البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

November / 17 / 2022  |  174العلوم الاجتماعية ذات الماهية الغربية لا تلائم الاجتماع الإسلامي

الحوار مع :غلام رضا جمشيدي ها
العلوم الاجتماعية ذات الماهية الغربية لا تلائم الاجتماع الإسلامي

حوار مع عالم الاجتماع الإيراني

يدور هذا الحوار مدار التحدّيات التي تفترضها نظريّات علم الاجتماع الغربي على المجتمعات المسلمة. وقد طرحنا جملةً من الأسئلة الإشكاليّة في هذا الصدد على الباحث الإيراني الدكتور غلام رضا جمشيدي الحائز على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة مانشستر في إنجلترا، ويعمل حاليًا كأستاذ متفرّغ في جامعة طهران. وقد أصدر جمشيدي الكثير من الكتب والمقالات المتنوّعة في بحث نظريات العلوم الاجتماعيّة، وله كذلك تأمّلات حول علم الاجتماع الإسلامي أيضًا، له عددٌ من المؤلّفات في علم الاجتماع منها: (منهج المفاهيم والمقولات الاجتماعية في القرآن الكريم)، (الحضارة الإسلامية)، (العدالة الاجتماعية في فكر آية الله السيد محمد باقر الصدر)، (علم الاجتماع التاريخي في فكر الشهيد المطهري)، (مفهوم العدالة من وجهة نظر الفارابي وابن خلدون).

معه جرى الحوار التالي:

«المحرر»


* حول مدار أيّ نوع من الأسئلة تمّ تنظيم آراء علم الاجتماع الغربي بشكلها التقليدي؟

- في البداية نشير إلى مقدّمة وهي أنّ بالإمكان قراءة الغرب من زوايا مختلفة، ولا سيّما من الناحية «الأنثروبولوجية». إنّ أكثر الغربيين ـ طبقًا للرؤية الأنثروبولوجية ـ عنصريون ـ لا بمعنى الـمركزية الأوروبية (Eurocentrist) ـ بحيث إنّهم لا يتقبّلون الأعراق الأخرى. إنّ لدي نظريّة باسم (الدولة والحضارة)، حيث قدّمت فـي إطارهـا نظريّات أرسطـو وأفلاطـون. ومن هنا فقد رغبت فـي الرجوع إلى أرسطـو والتعرّف عليـه من خلال آثاره بنفسي بدلاً من الاستماع إلى أقوال الآخرين بشأنه. من ذلك أنّي ـ على سبيل المثال ـ قرأت كتاب «السياسة» لأرسطو مرّات عدّة، وكنت أبحث على الدوام عن جواب للسؤال القائل: ما هو السبب الذي دفع أرسطو إلى تأليف هذا الكتاب؟ أو ما هو السؤال الذي أريد الجواب عنه من وراء تأليف كتاب «الجمهوريّة» أو «القوانين» لأفلاطون؟ يذهب المختصّون في علم النفس إلى الادّعاء بأنّهم أبدعوا علم الاجتماع، وإنّ كلّ ما تمّ طرحه في مورد المجتمع إنّما يرتبط بالأزمنة الماضية والعصور التقليدية. وقد طرحت على الدوام هذه المسألة وقلت: لماذا يتمّ طرح السؤال على هذه الشاكلة؟ أليس من الأفضل أن يتمّ السؤال حول ماهيّة مسألة كلّ مفكّر ونوع الجواب الذي يقدّمه عن تلك المسألة؟ إذ في هذا المستوى يتمّ تحديد إبداع كلّ مفكّر. لقد أدركنا ـ طبقًا لهذا الاتّجاه ـ أنّ هناك سؤالين مشتركين بين جميع المفكرين الكبار، ومن بينهم المفكرون المختصّون في الحضارة اليونانيّة والإسلاميّة والغربيّة. السؤال الأوّل: كيف تغيّرت المجتمعات السابقة وتحوّلت حتى وصلت إلى وضع أفضل؟ والسؤال الثاني: كيف نعمل على تنظيم الوضع الراهن؟ إنّ هذين السؤالين موجودان في السؤال التقليدي لأوغسطين في كتاب مدينة الله أيضًا. وفي الحقيقة فإنّ الأرضيّة الاجتماعيّة لتأليف هذا الكتاب قد تمثّلت في أنّ روما كانت تنظر إلى ظهور السيد المسيح بوصفه دليلاً على اندحارها. وقد ذكر أوغسطين ـ في مقام إنكار هذا التصوّر ـ أنّ روما كانت محكومة بالاندحار والانهيار عبر مسار تاريخيٍّ بدأ منذ عصر آدم وحواء. ثم أشار إلى العصور الوسطى ونهاية العصور الوسطى. كما كان هذا هو سؤال المفكرين الإسلاميين، ولا سيما منهم ابن خلدون أيضًا؛ إلا أنّ النقطة الجديرة بالالتفات هي أنّ هؤلاء المفكرين لم يصرّحوا بهذه الأسئلة، ولكن هذا ما يمكن فهمه من جميع مؤلّفاتهم. وفي الحقيقة فإنّهم إنّما باشروا تأليف كتبهم من أجل الإجابة عن هذه الأسئلة. وبطبيعة الحال فإنّ ابن خلدون يقول صراحة: إنّ سؤالي عبارة عن: ما هو السبب في التغيّر والتحوّل الذي حصل في الحضارة الإسلامية ـ في شمال أفريقيّة ـ وفي العالم بشكل عام؟ كما تعرّض ابن خلدون في رسالة بعثها إلى صديق له إلى هذه المسألة القائلة: لماذا تحوّلت المدن الإسلامية إلى أطلال وخرائب بعد أن كانت بمنزلة شموس الشرق في العمران والازدهار؟ وفي الحقيقة فإنّ ابن خلدون يتعرّض بالسؤال إلى أسباب هذه المتغيّرات؛ وعلى هذا الأساس فإنّ علم الاجتماع التقليدي قد تبلور بفعل هذا النّوع من الأسئلة. إنّ ماهية هذا السؤال تاريخيّة، بمعنى كيف تحوّلت المجتمعات السابقة، حتى وصلت في نهاية المطاف إلى العصر الحديث؟ وكذلك كيف يمكن تنظيم العصر الحديث؟ وعلى أثر هذا البحث صرّحت طائفتان بأنّ دراسة المتغيّرات والتحوّلات بحاجة إلى علم. فأوّلاً قد صرّح ابن خلدون ـ من بين المسلمين ـ بالحاجة إلى علم خاص، وسوف أسعى إلى تأسيسه. وكان الأوروبيون يمثّلون الطائفة الثانية، حيث توصّلوا إلى هذا السؤال بعد ابن خلدون بخمسة قرون، وأدركوا الحاجة إلى تأسيس علم جديد. وقد أطلق ابن خلدون على علمه التأسيسي هذا اسم «علم الاجتماع».

* لماذا لم يقم أفلاطون أو أرسطو ببحث الأوضاع الاجتماعية؟ بينما كان هاجس ابن خلدون هو التأسيس لعلم الاجتماع، فما الذي دفعه إلى علم جديد لم يدخل في اهتمامات أفلاطون أو أرسطو.

- هناك دليلان رئيسان في ذلك: الدليل الأوّل يكمن في المتغيّرات الاجتماعيّة، التي يجب إدراكها من قبل هؤلاء المفكرين. والدليل الثاني يكمن في نظريّتهم الأنثروبولوجية. وفي الأساس، إنّ الأوروبيين يؤمنون بنظريّة يطلقون عليها اسم «Predestination theory» أو «Eifferent people»، بمعنى أنّ النّاس ينقسمون إلى طبقتين: أحرار وعبيد. يذهب أرسطو في الصفحات من 12 إلى 14 من كتاب السياسة إلى الاعتقاد بأنّ بعض النّاس طبقًا لقوانين الطبيعة قد ولدوا عبيدًا، والبعض الآخر قد ولدوا أحرارًا. والنّقطة الجديرة بالملاحظة هنا تكمن في أنّه لا يقول: «طبقًا للقوانين الإلهيّة»، وإنّما يقول: «طبقًا للقوانين الطبيعيّة». وفي الصفحة رقم 14 يقول: إنّ البرابرة عبيد، واليونانيين أحرار. يفهم من كلام أرسطو أنّ المفكّرين المعاصرين لحكم أرسطو كانوا يسعون إلى تبرير السياسة. وقد أقمت علاقة ما بين العلم والسياسة، ووجدت أنّ المفكّرين كانوا خدمًا للساسة. وبمعنى آخر: إنّ المفكّرين كانوا في خدمة السلطة. والنقطة الجوهرية هي أنّ أرسطو لا يقول إنّه يعتقد ذلك، أو إنّ الله هو الذي يحكم بذلك، وإنّما يقول: إنّ هذا إنّما يكون على طبق قوانين الطبيعة. وبطبيعة الحال يمكن التعرّف على ما يُشبه هذا الرأي عند اليونانيين الآخرين أيضًا. وقد تمّ بيان هذه الرؤية من جانب أفلاطون بشكل آخر. كما توجد هذه الرؤية بين المفكرين الجدد أيضًا. أذكر أنّ الدكتور علي شريعتي نقل عن زيغفريد قوله: إنّ الله خلق نوعين من البشر، وهما: العمّال والطبقة الدنيا، والسادة. والمراد من السادة هم سكان أوروبا من ذوي البشرة البيضاء، وأما سائر الناس في أقطار العالم فهم عمال وعبيد. والملفت أنّه لا يقول: إنّي أقول ذلك، وإنّما يقول: إنّ الله هو الذي خلق الناس على هذه الشاكلة. ومن هنا توصّلت إلى نتيجة مفادها أنّ هناك ارتباطًا بين السلطة والنظرية الأنثروبولوجية. وذلك بأن يعمل الذين يصلون إلى السلطة في بادئ الأمر على تقزيم الطرف المقابل واحتقاره. لقد ورد في كتاب «خطأ الفرضية العرقية: الآري والسامي والتركي»، ما يلي: «إنّ الزنوج حتى إذا عاشوا في مناطق ذات طبيعة باردة وأنهار عذبة، سيواصلون إنجاب حيوانات من جنسهم. إنّي في حكمي على ثقةٍ تامّةٍ بأنّ ما يجري في طبيعة النباتات، يصدق في حقّ البشر أيضًا. إنّ التفاح والصنوبر والجوز والبرتقال لا تثمر من شجرة واحدة، وهذا الأمر يؤكّد أنّ الإنسان الأبيض المنتج والمبدع لا يمكن أن يولد له أولاد يشبهون أولاد السود من ذوي الشعر الفلفلي، والذين لا يمكن لهم أن يبدعوا في شيء». كما ينقل عن زيغفرد قوله: «لو ذهبتم إلى الشرق سوف تشاهدون هناك صناعة وتصميمًا وإدارات تشبه في الظاهر نظائرها الموجودة عندنا، ولكنّكم سرعان ما ستدركون أنّ أفضل الشرقيين في المحصّلة لا يمتلكون من ناحية الجدوائيّة قيمة أحقر غربي يوجد بين أظهرنا». وعلى هذا الأساس فإنّ النظريّة الأنثروبولوجية لدى الغرب تمثّل موضعًا هامًّا؛ وذلك لأنّ الغربيين يعتبرون أنفسهم أفضل منّا، وإنّهم في الأساس يتبنّون مقولة العرق الأسمى. وفي الحقيقة فإنّهم لم يتوصّلوا إلى نظريّة المساواة بين الناس إلا في القرن الثامن عشر للميلاد. قال الإمام أمير المؤمنين (ع) في عهده إلى عامله على مصر مالك الأشتر النخعي: «إنّهم صنفان إمّا أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق». ولذلك لا يحقّ لك أن تظلمهم. وأرى أنّ هذا الكلام يجب أن نضعه نصب أعيننا وليس ما يقوله هيغل أو كارل ماركس وأضرابهما. وعلى كلّ حال فأن يسمح الغربيون لأنفسهم بأن يأتوا من أقصى العالم إلى هذه الناحية من العالم، فهذا يعني أنّهم يعتبرون سائر الشعوب والأمم «لا شيء» وأنّهم هم «كلّ شيء». وبطبيعة الحال فإنّ حجم سعيهم إلى السيطرة رهن بمدى قوّتهم. وفي مرحلة من الزمن كانت إنجلترا تمثّل القوّة العظمى، وقد استولت بذلك على جميع الأقطار، واليوم انتقلت القوّة إلى الولايات المتحدة الأميركية. وعلى كلّ حال يمكن لهذه النقطة أن تشكّل بداية للاستغراب. ويمكن تسمية هذا البحث «تحليل المباني الأنثروبولوجية لنظرية السلطة».

* ما هي أنواع علم الاجتماع في الغرب؟ وهل تؤدّي الحلول ـ التي يقدّمها علم الاجتماع المتداول من أجل حلّ المشكلات الاجتماعيّة ـ إلى خلق التحديات النظريّة أو العمليّة للمسلمين؟

- إنّ لعلم الاجتماع حقولاً مختلفة. كان الكثير منذ تأسيس علم الاجتماع على يد أوجست كونت يتوقّع لهذا العلم أن يضطلع بدور التاريخ والدين. كما كان هناك من يتوقّع أن يقوم علم الاجتماع بدور الشارح لتحوّلات المرحلة الصناعيّة. وفي الحقيقة هناك توقّعات مختلفة من علم الاجتماع، ولم يكن المراد منه مجرّد التعرّف على المجتمع. ومن هنا فقد قيل في البداية: إنّ عصر الدين قد انتهى. نعلم أنّ أوجست كونت قد أحبّ امرأة، ولكنّها ماتت بعد فترة. فجلس أوجست كونت على قبرها وأخذ يذرف الدموع، وفي آخر حياته آمن بـ «دين الإنسانية»، وبعبارة أخرى: كان كونت في البداية يخالف الدين، ولكنّه بعد وقوعه في الغرام والبكاء على قبر حبيبته، قال بعبادة معبود ما. وفي الحقيقة فإنّ مدرسته تنتهي في آخر المطاف إلى العبوديّة. وهناك اليوم من يقول بهذه الرؤية، وهي أن يقوم علم بتشريح التاريخ والمستقبل، بيد أنّ هذا العلم الجامع والذي أعبّر عنه بـ «المتعدّد الاتّجاهات» غير ممكن. إنّ كونت في تشريح علم الاجتماع أهمل تعريف الكثير من المسائل، بل انه عرّف علم الاجتماع بالتاريخ. ثمّ جاء دوركهايم بعد ذلك ليبيّن الظاهرة الاجتماعية، وأصبح هذا الحقل أكثر تخصّصيّة. واليوم أضحى من الممكن في مجتمعنا إضافة بادئة أو لاحقة «علم الاجتماع» إلى كلّ شيء. من قبيل: «علم اجتماع المسرّات»، و«علم الاجتماع الصناعي»، و«علم الاجتماع الأسري»، و«علم الاجتماع السياسي»، و«علم اجتماع الشباب»، و«علم اجتماع الأعمال»، و«علم الاجتماع الفراغ»، و«علم اجتماع الآفات الاجتماعية»، وما إلى ذلك. وفي الحقيقة هناك لجميع أقسام المجتمع نوع من علم الاجتماع والإرشادات الاجتماعية. إنّ الوجه المشترك لهذه الحقول يكمن في وجوب التدقيق في الأدلّة والأسباب والخلفيّات الاجتماعيّة. وإنّ بعض هذه الحقول، من قبيل: «علم اجتماع الشباب» يعتبر من الحقول الجديدة؛ وعلى هذا الأساس فإنّ علم الاجتماع حاليًا يدّعي كلّ شيء، وأنّه يستطيع أن يتدخّل في هذه الحقول وأن يأتي بكلام جديد فيها. ولكن بشكل منطقي فإنّ علم اجتماع المعرفة ونظريات علم الاجتماع تحتوي على مستوى أعلى بالقياس إلى علم اجتماع الآفات الاجتماعية. والنقطة الهامة هي أنّ علم الاجتماع في الأساس علم تاريخي. إنّ سؤال علم الاجتماع وموادّه تاريخيّة، بعكس ما كان يُظنّ سابقًا من أنّه منهجٌ إثباتيٌّ وتجريبيٌّ. وعلى كلّ حال فإنّ أكثر المفكرين من أمثال أوجست كونت وفيبر وغيرهما كانوا مؤرخين من قبل أن يكونوا علماء اجتماع؛ إلا أنّ علم الاجتماع الألماني تفهيميٌّ بشكل أكبر، ومن هنا فهو يختلف عن علم الاجتماع الفرنسي؛ وذلك لاختلافهما في المباني الفلسفية. فهؤلاء قد التقطوا المباني الفلسفية والمنطقية وحسبوها من علم الاجتماع. وعلى كلّ حال فإنّ للفلسفة والتاريخ دورًا رئيسًا بالنسبة إلى المعطيات التجريبية؛ وذلك لأنّك حتى إذا امتلكت ملايين المعطيات التجريبية، دون أن يكون لديك ذهنيّة فلسفيّة، لن تصل إلى نتيجة. وعلى هذا الأساس فإنّ للعلم ناحية تاريخيّة، وإنّ تاريخ المسلمين يختلف عن تاريخ الغربيين. لقد كان تاريخهم ـ على حدّ زعم الدكتور علي شريعتي ـ بأنّهم قد تقدّموا بعد تخلّف، في حين أنّنا تخلّفنا بعد تقدّم؛ وعلى هذا الأساس فإنّ مشكلة المسلمين تختلف عن مشكلة الغربيين بشكل كامل. وقد كان الدين بالنسبة لهم على شكل، وبالنسبة لنا على شكل آخر. وإنّنا إذا كنّا نعاني من مشكلة فإنّ مردّ هذه المشكلة يعود إلى عدم التزامنا بالمعتقدات الدينيّة. ومن هنا فإنّ العلوم الإنسانيّة ذات الماهية الغربية، لا يمكن لها أن تتناسب مع ثقافة المسلمين؛ وذلك لأنّ تاريخهم يمثّل تاريخًا آخر. إنّ الكثير من آراء المفكّرين الغربيين على الرغم من صحّتها واشتمالها على معلوماتٍ جيّدة، ولكنّه لا تنسجم مع شرائط المسلمين وبيئتهم. إنّ النّاس هنا لا يفهموا هذه اللّغة، وإنّ الذين يجب أن يقفوا على رأس هذا النشاط، لا شأن لهم بهذا الكلام أصلاً؛ فلا أحد يقوم بالتضحية باسم هيغل. وفي الحقيقة هناك منظومة نظريّة أخرى يقوم الفرد المسلم بالتضحية على طبقها، وعلى هذا الأساس رغم اعتقادي بوجوب تعليم علم الاجتماع للأشخاص المبدعين، وتعريفهم على الأفكار الغربيّة، فإنّي لا جرم أعتقد بأنّ آفكارهم لا تعدّ بوصفها حلاً نهائيًّا بالنسبة لنا، وفي الحدّ الأدنى يجب العمل على تأميم أفكارهم. ومن هنا فإنّي أذهب إلى الاعتقاد بأنّ علم الاجتماع علمٌ تاريخيٌّ وله قواعده الفلسفيّة الخاصّة. فإذا أردنا الانتفاع بعلم الاجتماع، يجب أن نحتفظ بتاريخنا وقواعدنا الفلسفية الخاصّة.

* كيف كانت أساليب نقد آراء الغربيين في علم الاجتماع من قبل المسلمين؟ وكيف يمكن العمل على تحسينها نوعياً؟

- سبق لي أن ذكرت إنّ جانبًا من علم الاجتماع يعود إلى المباني الفلسفيّة والتاريخيّة، وأنّ المطلعين على الفلسفة، يمكن لهم أن ينتقدوا نظريات علم الاجتماع. ومن مصاديق ذلك الشهيد الشيخ مرتضى المطهري؛ حيث عمد إلى نقد أفكار علماء الاجتماع الغربيين. ورأى أنّ اعتبار المراحل الثلاثة للتفكير عند أوجست كونت إنّما كان بالنّظر إلى النّاس العاديين. في حين أنّه يجب النّظر في هذا الشأن إلى العلماء في كلّ عصر. كما ذكر الشهيد مطهري إشكالات أخرى أيضًا؛ وعليه فإنّ إدراك الفلسفة والتاريخ وفهمهما من اللوازم الضروريّة في الانتقاد. ومن هنا كان الدكتور علي شريعتي وآية الله الشهيد السيد محمد باقر الصدر وغيرهما، من النماذج الناجحة في نقد الأفكار والنظريات الاجتماعية. كما قام الشهيد الصدر بنقد أفكار كارل ماركس في كتب «الإنسان المسؤول والصانع للتاريخ من وجهة نظر القرآن»، و«السنن الاجتماعية في القرآن». ثم إنّه يجب علينا العلم بتراثنا بشكل كامل. وفي الحقيقة فإنّ المشكلة الأساسية التي يعاني منها المسلمون تكمن في أنّهم لا يعرفون أنفسهم. هناك الكثير من الأبحاث الثقافيّة المتبلورة في حقل الحضارة الإسلامية. وقد عرض ابن خلدون في تلك المرحلة الزمنيّة نظرية الأجيال، وهذا يستحقّ الإعجاب. وبعبارة أخرى: إنّ الشخص الأوّل الذي استفاد من نظريّة اسمها الأجيال في تاريخ التفكير الاجتماعي، وعمل في ضوئها على إيضاح وتفسير الأحداث الاجتماعية هو ابن خلدون. وقد سبق للخواجة نصير الدين الطوسي ـ قبل ابن خلدون ـ أن قال في كتابه اخلاق ناصري: إنّ الذي يستوجب تغيير الحاكم هو المقتنيات. والمراد من المقتنيات هي الأشياء التي يحصل عليها الفرد. ويمكن لهذه المقتنيات أن تتمثّل بالثروة أو التقدير والاحترام الذي يفوق الحد. إنّه يقول: إنّ هذه الأمور تدفع رجال السياسة إلى تغيير سلوكهم. وللأسف الشديد فإنّ معرفتنا لأنفسنا ضعيفة جدًا، حيث لا نمتلك وعيًا وإدراكًا كافيًا بحضارتنا. وإنّ أهمّ نظريات المفكرين الغربيين هي إعادة صياغة كلمات المتقدّمين. إنّهم يبادرون إلى تكرار نظرياتهم الصحيحة. إلّا أنّنا لا نمتلك من المعرفة بتاريخ التفكير في الحضارة الإسلامية سوى القليل؛ وعلى هذا الأساس فإنّي في مقام الإجابة عن سؤالكم، أذهب إلى الاعتقاد بأنّ المطّلعين على المباني الفلسفية والذين يمتلكون المعرفة الكافية واللازمة في حقل الحضارة الإسلامية، هم وحدهم القادرون على ممارسة النقد. ثم إنّ على من يمارس النقد أن يكون على دراية كاملة بالمعرفة الدينية.

* ما هو التحدّي الذي يفرضه تفكير أوجست كونت وخصوصاً تلك التي تمّ تقديمها في حقل الدين والمعنويات أو ألقت بشعاعها على علم الدين والمعنويات ـ وما هي انتقادات المسلمين عليها؟

- إنّ المراحل الثلاثة لأوجست كونت بارزة من بين أفكاره، رغم أنّها لم تحظَ بالاهتمام الكافي. يقول أوجست كونت في المراحل الثلاثة: إنّ الإنسان ينتقل من المرحلة الربانيّة إلى المرحلة الميتافيزيقيّة ومنها إلى المرحلة الإثباتيّة. ولكني أرى أنّ هذه المرحلة لا تصحّ بالنسبة إلى الإنسان؛ إذ ليس كلّ الناس سواء. في حين أنّه وضع نظريّة في الأنثروبولوجيا على هامش «الطبيعة البشرية». إنّ طبيعته البشريّة تقوم على جدول باسم «جدول المخ». إنّ نظريّته شيء ممتع. بيد أنّ شاخص هذه النظريّة يكمن في أنّها تخرج كلّ ما كان كامنًا في قلب الإنسان وتضعه في مخّه. من ذلك مثلاً: إنّه في الجواب عن السؤال القائل: أين يكمن موضع الحبّ من المخ؟ يقال: إنّه يقع خلف المخ وفي الغدّة النخامية؛ وعلى هذا الأساس فإنّه قد تعامل مع الإنسان بوصفه روبوتًا، وقدّم على هامش نظريّته نظريّة أنثروبولوجيّة. وقلّما لقيت هذه النظريّة من أوجست كونت ترحيبًا واهتمامًا. وفي الحقيقة فإنّ هذه النظريّة الأنثروبولوجيّة إنّما تخصّ الإنسان الأوروبيّ الحديث. وهو الإنسان الذي لا يمتلك قلبًا، ويكمن كلّ ما لديه في مخّه. إنّه مجرّد آلة صمّاء.

* ما هي الحلول التي تقترحونها للخروج من تحديات علم الاجتماع الغربي؟

- إنّ طريق الحلّ يكمن في أن نعمد بأنفسنا على الإنتاج الفكري. فعندما لا نعرف أنفسنا، من الطبيعي أن لا نستطيع قول شيء؛ وبعبارة أخرى: إنّ أكبر مشاكل المسلمين تكمن في عدم اطّلاعهم على مبانيهم. والسبب في ذلك يعود إلى أنّ الغرب والنظام الغربي هو المهيمن على نظامنا التعليمي. إنّ الغرب قد ذهب من دائرة المسلمين السياسية، وإن كان من الممكن أن يكون له تردّد وظهور في بعض الأحيان، ولكنّه هو المهيمن والمسيطر على النظام التعليمي. وحاليًا حيث مضت مدّة على تأسيس مجموعة «العلوم الاجتماعية الإسلامية»، فإنّ الكثير من المطالب والنظريات التي كنا نتحدّث عنها في حدود الفكرة ضمن بضعة أسطر، قد تحوّلت إلى مادتين دراسيتين. من ذلك أنّي ـ على سبيل المثال ـ درّست موضوع الدولة والحضارة، وكتبت أطروحتي العلميّة على مستوى الدكتوراه في هذا الحقل، وبالتالي توصّلت إلى نظريّة الدولة والحضارة، وها أنا حاليًا في طور تسجيل هذه النظرية وتدوينها؛ وعلى هذا الأساس فإنّ الأصل الأوّلي هو وجوب العمل بقوّة في هذا المجال. وفي الحقيقة يجب العمل أوّلاً على صناعة سيارة، ثم القيام بإصلاحها. وعلى هذا المنوال يجب تطبيق الاقتصاد الإسلامي، ثم العمل بعد ذلك على دراسة نقاط ضعفه ونقصه. إنّ المسلمين يحتاجون إلى تنظير. من هنا يمكن تشبيه فضاء النظريات بعالم الاقتصاد؛ إذ إنّ للناس سلسلةً من الاحتياجات، ويتوجّهون إلى الأسواق تلبية لهذه الاحتياجات؛ فإن كانت البضاعة الوطنيّة جيّدة قاموا بشرائها، وإن لم تكن كذلك تفرّقوا عنها. وهكذا هو الوضع هنا أيضًا. يجب تقديم نظريّات جيّدة. وفي حقل العلم يجب تقديم دراسات منطقيّة وعلميّة وأكاديميّة. وفي الحقيقة فإنّنا ما لم نقدّم البديل للنظريات الغربية، لا يكون لدينا أمل بالتحوّل، وإذا كنتم تطالبون بتقديم البديل، فإنّكم بحاجة إلى المباني التاريخيّة والفلسفيّة المتينة. إذ إنّ علم الاجتماع ليس سوى إصلاح التاريخ.

* هل المواجهة الانتقائيّة مع الغرب صحيحة وممكنة؟ بمعنى أن نعمل من خلال التفكيك والفصل بين العقائد والتداعيات والمعطيات الغربية في حقل "الحسن" و"القبيح"، على أخذ كل ما هو من الغرب حسن، ونجتنب كل ما هو من الغرب قبيح.

- إنّ هذا بحث حضاري. في الحقل الحضاري يسعى الغرب إلى نسبة كلّ ما هو موجود إلى حضارته؛ في حين أنّي أذهب ـ طبقًا للوثائق ـ إلى الاعتقاد بأنّ هذه المحاسن والتجليات لا تنتمي بأجمعها إلى تلك الحضارة. إنّ الكتب التي تمّ تأليفها بشأن أثر الحضارة الإسلامية على الحضارة الغربية جذابة وجديرة بالقراءة. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ الأعداد التي تكتب على صفحة الهاتف، ليست « European number»، بل هي «Arabic numeral». إنّ الأعداد التي أصبحت عالميّة ويتمّ استخدامها من قبل الجميع إنّما تمّ وضعها من قبل الحضارة الإسلامية. وفي الحقيقة فإنّ الأعداد المستعملة حاليًا في جميع أقطار العالم إنّما هي من صنع الحضارة الإسلامية. وبطبيعة الحال عندما نعتبر هذه الأمور من منتجات الحضارة الإسلامية، يجب أن لا يذهب الظّن بنا إلى أنّها من مختصّات المسلمين؛ إذ قد يكون هناك شخص يهوديّ أو زرادشتيّ قد أسهم أو شارك المسلمين في إنتاجها أيضًا. كما كان هذا هو الحال في الحضارة الغربية أيضًا، إذ ليست المنجزات جميعها صناعة غربية خالصة. كما تصدق هذه القضية في موضوعات أخرى أيضًا؛ وإنّ جميع المحاصيل المنتجة في الولايات المتحدة الأميركية، لا تنتمي إلى الأميركيين بشكل بحت. وكما تعرفون فهناك الكثير من الخبراء والعلماء الإيرانيين في وكالة ناسا. وهذا يعني أنّ القوّة السياسية المتناغمة والتي تنعم بالأمن، يمكنها أن تعمل على استخدام العقول لصالحها؛ وعلى هذا الأساس يمكن الانتقاء من حضارة الغرب؛ إذ الآثار الحضاريّة ليست مختصّة بها، وإنّما هي ملك لجميع البشر. وبطبيعة الحال فإنّ هذا لا يعني أن نعمل على الانتقاء بشكل لا واع؛ لأنّ الانتخاب اللاَّواعي قد يؤدّي إلى هيمنة الغربيين على المسلمين. رغم أنّهم هم المهيمنون والمسيطرون حاليًا على الكثير من البلدان الإسلاميّة أيضًا. وفي الحقيقة فإنّ البلدان قد تمّ توزيعها بعد الحرب العالميّة بين الدول العظمى. ومع ذلك فإنّي أعتقد بنبذ الهيمنة دون انتخاب المنجزات. وعلى كلّ حال يجب على المسؤولين أن يبادروا إلى الانتقاء من أجل الحفاظ على بقاء المجتمع الإسلامي، وهذا أمر لا محيص عنه. وفي ذلك روي عن النبي الأكرم (ص) قوله: «اطلبوا العلم ولو بالصين». وعلى هذا الأساس لدينا إمكانيّة الاختيار شريطة أن لا يؤدّي ذلك إلى هيمنة الآخرين وسيطرتهم علينا.


تعريب: السيد حسن علي مطر الهاشمي.

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف