البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

April / 4 / 2022  |  382معضلة الاستشراق أخلاقية بالدرجة الأولى

الحوار مع :محمد البشير الرازقي 
معضلة الاستشراق أخلاقية بالدرجة الأولى

لا يزال الكلام على الاستشراق ساريًا في أوساط الأنتلجنسيا العربيّة والإسلاميّة، ما يعني أنّ هذه الأطروحة، وبما هي حدث تاريخي ومعرفي في آن، لم تكن مجرّد حقبةٍ تاريخيّة بلغت ذروتها في القرنين الماضيين. وإنّما هي سيرورة مستمرّة في السّلوك والممارسة الكولونياليّة إلى يومنا هذا.

كيف ينظر الباحثون إلى هذه الأطروحة وما هي تداعياتها وأشكالها الراهنة؟

هذا الحوار مع الأكاديمي والباحث التونسي محمد البشير الرازقي يتناول أبرز الإشكاليات المعرفيّة للاستشراق بصيغتيه القديمة والمستحدثة.

«المحرّر»


* هل انتهى الاستشراق فعلاً؟ أم إنّه لا يزال مستمرًّا بأشكال وتلاوين أخرى.. ثم ما الذي بقي من تراث المستشرقين؟

- يتميّز الزّمن الاستشراقي بالقدرة على البقاء؛ بسبب ارتكازه على مؤسّسات أكاديميّة عريقة وسياسات دول متنفّذة وقويّة. يُبرز لنا الأستاذ حسام محيي الدّين الألوسي أساليب وتقنيات «تبدّل الاستشراق»، فهو أكاديمي تارة، وذو رهاناتٍ سياسيّةٍ تارة أخرى، بل غطّى الاستشراق مُجمل ميادين البحث العلمي، وقد أصبحنا نجد من أهل «الشّرق يُصنّف كمُستشرقٍ أي ما يُسمّى الاستشراق المعكوس». ويُبيّن لنا وائل حلاّق من ناحية أخرى، أنّ مؤسّسة الاستشراق هي مؤسّسةٌ صلبةٌ ومتينةٌ ولكنّها تُعاني من معضلة وجوديّة وهي تهميش المُعطى الأخلاقي. فالاستشراق بحكم كونه مُنتجًا حداثيًّا بامتياز، فقد متح أساسًا من مؤسّسة الحداثة بداية من القرن 16 بما هي مؤسّسة دولة حديثة قوميّة وذات سيادة من ناحية، ومن ناحية أخرى ذات أبعادٍ رأسماليّةٍ توسعيّةٍ. تشابك الاستشراق إذًا منذ البداية مع وعي الحداثة بإجباريّة توسّعها اقتصاديًّا على حساب «المستعمرات» للمحافظة على الدفق الاقتصادي/الإنتاجي/الرأسمالي، وبالتالي تكريس أركان الدولة القوميّة في أوروبا على حساب بقيّة العالم «غير المتحضّر» يمكن إخضاعه لـ«اللحظة الإباديّة»؛ حيث يُعدّ «التحجّر» و«الجمود» و«الثبات» و«التقوقع» من «الأمور الكثيرة التي يلوم الغربيّون الحضارات الشرقيّة عليها».

من هنا نصل إلى إشكاليّة إمكانيّة استمرار الاستشراق كمؤسّسةٍ علميّةٍ منتجة. يُقدّم وائل حلاّق الترياق، ولكن يطرح هذا الحلّ في إطارٍ إشكاليٍّ وتشكيكيٍّ. فلا يمكن للاستشراق أن يستمرّ ويتشابك حضاريًّا ووجوديًّا مع العالم العربي والإسلامي بدون تركيز مُعطى «الأخلاق» كمبدأ أساسيّ ووجوديّ. تشكيك وائل حلاق في إمكانيّة المساهمة الأخلاقيّة لمؤسّسة الاستشراق نابعٌ من طبيعة الحداثة نفسها، فقد كانت الحداثة تاريخيًّا وتأسيسيًّا نافية للأخلاق والإنسان؛ حيث سلّعت الوجود وشيّأته، حيث لا يمكن للاستشراق أن يستمرّ «بواسطة التراث الليبرالي أو بصورةٍ حصريّةٍ داخل التشكّلات الخطابيّة للنطاقات المركزيّة، فزرع «المعرفة في إطار أخلاقي» يعني «الالتزام الأخلاقي تجاه النّفس والآخر»، وهذا ما يفتقده أساسًا الغرب ومؤسّسات عدّة من ضمنها الاستشراق؛ حيث إنّ «دراسة التاريخ والاستشراق والفلسفة والعلم وأيّ مجال آخر من مجالات البحث الفكري هي في جوهرها تدريب في التكوين الذاتي الأخلاقي، أي تقنيّة لجعل الذات أخلاقيّة. هذه هي الغاية الوحيدة التي يمكن تبريرها على أسسٍ أخلاقيةٍ».

وقد أكمل وائل حلاّق تفكيكه لمنظومة الحداثة والاستشراق من زاوية نظر الأخلاق في آخر كتبه. فالحداثة تُعاني عطبًا مُزمنًا وهو نفيها للأخلاق من تمثّلات الفاعلين الاجتماعيّين وممارساتهم وما يستتبع ذلك من نفيٍ للغيبيّات والمثل والمرجعيّات. وهذه هي نقطة الضعف الأساسيّة التي تعترض إمكانيّة استمرار مؤسّسة الاستشراق. فالحداثة «العلمانيّة بحكم تعريفها مناهضة للتعدّديّة»، كما أنّ «إفلاس الحداثة الحالي يُسبّبه تحديدًا قطع الرابطة النموذجيّة بين الإنسان والقوّة الأعلى التي أعطته مبرّر وجوده». إذًا، أمام الاستشراق عائقان مُعجزان: فهو ابن مؤسّسة نافية للأخلاق، ونافية للغيبيّات، خاصّة وأنّ وجودنا اليوم «يتطلّب مفهوم التّواصل والاستمراريّة في العلم، إذن، حمل عبء المسؤوليّة الأخلاقية المرتبطة باستخلاف الإنسان على الأرض واستئمانه عليها».

* في ضوء نقد إدوارد سعيد للاستشراق هل من فرصةٍ لشرقٍ من صنع الشّرق، في مقابل شرقٍ صنعه الغرب؟

- يعتبر فكر ادوارد سعيد من أهمّ المنتجات الثقافيّة والمعرفيّة في القرن العشرين. أصالة هذا المنتوج المعرفي أثارت جدلاً واسعًا حول منابعه وأصوله وسياقاته الحضاريّة التي نشأ فيها. فنجد ربطًا كثيفًا بين سعيد وميشال فوكو وجمباتيستا فيكو وغرامشي وماركس.

يتميّز فكر إدوارد سعيد بالثّراء والتنوّع. من ناحية يمكن أن نقول إنّ سعيد يرى بأنّ الغرب صنع شرقًا يصعب الفكاك من إسار صوره النمطيّة (Stereotypes) وأشكال وصمه (Stigmatisation) المتعدّدة، وهذا ما يبرز من خلال تشاؤمه المفرط فيه أحيانًا في مذكّراته خارج المكان. من ناحيةٍ أخرى، تُبرز لنا أعمالًا أخرى لسعيد إمكانيّة تشكيل شرق من قبل الشّرق نفسه أو على الأقلّ ولادة شرق متصالح مع نفسه غير معادٍ للغرب، وهذا ما نستشفّه في كتابه «القضيّة الفلسطينيّة والمجتمع الأميركي» أو كتاب «الأنسنة والنقد الديمقراطي».

كتب ادوارد سعيد مذكراته بعد أن عرف أنّه مصابٌ بسرطان الدم. وبدأ الكتابة سنة 1994 «خلال فترة نقاهة على إثر ثلاثة وجبات أوّليّة من العلاج الكيميائي لمرض سرطان الدم». وقد استغرقت الكتابة خمسة سنوات. وأمّا الدافع الرئيسي لكتابة هذه المذكّرات فهي «حاجتي إلى أن أجسر المسافة في الزمان والمكان بين حياتي اليوم وحياتي بالأمس». يعرّف سعيد مذكراته بأنّها «سجل لعالم مفقود أو منسي». وأشار إلى أهميّة تدوين أحداث الماضي لتخليد الحدث، ولقد «أدركت مجدّدًا مدى هشاشة وقيمة وزواليّة التاريخ والظروف التي تمضي من غير رجعةٍ ولا تجد من يستعيدها ويدوّنها»، «فوجدتني أروي قصّة حياتي على خلفيّة الحرب العالميّة الثانية وضياع فلسطين وقيام دولة إسرائيل وسقوط الملكيّة في مصر والسنوات الناصريّة وانطلاق حركة المقاومة الفلسطينية والحرب الأهليّة اللبنانيّة واتفاقيّة أوسلو. كلّ هذه الأحداث موجودة ضمنًا في مذكراتي، ويمكن أن تبيّن حضورها العرضي هنا وهناك».

نلاحظ أنّ مذكّرات سعيد تُحيل خفية إلى علاقة الشّرق بالغرب، وهي علاقة مُغالبة لا مُصالحة. فهو يتمتّع بهويّتين مختلفتين، بل متناقضتان أحيانًا مثل الشّرق والغرب. فهو يتحدّث عن التوتّر الذي نشأ عنده من استعمال لغتين، فلم أحظَ بلحظة راحة واحدة من ضغط واحدة من هاتين اللغتين عليَّ ولا نعمت مرّة بشعور من التناغم بين ماهيّتي على صعيدٍ أوّل وصيرورتي على صعيد آخر. وهكذا فالكتابة عندي فعل استذكار، وهي إلى ذلك فعل نسيان، أو هي عمليّة استبدال لغة قديمة بلغة جديدة». وثنائيّة اللغة يحيل سعيد إلى مفهوم الهويّة، ويشير إلى «ارتباك الهويّة» الذي يتخلّل الكتاب. كما عانى سعيد من اسمه المتناقض المحيل إلى ثقافتين مختلفتين، و«كنت أتجاوز ادوارد وأؤكّد على سعيد تبعًا للظروف، وأحيانًا أفعل العكس، أو كنت أعمد إلى لفظ الاسمين معًا بسرعة فائقة، بحيث يختلط الأمر على السامع». طرق سعيد هنا حقلًا بحثيًّا مثيرًا للجدل خصوصًا في الدّراسات الما بعد كولونياليّة، وهي علاقة اللغة بالهويّة، واللغة الهجينة. من هنا نتحصّل على شخصيّة مضطربة هويّاتيًّا للفرد الذي تعرّض للتجربة الاستعماريّة، فالشيء «الوحيد الذي لم أكن أطيقه، مع اضطراري لتحمّله هو ردود الفعل المتشكّكة والمدمّرة التي كنت أتلّقاها: ادوارد؟ سعيد؟» وإلى جانب هاجس اللغة عايش سعيد منذ الطفولة الآثار المدمّرة للحروب، ففي «عالم طفولتي، تلك الطفولة التي دمرتها أحداث العام 1948 والثورة المصريّة والاضطرابات الأهليّة اللبنانيّة التي بدأت عام 1958». ولا يمكن أن يخفى علينا هنا علاقة الحضارة الغربيّة بالحروب والنكسات التي عايشها المجتمع العربي ومن ضمنهم إدوارد سعيد. ولهذا بعد أن يُشير إدوارد سعيد إلى أنّ تكوينه الأكاديمي المتين والثري، السياسي والجمالي والنثري والفني، «قد غذت هذه المذكرات بروافد خفية»، يتحدّث عن فلسطين: فما «كان شبكة من البلدان والقرى عاش فيها أبناء عائلتي الموسعة ذات يوم...أضحت الآن مطارح إسرائيليّة تعيش فيها الأقليّة الفلسطينيّة تحت السيادة الفلسطينية». يمكن القول أيضًا إنّ قلق العلاقة وتوتّرها بين الغرب والشرق يبرز لنا بوضوح في شخصيّة سعيد نفسه؛ حيث يُركّز على الجانب الكوزموبوليتاني من شخصيّته، فقد «امتلكني هذا الشعور المقلق بتعدّد الهويّات ومعظمها متضارب طول حياتي». وهذا الجانب الكوزموبوليتاني في شخصيّة سعيد يبرز أيضًا من خلال تعدّد المدن التي سكنها والمدارس والجامعات التي تلقى تكوينه فيها، من فلسطين إلى القاهرة إلى أميركا، وخاصّة نيويورك الرمز العالمي للكوزموبوليتانيّة. كما عانى سعيد منذ صغره من رغبة الغرب والغربي في الهيمنة وتشكيل الشّرق حسب إرادته باعتبار ذلك «عبئ الرجل الأبيض». فقد عايش سعيد صعوباتٍ عدّةً منذ المرحلة الابتدائيّة مع معلميه الذكور الإنجليز، فالمدرسة «زودتني بأوّل اتّصال مديد مع السلطة الكولونياليّة من خلال الإنكليزيّة القحّة لأساتذتها». فقد تعرّض في أحد الأيّام إلى «فلقة» من أحد الأساتذة الإنجليز، أيضًا عايش «مواجهة كولونياليّة أشدّ حدّة وسفورًا»؛ حيث زار سعيد وهو تلميذ «نادي الجزيرة» بالقاهرة فاعترضه رجل إنكليزي لكي يمنعه من التواجد في ذلك المكان، وقال له «غادر المكان...ممنوع على العرب ارتياد هذا المكان...أدركت مباشرة آنذاك أنّ معنى النعت (أي العربي) مفقد للأهلية حقًا». من هنا نجد لدى سعيد في بقيّة حياته الأكاديميّة احتراز من كلّ سلطةٍ أبويّةٍ. فطفولة سعيد تفرّقت بين عالم «القاهرة الكولونيالية» و«مواقف بريطانيّة كولونياليّة تمثّل الأسياد وسواد البشريّة التي يحكمها هؤلاء الأسياد». ولهذا فقد «طغى على كتاباتي كم من الانزياحات والتغايرات والضياع والتشوّه...فالذي عشته صبيًا في البيت مع شقيقاتي وأهلي مثلًا اختلف كلًيا عمّا قرأته وتعلّمته في المدرسة. تلك الانزلاقات والانزياحات هي قوام هذا الكتاب، وهي السبب الذي يحدوني إلى القول إنّ هويتي ذاتها تتكون من تيّارات وحركات لا من عناصر ثابتة جامدة».

* هل ترى أنّنا يجب أن نؤسّس علمًا للاستغراب يكون الغرب موضوعه في مقابل الاستشراق؟ وما هو تصورّكم لمنهج المقاربة في هذا العلم الجديد نسبيًّا؟

- من المهمّ أن يتمّ إنشاء وتأسيس علمًا للاستغراب يحاول أن يُعدّل الكفّة مع مؤسّسة الاستشراق، وهذا الأمر كان محور تفكير الأستاذ حسن حنفي في كتابه المهمّ «مقدّمة في علم الاستغراب»، وهو الأمر نفسه مع مجلّة «الاستغراب»، وهي فصليّة من إصدار المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة.

يُبيّن حسن حنفي أنّ أهميّة تأسيس مشروع للاستغراب تكمن في كونه يمكن أن يُمثّل وسيلةً لمواجهة «التغريب»، وخاصّة احتكار إنتاج المعرفة من قبل الغرب، وهو مشروعٌ حضاريٌّ أساسيٌّ لتفنيد المركزيّة الأوروبيّة؛ حيث إنّ «مهمّة علم الاستغراب هو القضاء على المركزيّة الأوروبية Eurocentricity». ولهذا فإنّ مهمّة الاستغراب الأساسيّة هي «إعادة التوازن للثقافة الإنسانيّة بدل هذه الكفّة الراجحة للوعي الأوروبي والكفّة المرجوحة للوعي اللّا أوروبي»، وتجنّب «الظلم التاريخي»، والتحيّز والعنصريّة والتحقير، الذي طالما تعرّض له العالم غير الأوروبي من طرف مؤسّسة الغرب العالمة وأهمّها الاستشراق.

فهل يمكن أن نقول إنّ نشأة الاستغراب كان نتيجة لظلمٍ تاريخيٍّ للغرب تجاه بقيّة العالم؟

يُبرز لنا أشيل مبيمبي (Achille Mbembe) التاريخ العرقي القاسي الذي مارسته أوروبا تجاه إفريقيا من خلال الاستعباد الجسدي، وتجاهل التواريخ المحليّة، والتزوير الحضاري، والإفقار المادي، والإذلال؛ حيث ساهم الاستعمار الأوروبي للقارّة الافريقيّة في إنتاج أشكال متعدّدة للوصم (Stigmatisation) وابتكار أنواع عديدة من الصّور النمطيّة (Stereotype) من قَبيل: «إفريقيا الشهوانيّة»، والافريقي صاحب «الرّذيلة، والتكاسل، والفسق والكذب»، فالإفريقي باختصار «يكاد لا يستحقّ اسم إنسان». فمنطق الرأسماليّة المنزوع من الأخلاقي والمدعّم والمتركّز على مؤسّسة استشراق نشيطة تتعطّش دائمًا لثروات المستعمرات، فقد «ساد الغرب نظام تأويل للعالم والتاريخ يجعل من هذا الأخير صراعًا حتّى الموت من أجل الوجود».

من ناحيةٍ أخرى، يُبيّن لنا أميا كومار باغتشي (Amiya Kumar Bagchi) الصّعود التاريخي المتوحّش للرأسماليّة في الغرب على حساب بقيّة العالم؛ حيث كانت الرأسماليّة تستورد العمّال، وتستحوذ على الثروات الطبيعيّة، و«تستخدم آليّات إعادة الإنتاج خارج مسرح عمليّاتها الرئيس لزيادة المعروض من القوّة العاملة». فالحداثة من خلال أحد أبرز تجليّاتها وهي الهجمة الاستعمارية كذّبت بنفسها «ادّعاءات الكونيّة...التي زعمتها أيديولوجيات الرأسماليّة الأساسيّة»، من خلال تكريس السياسات الاستغلاليّة على أساس «الطبقة والجنوسة والعرق».

شهد القرن 19 تحوّلاتٍ عديدةً اقتصاديّة واجتماعيّة وثقافيّة؛ حيث كان عصر تغيّرات بامتياز. فقد نشأت الثورة الصناعيّة متشابكة مع ترسّخ الدولة القوميّة خاصّة بعد نهاية الحروب النابليونيّة. طبيعة الدولة ذات السيادة المُدعّمة باحتياجات ثورة صناعيّة (في بريطانيا وفرنسا خاصّة) أنتج منطقًا رأسماليًّا يحتاج لترسيخ وجوده إلى موادّ أوّليّة ومجال حيويّ لتصدير البضائع. وضمن هذا السياقات يمكن لنا أن نفهم تأسيس المستعمرات الأوروبيّة في أجزاءٍ واسعةٍ من العالم وخاصّة في القارّة الافريقيّة. وقد استند العصر الإمبريالي على القوّة العسكريّة والتقنية والاقتصاديّة، وخاصّة قوّة السّرد. وهنا حظر المُستشرق كفاعلٍ اجتماعيٍّ مُنتجٍ للمعرفة والوصم والصور النمطيّة. وقد احتاجت الدول الاستعمارية للاستشراق من أجل معرفة الآخر المجهول، وخاصّة لشرعنة اللحظة الاستعمارية وتبريرها في سبيل «المهمّة الحضاريّة» و«عبء الرّجل الأبيض». ومن ناحيةٍ أخرى يُبيّن لنا ويليام كافانو (William Cavanaugh) الأسس المصلحيّة والمنفعيّة للسياسات والممارسات الإيديولوجية، ومن ضمنها السياسات العرقيّة وممارسات العنف، فهذه السياسات «تقوم بشرعنة ترتيباتٍ معيّنةٍ للسلطة في الغرب الحديث» و«تحديد الآخر والعدوّ، داخليًّا وخارجيًّا، الذي يهدّد النظام الاجتماعي والذي يؤدّي دور الشرّير المطلوب لتقوم الدولة القوميّة بحمايتنا منه». إذًا، فإنّ هدف شرعنة السياسات العرقيّة هو المصلحة والربح. وقد اعتمدت سيرورة تشكيل المركزيّة الغربيّة على تقنياتٍ عديدةٍ، مثل: العوامل الاقتصاديّة والجغرافيّة والدينيّة، وتبقى أهمّ هذه السياسات هي السياسات العرقيّة، أي «إيديولوجيا التفاوت واختزال الآخر»؛ حيث شُرّح الإنسان جسديًّا لمعرفة خصائصه البدنيّة ومميّزات أعضائه، كما درس المناخ الذي نشأت فيه الأجساد، كما حُلّلت أنماط العمل وعلاقتنا بالقوّة والقدرة الجسديّة على إنجاز أشغال معيّنة، بل وُزّعت هذه الأشغال إلى أعمالٍ ذهنيّةٍ وأخرى جسديّة. ولهذا فقد «اقترنت ولادة الغرب الحديث بظاهرة التأصيل العرقي، أي القول بوجود طبائع محدّدة وخاصّة تقف سببًا وراء الحضارة الغربية الحديثة». فقد نشأت مناطق طرفيّة مقابل أوروبا «المركز»؛ حيث «تشكّلت الأطراف بصورتها المعاصرة في ذلك الوقت في ظلّ الغزو الاستعماري»، كما برزت ظاهرة «التخصّص الدولي»؛ حيث أصبحت المناطق المُستعمرة تُنتج الغذاء والمواد الأوليّة لصالح أوروبا الصناعيّة. كما يُبيّن لنا فيكتور كيرنان (Victor Kiernan) التقنيات التي وظّفتها السلطات الاستعماريّة لإنجاح مشاريعها، فمثلًا «على مدى قرن من الزّمان تصرّف الإنكليزي في الهند مثل نصف إله...وأيّ إضعاف لهذه الثّقة في أذهان الإنكليز أو الهنود سيكون خطرًا»، ولهذا «سيكون من الأصعب على نصف الإله التخلّي عن سلطته مقارنة حتّى بالدكتاتور». والمُثير في سيرورة استعمار القارّة الافريقيّة أنّ فعل الاستعباد تشابك مع تطوّر التقنيات والنظريّات العلميّة والرغبة في الاستكشاف، فقد «أدّت مطاردة النخّاسين في شتّى أنحاء إفريقيّة إلى زيادة المعرفة بالقارّة».

* كيف أثّرت الثورة المعلوماتيّة في نشر الصّور النّمطية الاستشراقيّة عن المسلمين؟ وما هي التصوّرات التي تقترحونها في مواجهة الغزو الاستشراقي المستحدث؟

- ساهمت الثورة المعلوماتيّة في تكريس ونشر الصور النمطيّة والوصم الذي أنتجته مؤسّسة الاستشراق من سنوات طويلة. فالتطوّر التقني منذ القرن 19 ساهم في تأسيس منصّات عديدة لإنتاج الخبر والمعلومة والصّور، بداية من الراديو مرورًا بالتلفزيون وصولًا إلى مواقع التواصل الاجتماعي. ولكي نفهم هذه الرهانات حاولنا أن نُحلّل عملين نموذجيّين حاولا تفكيك الصور النمطيّة المُنتجة بواسطة تكنولوجيا الإعلام في الغرب تجاه الشرق. العمل الأوّل هو كتاب إدوارد سعيد «تغطية الإسلام»، والعمل الثاني مقال ليلى أبو لغد «هل تحتاج المرأة المسلمة إلى انقاذ: تأمّلات ثقافيّة في النسبيّة الثقافيّة وحواشيها».

تغطية الإسلام هو كتاب لإدوارد سعيد صدر سنة 1981 يتمحور حول نظرة العالم الغربي للإسلام من خلال وسائل الإعلام،  ووصفه إدوارد سعيد بأنّه الجزء الثالث لكتابه الاستشراق والقضيّة الفلسطينيّة، والذي يحاول من خلالهم رصد العلاقة بين العالم الغربي والعالم العربي، فهو الكتاب «الثالث والأخير من سلسلة ثلاثيّة حاولتُ فيها معالجة العلاقة الحديثة القائمة بين عوالم الإسلام والعرب والشرق من جهة، وبين الغرب وفرنسا وبريطانيا، ولا سيما الولايات المتحدة، من الجهة الأخرى». ويتعامل الكتاب مع قضايا عدّة، خلال وبعد أزمة رهائن السّفارة الإيرانيّة، وكيف زيّفت وسائل الإعلام الأميركية الحقائق عن الحياة الإسلامية ليناقش العلاقة بين السلطة والمعرفة ووسائل الإعلام الغربية.

ويُبيّن سعيد أنّه ليس ثمّة روابط مباشرة وحقيقيّة بين كلمة «الإسلام» المستخدمة الآن في الغرب وبين الحياة شديدة التنوّع والاختلاف المعاشة ضمن عالم الإسلام والعشرات من مجتمعاته ودوله وتواريخه وجغرافياته وثقافاته. فالإسلام يُعدّ اليوم شيئًا مزعجًا بالنسبة إلى الغرب، خاصّة في غضون السنوات القليلة الماضية لا سيما منذ أن لفتت أحداث إيران انتباه الأوروبيين والأميركيين بقوّة. فقد قامت وسائل الإعلام الغربية، بناءً على ذلك، بتغطية الإسلام، أي تشكيله بطريقةٍ خاصّةٍ ونموذجيّةٍ استنادًا إلى صور نمطيّة عديدة مُعظمها مُستمدّ من تاريخ عريق من الصّراع بين الغرب والشّرق. حيث أعملت وسائل الإعلام، تجاه الإسلام، وسائلها وصفًا وتشريحًا وتحليلاً، كما خصَّصت مناهج سريعة لتدريسه ودرسه وبالنتيجة. لكن أي تغطية يقصد سعيد هنا؟ هل هي تغطيته إعلاميًّا وهو المعنى القريب للكلمة؟ أم تغطيته أي إخفاء حقيقته عن المواطن الغربي وتقديم صورة بديلة مغلوطة لا تمتّ إلى حقيقة الإسلام بصلة، بل تمتّ إلى حقيقة بعض من يتحدثون باسم الإسلام؟

حلّل الكتاب تغطية الإعلام البريطاني لقضايا الإسلام والمسلمين والتمثّلات التي (يظهرهم) بها ومدى إنصاف أو إجحاف موضوعيّة أو لا موضوعيّة هذا الإعلام إزاء تلك القضايا. كما بحث الكتاب في أسباب تمثيل المسلمين في الإعلام البريطاني بالصورة الحالية، وينظر تحديدًا في بعض القضايا المحليّة في بريطانيا من خلال بعض الأدبيات المتعلّقة بالمسلمين، والتي عزّزت من صورة المسلمين السلبية. والفكرة المحوريّة للكتاب هي أسباب النّظر إلى المسلمين على أنّهم مُهدّدون أساسيّون لنمط الثقافة الغربية، فهم يختلفون عنها أصلاً، ولهذا يبرز التعارض في هوية البريطاني والبريطاني المسلم، هذا التّعارض في الثقافة يؤدّي إلى وصمهم بالانعزاليّة الطوعيّة وعدم الولاء للدولة.

ومن ناحيةٍ أخرى، تحاول ليلى أبو لغد في مقالها «هل تحتاج المرأة المسلمة إلى إنقاذ: تأمّلات ثقافيّة في النسبيّة الثقافيّة وحواشيها»، أن تبيّن أنّ «خطاب الإنقاذ» الذي تشكّلت سرديّته الأساسيّة استنادًا إلى مصالح سياسيّة وعسكريّة واقتصاديّة يستند إلى «شعور بالتفوّق لدى الغربيّين». كما ركّزت أبو لغد على محدوديّة نظريّة النسبيّة الثقافية، بحكم أنّ هذه النظرية تقلّص من فعاليّة مسألة «النسويّة عبر القوميّة» وتُشرعن لمجموعة مهمّة من الممارسات التي تضرّ بالمرأة، والتذكير دائمًا بهذه النسبية حسب أبو لغد يُكرّس مسألة «التواطئ الإناسي في عمليّة شخصنة الاختلاف الثقافي».  كما حرصت أبو لغد على التذكير بـ«تجنّب الوقوع في فخّ القطبيّة التي تحصر النسويّة داخل الحيّز الغربي». كما أبرزت الكاتبة النّشاط النسوي المهمّ في عدد من البلدان غير الغربيّة مثل إيران أو «النسويّات العربيّات». وقد أشارت إلى كثرة الصور النمطيّة التي يتمّ إنتاجها دائمًا في الغرب حول المرأة العربيّة المسلمة خاصّة من خلال علاقتها بالحجاب، وعلاقة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة بإعادة إنتاج هذه الصّور النّمطيّة. وقد اعتمدت أبو لغد عند كتابتها لمقالها على السرديّات التي أنتجتها وسائل الإعلام الغربيّة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، مثل «برنامج أخبار الساعة على قناة PBS، ومقالات من صحيفة الغارديان، أو الخطاب الإذاعي للورا بوش «الموجّه إلى الأمة» بعد أحداث 11 سبتمبر.

ومن أهمّ التيمات التي ركّزت عليها أبو لغد في عملها هي سرديّة «إنقاذ» المرأة الأفغانيّة من طرف الغرب؛ حيث أنشأ الإعلام سرديّته من خلال توظيف «الرموز الأنثويّة» للمرأة الأفغانيّة مثل البرقع والحجاب في حروبها بعد 11 سبتمبر. كما حملت الخطابات الإعلاميّة شحنات قديمة تقسيميّة بين متحضّرة ومتوحّشة ذكّرتنا بمقولة «عبء الرّجل الأبيض» التي ارتكزت عليها العمليّة الاستعماريّة خلال القرن التاسع عشر. إذًا، فالخطاب الإعلامي قُبيل حرب أفغانستان ركّز على عمليّة إنقاذ للمرأة من محيطها والاضطهادات اليوميّة التي تعيشها، وفي هذا الإطار «وظّفت مسألة المرأة لتبرير القصف والتدخّل الأميركي في أفغانستان من أجل افتعال قضيّة تخدم تلك الحرب»، وبعد الحرب على أفغانستان «لم تعد النساء سجينات منازلهن». وأشارت أبو لغد أنّ توظيف مسألة المرأة دائمًا ما يكون مسكونًا «بأطياف قديمة»، فمثلًا خلال الاستعمار البريطاني لجنوب آسيا استُغِلَّت مجموعة من الممارسات والطقوس الذكورية المنتهكة للمرأة مثل «طقس السنتي» وغيره لتبرير الاستعمار، وهذا ما فعله أيضًا الاستعمار الفرنسي في الجزائر، أو «عقليّات المبشّرات المسيحيّات اللواتي كرّستن حياتهنّ لإنقاذ شقيقاتهنّ المسلمات»، ولكنّ «عبء الرجل الأبيض» أو مهمّة «الإنقاذ» حسب الكاتبة تحتاج لنماذج مثل الحجاب أو البرقع.

كما أنّ خطاب السياسية الأميركيّة في حرب أفغانستان تميّز بتقابل ثنائيّة الخطاب (Discourse) والممارسة (Practice)، فالخطاب ركّز مثلًا على «تحرير» المرأة الأفغانيّة، ولكن الطائرات الأميركيّة لم تفرّق بين تنظيم القاعدة والمدنيّين. ورغم حرص أبو لغد تجنّب «التفسيرات السطحيّة» حسب رأيها إلاّ أنّها عند تحليلها للسرديّات التي أنتجها الإعلام الغربي حول المرأة في أفغانستان أهملت علاقة تجلّيات العنف الرمزي الذي واكب إنتاج المعرفة من خلال ثنائيّة الأنا والآخر في هذا الخطاب الإعلامي، ولم تُبرز علاقة الخطاب بالقوّة، خاصّة من خلال استخدام مصطلحات موجّهة للأفغانيّين مثل مصطلح «بربريّة»، بل لم تُشر بتاتًا إلى العنف الرمزي الذي أنتجه جورج بوش نفسه من خلال قوله في أحد خطبه إنّ الله أتاه في المنام وأمره بالسيطرة على أفغانستان، بل بوش نفسه استخدم مصطلح «حروب صليبيّة». كلّ هذه السرديّات إلى جانب سرديّة «إنقاذ المرأة الأفغانيّة» لغزو أفغانستان.

وبعد هذا التحليل يمكن لنا الإجابة على الجزء الثاني من السؤال: كيف يكون الردّ على توظيف الاستشراق للثورة المعلوماتيّة من أجل ترسيخ صوره النمطيّة تجاه الشرق؟

يتمثّل الحلّ حسب رأينا في نقطتين أساسيّتين: النقطة الأولى هو تشابك أهل الشّرق في هذه الثورة المعلوماتيّة وعدم تجاهلها وعزل النّفس عنها، ومن هنا يُطبّق مفهوم التدافع. والنقطة الثانية هي نقطة أكاديميّة، فلا يمكن لنا فهم رهانات الاستشراق واستراتيجيّاته بدون إخضاعه للدرس والتشريح والنظرة العلميّة الفاحصة والدقيقة والمحايدة.

* ما هي فرص الاستفادة من نقد الغرب للغرب.. أعني هل من أرضٍ مشتركةٍ يمكن الانطلاق منها؟

- نلاحظ في ثنايا التاريخ الأوروبي، أنّه بدأت تبرز بداية من النصف الثاني من القرن 19 أطروحات مهمّة من مفكّرين أوروبيّين ينقدون الحضارة الأوروبيّة نفسها. ورأينا في هذا الإطار أنّه من المهمّ نستفيد من نقد الغرب للغرب نفسه. وسوف ندرس في هذا السؤال نقطتين مهمّتين أثارتا نقدًا عميقًا بين الغربيّين أنفسهم: النقطة الأولى هي «نمط الإنتاج»، والنقطة الثانية هي «الاغتراب».

يتميّز التاريخ الأوروبي خلال القرن 19 بهيمنة النظريّات الاقتصاديّة بسبب نشأة الثورة الصناعيّة. ومن هنا برزت نظريّات عديدة تدرس تمظهرات أنماط الإنتاج المختلفة. ونلاحظ من خلال تعدّد الأدبيّات والدراسات التي تعاملت مع مفهوم «نمط الإنتاج» أنّه أخذ تعريفات عدّة. فأنماط الإنتاج يمكن أن تكون أسسها فلاحية أو صناعية. ويمكن أن تجمع بينهما. أيضًا يوجد نمط إنتاج يعتمد على العملة كشكلٍ أساسيٍ من أشكال التبادل أو على المقايضة. من دون إغفال عامل مهم وهو أنّ الفلاحة ضلّت لمدّة طويلة النّشاط الإنساني الأبرز. وفي تعريفنا لنمط الإنتاج يجب أن ننتبه إلى لبّ الرّحى في هذه العمليّة، ألا وهي الثروات الطبيعيّة. (مثل الفحم ودوره في الثورة الصناعية، المنتوجات الفلاحيّة، المياه (نهر النيل أو دجلة والفرات) ودورها في تأسيس أنماط إنتاجٍ صلبةٍ وراسخةٍ، ونجد من أرسى أطروحة كاملة حول الحضارات النهريّة ألا وهي فكرة الاستبداد الشرقي). لا نستطيع فهم نمط إنتاج معيّن بدون تبيّن مركزة الثروات الطبيعيّة التي تميّز الحضارة أو الفترة التاريخيّة المدروسة.

ونمط الإنتاج هذا يجب وضعه أيضًا في إطاره الجغرافي والمناخي، فلا نستطيعمثلاً الحديث عن نمط إنتاج يعتمد على الريع الفلاحي في سيبيريا مثلا. هنا الجغرافيا كما بيّن أرنولد توينبي في كتابه «دراسة في التاريخ» من خلال نظريّته عن «التحدّي والاستجابة» أنّها حضارات جامدة وعاجزة عن تحقيق التراكم التاريخي والحضاري.

من جهةٍ أخرى، فإنّ نمط الإنتاج لتوازناتٍ عالميّة وظرفيّات داخليّة وخارجيّة عن الدولة تساهم في إنشاء نمطٍ إنتاجيٍّ معيّن. نجدمثلاً ظرفيّة القرن السادس عشر. ففي القرن الخامس عشر طرد المسلمون من إسبانيا وفي السنة نفسها (1492) تم اكتشاف القارة الأميركية. وما أنتجه ذلك من تراكم ثروات كبير خاصّة على مستوى الذهب والفضّة، ونجد أيضًا اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح. هذه الأحداث أضرّت بالضرورة بمكوّنات البحر الأبيض المتوسّط وخاصة جنوبه، وساعد الغرب الأوروبي على تحصيل التراكم المالي ثم التراكم الصناعي.

مفهوم «نمط الإنتاج» هو مفهوم أساسيّ لدى ماركس لفهم جدليّة صراع الطبقات. وماركس يرى أن ضمن نمط الإنتاج نجد علاقة عضويّة بين البعد الاقتصادي (رأس المال، عمليّات التبادل، العمّال...) والبعد الاجتماعي. وماركس أشار لأنماط إنتاجية مختلفة مثل نمط الإنتاج الذي ميّز الإغريقيّة الرومانيّة، وهو نمط الإنتاج العبودي أو العتيق. من هنا لا نستطيع إفراغ كلّ نمط إنتاج من بعده التاريخي وظرفياته وسياقاته التاريخيّة.

نجد أيضًا نمط الإنتاج القروسطي أو الفيودالي الذي يرتكز على العلاقة بين السيّد والقنّ. نمط الإنتاج الآسيوي الذي يرتكز وجوده على وجود سلطة مركزيّة تستطيع فرض أوامرها خاصّة في مسألة تسيير عمليّة توزيع المياه.

كما بيّن جوناس سيرج فقدان التمثّل الماركسي لنمط الإنتاج للبعد التاريخي الصارم، وقد حاول أن يقدّم نماذج لأنماط الإنتاج دون إبعادها عن سياقاتها التاريخية:

نمط إنتاج جماعي (Le mode de production communautaire) مصاحب لنواةٍ مجتمعيّةٍ منتجة. مع نواة اجتماعيّة أخرى تقوم بمراقبة العمليّة الإنتاجيّة، مع اجتذاب فوائض الإنتاج في شكل أعطية ومنح (dons)، وهذا النّمط سمّاه الاشتراكيّة البدائيّة أو الإدارة الذاتيّة واسعة الانتشار (le communisme primitif ou l’autogestion généralisée)..

نمط الإنتاج الفيودالي أو الإقطاعيّة: علاقة تربط بين القنّ والسيّد، السيّد يراقب العمليّة الإنتاحيّة عن طريق وكلاء عسكريين، وعمليّة توليد فائض الإنتاج تتمّ عبر السخرة أو الجزية أو إيجار الأرض.

نمط الإنتاج المركانتي: (Le mode de production mercantile)، النمط مرتكز هنا على التجارة، والوحدة الإنتاجية تعتمد على الأجر. والعمليّة التبادليّة والاقتصادية أساسها اللّا تساوي خاصّة بين التجّار والحرفيين، أو بين المركز والهوامش، أو بين المدينة والريف أو بين السيّد رئيس العمل وبين العامل.

وأخيرًا نمط إنتاج يتمحور حول الدولة (Le mode de production étatique ) والعلاقات هنا تتحكّم فيها المنظومة البيروقراطيّة والطبقيّة  حيث محور الإنتاج هو الدولة والرقابة تحصل من البيروقراطيين.

من ناحية أخرى نجد الباحث ميشال بانوف Michel Panoff يشير الى نمط الإنتاج المنزلي le mode de production domestique خاصة من خلال المكانة المركزيّة التي تحتلّها المرأة والمخزن (Greniers) المعدّ لخزن المأكولات لفترة طويلة في حياة الفرد خاصة في إطار إقتصاد معاشي (Auto-subsistance). هنا تصبح العائلة هي لبّ الرحى في عمليّة الإنتاج والإستهلاك. هذا النمط الإنتاجي يعتمد على:

توظيف المجموعة (Communauté) لمجموعة من التقتنيات الفلاحية التي تتلائم مع محيطهم الفلاحي لهدف توفير إنتاج فلاحي لغذائهم أوّلًا ثم لإعادة الإنتاج.

الأرض الفلاحية الخصبة تلعب دور مركزي في هذه المنظومة عكس الحياة القائمة على الصيد أو القطف.

طاقة العمل الإنسانية هي الطاقة الأساسية في هذا النمط الإنتاجي سواء فلاحيا أو حرفيا.

الذي يميّز هذا النّمط الإنتاجي أنّ وسائل الإنتاج تكون عادة فرديّة وتوظّفُ في عملٍ فرديٍّ.

نلاحظ إذن أنّ هذا النّمط الإنتاجي يختلف تمامًا على بقيّة الأنماط الإنتاجيّة، خاصّة التي تعمد على المجموعة في العمل أو في امتلاك وسائل الإنتاج. كما نفهم من خلال تمعّننا في تاريخيّة ظاهرة العمليّة الإنتاجية أنّ أنماط الإنتاج لم تكن أبدًا نمطًا صارمًا خاضعًا لقواعد واضحة. حيث نجد تداخلًا وترابطًا، بل تكامل بين أنماطٍ إنتاجيّة عدّة في مكان واحد وزمان واحد. وهذا ما أبرزه بوضوح فرناند برودال في كتابه الحضارة المادية والاقتصاد والرأسمالية من القرن الخامس عشر إلى القرن الثامن عشر (الجزء الثاني: التبادل التجاري وعمليّاته).

مثلًا، كثيرًا ما نجد تداخل الاقتصاد النّقدي وظاهرة المقايضة، وفي الرقع الجغرافيّة نفسها نجد الأسواق المركزيّة والتجار المتجوّلون. أيضًا نجد تجاور ظاهرة البورصة والتعامل بالكمبيالات والصيارفة التقليديين. نجد أيضًا تجاورًا بين الرأسمالية الصناعية والمصنع اليدوي «المانوفاكتورة» والمصنع الآلي «الفابريقة» إلى جانب «نظام التشغيل في البيوت».

مسألة أخرى أثارت نقاشًا بين المفكّرين الأوروبيّين، وهي مفهوم «الاغتراب». فقد درس كارل ماركس في عمله «مخطوطات عام 1844 الاقتصاديّة والفلسفيّة» مجموعة من القضايا التي كانت تشغله وتشغل مجتمع النصف الأوّل من القرن التاسع عشر، ويدرس هذا العمل «الذي وصلنا ناقصا...نقد الاقتصاد السياسي البورجوازي والنظام الاقتصادي البورجوازي».

وقد اشتمل هذا المخطوط على عدد كبير من الموضوعات مثل أنواع الملكية، وعلاقة الملكيّة بالفاعلين الاجتماعيين، أيضًا خصّص حيّزًا من هذه المخطوطات لمناقشة الفلسفة الهيغليّة ونقدها، وقد لاحظنا استخدام ماركس المفرط لمصطلح «نقد»، فمن خلال صفحات قليلة استخدم هذا المصطلح ثلاثون مرّة، وقد وظّفه في أشكالٍ متعدّدة، مثل «النقد النقدي»، «عملية النقد»، «النقد الإيجابي»، «اللّاهوتي النّقدي». ورغم الحضور المكثّف للجانب النقدي في أعمال كارل ماركس الشاب، فإنّنا سوف نركّز على مفهوم الاغتراب الذي برز بقوّةٍ من خلال هذا المخطوط. وقد اخترنا التركيز على مفهوم «الاغتراب»؛ لأنّه مصطلح مركزي في هذا العمل.

أمّا مصطلح «الاغتراب» فقد وظّفه هيغل وفيورباخ في أعمالهما؛ حيث كان هيغل «يتحدّث عن انسلاب وعي الذات، وفيورباخ عن انسلاب الإنسان المجرّد غير التاريخي وغير الطبقي». وقد تعامل ماركس مع مفهوم «الاغتراب» أو «الانسلاب» من زاوية نظر أخرى، أي من خلال علاقة العامل بالنظام الرأسمالي، أي «اغتراب العمل». وقد حاول ماركس أن يضع ظاهرة الاغتراب في إطارها التاريخي، وبين الظروف الصعبة التي يعيشها العامل في ظلّ النظام الرأسمالي، والأسباب التي تجبر العامل للخضوع للمنظومة الرأسماليّة مثل تدنّي الأجر وارتفاع الأثمان، هنا يجبر العامل على تخصيص مجمل وقته للعمل ليرفع من أجره، أي أجبر العمال على «أن يضحوا بوقتهم. وأن يقوموا بعملٍ عبوديٍّ في خدمة شهوة المال ويخسرون كلّ حريتهم تمامًا».

وكثرة العمل وعدم تفرّغ العامل لنفسه وانهماكه الكلي في مسايرة الآلة الرأسماليّة، هذه العوامل تجعل العامل يتدنى «روحيًا و بدنيًا إلى مصاف الآلة»، ويزداد يومًا بعد يوم خضوعًا وتبعيّةً لهذا النظام. والعامل في ظلّ النظام الرأسمالي يكون ضحيّة لكثرة عدد العمال، وأيضًا ضحيّة لتنافس الرأسماليين في ما بينهم، دون أن نغفل عامل بروز الآلة وتكفّلها بالقيام بدور عدد مهم من العمال، وأصبحت تلعب دور المنافس. في هذه الظروف يتموضع العامل في وضعيّة الصراع من أجل البقاء، ويجد عدد كبير من العمال أنفسهم خارج العمل، أو يعملون بأجر زهيد، وعلى هذا العامل «الزائد أن يموت».

في هذه الحالة يكون مصطلح «البؤس» مرادفًا للعامل، أما العمال الذين حافظوا على عملهم فإنّ أجرهم يساعدهم على البقاء أحياء فقط؛ لكي يواصلوا عملهم، وهذا العمل يمكن للعامل أن يبيع نفسه وشخصيّته الإنسانيّة، بل يصبح مثله مثل الحصان يتم تغذيته لكي يتقن عمله، ويصبح «كحيوان يعمل، أي كوحش يقتصر على أدنى الاحتياجات الأساسيّة». وهذه الظاهرة من أشدّ تمظهرات الاغتراب ألمًا؛ حيث يغترب الإنسان على نفسه، ويفقد شيئًا فشيئًا كينونته الإنسانيّة.

لقد حاول ماركس أن يقدّم مجموعةً من الحلول لمقاومة ظاهرة الاغتراب، فأشار مثلًا إلى إجباريّة أن ينعتق العامل من تبعيّته لجسده، وعلى العامل أيضًا أن يحسن التصرّف في وقته لتوظيفه في العمليّة الإبداعيّة وللغذاء الروحي. وقد أشار ماركس في المخطوط إلى الاستغلال الذي تعرّضت له المرأة والطفل خلال عمليات الإنتاج خاصّة في انقلترا، هذا الاستغلال يساعد على تسليع الحياة البشريّة وفصلها عن كلّ مضامين الإنسانيّة، هنا يصبح الإنسان عبدًا أو مجرّد قطعة في آلة، وهذا أبرز تجلٍّ لمفهوم الاغتراب؛ حيث تصبح الثورة الصناعيّة مجرّد «الحرب الصناعية» تعتمد على جيوش بشريّة -رجالًا، نساءً، وأطفالًا- وهدف هذه الجيوش «الإفلات من ضرورة الجوع القاسية». إذًا، الاغتراب عند ماركس هو أنّ العامل يستنزف جهده في عمله بدون رابطٍ روحيٍّ يربطه بذلك العمل، هذا العمل نفسه يبعده عن منزله ومحيطه وخاصّة عن نفسه، فاغتراب الإنسان عن نفسه هو أشدّ أنواع الاغتراب قسوةً.

 يمكن التأكيد على أهميّة مفهوم الاغتراب في فهم كثير من الأبعاد النفسيّة للفاعلين الاجتماعيين وعلاقتها بالظروف التي عاشوا فيها، هذا المفهوم الذي وظّفه هيغل، وتأثّر به ماركس وجعله محورًا أساسيًّا في تحليله للمجتمع الصناعي خلال القرن التاسع عشر، هذا المفهوم تطوّر، وتعمّق فهم الباحثين له بتطوّر البحث العلمي وتراكمه في ميداني العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة.