البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

November / 28 / 2022  |  320يحوي الدين من القوى ما يجعل التخلي عنه ضرباً من المحال

الحوار مع :د. يونس نور بخش
يحوي الدين من القوى ما يجعل التخلي عنه ضرباً من المحال

الباحث الدكتور يونس نور بخش متخصّص في علم الاجتماع، وخريج جامعة هامبورغ الألمانيّة. وهو يعمل الآن أستاذًا مساعدًا في جامعة طهران. صدر له العديد من الكتب والمقالات حول علم الاجتماع الديني، والإعلام والثقافة، كما ترجم بعض الكتب الهامّة في هذا الشأن أهمها: «المسائل الجوهرية في نظرية وسائل الإعلام»، «أطلس الأقليات المسلمة في العالم»، «الدين والتعايش السلمي»، «الدين والمجتمع»، «الخطاب السياسي الغربي بشأن الإسلام وردود أفعال المسلمين في هذا الخصوص».

في هذا الحوار نناقش معه علاقة التّراث بالحداثة والتحديات المترتّبة على هذه العلاقة.

«المحرر»


* حسب تعريفكم ما الذي يعنيه التراث؟ وما هي خصائصه وعناصره؟

- ذُكر للتراث في كتب المعاجم وقواميس اللغة عددٌ من المعاني. تارة يُقال إنّ معناه هو مجموعة الأمور التي ورثناها من الأزمنة الماضية. وتارة يُطلق على مجموع التقاليد والأعراف، وهذا هو المعنى المقصود عند الحديث عن التّراث في نصوصنا الدينيّة. وتارة يراد من ذلك في الأمور الدينيّة المنهج الصحيح في مقابل البدعة بوصفها أمرًا ومنهجًا مرفوضًا. كما جاء في القرآن التعبير عن السنّة الحسنة والسنّة غير الحسنة أو السيّئة، ويتمّ التعبير عن السنّة غير الحسنة بالبدعة. كما يطلق في بعض الأحيان على الأمر التقليدي بوصفه شيئًا أصيلاً ومتجذّرًا. وعليه فإنّ للتراث والأصالة معاني مختلفة، وقد يطلق على أمور سلبية تمامًا. فمثلاً عندما نريد أن نطلب من شخص أن ينبذ شيئًا باليًا وقديمًا، نقول له: لقد أصبح هذا الشيء من التراث، بمعنى أنّه أصبح قديمًا ولم يعد يصلح للمرحلة الراهنة. وأمّا المعنى المنظور لعلماء الاجتماع من التراث والأصالة، هو ما يقابل الحداثة والمعاصرة. بمعنى أنّ الذي تمّ إصلاحه وإعادة إنتاجه بسبب الحداثة، وأصبح مثارًا للجدل في المجتمع العلمي والإسلامي هو التراث في مقابل الحداثة. كما أنّ التراث قد امتزج بالتقاليد والأعراف والمناسك. في حين أنّ الأمر الجديد والحديث ليس كذلك. ولهذا السبب عندما نتحدّث عن التراث، يتبادر إلى الذهن الشعائر والمناسك والتقاليد والأعراف أيضًا. والمهمّ أنّ التراث يمكن له أن يستمرّ في إطار المناسك والتقاليد. كما أنّ التّراث قد امتزج بمفهوم الدين أيضًا؛ لأنّهما كانا منذ القدم مقرونين بالمناسك والشعائر، وكان هناك الكثير من الذين يعملون به، ومن هنا يتكرّر في التراث استعمال مفاهيم من قبيل: المناسك، والتقاليد، والدين أيضًا، وكانت هذه المفاهيم موجودة وجارية منذ القِدَم؛ وكان هاجس الحياة قائمًا منذ القِدَم وإلى يومنا هذا. وبطبيعة الحال فإنّ هذه الأمور لم تكن متزامنة على الدوام وعلى وتيرة واحدة. ولكن التراث يكتسب هويّته من الحفاظ على الوضع القائم والموجود. وعلى هذا الأساس فإنّكم لا ترون هنا مجرّد نوع من الاختلاف والتفاوت، بل هناك تقابل وتضاد ماهوي. فالحداثة تريد شيئًا، والأصالة والتراث يريدان شيئًا آخر. إنّ محور الحداثة والتجديد هو التغيير، في حين أنّ محور التراث والأصالة هو الحفاظ على القديم، وبذلك فإنّه يقترب في الغالب من الدين.

* ماذا أيضاً عن معنى الحداثة، وهل يجب تعريف الحداثة بوصفها ناظرة إلى التراث بالكامل؟

- أجل، في المجموع إذا أردنا أن نتعرّف على الحداثة جيّدًا، وجب علينا أن نلتفت إلى مفهوم التراث في ذلك المجتمع، ومن الضروري أيضًا أن نلتفت إلى هذه النقطة وهي أنّ التراث والحداثة قد تجلّيا في المجتمعات المتنوّعة بأشكال مختلفة. وعليه قد يكون هناك في موضع نزاع لفظي حول التراث والحداثة، ولكن ماهيتهما تكون مختلفة. وإذا أردنا بيان خصائص الحداثة من خلال بحث العقل يجب القول إنّ محور وعنصر ومعيار الحداثة هو الاستدلال والبرهان. إنّ الحداثة تنشد الدليل، وليست من التعبّد والتقليد في شيء. وهذا هو معنى السلطة الذاتية والاستقلالية في اتّخاذ القرار. ولذلك عندما يتمّ الحديث في النظريّات بشأن اغتراب الإنسان عن ذاته، يُقال إنّ الدين سببٌ في اغتراب الإنسان عن ذاته (النظرية الماركسية)؛ بمعنى أنّ كلّ عامل خارجي يقول للإنسان: افعل كذا، ولا تفعل كذا، يعدّ من أسباب الاغتراب. سواء أكان ذلك العامل الخارجي تراثًا أم أيّ شيء آخر. ولذلك فإنّ التعاطي السلبي الذي يأخذه العلمانيون والماركسيون وغيرهم على الدين، يقوم على هذا الفهم وهو أنّ الدين شيء خارجي ومؤسّسة خارجية تريد من الناس أن يتعهّدوا بشيء، وهذا يؤدّي إلى الاغتراب، ومن هنا يجب تجنّبه. إنّ الإنسان الحديث الذي عرّفته الحداثة هو إنسان ينتمي إلى هذه الدنيا وهذا العالم؛ يعني أنّه علماني. إنّ هذا الإنسان يسعى إلى مشاهدة نتيجة عمله وسعيه في هذا العالم. ويرى دينه بالدرجة الأولى من أجل هذا العالم. لقد تمخّضت العلمانيّة من رحم هذا الاتّجاه؛ بمعنى أنّها شيء تنبثق أسئلته واستفهاماته والإجابات عن هذه الأسئلة والاستفهامات بأجمعها من هذا العالم. وعلى كلّ حال فإنّ هذه نقطة، وهي أنّه حيث يكون الإنسان منتميًا إلى هذا العالم، فإنّه يريد تغيير العالم على ما يتناسب مع ميوله ورغباته. إنّ الحداثة ذات طبيعة استعجاليّة وتغييريّة. في حين أنّ التّراث والأصالة ذات طبيعة محافظة. إنّ التقويض في الحداثة لا يعدّ جريمة، بل هو فضيلة. في الوقت الذي يعتبر فيه الخروج على المعايير والمتبنيات في التّراث والعالم التقليدي جرمًا، فإنّ الفردانيّة هي الهامّة في الحداثة. إنّ الإنسان مهما تمكّن من إظهار ذاته وإثبات نفسه، كان ذلك أمرًا مطلوبًا ومرغوبًا. وعلى هذا الأساس يتكوّن لديه فهم آخر للدين؛ ومن هنا تزدهر التيّارات المعنويّة.

لقد تبلورت الحداثة تمامًا في أوّل الأمر بمعنى محدّد في الغرب ومع التنوير والتقابل مع القرون الوسطى التي تعتبر تراثًا؛ بيد أنّها في المراحل اللاحقة حيث دخلت إلى المجتمعات الأخرى، اكتسبت النّزاعات شكلاً آخر. وعلى هذا الأساس فإنّي أؤمن بعصر الحداثة أو حداثويات عدّة أو الحداثة المتعدّدة، ولست أعتقد بحداثة واحدة. كما أنّ التراث يختلف من مجتمع إلى آخر؛ في مجتمع يكون الدين هو القوي، بينما تكون الثقافة هي القويّة في مجتمع آخر. وقد لا يكون لها ذلك التأثير على مجتمع، بينما يكون لها تأثير شديد على مجتمع آخر. إنّ هذه الموارد بجملتها رهن بنوع التراث ونوع الحداثة في المكان المنشود. وعلى هذا الأساس نتصوّر أحيانًا أنّ الحداثة الغربية بعينها قابلة للتطبيق والتحقّق في المجتمعات الشرقية أيضًا. في حين أنّ تلك الحداثة بدورها تتغيّر بتأثّر خصائص مجتمعها أيضًا. وربّما كانت هناك نقيضة وتحدث أمور أخرى وهذا بحث هام جدًّا. وأمّا فيما يتعلّق بالتقابل بين الحداثة والتراث؛ فيجب القول: إنّه يمثل جانبًا من التقابل بين الواقعيّة والعينيّة والموضوعيّة. كما أنّ جانبًا منه متضاد بالكامل، وإنّ جانبًا منه مجعول وأيديولوجي؛ بمعنى أنّه يدفعون بالمجتمعات والحكومات إلى مواجهة بعضهم عمدًا. وعلى هذا الأساس يجب أن نقوم بعمليّة فصل وتفكيك دقيقين؛ لنرى ما هي مواطن التقابل والتضاد والاختلاف بين هذين الاثنين، بل وحتى ما هي المواضع التي تكمن فيها إمكانية ظهور التحدي الجاد بينهما. لقد عملت العولمة على تفكيك التقابل بين التراث والحداثة على المستوى الدولي. كما أنّها أدّت في بعض الموارد إلى مفاقمة بعض التحديات، لا سيّما فيما يتعلّق بالراديكالية والأصولية وداعش وما إلى ذلك. وبطبيعة الحال أرى أنّ الحداثة قد أصبحت أكثر تواضعًا من ذي قبل؛ فقد أذعنت بأنّ هناك حداثويات متنوّعة ومتعدّدة. ومن هنا لم يعودوا يكثرون من تداول مفهوم الحداثة، وأخذوا يستعيضون عنه بالتنمية والتنمية المستدامة، حيث يتمّ الاهتمام بالأمور الثقافية والوطنية والإنسانية والبيئيّة بشكل أكبر.

* بناءً على ما مرَّ معنا، كيف تقوّمون الاتّجاهات والجماعات الناقدة للحداثة في الغرب، وما هي أبرز الانتقادات التي يسوقها التقليديون على نظريات وتجارب المجتمع الحديث؟

- هناك جماعات عدّة في قبال الحداثة: التقليديون، واليساريون، والماركسيون، والأصوليون، وما بعد الحداثويين، والإنسويون؛ حيث يعيشون من هذه الناحية هاجس السّلطة ويذهبون إلى الاعتقاد بأنّ الإنسان كان من المفترض أن ينال حرّيته. ولكنّهم وقعوا مرّة أخرى أسرى في قبضة التكنولوجيا والنّزعة النّفعيّة والرأسماليّة وما إلى ذلك. إنّ لكلّ واحدة من هذه الجماعات هواجسها المختلفة. فالتقليديون لهم هواجسهم، ولما بعد الحداثويين هواجسهم، وكذلك المتديّنون الذين يتعيّن علينا أن نرى أين يمكن لنا أن نضعهم. إنّ الماركسيين وكذلك الماركسيين الجدد والأصوليين لهم هواجسهم الخاصّة والمختلفة، فهذه المخاوف والهواجس ليست من سنخ واحد. وعلى هذا الأساس فإنّ الحداثة لا تواجه النزعة التقليدية وحدها، وإنّما هي تواجه ما بعد الحداثة وتواجه الماركسيين واليساريين والإسلاميين وغيرهم أيضًا. ولكن هذه الاتجاهات جميعها متعارضة فيما بينها. وأمّا فيما يتعلّق بأصحاب النزعة التقليدية فإنّي أرى أنّ أمثال السيد حسين نصر وغيره يحملون في الغالب هواجس المعنويات. بمعنى أنّهم يعتقدون أنّ الحضارة الغربيّة من خلال نبذ القداسة والنزوع إلى المادية قد سلكت طريقًا خاطئًا، وبذلك فإنّهم يعملون على توجيه النقد لها. بمعنى أنّ مشكلتهم تكمن في أنّ النزعة الإنسويّة قد حلّت محلّ النزعة اللاهوتيّة، وحلّت محلّها الماديّة أيضًا، وبذلك فقد ابتعد الإنسان الحديث عن المعنويّة. عندما يتمّ نبذ المعنويات، فإنّ الأخلاق والفضيلة سوف تتّجه بدورها نحو الزوال أيضًا.

* هل يمكن لك أن تعدّد لنا موارد نقد الحداثة للتراث، مع تحليلها ومناقشتها؟

- تذهب الحداثة إلى الاعتقاد بأنّ النّزعة التقليديّة تحول دون تحقّق التغيير في المجتمع: وبعبارة أخرى: إنّ محور الحداثة يقوم على التغيير، في حين أنّ التقليد يحول دون التطوير والتنمية. وهذا يشكّل الانتقاد الرئيس الموجّه من قبل الحداثة على التراث. إنّ التّراث والنّزعة التقليديّة تحمل مخاوف تجاه الماضي، وحيثما تريد رفع مخاوفها في مورد ما، فإنّها تشكّل حائلاً تجاه الحداثة. وأمّا هواجس الحداثة فإنّها تقول إنّ التقدّم والتنمية والإنسان، إذا تمكنت من الإفلات من هذه القبضة المتشدّدة، فسوف يكون بمقدورها أن تحدث التغيير المنشود في العالم. إنّ مشكلة الحداثة تكمن في التقدّم والتنمية، وترى في أصحاب النزعة التقليدية عقبة أمام التنمية والتقدّم. والنقطة الهامّة جدًّا هي أنّ على المتدينين وأصحاب النزعة التقليدية أن يتصرّفوا في المجتمعات المناصرة للتنمية بحيث ينظر إلى الدين بوصفه مخالفًا للتنمية والتقدّم. كما حصل ذلك في الغرب؛ حيث وقف علماء الدين في وجه التقدّم، وكانت نتيجة ذلك هو نبذ الدين أو رفعه لراية الاستسلام. عندما لا تتمكّن الحداثة والمتدينون في الوضع الراديكالي من التوصّل إلى حلّ المسألة، يصلون إلى نتيجة مفادها أنّ المتديّن ينكر الحداثة، ويرى الدين مخالفًا للحداثة بشكل كامل. وفي المقابل فإنّ الحداثة بدورها تطالب بطرد المتديّنين ونبذ الدين أيضًا. وعلى هذا الأساس لو كان لدينا قراءات متعدّدة عن الحداثة، ولو أمكن لنا تقبّل إمكانيّة إحداث التغيير والتجديد في الدين، أمكن لنا الفصل بين هذا أو هذا، أو أن نصلح بين هذه القراءة وتلك القراءة، وإلا إذا تشبّث كلّ واحد بموقفه، وقال إمّا هذا أو ذاك، فإنّ ذلك سيؤدّي إلى ظهور تيّارات راديكالية، وقد كان العالم الإسلامي في هذه الفترة منذ عهد السيد جمال الدين الأسد آبادي غالبًا في هذا النموذج. وبطبيعة الحال كان هناك عدد من المفكرين بصدد حلّ هذه المسألة؛ بيد أنّ سائر التيّارات الراديكالية كانت تسعى إلى نبذ الحداثة أو نبذ الدين.

* إذا كان التراث والتقاليد بمعنى مجموع الآداب والسنن التي ورثناها من أسلافنا، فهل تجد هناك إمكانيّة لتجاوز هذا التراث في الحقيقة والواقع؟

- إنّ التّراث والثّقافة في الأساس ليست مسألة ثابتة. إنّ الدوام والبقاء ينتقل من جيل إلى جيل آخر، فقد انتقل الإنسان من مرحلة الصيد إلى الرعي، ومنها إلى مرحلة الزراعة، ثم إلى بناء المجتمعات والمدن. فهل كانت هذه العصور واحدة؟ هناك من يتحدّث عن الثورة الاجتماعية، والثورة الثقافية، والثورة الصناعية. وفي الأساس فإنّ حياة الإنسان وأسلوبه قائمان على التغيير، غاية ما هنالك أنّ التغيير يحدث بشكل بطيء ومتدرّج. فهناك من الأمور ما يستمرّ ويبقى لمدّة طويلة، وهناك من الأمور ما يتغيّر بسرعة. هناك سلسلة من الأمور التي يعتريها التغيّر بشكل هادئ وتدريجي. وعلى هذا الأساس فإنّ التراث والثقافة ذات حيويّة وديناميكية، ولكنّها على الرغم من ديناميكيتها وحيويتها تنتقل من جيل إلى جيل آخر. وفي هذا الانتقال فإنّه يحمل معه أشياء من التراث القديم ويضيفها إلى أشياء جديدة، ومن هنا تتمخّض عن الثقافة نقيضة جديدة. وفي الحقيقة فإنّ الثقافة وسيلة من أجل الانسجام والتطابق مع البيئة والمحيط وتلبية الحاجات بأسلوب جديد. وعليه فإنّ الإنسان يمكنه العمل على تغيير الثقافة عبر الأساليب الجديدة، ويمكن لهذه الثقافة أن تساعده على البقاء، ويبقى المجتمع ويستمرّ ببقائه. غاية ما هنالك أنّ الذي أصبح مشكلة في مجتمعنا هو أنّ التغيّر يحدث بشكل سريع وعلى نطاق واسع. وهنا يكون العبور والاجتياز صعب ومعقد؛ إذ إنّكم تريدون العبور من مرحلة إلى مرحلة أخرى فجأة وبقفزة واحدة، إنّ المتغيّرات والتحوّلات في مجتمعات العصر الحديث شديدة جدًّا. ثم إنّ العولمة حاليًّا والتكنولوجيا والوسائل الإعلاميّة، قد تمّ تسريعها وتعقيدها بحيث أصبح حلّها معقّدًا للغاية. وعلى هذا الأساس فقد كان لدينا هناك عبور واجتياز مستمر ومتواصل. غاية ما هنالك أنّ هذا الأمر قد تمّ بشكل بطيء وهادئ وقد استغرق سنوات وقرون طويلة، والآن أخذ بالتسارع فجأة بحيث أوجد شرخًا كبيرًا بين الأجيال. لقد كان المعيار في مفهوم الجيل يتحدّد بقرن من الزمن، ثم تقلّص إلى خمسين سنة، ثم إلى عشر سنين؛ بمعنى أنّ التغييرات أخذت تحدث في كلّ عشر سنوات أو خمس عشرة سنة بشكل متسارع بحيث إنّ الجيل اللاحق يختلف عن الجيل السابق بشكل كامل. هذه هي المشكلة التي حدثت حاليًّا، وإلا فإنّ الإنسان على الدوام كان يواجه العبور والاجتياز من مرحلة إلى مرحلة أخرى. وعلى هذا الأساس لا توجد هناك سنّة وتراث بمعنى الأبدي والأزلي والثابت الذي لا يتغيّر. إنّ التراث يعني ذلك الشيء الذي يكون ثباته أكثر وأطول ويؤدّي إلى دوام وبقاء وثبات المجتمع؛ إلا أنّ جميع هذه السنن قد تعرّضت إلى التغيير وكتب عليها الزوال والاندثار، وحلّت محلها أمور أخرى. إنّ المسألة تكمن في أنّ القدرة على التغيير قد ارتفعت بحيث أضعفت التراث والسنن بشدّة، وانتكست مقاومتها بشدّة، ومن ناحية أخرى فإنّ مجتمعنا لا يمتلك تلك القدرة على إحداث هذا التغير، وهذا يفرض عليه تحديًا. مثل الطفل الذي يخرج من البيت صباحًا، ثم يعود في المساء ليجد أنّ أمّه قد غيّرت جميع أثاث البيت. وهو لكي يعثر على أشيائه الخاصّة سوف يظلّ في دوّامة وحيرة لساعات عدّة؛ إذ لم يكن يتوقّع حدوث هذا التغيير كلّه مرّة واحدة؛ وأمّا لو غيّروا مكان غرض أو غرضين من أشيائه الخاصّة، لكانت حيرته أقل، وأمكنه حلّ المشكلة ببساطة. إنّ التغييرات في بعض الأحيان لا تقوم على معايير خاصّة ولا تكون منظّمة أو قائمة على قواعد محدّدة. ولكنّي أرى أنّه يجب عدم اعتبار الانتقال من التراث والسنن أمرًا خطيرًا؛ فهذا الانتقال حتمي التحقّق. إنّ العبور والانتقال لا يعني التخلّي. يمكن له أن يوجد خطابًا يجمع بين الأصالة والحداثة، وأن يؤسّس في الوقت نفسه إلى نوع من الإدارة؛ يجب أن نعثر على طريق للثقافة المشتركة. وهنا يمكن أن توجد نقيضة جديدة. ولذلك فإنّنا نعتبر الحوار في غاية الأهميّة.

* يمكن اختصار أساس التحدي القائم بين الأصالة والحداثة في الاعتقاد القائل بأنّ الحداثة تدعو إلى علوّ شأن الفرديّة، في حين أنّ الأصالة والتراث ينظران إلى الجمع والكلّ بوصفه قانونًا كليًّا. فهل يمكن الوصول إلى تعادل وتعامل بين الفرديّة والتراث بمعنى أصالة القانون العام؟

- إنّ الإنسان الحديث يقوم على تأصيل عقله، وليس تابعًا للعادات الاجتماعيّة وتقاليدها جدًا. ومن هنا فإنّ سبب ضعف الآداب والتقاليد يعود إلى أنّ الإنسان يسعى إلى الحفاظ على استقلاليّته وخصوصيّاته. إلّا أنّ التراث والسنن بشكل عام تكون بشكلٍ جماعيٍّ وتاريخيٍّ، وذات صبغة تاريخية، في حين أنّ الأمر الفردي ليس كذلك. إنّ لكلّ فرد في المجتمع الحديث موقفه ورؤيته الخاصّة به. في السابق كان الموقف والرأي الجمعي هو المعيار والملاك. وبعبارة أخرى: لم يكن الفرد يحظى بتلك الأهميّة. ففي قرية ما لا ترون تلك الأهميّة للأشخاص، إنّما المهم هو القرية، والمجموعة هي التي تحظى بالأهميّة. وإذا تشاجر أحدهم، فإنّ القبيلة بأجمعها سوف تهبّ لنجدته وحمل قضيّته. وأمّا في المجتمع الفردي حتى إذا دخل شخص في نزاع، لن يقف معه حتى نجله. نقول في بعض الأحيان إنّ المشاعر والعواطف قد انخفضت، بمعنى أنّ النّاس لم يعودوا يربطون بين مسائلهم الخاصّة وبين مسائل الآخرين، إلا أنّ أصحاب النزعة التقليدية أو التقليديين يربطون جميع الأمور ببعضها، ويسعون إلى هضم هويّتك ضمن الهويات الأخرى. وأمّا في الفرديّة فإنّ لكلّ شخص مشكلته الخاصّة، وهذا يعبّر في الحقيقة عن عالمين منفصلين. ثم إنّه ليس الأمر بحيث إنّ السنن في المجتمعات الحديثة متروكة بالمرّة. فحتى في أوروبا لا يزال هناك الكثير من السنن والتقاليد التي يصرّون على المحافظة عليها وإبقائها. من قبيل السنن التي بقيت من تاريخ المسيحية. وفي الحقيقة فإنّ المجتمعات لا تتشكّل من فراغ، وإنّما هي مرتبطة ببعضها بنحو من الأنحاء. إذن يجب أن لا يقوم تصوّرنا على أن الانتقال من التراث يعني التخلّي عنه، أو أنّ الدخول في العصر الجديد لن يكون ممكنًا إلّا بعد التخلّي عن التراث بالكامل. كما أنّ العالم الحديث لم يقم بهذا الشيء. نعم إنّه قد خلق عالمًا جديدًا، ولكنّه في الوقت نفسه أبقى على مجموعة من السنن والتقاليد على حالها، وقام بوصل التاريخ بماضيه. وهذه نقطة هامة، وعلى كلّ حال هناك تضاد وتقابل في البين، ولكن ليس هناك مجتمع قد تخلّى عن تراثه بالكامل، بل لا يمكن لأيّ مجتمع أن يتخلّى عن جميع تراثه. إنّ الحداثة هنا عبارة عن مفهوم أعم؛ لأنّ الحداثة المتعدّدة ليست مفهومًا مغلقًا بالكامل. إذا نظرتم الآن إلى مفهوم الحداثة، سوف تجدون أنّ بإمكانكم استخراج مئات المفاهيم منه. إنّ له جوهرًا واحدًا، وهذا ما نقرّ به، ولكن ليس الأمر بحيث يكون مفهومًا مغلقًا جدًا؛ وعلى هذا الأساس حيث يتحدّثون عن وجود نوع من الارتباط بين التراث والحداثة، فإنّهم يريدون مفهومًا أوسع من التراث والحداثة، حيث إذا لم نرَ تلك المفاهيم على تلك الشاكلة، سوف نقع في نزاع تام؛ وعلى هذا الأساس فإنّ طريق الحلّ الذي أراه هو أن نحكم الحوار والارتباط بدلاً من التضاد والتقابل، وأن نعمل على إنتاج نقيضة جديدة، ويمكن لهذا أن يكون مفيدًا جدًا للمجتمع المسلم. وأرى أنّ على المتديّنين أن يكونوا هم المبادرين إلى إحداث التغيير والتقدّم. إنّ التطوّر والتقدّم إنّما هو ثمرة التغيير. فإذا لم يكن هناك تغيير كيف يمكن توقّع إحداث التقدّم؟! إذ لا بدّ أن يكون هناك تغيير أوّلاً؛ ليتحقّق التقدّم والتطوّر لاحقًا؛ وعلى هذا الأساس فإنّ هذا موقف يتعيّن على كلّ من التقليدين والمتديّنين أن يعلنوه بشكل واضح، وما إذا كانوا يؤمنون بالتغيير والتقدّم حقًّا، أم إنّهم يحملون مجرّد قلق تجاه الماضي فقط؟ فإذا كانوا يريدون مستقبلاً زاهرًا وشريعة؛ وجب أن يكون هناك تغيير، ويتعيّن عليهم أن يبيّنوا مخاوفهم، وأن يقولوا إنّهم يحملون هذه الهواجس من أجل العثور على حلول لها.

* كيف يتمّ اعتبار محوريّة الإنسان بمعنى الاعتقاد بالقدرة الفكريّة للإنسان، أو العقلانيّة بمعنى حجيّة الرؤية العقلانيّة/ الاستدلاليّة إلى العالم بوصفهما اتّجاهين في مقابل الوحي؟ وهل يمكن لهذا الاتّجاه أن يستقيم أصلاً في التقابل مع الوحي؟

- يقول البعض إنّ العصر الراهن هو عصر الحداثة المتأخّرة أو ما بعد الحداثة، وإنّنا كلما تقدّمنا إلى الأمام نجد أنّ الخطّ الرؤيوي للحداثة قد تعرّض للتشكيك، وقد أدركت بنفسها نقاط ضعفها. ومن ذلك أنّ هذا العقل الذي كانت تتحدّث عنه الحداثة بذلك المقدار من الإحكام والبروز والوضوح ليس له من وجود أصلاً. إنّ الأشخاص يعملون على بلورة بعض المعارف على أساس كينونتهم ومكاناتهم الاجتماعية. إنّكم تفكّرون على أساس ما هو موجود. لقد أثبت علماء اللسانيات وكذلك علماء النّفس وغيرهم بنظرياتهم صحّة هذا الادعاء. ومن هنا أصبحت الحداثة اليوم أكثر تواضعًا من ذي قبل. ولذلك فإنّ هابرماس يقول إنّ العقل التواصلي للإنسان قد دخل عصرًا بحيث يقول كلمته في قبال العقل والدين، ويكون كلاهما مرجعيّة فكريّة، وأن نأخذ الجواب الأفضل من أيّ جهة صدرت. وحاليًا تبدو مسألة كيفيّة اقتباس الحلول الناجعة من الدين في أبحاث التنمية في غاية الأهميّة. وعلى هذا الأساس فإنّ ذلك الماضي الذي كان في بداية الحداثة ليس إنكارًا للدين الراهن. إنّني اليوم في حصص علم الاجتماع التي أقوم بها عندما أطرح بحث التنمية أجد حجمًا كبيرًا من النظريات، بحيث أرى من المهم جدًا أن نبحث عن كيفيّة الاستفادة من هذه التنمية. حاليًّا لم يعد هناك من يسعى إلى تغير الدين، بل أدرك الجميع أنّ الدين يحتوي على قوّة تجعل التخلي عنه ضربًا من المحال. وبعبارة أخرى: لقد تم التخلّي عن تلك الأحلام التي كانوا يصوّرونها حيث يعيش الإنسان يومًا في علمانيّة خالصة وعالم لا موضع فيه للدين من الإعراب، وبدأ هؤلاء يرجعون عن تلك الأجواء وأخذوا يتحدّثون عن المواطن التي يمكن الاستفادة من الدين فيها. لقد تمّ العمل مؤخّرًا على بحث الدين ودور الدين في التنمية الاجتماعية والاقتصادية وفي بحث البيئة، وقد تم التوصّل إلى نتائج مفيدة في هذا الشأن أيضًا. وقد تمّ العمل الآن على تعزيز هذه الرؤية في النماذج الجديدة.


تعريب: السيد حسن علي مطر الهاشمي.

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف