البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

June / 6 / 2021  |  166إشكالية الوصل والفصل بين اللغة والفكر قراءة نقدية مقارنة بين الرؤيتين الإسلامية والغربية

حسين إبراهيم شمس الدين المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية خريف 2021 م / 1442 هـ
إشكالية الوصل والفصل بين اللغة والفكر قراءة نقدية مقارنة بين الرؤيتين الإسلامية والغربية

تشكل العلاقة بين اللغة والفكر أحد أبرز الحقول المعرفية في اشتغالات الفكر المعاصر. ولعل أهمية هذا الحقل هي انه غالباً ما يعقد صلات وطيدة مع حقول موازية، بل ويتداخل معها، وقد كانت الهيرمنيوطيقا من أهم هذه الحقول التي لا تزال موضع تجاذب بين علماء الألسنية والمفكرين.

في هذه الدراسة يعرض الباحث إلى إشكالية الوصل والقطيعة بين اللغة والفكر عند علماء الغرب، ويبيِّن العيوب والمعاثر التي واجهوها، على خلاف ما حصل من تواصل وتكافؤ في مسارات الفكر الإسلامي.

المحرر


شكّلت العلاقة بين اللغة والفكر جدلية شغلت بال المفكرين والفلاسفة في القرنين الأخيرين بشكل واضح ولافت، بحيث صارت اللغة وفلسفتها أحد الفروع المعرفيّة الأساسيّة وخاصّة بعد علَمين أساسيين هما: فرديناند دي سوسير وفتجنشتين، ولكن المتتبع لمسألة اللغة من جهتها المعرفيّة يجد أنّها كانت محطّ أنظار فلاسفة ومفكرين سابقين على هذين القرنين، بل يمكن القول إنّ هذا الموضوع كان ضاربًا في القدم عند الإغريق والرومان حتى قبل الحقبة الأرسطيّة، وإن كنّا لا نجده موضوعًا معرفيًا معنوَنًا بطريقة مستقلة في كتبهم وأبحاثهم، واللافت أنّ المنطق العقلي كان أحد فروع العلوم اللغوية عندهم، حيث «انقسم البحث اللغوي في العالم الإغريقي والروماني إلى ثلاث شعب منفصلة: المنطق، والبلاغة، والنحو»[1].

يمكن رصد بذور الجدليات المتعلقة بالفكر واللّغة ضمن مسارين أحدهما عربي ـ إسلامي والآخر غربي، فأمّا المسار العربي ـ  الإسلامي، فقد ظهر مع الترجمات اليونانيّة وخاصّة المنطق الأرسطي، فنجد مواجهة بين أنصار المنطق وفي قبالهم أنصار النحو العربي، حيث ذهب التيّار الثاني إلى أنّ المسلمين في غنى عن المنطق الأرسطي المترجم؛ لأنّ النحو يُغني عنه وليس المنطق الأرسطي إلا نحو اليونان، وهنا تبرز مسألةٌ أساسيّةٌ في بحوث فلسفة اللغة وهي أنّ الأبحاث عادة ما تركّز على المناظرات بين أنصار الفقه وأنصار العقل، أو النص كمادةٍ فقهيّةٍ والعقل، بينما نجد إغفالًا  حسب تتبعنا ـ  لمسألة الجدل الحاصل بين أنصار النحو والمنطق، وهذا ما ألقى بظلاله على آليات التفكير الفلسفي الإسلامي وأصول الفقه فيما بعد، كما نجد أنّ «العرفان والتصوّف» أيضًا طرح رؤيةً لغويّةً في الساحة الإسلاميّة تحمل بذور التقاء مع ما طرحه بعض مفكري الفلسفة التحليليّة في القرنين الأخيرين غربًا، وأمّا بالنسبة لمسار الفكر الغربي فإنّنا نجد أنّ الفلسفة كانت تتبنّى بعض الرؤى والنظريات حول اللغة، والعلاقة بينهما تشبه إلى حدٍّ بعيدٍ الرؤية الأرسطيّة والفارابيّة والسينويّة نسبة للفارابي وابن سينا ـ  وصولًا إلى القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين مع بروز الفلسفة التحليليّة بشكلٍ أساسيٍّ على يدي برتراند راسل ودي سوسير وفتجنشتين، ونجد أنّ المسار الغربي في خواتيمه ركّز على نقد فلسفة اللغة والرؤى التي تدور في فلكها آخذًا بعين الاعتبار التطور الفكري الذي طرأ عليها ابتداءً مما ذكره أفلاطون في محاوراته وصولًا لراسل ودي سوسير وفتجنشتين.

اللّغة والفكر عند المفكرين المسلمين

سؤال العلاقة بين اللفظ  ـ اللغة عمومًا ـ  والفكر جالت في أروقة العلوم والمتون الإسلاميّة، فإذا أردنا رصد الموارد التي تم طرح هذه القضيّة وإن كان طرحها عرضيًا أو دون تحقيق لجذور تلك العلاقة فإنّنا نجدها في العلوم التالية:

ـ الفلسفة والمنطق

ـ النحو

ـ علم الأصول

ـ العرفان والتصوّف

وفيما يلي نعالج الطروحات التي استند إليها كلّ من هذه العلوم في تفكيكه لعلاقة اللغة بالفكر:

اللغة بوصفها قالبًا للمعنى عند الفلاسفة

المتتبّع لمباحث الألفاظ في الكتب المنطقيّة عند الفلاسفة الإسلاميين يجد أنّها تبتني على فكرةٍ مسلّمةٍ عندهم مُفادها أنّ الألفاظ ليست إلا قالبًا للمعاني، ولا يعتني أمثال ابن سينا بالبحث عن لغة ما بعينها كلغة العرب، وينبّه أنّ المنطقي لا شغل له باللّغة الخاصّة سواءً أكانت عربية أم غير عربية، بل إنّ موضوعه هو «الأفكار» التي تنقسم إلى التصوّرات والتصديقات، وليس البحث اللغوي من شأن الفيلسوف أو المنطقي بقدر ما هو شأن اللغوي والأديب، ولذا يهتم بوضع القوانين الفكرية التي تتجلّى في الألفاظ دون الخوض في ماهيتها الخاصّة، وبعبارة أخرى إنّ «المراد من المنطق أن يكون عند الإنسان آلة قانونيّة تعصم مراعاتها عن أن يضل في فكره. وأعني بالفكر هاهنا: ما يكون عند إجماع الإنسان أن ينتقل عن أمور حاضرة في ذهنه متصوّرة أو مصدّق بها تصديقًا علميًا أو ظنيًا أو وضعًا وتسليمًا ـ  إلى أمور غير حاضرة فيه»[2]، وفي هذا النص إشارة واضحة إلى أنّ الفكر المجرّد عن اللغة هو موضوع علم المنطق، وبه يتّضح أيضًا البناء على الفصل بين البنية الفكريّة من جهة والبنية اللّغويّة من جهة أخرى، ولذا لم يكن الاهتمام باللّغة إلا عرضًا، «أي نظره في المعاني إنّما يكون بالقصد الأوّل وفي الألفاظ بقصد ثان، ونظره في الألفاظ من حيث ذلك، غير مقيّد بلغة قوم دون آخر»[3].

هذا مضافًا إلى أنّ اللغة والألفاظ عندهم هي أمور اعتباريّة غير حقيقيّة، حيث إنّ تبدّلها لا يؤثّر في استقلاليّة الفكر، فالوجود الخارجي للأشياء والوجود الذهني لها ـأي الأفكار الحاكية عن الواقع ـ  وجودان حقيقيان لا يخضعان للاعتبار والنسبية، بخلاف اللغة  ـ التي تظهر تارة في الألفاظ الصوتيّة وأخرى في العبارات المكتوبة ـ  فإنّها أمرٌ نسبيٌّ يختلف من قوم إلى آخرين، واعتباريته تعزّز استقلاله عن الفكر والواقع، فللشيء «وجودان في الأعيان ووجود في الأذهان، ووجود في العبارة ووجود في الكتابة، والكتابة تدلّ على العبارة وهي [أي العبارة] على المعنى الذهني، وهما دلالتان وضعيّتان [اعتباريتان] تختلفان باختلاف الأوضاع»[4].

ولا شكّ بأنّ المنطقي التفت إلى التصاق الألفاظ بالمعاني والأفكار، ولكنّه لم يجعلهما وجهان لأمر واحد كما سنجده عند بعض الفلاسفة الغربيين ـ  غاية الأمر إنّ المنطقي يرى رسوخًا في العلاقة بين اللفظ والمعنى نتيجة الاعتياد لا لأنّ أحدهما وجه للآخر حقيقة. وأشار قطب الدين الرازي إلى هذا الأمر في شرحه على شرح الإشارات قائلًا «وبين اللفظ والمعنى علاقة غير طبيعية لكنّها لكثرة تداولها صارت راسخة حتى إن تعقل المعاني قلّما ينفك عن تخيل الألفاظ بل يكاد الإنسان في فكره يناجي ذهنه بألفاظ متخيلة»[5].

خلاصة الأمر، إنّ المنطقي يقول إنّ للعقل قوانينه الخاصّة التي تحكم أفكاره كما أنّ للكلام واللغة قوانينهما الخاصة التي يسطّرها علم النحو، ولا يمكن الخلط بينهما، بل ينبغي الفصل بشدة؛ لأنّ الأفكار لها الأصالة في حكايتها عن الواقع الخارجي بينما الألفاظ ليست إلا قوالب وأمور اعتبارية تختلف من قوم إلى قوم.

اللّغة بوصفها منطقًا للعقل عند بعض النحاة والأصوليين

في مقابل هذا التسليم الذي يفصل بين بنية الفكر والبنى التعبيريّة اللّغويّة عند الفلاسفة الإسلاميين، نجد أنّ جماعة من النحاة وعلماء اللغة في التاريخ الإسلامي وقفت أمام استيراد المنطق الأرسطي وترجمته؛ حيث «يمكن القول بشكل عام بأنّ علماء اللغة والنحو قد هبّوا واقفين بوجه منطق أرسطو، قائلين بأنّ وجود علم النحو، يُغني عن المنطق وأنّ بإمكان علم النحو أن يحلّ محلّه»[6].

وفي المناظرات التي جرت بين النحويين والمنطقيين، لا سيّما المناظرة الشهيرة بين السيرافي النحوي وأبو بشر متى الذي ناظر منتصرًا للمنطق، نجد أنّ الحجّة الأساسيّة لدى السيرافي كانت أنّ قواعد النحو العربي تكفي مؤونة استيراد نحو اليونان، وهنا أمر ملفت فيما يخصّ العلاقة بين اللغة والفكر نجده عند السيرافي ونحوه من النحاة؛ حيث لم يفصل بين قواعد الفكر وقواعد الكلام كما وجدناه عند الفلاسفة والمنطقيين، بل إنّ المنطق الأرسطي عنده هو نحو وقواعد للغة ليس إلا، وإذا كان الأمر كذلك فلا حاجة له مع وجود النحو العربي، هنا نجد دمجًا بين اللغة والفكر إلى الدرجة التي يكون فيها الفكر يُساوق اللغة وينزل إليها من دون أن ترتفع إليه ـ  وهذا ما سنجد ما يشبهه وإن لم يكن عينه ـ  قريبًا عند الوضعيّة المنطقيّة والفلسفة التحليليّة عند دراستنا للمسار الغربي لنظريّة اللغة والفكر.

وكما أنّ الفرق عند الفلاسفة والمنطقيين بين النحو والمنطق يكاد يكون بديهيًا ومسلّمًا كما مرّت الإشارة إليه، نجد في المقابل أنّ الجدال قد احتدم بين المنطقيين والنحاة إلى درجة صعب التفريق بينهما، ويظهر هذا بشكلٍ واضحٍ في «مقابسات» التوحيدي؛ حيث يذكر ما لفظه «قلت لأبي سليمان [المنطقي]: إنّي أجد بين المنطق والنحو مناسبة غالبة ومشابهة قريبة، وعلى ذلك فما الفرق بينهما، وهل يتعاونان بالمناسبة، وهل يتفاوتان بالقرب به؟ فقال: النحو منطق عربي، والمنطق نحو عقلي»[7] ويبرز من سؤال التوحيدي مدى الحاجة عنده إلى التفرقة بين قواعد الكلام وقواعد الفكر إلى درجة يحدس القارئ منه صعوبة في التفرقة بين اللغة والفكر.

في طول هذا النّقاش بين المناطقة والنحويين، نجد فئة من علماء الأصول ذهبوا إلى عين ما ذهب إليه النحاة، ومنهم الشافعي؛ حيث هاجم المنطق الأرسطي بحجج عدّة» أهمها استناد المنطق الأرسططاليسي إلى خصائص اللغة اليونانية واللغة اليونانية مخالفة للغة العربية. فأدى تطبيق منطق الأولى على الثانية إلى كثير من التناقض»[8].

خلاصة الأمر، إنّ بعض النحاة والأصوليين الذين واجهوا المنطق الأرسطي، تسلّحوا بأنّ النحو العربي وهو قواعد اللغة والكلام ـ  هو بعينه منطق العقل، ولم يقبل هؤلاء النحاة التفريق بين قوانين الفكر وقوانين اللغة، ولا الثنائية بينهما.

ذاتيّة العلاقة بين اللفظ والمعنى عند بعض الأصوليين

ذهب بعض الأصوليون عند تصويرهم للعلاقة بين اللفظ والمعنى وبالتالي بين اللغة والفكر إلى ذاتيّة العلاقة، بمعنى أنّ طبيعة اللفظ تستدعي معنى ما، أي على أساس الاعتقاد بأنّ علاقة اللفظ بالمعنى نابعة من طبيعة اللفظ ذاته كما نبعث علاقة النار بالحرارة من طبيعة النار ذاتها، فلفظ «الماء» «مثلًا له بحكم طبيعته علاقة بالمعنى الخاص الذي نفهمه منه، ولأجل هذا يؤكد هذا الاتّجاه أن دلالة اللفظ على المعنى ذاتيّة وليست مكتسبة من أي سبب خارجي»[9].

واللازم من هذا القول أنّ اللفظ ليس حاملًا للفكرة بشكلٍ اعتباطيٍّ واعتباريٍّ، بل هو نتاج الفكر بشكلٍ تكوينيٍّ، ولا يظهر من هذا القول أنّ الفكر غير سابق على اللغة بل غاية ما يدلّ عليه أنّ الفكر له ظهور على مستوى الكلام واللغة مسانخ للمعاني التي يحملها. وسيأتي أنّ مثل هذا القول كان موجودًا في القرن الرابع قبل الميلاد على ما ذكره أفلاطون في بعض المحاورات السقراطية.

اللّغة وروح المعنى عن العرفاء

نجد عند بعض العرفاء نظريّة يمكن عدّها وسطًا بين نظريّة الفلاسفة ونظريّة بعض النحويين؛ وذلك لأنّها لا ترى أنّ الألفاظ واللغة عمومًا هياكل فارغة ومعزولة عن المعاني، كما ذهب إليه غالب المناطقة، وليست لاغية للحاجة إلى العمق الفكري المجرّد كما ذهب إليه أنصار السيرافي، بل إنّ السؤال الذي ينبغي الانطلاق منه هو: هل الألفاظ موضوعة للمصاديق أم للمفاهيم؟ أي إنّ لفظ «الميزان» مثلًا هل يدلّ على فكرة «ما يوزن به» أم على الجسم المادي الخاص ذو الكفتين مثلًا ـ  الذي كان موجودًا في زمن العرب الأوائل؟

ويذهب العرفاء إلى الشّقّ الأوّل، فيرون أنّ المعاني التي تُشير إليها الألفاظ معانٍ مفهوميّة مجرّدة عن المصداق الحسي لها، فعندما نقرأ في اللغة لفظ «النور» فإنّ هذا اللفظ موضوع لمعنى كلّي هو «الشيء الظاهر بذاته المظهر لغيره» سواء أكان هذا «النور» نور قمر أم شمس أم نور مصباح كهربائي. وكذلك إذا توصّل العقل إلى وجود موجود مجرّد «ظاهر بذاته مظهر لغيره» وإن لم يكن حسيًا فهو «نور» حقيقة وفعلًا، وعندئذ فالفكر يهتمّ بمعرفة المصاديق واللغة تهتمّ بإبراز المفهوم الجامع لهذه المصاديق.

عندئذ يحصل نوع جديد من الدمج بين اللغة والفكر، هو دمج بين المصداق والمفهوم، فالمفهوم هو المصداق المجرّد عن المشخّصات الجزئيّة والمصداق هو المفهوم المتلبّس بلباسٍ جزئيٍّ وحقيقيٍّ، ويُؤدّي هذا الأمر إلى أنّ اللّغة لها فاعليّة في ابتكار المفاهيم والأطر العامّة للفكر الذي يكتشف بحكم تعقّله المصاديق.

وأشار إلى هذا الأمر الإمام الخميني في مصباح الهداية؛ حيث قال: «هل بلغك إشارات الأولياء عليهم السلام وكلمات العرفاء رضي الله عنهم أنّ الألفاظ وضعت لأرواح المعاني وحقائقها؟ وهل تدبّرت في ذلك؟ ولعمري إنّ التدبر فيه من مصاديق قوله: تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة»[10].

ونجد أنّ العلامة الطباطبائي من الذين تبنّوا هذه الرؤية في تفسيره، وإن لم يطرحها بمصطلحات العرفاء عينها، ولكن روح نظريته هي ما ذهب إليه العرفاء؛ حيث ذكر ما لفظه «وإنّما الاختلاف كلّ الاختلاف في المصداق الذي ينطبق عليه المفاهيم اللفظية من مفردها ومركبها، وفي المدلول التصوري والتصديقي. توضيحه: إنّ الأنس والعادة (كما قيل) يوجبان لنا أن يسبق إلى أذهاننا عند استماع الألفاظ معانيها المادية أو ما يتعلق بالمادة، فإنّ المادة هي التي يتقلّب فيها أبداننا وقوانا المتعلقة بها ما دمنا في الحياة الدنيوية، فإذا سمعنا ألفاظ الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والرضا والغضب والخلق والأمر كان السابق إلى أذهاننا منها الوجودات المادية لمفاهيمها. ـ
وكذا إذا سمعنا ألفاظ السماء والأرض واللوح والقلم والعرش والكرسي والملك وأجنحته والشيطان وقبيله وخيله ورجله إلى غير ذلك، كان المتبادر إلى أفهامنا مصاديقها الطبيعية. ـ [...] وكان ينبغي لنا أن نتنبه: إنّ المسميات المادية محكومة بالتغيّر والتبدّل بحسب تبدّل الحوائج في طريق التحوّل والتكامل، كما أنّ السراج أوّل ما عمله الإنسان كان إناءً فيه فتيلة وشيء من الدهن تشتعل به الفتيلة للاستضائة به في الظلمة، ثم لم يزل يتكامل حتى بلغ اليوم إلى السراج الكهربائي ولم يبق من أجزاء السراج المعمول أوّلا الموضوع بإزائه لفظ السراج شيء ولا واحد [...]فالمسميات بلغت في التغيّر إلى حيث فقدت جميع أجزائها السابقة ذاتًا وصفةً والاسم مع ذلك باق، وليس إلّا لأنّ المراد في التسمية إنّما هو من الشيء غايته، لا شكله وصورته»[11].

وإذا اتّضح هذا الأمر، عرفنا ما بين نظرية العرفاء من قبلهم من الاختلاف، فالعرفاء يرون أنّ الألفاظ تشير إلى حقائق متعاليةٍ عن المصاديق، وإنّما يأتي الفكر لينقّح مصاديقها بقوانينه المنطقيّة، ولولا اللّفظ لما انفتح الفكر على المصاديق.

خلاصة رؤى المسلمين

تبيّن من السرد السابق أنّ المسلمين ذهبوا إلى أربعة تيّاراتٍ فيما يخصّ العلاقة بين اللغة والفكر:

الفلاسفة والمناطقة: حيث تبنوا الثنائيّة الحادّة بين الفكر واللّغة، وجعلوا قوانين أحدهما منفصلة عن قوانين الآخر، وهذا يدلّ على أنّ الذهن بإمكانه حسب ما يراه المناطقة والفلاسفة التفكير بغضّ النّظر عن اللغة، وأن المعاني سابقة على اللّغة، وليست الألفاظ سوى قوالب يستخدمها الإنسان لتفهيم غيره.

بعض النحاة والأصوليين: حيث نجد عندهم دمجًا بين اللغة والفكر، بحيث لا يمكن جعل قانون للفكر إلّا ذلك الذي يحكم قانون اللغة، ومن هنا فليست الأفكار سابقة على الألفاظ واللغة، وبالتالي فمنطق اليونان هو نحوه ولا يناسب منطق العرب لاختلاف لغتهم عنهم.

بعض الأصوليين: حيث ذهبوا إلى ذاتيّة العلاقة بين اللفظ والمعنى، وأنّ اللفظ ليس إلّا طورًا تكوينيًا من أطوار وجود الأشياء الواقعية.

العرفاء: حيث فرّقوا بين المفاهيم والمصاديق، فجعلوا الألفاظ تدلّ على المفاهيم بينما العقل والفكر وقوانينه تكتشف مصاديقه المتنوّعة، ويمكن عدّ هذه الرؤية وسطًا بين الرؤى السابقة، حيث تكون اللغة متلاحمة مع الفكر في تحديد المفاهيم وفاقًا للنحويين والأصوليين ـ  ولكن الفكر سابق عليها في اقتناص المصاديق.

نقد وتحليل

من خلال العرض السابق لمسار التنظير للعلاقة بين اللغة والفكر، نجد أنّ المسألة ترجع بالدقة إلى نظريّة المعرفة عند المفكرين، وهذا الفرع العلمي لم يوليه المسلمون كثيرًا من البحث والتمحيص إلا مؤخرًا بشكل غير موسّع كذلك، فإنّ ما ينبغي البدء به هو البحث عن كينونة اللغة في المنظومة المعرفيّة لا عن كينونتها النحوية والقواعدية، أعني بذلك أنّ السؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل للغة كينونة ما من حيث المعرفة أم إنّها فاقدة لمثل هذه الكينونة وليست إلّا أداة تعبيريّة لا تقدّم ولا تؤخّر في مجال الفكر والمعرفة؟

الذي يظهر لنا بدوًا أنّ اللغة في الحقيقة ليست عنوانًا محايدًا عن الفهم والفكر، بل هي أمر يستبطن في واقعه فهمًا وتقسيمًا مفاهيميًا للعالم والواقع، وإذا أردنا أن نعطي مثالًا لهذا الأمر نقول: إنّ اللغة الإنكليزية مثلًا لم تفرّق بين العم والخال على مستوى اللغة فكلاهما أُطلق عليهما لفظًا واحدًا هو (uncle)، بينما نجد في اللغة العربية الأمر خلاف ذلك فلأخ الأب لفظ مستقل هو (العم) ولأخ الأم لفظًا آخر هو (الخال) وهذا التعدّد في ألفاظ القرابة يكشف عن كون هذه الألفاظ نابعة من رؤية فكرية لأنساق القرابة، هذا المثال البسيط ينسحب على أمثلة أنطولوجيّة وميتافيزيقيّة، فاللغة العاجزة عن تأدية معنى ميتافيزيقي تكشف عن كون أهلها لم يجر في أذهانهم التفكير بهذه القضايا، ومن هنا، فإن ما يظهر لنا جليًا أن اللغة بتأديتها للمعاني المتنوّعة والتي تمتدّ تارة إلى الطبيعة وأخرى إلى ما وراء الطبيعة تكشف عن بنية فكريّة، ولعلّ لهذه القضيّة ذهب أمثال ملاصدر إلى القول بأنّ اللغة ذات وضع إلهي، سواء أكانت بوحي أم بفعل من قبل نبي مثلًا[12].

ومن هنا، فإنّ النظريات التي طُرحت في المنطق والأصول تكاد تكون أبعد عن واقع اللّغة مما طرحه أمثال العرفاء.

اللغة والفكر عند المفكرين الغربيين

إنّ عدم وجود العلوم «الشرعية» في العالم الغربي نظير ما هو موجود تاريخيًا في العالم الإسلامي كان مؤثّرًا بشكل واضح في تطوّر الرؤى التي نظّرت للعلاقة بين اللفظ والمعنى أو بين اللغة والفكر، فإنّ الفلك الذي دارت حوله رؤى المسلمين كان فلك علاقة «العقل بالنقلـ« وهو الرحى التي دارت حولها النقاشات المتعدّدة بين الفلاسفة والفقهاء والنحويين وأمثالهم، وهذا بخلاف ما كان سائدًا في الغرب في العصور الأخيرة وخاصّة ما بعد القرون الوسطى، ولذا فإنّ سؤال الانطلاق الذي تنفتح منه البحوث الغربية حول هذه العلاقة لم يكن السؤال عينه الذي حرّك المناظرات والجدالات في عالم الإسلام، وإن كنا لا ننكر أنّ حضور الكنيسة في القرون الوسطى كان له دور في إثارة الأفكار التي تسعى للربط بين العقل والنقل إلا أنّ الأمر لم يبقَ كذلك ولم يكن على نحو ما كان لدى المسلمين، وإذا أردنا رصد الرؤى المختلفة لعلاقة اللغة بالفكر غربًا أمكننا على وجه الإجمال تقسيمها إلى ما يلي:

ـ نزعة التسمية الطبيعية الممتدة إلى القرن الرابع قبل الميلاد

ـ نزعة التسمية النيابية المستمرة إلى القرن التاسع عشر

ـ منظور اللعبة الذي تبناه كلٌّ من فتجنشتين ودي سوسير في القرنين الأخيرين

التسمية الطبيعية

في محاورة «كراتيلوس» التي ينقلها أفلاطون، نجد أنّ هنالك نزعة تُرجع أصل الأسماء إلى كونها نوعًا من المحاكاة الطبيعية للأشياء، فهي ليست أمرًا اعتباريًا أو وضعيًا بقدر ما هي نوع من تجلّي الحقائق في لباس اللغة والألفاظ، والخصمان في هذه المحاورة هما «هوموجينس» المعارض لنزعة التسمية الطبيعية و« كراتيليوس» المنتصر لها؛ حيث تبدأ المحاورة بالتالي والكلام لهوموجينس «أودّ أن أُعلمك يا سقراط، بأنّ صديقنا كراتيليوس كان يناقش موضوع الأسماء، وهو يقول إنّها طبيعيّة وليست اصطلاحيّة- لا[يشذّ عن ذلك] أي قدر من النطق الذي اتفق الناس على استخدامه»[13]. وفي أثناء المحاورة يظهر أنّ سقراط يتبنّى رؤية طبيعيّة اللغة فيقول: «أظنّ إذن يا هرموجينس أنّ إطلاق الأسماء هذا لا يكون مسألة تافهة كما تتخيّل، ولا عمل أشخاص قليلي الشأن أو أناس كيفما اتفق. وكراتيليوس على حق في قوله بأنّ للأشياء أسماء بالطبيعة، وأنّه ليس كلّ إنسان خبيرًا في إطلاق الأسماء، ولكن الخبير هو ذلك الذي يهتم بالإسم الذي يملكه كل شيء بالطبيعة، وهو الذي يستطيع أن يعبّر عن الصور الحقيقية للأشياء بحروف ومقاطع»[14].

ومن هنا يظهر أنّ هذه الرؤية تشبه إلى حدّ بعيد الرأي الأصولي القائل بذاتيّة العلاقة بين اللفظ والمعنى الذي تقدّم بحثه، ويظهر كذلك أنّ شأن اللغة والأسماء ليس شأنًا اعتباريًا كما ذهب إليه الفلاسفة والمناطقة الذين تقدّم بيان رأيهم بل إنّ هنالك عمقًا للتعابير اللغوية لا يُدركها الإنسان إلا بخوض تجربةٍ صوفيّةٍ إيمانيّةٍ، وقد تبنّى هذه الرؤية فلاسفة حتى القرن الثامن عشر؛ حيث تفترض «أنّ الأشياء في جنّة عدن قد سُمّيت أصلًا بأسمائها الصحيحة التي عكست جواهرها الحقيقية، وأنّ استعادة هذه المعرفة المفقودة هي الكأس المقدس للبحث اللغوي»[15].

خلاصة الأمر، إنّ هذه الرؤية للعلاقة بين اللغة والمعنى، تُقحم التجربة اللغوية في عمق التجربة الصوفية للإنسان، وبالتالي فلا ثنائيّة حادة بين اللغة والفكر بل إنّهما مرتبتان لأمر واحد، فالحقائق تلبّست بلباس الأسماء والألفاظ، ونجد في هذه الرؤية أنّ المعاني سابقة على اللغة لكن سبقًا تكوينيًا وفق الرؤية الأنطولوجية للخلق غاية الأمر أنّ اللغة هي طور من أطوار الخلق وتشكّل ماهيات الأشياء.

نزعة التسمية النيابية

هذه الرؤية هي عين ما ذهب إليه مناطقة العرب من العلاقة الوظيفية بين اللغة والفكر، ولا نجد حاجة إلى تكرارها؛ حيث وجدنا أنّ خلاصتها القول بالثنائيّة الانفصاليّة بين اللغة والفكر وأنّ لكلٍّ قوانينه وأنّ اللغة أمرٌ اعتباريٌّ لا علاقة له بالفكر، بل إنّ الأفكار سابقةٌ على اللغة.

وقد استمرّت هذه الرؤية وصولًا إلى فتغنشتين ودي سوسير بشكلٍ خاصّ اللذين خاضا نقاشًا في أصل هذه الفكرة، و«ربّما كانت أبرز رابطة بين سوسير وفتجنشتين اهتمامهما بكشف حالات سوء فهم معيّنة بصدد اللغة، وأهم الأهداف المستهدفة بهجومهما الرأي القائل إنّ الكلمات تؤدّي وظيفتها بوصفها أسماء دالة على أشياء أو خواص معطاة بالفعل سابقة على اللغة»[16].

لعبة الكلمات

لن نستعرض في هذا المنظور الاختلافات بين كلّ من دي سوسير وفتجنشتين، بل سنأتي على ذكر الجوهر الذي يلتقيان حوله فيما يخص رؤيتهما للعلاقة بين المعاني والفكر من جهة واللغة من جهة أخرى.

وإذا أردنا أن نستعرض رؤيتهم فإنّ ذلك يتيسّر لنا ضمن نقاط:

الهوية المختلفة للكلمة باختلاف الاستعمالات

إنّ تطابق الكلمات لا يعني بالضرورة دلالتها على معنًى واحد، فإنّ للسياق دخلًا في تحديد المعنى المراد من استعمال أي لفظ، وعليه فالركون إلى المعنى المعجمي لكلمة ما لفهمها ضمن تركيب لغوي لا يُوصل إلى الفهم الدقيق للمعنى، فالتماثل اللفظي لا يعني التماثل المعنوي؛ وذلك لأنّ اللغة تنتمي إلى شبكة من العلاقات التي تشكّل ماهية المعنى، «قد يوجد تطابق لغوي من دون وجود مثل هذا التشابه فإذا أعيدت لفظة Gentlemen= (أيها السادة) مرات عدّة في أثناء محاضرة، يشعر المستمع أنّ العبارة ذاتها تستعمل في كل مرّة. ومع ذلك يؤدّي الاختلاف في النطق والتنغيم إلى اختلاف صوتي ملموس في السياقات المختلفة...يمكن أن تعبّر الكلمة الواحدة عن أفكار مختلفة من دون أن يؤثر ذلك في تطابق الكلمة»[17].

عدم انتظام الفكر

ينطلق دي سوسير من أنّ الفكر بطبيعته غير منتظم، فلو أخذناه بغض النّظر عن اللغة لا يكون سوى كتلة لا شكل لها، ولذا فلا يكون لها قيمة إلا عندما يصاغ بلغة تحدّد أبعاده وشكله، «فلولا اللغة أصبحت الفكرة شيئًا مبهمًا غير واضح المعالم، إذًا لا توجد أفكار يسبق اللغة وجودها، ولا تتميز هذه الأفكار قبل ظهور اللغة»[18].

وبهذا يظهر أنّ أحد علائم الفكر اللغوي عند سوسير وكذلك فتجنشتين عدم القبول بأسبقيّة الفكر على اللغة، بل إنّ بعض المفكرين قد قارب هذه الفكرة  ـ وإن لم يرجعها إلى أيّ من سوسير أو فتجنشتين ـ  من خلال تشبيهها بالمادة والصورة؛ حيث إنّهما جوهران متحدان لا يتم أحدهما من دون الآخر، وتكون وظيفة اللغة كوظيفة الصورة وهي إخراج الهيولى من حالة الإبهام، وبعبارة أخرى «المادة الأولى لا تظهر في عالم الخارج لوحدها أو مجرّدة عن صورتها الفعليّة. فما هو مصدر للأثر والفعلية في العالم عبارة عن الصورة الفعلية المختلفة التي تظهر منبع الكمال في ميدان الحركة التكاملية التي لا تتوقف، وتزيّن كالأثواب الملونة جسم الهيولى الأولى النحيف. وبهذه الطريقة تجد هيولى المعرفة والعلم فعليتها في لون الكلام»[19].

اللغة بوصفها لعبة

المقارنة بين اللغة ولعبة الشطرنج عند كلّ من سوسير وفتجنشتين تمثّل مدخلًا لرفض النّزعة التقليدية للعلاقة بين اللغة والفكر؛ وذلك لأنّ أحجار لعبة الشطرنج لا تتميّز إلا بموقعها في بنية اللعبة ككل، ولا يهمّ أكانت الأحجار من الخشب أم العاج، بل إنّ ماهياتها تكتسب من موقعها في التراتبيّة والبنية في اللعبة ككل، وهذا ما يسميه دي سوسير بالقيمة في مقابل الدلالة التي تعني الحجر في نفسه من حيث تكوّنه من خشب أو عاج مثلًا، وعليه فإنّ اللغة هي لعبة كذلك، يشكّل كلّ لفظ فيها قطعة من بنية اللغة ككل وليس الأمر كما ذهب إليه أصحاب النزعة التقليدية ومنهم المناطقة بأنّ لكلّ كلمة معنًى في داخلها أو أنّها قالب مستقل لفكرة ما، بل إنّ الأمر يتمثّل في بنية اللغة ككيان جامع. وبعبارة أخرى «بحسب المنظور الذي اعتمده سوسير وفتجنشتين، لم يعد بالإمكان تفسير وظيفة الكلمة بالرجوع إلى الفكرة التي يزعم أنّها تعبّر عنها، ولا تفسير الكلمة بالإحالة إلى (الشيء) أو ملمح العالم الخارجي الذي تمثله عقليًا. بدلًا من ذلك، تُفسّر الكلمة وهي تعامل هنا بوصفها وحدةً لا تقبل التجزئة من صوت ومعنى، بوضع دورها مقابل أدوار الكلمات الأخرى في النظام اللغوي الذي تشكّل جزءًا منه»[20].

ولذا فإنّ نقل كلمة من لغة إلى أخرى يكاد يكون مستحيلًا لاختلاف الأنظمة والبنى اللغوية، ويُعطي دي سوسير لذلك مثالًا فإنّ «اللفظة الفرنسية الحديثة mouton (غنم) يمكن أن تكون لها الدلالة نفسها للكلمة الإنكليزية sheep، ولكن لا يمكن أن تكون لها القيمة نفسها؛ لأسباب كثيرة، أهمّها أنّ الإنكليزية تستخدم mutton وليس sheep عند الكلام عن قطعة لحم جاهزة على مائدة الطعام. فالفرق بين قيمة sheep و mouton يرجع إلى أن sheep في الإنكليزية لها لفظة أخرى تستعمل معها وهي mutton: في حين ليس للكلمة الفرنسية كلمة أخرى»[21].

والأمر عينه بالنسبة للقواعد النحويّة والصرفيّة التي تختلف من لغة لأخرى، كالمثنى الموجود في اللغة العربية وغير الموجود في اللغة الإنكليزية.

الخلاصة التي ننتهي إليها وفق هذه الرؤية أنّ لا فكر من دون لغة؛ وذلك لأنّ أمر الفكر هو عدم الانتظام في نفسه، وإنّ اللغات عبارة عن أنظمة يكتسب كلّ لفظ فيها قيمته من خلال البنية والأدوار التي ينتمي إليها، فلا «توجد أفكار يسبق اللغة وجودها، ولا تتميّز هذه الأفكار قبل ظهور البنية اللغوية»[22].

نقد وتحليل

يظهر من خلال ما سبق، أنّ الرؤى التي طُرحت في أوروبا وخاصّة على أيدي مفكري المدرسة التحليليّة اقتربت من تحقيق كينونة اللغة، ولكن ابتعدت نوعًا ما عن عمق الفكر الذي تدور اللغة في فلكه، فإنّهم وإن ذكروا أنّ اللغة ممتزجة بالفكر نوعًا من الامتزاج، لكنّهم لم يعطوا للفكر قيمته الممتدّة إلى عمق الوجود كمثل ما أعطاه العرفاء من المسلمين، ومن هنا اقتصرت نظريات اللغويين من الفلاسفة الغربيين على العلاقة بين كينونة اللغة والفكر في مستوى بسيط للفكر.

ومن هنا، فإنّ ما ينبغي إضافته هو إدخال عناصر أخرى للمعرفة مثل العلم الحضوري والشهود والكشف، وغيرها من المعرفة التي تُعبّر عن امتزاج الذات العارفة بالوجود وحقيقته، وهذا يفتح أمامنا تنقيحًا لعلاقة اللغة بالفكر في مستوياته الأعمق.

خاتمة وتقويم

يتبيّن مما سبق أمور عدّة:

التشابه بل التطابق في بعض النظريات التي طرحها المسلمون مع ما كان سائدًا في بعض القرون السالفة في الغرب، لا سيّما النزعة الطبيعية أو ما سمّاه بعض الأصوليون بالعلاقة الذاتية بين اللفظ والمعنى وهذا التيّار واجه نقدًا أساسيًا خلاصته أنّه لا يصمد أمام تعدّد اللغات؛ «لأنّ دلالة اللفظ على المعنى وعلاقته به إذا كانت ذاتيّة وغير نابعة من أي سبب خارجي وكان اللفظ بطبيعته يدفع الذهن البشري إلى تصوّر معناه فلماذا يعجز غير العربي عن الانتقال إلى تصور معنى كلمة «الماء» عند تصوّره للكلمة؟ ولماذا يحتاج إلى تعلم اللغة العربية لكي ينتقل ذهنه إلى المعنى عند سماع الكلمة العربية وتصوّرها؟ إنّ هذا دليل على أنّ العلاقة التي تقوم في ذهننا بين تصوّر اللفظ وتصوّر المعنى ليست نابعة من طبيعة اللفظ، بل من سبب آخر يتطلّب الحصول عليه إلى تعلم اللغة، فالدلالة إذن ليست ذاتية»[23]. نعم لقد انتصر بعض أصحاب هذا التيار إلى تخصيص زعمهم باللغة الأم، وأن اللغات قد أفسدت هذه اللغة مع مرور الوقت، ونحن لا نرى حاجة لردّ مثل هذه المزعمة مع معالجتنا لحقيقة العلاقة بين اللغة والفكر للغات اللاحقة.

إنّ ما ذهب إليه أمثال السيرافي من النحاة القائلين بأنّ المنطق الأرسطي هو نحو اليونان قائم على فرض أن الفكر تابع للغة، وهو لا يخلو من محذور السفسطة من حيث صيرورة الفكر نسبيًا كنسبيّة اللغة واختلافها، وبعبارة أخرى: إنّ جعل قوانين الفكر متغيّرة ومختلفة تبعًا لاختلاف اللغة يجعل من آليات الاستدلال مختلفة وتابعة لظروف اللغة وملابساتها، وهو القول عينه بالنسبيّة المؤدية إلى السفسطة.

إنّ ما ذهب إليه المناطقة من أنّ اللفظ واللغة عمومًا ليست إلا قوالب للمعنى لا يخلو من تجريد، فهو لا يُناسب عرفيّة الحياة الإنسانيّة التي يتداخل فيها عناصر عديدة، فما ذهبوا إليه صحيح وفي محلّه لو تم النّظر إلى الفكر كمجموعة من المعاني غير المعاشة والمجرّدة عن ملابسات الحياة الإنسانية، أما إذا أردنا التعامل مع اللغة والفكر المعاش فلا بدّ من اكتشاف العلاقة بينهما لما هو مشهود من اختلاف أنماط الفكر، وعليه فكما أنّ جعل اللغة والنحو مساوق للفكر كما ذهب إليه السيرافي وأمثاله ـ  مرفوض كذلك الاقتصار في نظرية اللغة على التنظير لعلاقتها بالمعاني المجردة كذلك.

إنّ ما ذهب إليه العرفاء من أنّ الألفاظ موضوعةٌ للمفاهيم والغايات والعقل يستنبط المصاديق، لا شبهة فيه ولكنّه يفتقر إلى معالجة العلاقة بين الفكر واللغة وفق السياقات الاجتماعية والبنية التي تنشأ فيها المحاورات وهذا ما سلّط عليه الضوء كلٌّ من دي سوسير وفتجنشتين، ولذا فإنّنا يمكن لنا أن نخلص إلى أنّ الفكر الفلسفي عند تعامله الأنطولوجي مع الوجود لا غنى له عن النص واللغة في اكتشاف الآفاق المفهوميّة الذتي تفتح له سبيل التفكير لاكتشاف المصاديق العقلية، وأمّا في تعامله مع اللغة العرفيّة والمعاشة فهو مرتبط بطريق حتمي بالبنية التي تنتمي إليها اللغة. ومن هنا ذهب السيد محمد باقر الصدر إلى «فهم النص على ضوء ارتكاز عام يشترك فيه الأفراد نتيجة لخبرة عامّة وذوق موحّد، وهو لذلك يختلف عن الفهم اللفظي واللغوي للنص الذي يعني تحديد الدلالات الوضعية والسياقية للكلام»[24]. وكأنّه بذلك يفرّق بين قيمة الكلمة ودلالتها على ما طرحه دي سوسير.

------------------------------------

[1]*ـ  باحث في الأنتروبولوجيا وأستاذ المنطق والفلسفة في الحوزة العلمية ـ  لبنان.

- هاريس، روي: سوسير وفتجنشتين فلسفة اللغة ولعبة الكلمات، ترجمة: فلاح رحيم، لا ط، بيروت، جامعة الكوفة، 2019، ص: 25.

[2] ـ  أبو علي سينا: شرح الإشارات والتنبيهات، لا ط، قم، البلاغة للنشر، 1435هـ، ج1، ص22.

[3]- المحقق الطوسي، شرح الإشارات والتنبيهات، مصدر سابق، ج1، ص22.

[4]- م.ن، ج1، ص21-22.

[5]- القطب الرازي، شرح الإشارات والتنبيهات، مصدر سابق، ج1، ص21.

[6]- حسين الديناني، غلام: حركة الفكر الفلسفي في العالم الإسلامي، لا ط، بيروت، دار الهادي، 2001، ج1، ص129.

[7]- التوحيدي، أبو حيّان: المقابسات، لا ط، الكويت، دار سعاد الصباح، 1992، ص169.

[8]- النشار، علي سامي: مناهج البحث عند المسلمين ونقد المسلمين للمنطق الأرسططاليسي، دار الفكر العربي، 1947،ص62.

[9]- الصدر، السيد محمد باقر: دروس في علم الأصول، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1986، ج1، ص65.

[10]- الإمام روح الله الخميني: مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية، لا ط، بيروت، مؤسّسة الوفاء، 1983، ص63.

[11] ـ  الطباطبائي، العلامة محمد حسين: الميزان في تفسير القرآن، لا ط، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات‏، 1390 هـ، ج1، ص9 - 10.

[12]- راجع كتاب: أسرار الآيات، صدر المتألهين الشيرازي.

[13]- عزمي طه السيد أحمد: أفلاطون محاورة كراتيليوس، لا ط، الأردن، وزارة الثقافة، 1995، ص92.

[14]- م.ن، ص105.

[15]- روي هاريس، سوسير وفتجنشتين فلسفة اللغة ولعبة الكلمات، م.س، ص42.

[16]- روي هاريس، سوسير وفتجنشتين فلسفة اللغة ولعبة الكلمات، م.س، ص41.

[17]- فرديناند دي سوسير: علم اللغة العام، ترجمة يوئيل يوسف عزيز، لا ط، بغداد، دار آفاق عربية، 1984، ص127.

[18]- م.ن، ص131.

[19]- غلام حسين الديناني، القواعد الفلسفية العامة في الفلسفة الإسلامية، لا ط، بيروت، دار الهادي، 2007، ج1، ص6.

[20]- روي هاريس، سوسير وفتجنشتين فلسفة اللغة ولعبة الكلمات، م.س، ص72.

[21]- فرديناند دي سوسير، علم اللغة العام، م.س، ص135.

[22]- م.ن، ص131.

[23]- السيد محمد باقر الصدر، دروس في علم الأصول، م.س، ج1، ص65.

[24]- صائب عبد الحميد: الشهيد محمد باقر الصدر من فقه الأحكام إلى فقه النظريات، مركز الحضارة، بيروت، 2008، ص 99.