمّة والتي يحاول من خلالها علي عزّت بيجوفيتش أن يقوّض النظريّة المادّيّة التي ترى بأنّ الإنسان له بعدُ واحد هو البعد المادي، وليس وراء الوجود المادي للإنسان شيء آخر. فالقيم الأخلاقيّة التي يحملها الإنسان التي لا يمكن الشكّ فيها، تقف نظريّة التطوّر المادّيّة عاجزة عن تفسيرها؛ لأنّ الأخلاق كظاهرةٍ واقعيّةٍ في الحياة الإنسانيّة، لا يمكن تفسيرها تفسيرًا عقليًّا، ولعلّ في هذا الحجة الأولى والعمليّة للدين، فالسلوك الأخلاقي الذي يسلكه الإنسان في حياته إمّا أن يكون لا معنى له، وإمّا أن يكون به معنى في وجود الله، وليس هناك اختيار ثالث. فإمّا أن نسقط الأخلاق باعتبارها كومةً من التعصُّبات، أو أن نُدخل في المعادلة قيمةً يمكن أن نسميها الخلود، فإذا توفّر شرط الحياة الخالدة، وأنّ هناك عالمًا آخر غير هذا العالم، وأنّ الله موجودٌ، بذلك يكون سلوك الإنسان الأخلاقي له معنى[26].

وينتهي بيجوفيتش إلى أنّ الأخلاق لا يمكن بناؤها إلّا على الدين؛ لأنّ الأخلاق إنّما هي دين تحوّل إلى قواعد للسلوك، أي تحوّل إلى مواقف إنسانيّة اتجاه الآخرين وفقًا لحقيقة الوجود الإلهي. فالأخلاق وإن كانت كممارسة لا تعتمد بطريق مباشر على التديّن، ولكنّ الأخلاق كمبدأ لا يمكن وجودها بغير الدين[27]

إنّ الأخلاق والقيم الأخلاقية ليس لها وجود عند إنسان داروين؛ لأنّ إنسان داروين جزء من الطبيعة (المادة)، وفي المادة يكون الصراع من أجل البقاء على أشدّه، ولا يفوز فيه الأفضل بالمعنى الأخلاقي، وإنّما يفوز الأقوى والأفضل تكيّفًا. كما أنّ التقدم البيولوجي للإنسان الدارويني لا يؤدي إلى سمو الإنسان باعتباره أحد مصادر الأخلاق، فقد يصل إلى أعلى درجات الكمال البيولوجي (السوبرمان) أو الإنسان الأعلى، ولكنّه يظلُّ محرومًا من الصفات الإنسانيّة، ومن ثمَّ محرومًا من السمو الإنساني؛ لأنّ السمو الإنساني لا يكون إلّا هبة من الله، وهذه القيم ليس لها وجود عند الإنسان الدارويني الطبيعي (المادي)؛ لأنّ لسان حال الإنسان ينادي: تخلّص من الضمير ومن الشفقة والرحمة ومن كلّ شيء غير مادي؛ لأنّها أمور ميتافيزيقيّة لا وجود لها في الطبيعة (المادة)، وبالنتيجة اقهر الضعفاء واصعد فوق جثثهم. ولكنّ الأخلاق كانت ولا تزال تدعو إلى حماية الأضعف والأقلّ مقدرة، وإلى الإشفاق عليه والعناية به، فالأخلاق والطبيعة (المادة) في تصادمٍ مستمرٍّ، فالأخلاق تدعونا للواجب، بينما الطبيعة (المادة) تدعونا للمصلحة، حطّم الضعفاء بدلًا من احمِ الضعفاء، فهاتان الدعوتان المتعارضتان تفصلان البيولوجي عن الروحي، الحيواني عن الإنساني، الطبيعة عن الثقافة، والعلم عن الدين، وكلّ ما فعله نيتشيه إنّه طبّق بثباتٍ قوانين علم البيولوجيا ونتائجها على المجتمع الإنساني، وكانت النتيجة نبذ الحب والرحمة وتبرير العنف والكراهيّة، والمسيحيّة عند نيتشيه، وبخاصّة الأخلاق المسيحيّة، فهي السم الزعاف الذي غرس في الجسم القوي للجنس البشري من وجهة نظره[28].

أمّا ما يُسمّى بحركة الأخلاق العَلمَانيّة التي تؤكّد على استقلال الأخلاق عن الدين، التي ظهرت في بعض البلدان الغربية، فيُجيب علي عزّت بيجوفيتش عن هذه الحركة بأنّها نفسها تكشف لنا عن أنّ كلّ فكر أو نشاط أخلاقي لا بدّ أن ينحو بطبيعته صوب الدين أو يتطابق معه. فمثلًا المدارس الفرنسية  حيث حلّ التوجيه الأخلاقي محلّ التوجيه الديني  نجد أنّ الكتب المدرسيّة في هذا المجال تتبع الطريقة نفسها التي يتم بها التعليم الديني في الكنائس المسيحيّة. فالنّزعة العَلمَانيّة الحريصة على اتخاذ موقف أخلاقي مستقل عن الدين تتّجه في سيرها وبطريقةٍ لا شعوريّة نحو الدين؛ فتاريخ علم الأخلاق بأكمله قصّة متّصلة لتشابك الفكر الديني والأخلاقي، ولذا تعتبر المسيحيّة مثلًا بارزًا للتآلف الكامل والنسب القوي المتبادل إلى حدّ الوحدة بين دين عظيم وأخلاق عظيمة، وقد أثبت فن عصر النّهضة الذي استمد إلهاماته من موضوعات إنجيليّة، أنّ الفن العظيم يلتحق بالدين والأخلاق[29].

ومع غياب أيّة منظومات أخلاقيّة متجاوزة للنظام الطبيعي المادي تصبح اللذة هي الخير والألم هو الشر، ويُصبح ما يحقّقه الإنسان نفسه من منفعة مادية (تزيد من إمكانيّات بقائه المادي) هو الخير الأعظم. أو كما يقول بنتام  صاحب مذهب المنفعة  لقد أخضعت الطبيعة البشر لحكم سيدين، هما: اللّذّة والألم. فهما وحدهما اللذان يحكمان أفعالنا[30].

ظاهرة الفن في حياة الإنسان

يقف علي عزّت بيجوفيتش كثيرًا عند ظاهرة الفنّ في حياة الإنسان؛ لأنّ هذه الظاهرة تؤكّد على الثنائيّة الإنسانيّة في كيانه (الروح/ المادة)؛ لأنّ المعنى النهائي للفن أن يكشف عن الخصوصيّة الإنسانيّة في الإنسان، ولهذا لا يُمكن تفسير هذه الظاهرة من خلال الرؤية الأحادية للإنسان، التي ترى بأنّ الإنسان ذو بُعدٍ واحد هو البُعد المادي. وهذه الرؤية تعتمد بالأساس على نظريّة التطوّر الداروينيّة في أصل الإنسان وتطوّره. فيرى بيجوفيتش أنّ العلم والفن يقفان على طريق تصادم قطعي؛ لأنّ العلم يحصي الحقائق التي تؤدّي بطريقةٍ عنيدةٍ إلى الاستنتاج بأنّ الإنسان قد تطوّر تدريجيًّا من حيوان إلى إنسان. أمّا الفن فإنّه يُرينا صورة مغايرة للإنسان، يرينا الإنسان في صورة مثيرة قادمًا من عالم مجهول. فالدراما الإغريقيّة، ورؤيا دانتي في الجنّة والجحيم، والأغاني الدينيّة الأفريقيّة، واستهلال (فاوست) في السماء، والأقنعة الميلانيزيّة، والصور الجصّيّة اليابانية القديمة، والرسوم الحديثة، جميع هذه الأمثلة إذا أخذت بدون تنظيم معيّن، فإنّها جميعًا تحمل بين ثناياها شهادة واحدة هي إنّ الإنسان الذي صنع هذه الأشياء لا علاقة له بإنسان داروين[31].

وينتهي إلى النتيجة التالية وهي إنّ الكائن الإنساني ليس مجرد مجموعة من الوظائف البيولوجية المختلفة، كذلك الوضع بالنسبة للوحة الفنية، فلا يمكن تحليلها إلى كميّة الألوان المستخدمة فيها، ولا القصيدة إلى الألفاظ التي تكوّنها. وكذلك المسجد فصحيح أنّه مبنيٌّ من عدد قليل من الأحجار ذات شكل معيّن وبنظام معيّن، ومن كميّة محدّدة من الملاط والأعمدة الخشبيّة، إلى غير ذلك من مواد البناء، ومع ذلك فليست هذه كلّ الحقيقة عن المسجد، فبعد كلّ شيء هناك فرق بين المسجد وبين المعسكر الحربي، وإن اتّحدا في مواد البناء؛ لأنّ علم الحفريات وعلم هيئة الإنسان وعلم النفس، كلّها علوم تصف من الإنسان فقط الجانب الخارجي الآلي الذي لا معنى له. فالإنسان مثله كمثل اللوحة الفنيّة والمسجد والقصيدة، فهو أكثر من مجرد كميّة ونوعيّة المادة التي تكونه، بل هو أكثر من جميع ما تقوله العلوم مجتمعة إنّما هو الروح[32].

فالدين والفن عند علي عزّت بيجوفيتش ينتميان إلى قضيّة واحدة، ولكنّ هذه القضية معبّر عنها بطرقٍ مختلفةٍ، وهذه القضيّة هي قضيّة الإلهام الإنساني. فالدين يؤكّد الخلود المطلق، ويؤكّد الفن على الإنسان والخلْق. وهي كلّها نواحٍ مختلفة لحقيقة جوّانيّة (روحيّة) عُبِّر عنها بطرقٍ مختلفةٍ. ففي جذور الفن والدين هناك وحدة مبدئيّة، فالدراما والفن بشكلٍ عام لهما أصل ديني، سواء من ناحية الموضوع، أو من ناحية التاريخ. فمن الناحية التاريخية كانت المعابد هي المسارح الأولى بممثليها وملابسها ومشاهديها. وقد كانت أوائل المسرحيات الدرامية عبارة عن طقوسٍ عباديّةٍ ظهرت في معابد مصر القديمة منذ أربعة آلاف سنة مضت[33].

أمّا ظاهرة الفنان الملحد فيرى بيجوفيتش إنّهم ملحدون اسميًّا، وهذا لا يُغيّر شيئًا من الواقع؛ لأنّ الفن طريقة للعمل لا طريقة للتفكير، فقد توجد لوحات لا دينيّة، وتماثيل لا دينيّة، وكذلك قصائد من الشعر، ولكن لا يوجد فن لا ديني؛ لأنّ الفن يبحث عمّا هو إنساني، وفي بحثه هذا أصبح باحثًا عن الله. كما أنّ ظاهرة الفنّان الملحد هي ظاهرة نادرة جدًّا، ويُمكن إرجاعها إلى تناقض في الإنسان نفسه؛ لأنّه إذا امتنع وجود حقيقة دينيّة، امتنع بالتالي وجود حقيقة فنيّة[34].

أزمة الحضارة الغربيّة

يميّز علي عزّت بيجوفيتش بين الحضارة والثقافة، فالحضارة عنده تمثّل الجانب الخارجي المادي في حياة الإنسان، بينما الثقافة تتمثّل في الجانب الجوّاني الروحي للإنسان. فالثقافة عنده متركّزة في الدين والفن والأخلاق والفلسفة، ومنشأ كلّ هذه الأشياء هو الروح، والروح كائن سماوي، فكلّ شيء في إطار الثقافة إمّا تأكيد أو رفض أو شك أو تأمّل في ذكريات ذلك الأصل السماوي للإنسان. فتتميّز الثقافة بهذا اللغز وتستمرّ هكذا خلال الزمن في نضالٍ مستمرّ لحلِّ هذا اللغز. أمّا الحضارة فيعتقد بيجوفيتش إنّها تهتم بالجانب الخارجي للإنسان، أي تمسّ البُعد المادي في الإنسان، وليس لها أيّة علاقة بعالمه الروحي؛ لأنّ العالم الروحي تختّصّ به الثقافة دون الحضارة. ولهذا فهو يقرّر بأنّ الحضارة ما هي إلّا استمرار للحياة الحيوانيّة ذات البُعد الواحد في الإنسان، وهو التبادر المادي بين الإنسان والطبيعة. وهذا الجانب يختلف عن الحيوان في الدرجة والمستوى والتنظيم فقط. فهنا لا نرى إنسانًا مرتبكًا في مشاكله الدينيّة، إنّما هو عضو في المجتمع وظيفته أن يتعامل مع سلع الطبيعة، ويغيّر العالم بعمله وفقًا لاحتياجاته[35].

وهو هنا يُوافق ابن خلدون الذي أطلق على الحضارة عمران العالم[36]. أي إنّها تتعلّق بالجانب المادي في حياة الإنسان.

ويرى بيجوفيتش أنّ أزمة الحضارة الغربية تتمثّل في أمور عدّة:

أوّلًا: تقديم ما هو حضاري على الثقافي

ويعتقد بيجوفيتش أنّ أزمة الغرب تتمثّل في تقديم ما هو مادي بيولوجي (حضاري) على ما هو روحي إنساني (ثقافي). فهي تغري الإنسان بالحياة البرّانيّة على حساب حياته الجوّانية (الروحيّة)، وشعارها: (أنتج لتربح واربح لتبدّد) و(أطلق رغبات جديدة دائمًا وأبدًا). وهذه سمة بارزة في الحضارة الغربيّة. فهي تعيش حالة من اللّهث وراء الإشباع الغريزي المادي. وهذا ما شكّل آثارًا سلبيّة على الإنسان في هذا الكوكب[37].

أمّا الجانب الروحي الإنساني فهو عنصر غائب بالمرّة، فالتعليم يعتمد على الجانب التقني الذي يهتم بالجانب الفكري دون بناء العالم الروحي للشخص المتعلم، ولهذا فإنّا نجد كثيرًا في هذه الأيام شابًّا قد مرّ بجميع مراحل التعليم من المدرسة الابتدائية حتّى الكلّية دون أن يكون قد ذُكر له ضرورة أن يكون إنسانًا خيّرًا وأمينًا! فهو يدر الطبيعة والكيمياء، وعلم الأعراق البشريّة، والجغرافيّة، والنظريّات السياسيّة وعلم الاجتماع، وعلومًا أخرى كثيرة، فهو يجمع عددًا هائلًا من الحقائق، ويتعلّم كيف يُفكّر، ولكنّه لم يستنر ثقافيًّا وروحيًّا. فهذا النّوع من التعليم مصمّم وموجّه لغاية محدّدة بإحكام؛ لأنّ اهتمامه منصبٌّ على السيطرة على الطبيعة أو العالم الخارجي[38].

ولهذا فهو يرى بأنّ أكبر دولتين وهما الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي سابقًا هما القوتان العسكريتان العظمتان، ولكنّهما ليستا أعظم دول عالم الثقافة. أي متقدّمين على الدول الأخرى في الجانب الحضاري دون الجانب الثقافي[39].

 وهكذا يبدو الحال أيضًا بالنسبة إلى الدول الأوروبيّة الأخرى، فإنّها متقدّمة على دول العالم الأخرى (دول العالم الثالث) في الجانب الحضاري دون الثقافي.

والنّظام التعليمي السائد في المدارس وظيفي متقشّف، يتلاءم مع المعايير النفعيّة؛ وذلك لأنّ المدرسة إمّا أنّها تخدم البيروقراطيّة الحاكمة، أو تخدم النظام الصناعي، وهما يلتقيان في هدفٍ واحدٍ هو إعداد المتخصّصين الذين سيخدمون ويدعمون هاتين الآليتين، إنّ هذه المدارس لا تخلق أشخاصًا أحرارًا بل أتباع، إنّها تدعم الحضارة، ولكنّها تحط من شأن الثقافة. أمّا الكلام عن أنّها مدارس إنسانيّة هنا أو هناك، فهو مجرّد كلام معسول لا أكثر ولا أقل[40].

ويرى بيجوفيتش أنّ التعليم في الغرب غير حيادي ومتأثّر بالفكر الأيديولوجي للدولة، فالتعليم في الدول الشيوعيّة ينطوي على أن يتشرّب الأفراد نظام الدولة الأيديولوجي والسياسي، ويخضع لمصالحها. وفي الدول الرأسماليّة يتلاءم التعليم عمومًا مع المتطلبات الاقتصاديّة، ويخدم النظام الصناعي. وفي كلتا الحالتين يكون التعليم وظيفيًّا في خدمة النظام[41].

ثانيًا: الثقافة الجماهيريّة

يتناول بيجوفيتش مظهرًا آخر من مظاهر الأزمة في الحضارة الغربية، ما يُعرف بالثقافة الجماهيريّة، ويرى بأنّ ما يسمّونه الثقافة الجماهيريّة ما هو إلا ملمح من ملامح الحضارة؛ لأنّ موضوع الثقافة هو الإنسان فردًا أو شخصيّة، أمّا ما يسمونه الثقافة الجماهيرية فموضوعها وهدفها فهو الجمهور (الإنسان الجمهور)، ومن هنا تأتي الإشكالية فالإنسان يملك روحًا تكون موضوعًا للثقافة، أمّا الجمهور فلا شيء لديه سوى حاجاته، فتكون الثقافة مجرد إشباع للحاجات. فالثقافة الجماهيرية تصبّ في الاتّجاه المعاكس للثقافة الأصيلة؛ فعملها (صبّ الأرواح في قوالب متماثلة) وعند هذه النقطة تنحرف الثقافة الجماهيريّة عن الأخلاق والثقافة؛ فالثقافة الجماهيرية تختلف عن الثقافة الأصيلة في أنّها تحدُّ من الحريّة الإنسانيّة من خلال الاّتجاه نحو التماثل؛ ذلك لأنّ الحرية مقاومة التماثل[42].

ويُشير بيجوفيتش إلى وجود خطأ شائع يخلط بين الثقافة الجماهيريّة والثقافة الشعبيّة، وهذا الخلط يسيء إلى الأخيرة؛ حيث تختلف الثقافة الشعبيّة عن الثقافة الجماهيريّة في أنّها أصيلة حيّة ومباشرة. وهي بريئة من البهرجة ومن الأعمال الأدبيّة والفنيّة الهابطة، فالثقافة الشعبيّة قائمة على الإجماع والمشاركة، بينما المبدأ السائد في الثقافة الجماهيرية هو التلاعب. في إطار الثقافة الشعبيّة نجد أنّ الطقوس والرقصات والأغاني في الثقافة الشعبيّة هي ممتلكات مشتركة في القرية أو القبيلة، فالذين يؤدّونها هم في الوقت نفسه جمهور المشاهدين، والعكس صحيح، فإذا بدأ الاحتفال يأخذ كلِّ واحد دوره فيه، كلّ شخص يتحوّل إلى مؤدٍّ. أمّا الثقافة الجماهيريّة فإنّها تقدّم نموذجًا آخر مختلفًا. فالناس يكونون منفصلين إلى منتجين ومستهلكين للسلع الثقافية. فمن يشاهد التلفزيون لا يستطيع أن يؤثّر في أي برنامج يشاهده إلّا إذا كان ينتمي إلى الفئة القليلة التي تصنع هذه البرامج. وينتهي بيجوفيتش إلى أنّ وسائل الإعلام الجماهيريّة (كالصحافة والراديو والتليفزيون) هي في الحقيقة وسائل للتلاعب في الجماهير. فمن ناحية يوجد مكتب المحرّرين، وهو مكون من عدد من الناس عملهم هو إنتاج البرامج، وعلى الناحية الأخرى ملايين المشاهدين السلبيين[43].

وبالنتيجة فإنّ خطر التكنولوجيا التي أنتجتها الحضارة الغربية والقوى المسيطرة على هذه التكنولوجيا وتوظيفها تهدّد بإقامة عبوديّة روحيّة من أسوأ أنواع العبوديّة. فلقد أصبح إنسان الثقافة الجماهيريّة يتصرّف بطريقةٍ طفوليّةٍ، بالمعنى السلبي للكلمة، أي بطريقةٍ تتّفق مع المستوى العقلي للمراهقة، فنجد تسلياتٍ مبتذلةً، وغياب روح الفكاهة الأصلية، الحاجة إلى أحداث مثيرة ومشاعر قويّة، والميل إلى الشعارات الرنّانة والاستعراضات الجماهيرية، والتعبير عن الحب والكراهية بأسلوب مبالغ فيه، واللوم والمدح المبالغ فيهما، وغير ذلك من العواطف الجماهيرية القاسية[44].

ثالثًا: الفراغ الروحي

إنّ تغليب الحضاري على الثقافي في الغرب نتج عنه فراغ روحي عميق في الشخصيّة الغربيّة، فالحضارة ماهيتها ماديّة، تهتم بالجانب الخارجي المادي في الإنسان، وتغفل الجانب الجوّاني (الروحي) فيه. فأصبح هناك تقدّم هائل في عمران المدن الكبيرة والمصانع العملاقة إلى درجة أصبحت تمثّل أزمة بالنسبة للإنسان. فامتداد المدن وشدّة استقطابها لساكنها تصنع إنسانًا ميتًا، يختلف عن ذلك الذي يشاهد السماء المنقوشة بالنجوم والحقول الخضراء كإنسان الريف، إنّ إنسان الحضارة الغربيّة إنسان آلي، ويرجع هذا إلى تركيز العوامل الحضارية التي تُساعد على عزلة الإنسان، فالطبقة العاملة تعاني من التأثير السلبي لما يُسمّى بالحضارة الخالصة، أي الحضارة التي تخلو من الثقافة؛ لأنّ المصنع يُنهك الشخصيّة ويستبد بها، فالعمّال في تلك المصانع يخضعون لنظام صارم، وبالتالي ينقلون عاداتهم التي اكتسبوها في عمليّة الإنتاج إلى تنظيماتهم العمّاليّة، وإلى حياتهم، فيُصبح العامل منسلخ انسلاخًا تامًّا عن الدين والفنون، فضلًا عن الفقر في التفكير، والعقم النّظري. ولم يعد العمّال قوّة ثوريّة بسبب تأثير التكنولوجيا والمصانع عليهم، بل إنّ الطبقة العمّالية تعتبر الآن نموذجًا لجماعة مُستَغلَّة، يتلاعب بها، ويمكن مداهنتها والإشادة بها، ولكن يندر استشارتها أو إتباع رأيها. فمثلًا أكبر طبقتين عماليتين في العالم تلك التي في الولايات المتحدة والتي في الاتحاد السوفيتي  ليس لهما تأثير حقيقي على البناء السياسي في دولتهما، ولا على القرارات التي تتخذ فيهما. وليس هذا فحسب، بل يذهب بيجوفيتش إلى أنّ التقدّم الحضاري الغربي إنّما هو تقدمّ ضدّ الإنسان، فعلى الرغم من أنّ الجنس البشري قد حقّق تقدّمًا في الأربعين سنة الماضية أكثر مما حقّقه خلال الأربعين قرنًا الماضية، ومع هذا التقدّم التكنولوجي والحضاري لم يحدث أي تقدّم إنساني، بل زادت تعاسته بشكل مروع أدّت إلى موت الإنسان، وهذا ما يؤكّده ارتفاع نسب الانتحار والجريمة والعنف والخوف والأمراض العقلية والنفسية، وقد صارت الكحول والمخدرات والإباحية ملاذًا للأغنياء بعد أن كانت ملاذ الفقراء؛ وذلك بسبب الكبت والحياة الآلية السائرة على وقع روتيني صارم: (نوم قطار عمل)، ويقدّم لنا بيجوفيتش مثالًا عن ذلك الولايات المتحدة الأميركيّة، وهي أغنى دولة في العالم، وقعت فيها خمسة ملايين جريمة سنة 1965م، وكانت الزيادة في الجرائم الخطيرة أسرع 14 مرّة من الزيادة السكّانية (187% مقابل 13%)، وفي الدولة نفسها تحدث جريمة كل 12 ثانية، وجريمة قتل بالذات كل ساعة، وجريمة اغتصاب كل 25 دقيقة، وجريمة سرقة كل خمس دقائق، وسرقة سيارة في كل دقيقة[45].

ومن ثمّ كان ظهور الفلسفة التشاؤميّة والمسرح المتشائم، ويبدو التشاؤم ملازم للمناطق التي تمّ فيها القضاء على الأميّة، والتي تتمتع بالتأمين الاجتماعي، وبدخلٍ فردي عالٍ، فقد كانت الفلسفة الاسكندنافيّة فلسفة تشاؤميّة إلى أبعد حد منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، فهي ترى أنّ المصير الإنساني مصير مأساوي ولا أمل فيه، وإنّ النتيجة النهائيّة لجميع مساعي الإنسان والوجود الإنساني بأسره ظلام وضياع. فيرى بيجوفيتش أنّه من السخرية بمكان أن تظهر مثل هذه الفلسفة التشاؤميّة في بلاد قد تخلّصت من الأميّة منذ مطلع القرن العشرين، وعندها أفضل نظام تأمين اجتماعي في العالم  خاصّة في السويد  ولكنّهم يشعرون باليأس من الحياة، وكأنّ مشاعر الاستمتاع المادي تولّد شعورًا بالتّعاسة الرّوحيّة.

لقد أخفقت الحضارة الغربية  حسب بيجوفيتش  في سعيها لحلّ مشكلة السعادة الإنسانيّة بواسطة العلم والقوّة والثروة، وإذا فُهم وتمّ الاعتراف بهذا الإخفاق فسوف يكون له أقوى أثر نفسي على الجنس البشري. ومن وجهة نظر بيجوفيتش لا بدّ من مراجعة بعض الأفكار الأساسيّة التي هي موضع قبول عام حتّى الآن، وأوّل فكرة يجب مراجعتها هي فكرة العلم الخاطئة عن الإنسان. وما دامت الحضارة عاجزة عن حلِّ مشكلة السعادة الإنسانية فلا بدّ أن تكون فكرة الدين عن أصل الإنسان هي الفكرة الصحيحة وفكرة العلم هي الخاطئة، وليس هناك خيار ثالث[46].

رابعًا: المجتمع الوظيفي

يرى علي عزّت بيجوفيتش أنّ الحضارة الغربية  بشقيها الماركسي والرأسمالي  حوّلت الإنسان من كائنٍ أخلاقيٍّ إلى كائنٍ وظيفيٍّ؛ إذ إنّها ترى أنّ الحياة الإنسانيّة مقصورة على أحداثها الخارجية، أي إنّ الحياة عبارة عن قضيّة إنتاج واستهلاك وتوزيع. وهذا ما يُفقد الإنسان حريته واختياره؛ لأنّ المجتمع الوظيفي لا يملك الفرد فيه الاختيار، فهو أشبه ما يكون بمجتمع النحل الذي يسير على وفق نظام صارم، دون أن يكون هناك أي اعتبار لفرديّة الإنسان. فالنحلة غير قادرة على التفكير، وإنّما هي مقيّدة بغريزتها، وهذه في الواقع هي الطوبيا (اليوتيبيّة)[47].

المراد من الطوبيا (اليوتيبية أو المدينة الفاضلة): هي كلّ فكرة أو نظريّة لا تتّصل بالواقع أو لا يمكن تحقيقها، أو ما لا يُعبِّر عن الواقع ويكون أشبه بالخيال[48].

فهي رؤية لنظام مثالي يحكم المجتمع الإنساني، على غرار مجتمع الحيوان، كما نشاهده في خلايا النحل وأسراب الجراد وكثبان النمل.

ويرى علي عزّت بيجوفيتش أنّ الحضارة الغربيّة تدعو إلى الطوبيا (اليتوتيبيّة) المادّيّة، وفي الطوبيا المادّيّة يفقد فيها الإنسان إنسانيّته وأخلاقه؛ لأنّ الإنسانية والأخلاق متّصلان بروح الإنسان. أمّا في المجتمع الوظيفي أو ساكن الطوبيا فليس إنسانًا بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة، بل حيوان اجتماعي أو حيوان ذو عقل، فالإنسان يكون أخلاقيًّا أو لا أخلاقي، أمّا عضو المجتمع الوظيفي (الطوباوي) فلا يعرف غير وظيفته[49].

لذا يفرق علي عزّت بيجوفيتش بين الجماعة والمجتمع، ويرى بأنّ الخلط بينهما ناشئ بسبب سوء الفهم، فالجماعة عبارة عن مجموعة داخليّة من الناس اجتمعوا على أساس من الشعور بالانتماء، وتجمعهم المطالب الروحية، ويكون الناس أخوة، تجمعهم أفكار واحدة كما تجمعهم الثقة، ويجمعهم شعور بأنّهم واحد. أمّا المجتمع فتحكمه قوانين الأصلح، قوانين التبعيّة والاستغلال، أو على أحسن الفروض القوانين التي تسمح بالمشاركة في المصالح. فالمجتمع بالأساس قائم على المطالب المادية، والناس فيه أعضاء مجهولون تجمعهم المصلحة وتفرقهم. فالمجتمع يسهّل لنا الحصول على المنافع، ويضمن بقاءنا، فالطفل لا يمكنه البقاء بدون مساعدة الآخرين، والكبير لا يستطيع العيش عيشة ميسّرة بدون معيّة الآخرين. وكلّ هذه الأشياء لا تنبع من الوجود الحقيقي للإنسان، وإنّما هي الضرورة التي دفعت الإنسان إلى المشاركة في المجتمع من أجل المنافع التي يوفّرها المجتمع. ولكن الجماعة وحدها هي التي تعرف العدالة، وتبادل المعونة والتضامن والأخوّة[50].

آفاق التكامل في الإسلام

يعتقد علي عزّت بيجوفيتش أنّ الإسلام واليهوديّة والمسيحيّة قامت بدور رئيسي في حياة الإنسانيّة، ومن خلال هذه الأديان أصبح الإنسان محورًا للتاريخ، ومن خلالها عرف معنى الحياة الإنسانية بشقّيها الجوّاني (الروحي) والبرّاني (المادي)، وعرف معنى التقدّم الجوّاني والبرّاني، وما بينهما من علاقات وحدود. ولكن هذه الأديان ليست على مستوى واحد بحسب رؤية بيجوفيتش فاليهوديّة وجميع نظريّات العقل اليهودي مهتمّة بإقامة جنّة أرضيّة، وهو حلم بالعدالة التي لا بدّ أن تتحقّق على الأرض، لا في العالم الآخر، وإنّما هنا في الأرض. فالخلود عندهم فكرة غير ذات موضوع؛ لأنّ فكرة الخلود لا تنسجم مع فكرتهم عن العالم الذي لا يرون فيه سوى الجانب الدنيوي. فالدين ظلّ ضحلًا سطحيًّا إذا ما قورن بالاهتمامات القوميّة والسياسيّة الدنيويّة لليهود. فاليهود لم يسهموا دائمًا في الثقافة، ولكنّهم كانوا دائمًا يساهمون في الحضارة، وهم في هجرةٍ دائمةٍ من حضارة آفلة إلى حضارة أخرى وليدة. وليس من قبيل المصادفة أن تكون ألمع الأسماء في علوم الطبيعة النووية والاقتصاد السياسي والاشتراكية، جميعًا وبدون استثناء من اليهود. وحتّى العلوم الذرّية أوّل ما ظهرت كانت معروفة باسم العلم اليهودي، وكذلك علم الاقتصاد السياسي. ويذهب إلى أنّ اهتمام اليهود بالجانب الخارجي المادي للإنسان جعلهم حملة التقدّم الحضاري المادي مثلما كان المسيحيون حملة التقدّم الباطني الروحي. فاليهود لم يكن لهم أي تأثير على الثقافة. ولكن ما أن تسود الثقافة في مدينة ما حتّى يظهر اليهود، وبالمراجعة التاريخيّة نجد أنّ مستعمرات اليهود نشأت في كلِّ مدينة رئيسيّة على طوال التاريخ، مثل مدينة صور وصيدا وأنطاكيا والقدس والإسكندريّة وقرطاجة وروما في التاريخ القديم. وفي إسبانيا الإسلاميّة (الأندلس) نجد مدن قرطبة وغرناطة وأشبيلية. أمّا في عصر النهضة فنجد مدن مثل امستردام وفينيسيا ومارسيليا، وفي العصر الحاضر في كلِّ مدن العالم الكبرى وعلى الأخص المدن الأميركيّة، وكان أب العصر النووي الحديث يهوديا أيضًا. فالماديّة اليهوديّة أو الوضعيّة اليهوديّة هي التي لفتت العقل الإنساني  خلال التاريخ اليهودي  إلى العالم وأثارت الاهتمام بالواقع الخارجي[51].

أمّا المسيحيّة فهي تقف على النقيض من اليهودية، فهي تهتمّ بالنّفس الإنسانيّة، ففي المسيحيّة لا يصحّ شطر الطاقة الإنسانيّة إلى اتجاهين متعاكسين: اتّجاه السماء واتّجاه الأرض. فلا يستطيع إنسان أن يخدم سيدين، فإمّا أن يكره أحدهما ويحب الآخر، أو يتمسّك بأحدهما ويستخف بالآخر، إنّك لا تستطيع أن تخدم الله وتخدم مأمون.

أمّا الإسلام فيمزج بين العالم الجوّاني (الروحي) والعالم الواقع، بين التنسّك والعقل، بين التأمّل والنّشاط، فقد بدأ الإسلام صوفيًّا وأخذ يتطوّر حتّى أصبح دولة، والإسلام نسخة من الإنسان، ففي الإسلام تمامًا ما في الإنسان، فيه تلك الومضة الإلهيّة، وفيه تعاليم عن الواقع والظلال، في الإسلام جوانب قد لا تروق للشعراء الرومانسيّين؛ لأنّ القرآن كتاب واقعي لا مكان فيه لأبطال الملاحم. كما أنّ الإسلام بدون إنسان يطبقه يصعب فهمه، وقد لا يكون له وجود بالمعنى الصحيح[52].

الاتّساق بين الفردي والاجتماعي

يرى علي عزّت بيجوفيتش أنّ الإسلام ليس مجرّد أمّة بالمعنى البيولوجي أو الإثني أو العرقي، وليس حتى جماعة دينيّة بالمعنى الروحي الخالص للكلمة، وإنما هو «دعوة لأمّة أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، أي تؤدّي رسالة أخلاقيّة. فالإسلام أمّة تتجاوز التجمعات كلّها لتضم كلّ المسلمين في كلّ مكان. ثمّ إنّ اهتمام الإسلام بالإنسان كان يسير في اتجاهين: الأوّل هو الاهتمام بالفرد في بناء علاقته مع نفسه ومع خالقه، أي أنّ هناك اتّساق مع نفسه، واتّساق مثله العليا مع رغباته المادّيّة والاجتماعيّة والفكريّة، ومع هذا الاهتمام بالجانب الفردي إلّا أنّ الإسلام اهتم بالجانب الاجتماعي أيضًا وبشكل كبير، بل إنّ أكثر الخطابات القرآنيّة موجهة إلى الجماعة، فنادرًا ما يخاطب القرآن الإنسان الفرد، بل أكثر الخطاب القرآني موجّه إلى الناس، وعندما يفعل ذلك يخاطبهم أحيانًا كمجرّد مواطنين في مجتمع، فالإنسان كعضو في مجتمع، وهو ابن هذا العالم، وهو فرد فقط عندما يسكن السماء، فالذي يجعل الإنسان كائنًا اجتماعيًّا ليست صفاته الفرديّة الخاصّة به، وإنّما صفاته التي يشترك بها مع الآخرين. من هنا فالإسلام يعلّم المسلم كيف يتوحّد كفرد ومواطن معًا، أي تحقيق التوازن بين المتطلبات المادّيّة والأخلاقيّة عنده، في اتّساق مع بيئته أكثر من أي إنسان آخر، فالإسلام خلاف التعاليم المسيحيّة التي تهتم بالجانب الفردي على حساب الجانب الاجتماعي، حيث تؤدّي هذه التعاليم إلى الإحباط وعدم الشعور بالأمن؛ وذلك بسبب التناقض بين الرغبات والواقع، بين النظريّة وبين الممارسة العمليّة. أمّا في الإسلام فيوجد اتّساق تام بين الإنسان ومجتمعه، واندماج بين الفرد والنسيج الاجتماعي. وليس هذا الالتحام صناعيًّا أو سياسيًّا أو قانونيًّا، وإنّما التحام داخلي وعضوي. وعليه يسعى الإسلام إلى بناء ثقافةٍ إنسانيّةٍ وحضاريّةٍ، فهو بخلاف الأديان الأخرى التي تؤكّد على الجانب الروحي للإنسان كالمسيحيّة مثلًا، كما يختلف عن الحضارة الغربية التي تؤكّد على الجانب المادي الخارجي في حياة الإنسان، واهتمام الإسلام بالثقافة واضح من خلال اهتمامه ببناء العلاقة بين الإنسان والله تعالى كغيره من الأديان الأخرى.

التكامليّة وأركان الإسلام

يقدّم علي عزّت بيجوفيتش أركان الإسلام الخمسة كشاهدٍ مهمٍّ على وجود الثنائيّة في الإسلام، فثنائيّة الروح والمادة الجانب الداخلي والخارجي للإنسان لا يمكن بدونها تطبيق الإسلام، فالصلاة أكمل تصوير للوحدة ثنائية القطب في الإسلام، فمع أنّ الصلاة اتّصال روحي بين الإنسان وربّه إلّا أنّ الجانب المادي للإنسان وهو الجسم حاضر فيها أيضًا، ويتمثل حضور الجسد الإنساني في الوضوء، فلا صلاة من دون وضوء، كما يتمثّل حضور الجسد في الحركات التي يقيمها المصلّي من ركوع وسجود، فالصلاة غير قاصرة على الجانب الروحي؛ إذ هي ليست تأمُّلا صوفيًا، بل هي نشاطٌ عمليٌّ. فالإسلام على خلاف الأديان الأخرى المعروفة التي ترى البدن خارج الاعتبار، فالصلاة الإسلاميّة تشتمل على العناصر المادّيّة (الطبيعيّة) كالوضوء ووقت الصلاة والتوجه نحو القبلة والسجود والركوع والقيام، فالصلاة من هذه النواحي تنتمي إلى عالمنا، ولكنّها تشتمل على عناصر روحيّة على حدٍّ سواء مع هذه العناصر الماديّة. والصلاة ذات طابع اجتماعي وإن كان يجوز أداءها بشكلٍ فرديّ، فالإسلام يحثّ على إقامتها بشكلٍ جماعيٍّ (صلاة الجماعة)، ويتوج هذا الاتجاه الاجتماعي في صلاة الجمعة، فهي تكاد تكون صلاة حضريّة سياسيّة، تقام في الإجازة الأسبوعيّة في مسجد مركزيّ جامع يحضره بعض رجال الدولة، وخطبة الجمعة تمثّل رسالة سياسيّة بالأساس. أمّا الزكاة في الإسلام فإنّ وجوبها يمثل اللحظة التاريخيّة التي تحوّلت فيها الجماعة الروحيّة إلى دولة، وتمثّل الزكاة التزامًا قانونيًّا (فريضة شرعية) أي ضريبة يدفعها الأغنياء للفقراء، وهي أوّل ضريبة من نوعها في التاريخ. وبإعلان الزكاة بدأ الإسلام يتّخذ وضع الحركة الاجتماعيّة، فلم يعد يعمل كدين مجرّد فحسب، فقد ساهمت الزكاة في تشكيل المجتمع السياسي في المدينة[53].

وتتبدّى الثنائيّة في أهم فعل إسلامي وهو عملية النطق بالشهادتين الذي يعلن به الشخص اعتناقه للإسلام. فالنطق لا بدّ وأن يؤدّى أمام الشهود؛ لأنّ الشخص الذي يعتنق الإسلام  رجلًا كان أو امرأة  ينضم إلى جماعة لها جوانبها الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وهو الأمر الذي تترتّب عليه التزامات قانونيّة، وليس فقط التزامات أخلاقيّة. فالإنسان الذي يلحق بدين روحي مجرد لا يستلزم وجود شهود ولا يتطلّب الإعلان؛ حيث إنّ هذه علاقة بين الإنسان وربه. فمجرد عقد النية أو اتخاذ قرار باطني كاف تمامًا بهذا الخصوص. ولكن الإسلام ليس دينًا مجرّدًا، ولذا يصبح الشهود ويصبح الإعلان أمرًا لازمًا[54].

وهكذا، فالأساس في الإسلام هو الاهتمام بالثنائيّة الإنسانيّة، العالم الداخلي الروحي للإنسان، والعالم الخارجي المادي.

الخاتمة

يبدو لنا علي عزّت بيجوفيتش في مطالعاته الفكريّة ناقدًا بارعًا، وقد نقد واكتسب هذه البراعة من اطّلاعه الواسع على الثقافتين الإسلاميّة والغربيّة، فهو يقف على أرضيّةٍ نقديّةٍ راسخةٍ بسبب الإطلاع الواسع على جزئيّات الثقافة الغربيّة وبيان خوائها الروحي.

 جعل بيجوفيتش أصل الإنسان محور النّقد للحضارة والثقافة الغربيّة معتمدًا على منهجٍ تحليليٍّ تفكيكيٍّ للمقولات الفلسفيّة الغربيّة. انتهى به إلى أنّ الحضارة الغربيّة بشقّيها الرأسمالي والماركسي تنطلق من رؤية أحادية الجانب للإنسان، أي الإنسان ذو البعد المادي فقط. فهو نموذج معرفي واحد في فهمه للإنسان يأخذ شكلًا اشتراكيًّا في حالة الشيوعيّة، وشكلًا رأسماليًّا في حالة الرأسماليّة.

يفرق بيجوفيتش بين الثقافة والحضارة من جهة أنّ الثقافة نتاج الروح الإنسانيّة، بينما الحضارة هي نتاج الجانب المادي الخارجي للإنسان. وينتهي إلى أنّ الغرب متقدّم في الجانب الحضاري (المادي) على حساب الجانب الثقافي (الروحي)، ونتج عن هذا الضياع الروحي في المجتمعات الغربيّة وبالخصوص المجتمعات التي تتوفّر فيها الرفاهية العالية.

ينتهي علي عزّت بيجوفيتش إلى أنّ الرؤية المادّيّة الأحاديّة للإنسان في الحضارة الغربيّة، التي تقدّم الجانب المادي ولا تعترف بالجانب الروحي في حياة الإنسان يلازمه نفي الفن والثقافة والدين والأخلاق؛ لأنّ هذه الأشياء نتاج الجانب الجوّاني (الروحي) في الإنسان.

ويقدّم بيجوفيش الإسلام باعتباره الحلّ الأمثل لتحقيق السعادة الإنسانيّة، فهو يختلف عن المسيحيّة التي تؤكد على الجانب الروحي في الإنسان، ويختلف عن الحضارة المادّيّة التي تحكم الغرب والتي تؤكّد على الجانب المادي في الإنسان. بل ينظر الإسلام إلى الإنسان باعتباره مركبًا من جزأين: روحي يمثل الجوهر الإنساني، ومادي له متطلبات ضرورية يجب تلبيتها بصورة تحقق التوازن بين الجانب الخارجي (المادي) للإنسان، والجانب الداخلي (الروحي).

يتجلى التوازن في الإسلام من خلال التشريعات التي تُقسّم إلى عبادات ومعاملات، فالعبادات تهتم بالجانب الروحي للإنسان، بينما المعاملات تنظّم الجانب الخارجي الاجتماعي لحياة الإنسان. فالإسلام يسير في اتجاهين: الأوّل هو الاهتمام بالفرد في بناء علاقته مع نفسه ومع خالقه، أي أنّ هناك اتّساق مع نفسه، واتساق مثله العليا مع رغباته الماديّة والاجتماعيّة والفكريّة. والثاني: هو الاهتمام بالمجتمع وتلبية الرغبات الاجتماعيّة التي تجعل الإنسان متّسق مع نفسه ومع الواقع الخارجي.

المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

علي عزّت بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة محمّد يوسف عدس، مؤسسة بافاريا للنشر والإعلام والخدمات، ط1، 1414هـ 1994م.

ويليام ديمبسكي، وجوناثان ويلز، تصميم الحياة، ترجمة: مؤمن الحسن ومحمد القاضي.

كمال الحيدري، شرح نهاية الحكمة، مؤسسة الهدى للطباعة والنشر، بيروت لبنان، 1437هـ 2016م.

مجموعة مؤلفين، المعجم الفلسفيّ، الهيئة العامّة لشؤون المطابع الأميريّة، القاهرة، 1983م.

مقدمة ابن خلدون، تحقيق: عبد الله محمّد الدرويش، دار بعرب دمشق، 1425هـ 2004م.

علي عزّت بيجوفيتش، هروبي إلى الحرية، ترجمة إسماعيل أبو البندورة، دار الفكر، دمشق سوريا، ط1، 1423هـ ؟ـ 2002م.

-------------------------------

[1]*ـ  باحث في العلوم الدينية، وأستاذ في الحوزة العلميّة ـ النجف الأشرف ـ العراق.

[2]- عزّت بيجوفيتش، علي: هروبي إلى الحرية، ص2.

[3]- الإسلام بين الشرق والغرب، علي عزّت بيجوفيتش، ص13.

[4]- هروبي إلى الحرية، ص2.

[5]- الإسلام بين الشرق والغرب، ص16.

[6]- م.ن، ص15.

[7]- الإسلام بين الشرق والغرب، ص133.

[8]- الإسلام بين الشرق والغرب، ص47.

[9]- م.ن، 62.

[10]- م.ن، ص 52-55.

[11]- الإسلام بين الشرق والغرب، ص47.

[12]- م.ن، ص61.

[13]- م.ن، ص 56-57.

[14]- الإسلام بين الشرق والغرب، ص57.

[15]- م.ن، ص82.

[16]- م.ن، ص58.

[17]- م.ن، ص65.

[18]- الإسلام بين الشرق والغرب، ص81.

[19]- م.ن، ص60.

[20]- م.ن، ص61.

[21]- الإسلام بين الشرق والغرب، ص61.

[22]- الحيدري، كمال: شرح نهاية الحكمة، لا ط، بيروت، مؤسّسة الهدى للطباعة والنشر، 1437هـ – 2016م،  ج7، ص296-297.

[23]- ويليام ديمبسكي، وجوناثان ويلز: تصميم الحياة، ترجمة: مؤمن الحسن ومحمد القاضي، ص247.

[24]- الإسلام بين الشرق والغرب، ص78.

[25]- م.ن، ص80.

[26]- الإسلام بين الشرق والغرب، ص178.

[27]- م.ن، ص193.

[28]- الإسلام بين الشرق والغرب، ص194 - 196.

[29]- م.ن، ص197-198.

[30]- م.ن، ص199-200.

[31]- الإسلام بين الشرق والغرب، ص49-50.

[32]- م.ن، ص51 – 52.

[33]- م.ن، ص145 - 146.

[34]- الإسلام بين الشرق والغرب، ص173.

[35]- م.ن، ص94.

[36]- مقدمة ابن خلدون، ص125.

[37]- الإسلام بين الشرق والغرب، ص 96.

[38]- م.ن، ص101-102.

[39]- م.ن، ص103.

[40]- م.ن، ص105.

[41]- الإسلام بين الشرق والغرب، ص104.

[42]- م.ن، ص105-106.

[43]- م.ن، ص106-107.

[44]- الإسلام بين الشرق والغرب، ص109.

[45]- الإسلام بين الشرق والغرب، ص116–117.

[46]- م.ن، ص130.

[47]- الإسلام بين الشرق والغرب، ص247-248.

[48]- المعجم الفلسفيّ، مجموعة مؤلفين، ص113.

[49]- الإسلام بين الشرق والغرب، ص246.

[50]- م.ن، ص250-251.

[51]- الإسلام بين الشرق والغرب، ص273–274.

[52]- الإسلام بين الشرق والغرب، ص279 - 280.

[53]. الإسلام بين الشرق والغرب، ص296.

[54]. الإسلام بين الشرق والغرب، ص301.