البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

March / 26 / 2022  |  267مواجهة الاستشراق المستحدث بخروج الشرق من التبعية الكولونيالية

الحوار مع :د. ميلود حميدات
مواجهة الاستشراق المستحدث بخروج الشرق من التبعية الكولونيالية

أخذت السجالات حول ماهيّة الاستشراق ووظيفته مساحةً واسعةً على مدى قرونٍ خلت، غير أنّ أنماطه ووقائعه واستهدافاته اختلفت بين حقبةٍ وأخرى تبعًا للاستخدامات الثّقافيّة والسياسيّة من جانب الغرب.

في هذا الحوار مع الباحث الجزائري من جامعة الأغواط الدكتور ميلود حميدات إطلالةٌ تحليليّةٌ نقديّةٌ على طبيعة السّلوك الاستشراقي في مراحله المختلفة.

«المحرّر»


* بداية، من المفيد إيضاح الكلام الملتبس حول نهاية الاستشراق في مقابل الحديث عن استمراره بأشكالٍ أخرى؟

- لقد حاول البعض إيهام الجميع أنّ الاستشراق انتهى ولم يعد له جدوى، وأوّل من تبنّى هذه الفكرة مؤتمر المستشرقين الذي انعقد في فرنسا في سنة 1973، وهي فكرة مشبوهة قد تكون وراءها دوائر صهيونيّة، كما يرى المفكر عبد الرحمان بدوي، الذي حضر المؤتمر وعارض الفكرة التي تبنّاها المستشرق اليهودي المشهور برنارد لويس وأقنع بها أعضاء المؤتمر، مبرّرين ذلك بأنّ كلمة الاستشراق والمستشرق أصبحت منبوذة في العالم الإسلامي؛ لارتباطها بالاستعمار والتجني على الإسلام والمسلمين، واستخدام مكانها الدراسات الشرقيّة، أو دراسات الشرق وشمال افريقيا، أو دراسات الهند، أو الشرق الأوسط وغيرها. والملاحظ يدرك أنّ التغيير مسّ الاسم ولم يمس الموضوع، كأنّها حيّة تبدل جلدها، دون أن تتغير طبيعتها، وبقي الاستشراق موجودًا؛ لأنّه لم تنته مبرّراته وأسباب وجوده، بل أصبحت الدول الغربية وأميركا، تنافسها في ذلك قوى أخرى كروسيا والصين بحاجةٍ ماسّةٍ للاستشراق الحديث للمصالح السياسية والاقتصادية الكبيرة في العالم الإسلامي.  

لذلك لم ينتهِ الاستشراق كفعلٍ وكمنهجٍ يتناول العالم الإسلامي، بل تطوّر من شكله التقليدي إلى شكله الجديد، مع التّطوّر التكنولوجي في الاتّصالات والمعلوماتيّة، وأصبح العالم متاحًا للجميع باستخدام نواتج الإعلام الآلي، ووسائل التّواصل الفائقة السرعة، ومع ظهور مفاهيم جديدة كالحداثة، والعولمة والإرهاب والتّطرّف السياسي والديني والفكري، ولم يعد الاستشراق مقتصرًا على أوروبا، وإنّما ظهر الاستشراق الأميركي والروسي، ولكن تختلف المصالح والتوجهات والأهداف والغايات بين القوتين، ولذلك ترسم المخطّطات للاستشراق حسب سياسة كلّ دولة.

وعليه، نعتقد أنّ الاستشراق توسّع وتغيّرت مناهجه وأدواته، وإن خفّت سطوة الاستشراق الكلاسيكي، فإنّ الاستشراق الحديث ما زال قويًا وقد أصبح جزءًا من الدبلوماسية الغربية؛ لفهم العالم العربي والإسلامي والسيطرة عليه، كما لا يخفى على أحدٍ دور الاستشراق السياسي الذي لا تخلو منه المؤسّسات الأمنيّة الغربية، بل ما زال فعّالًا باستقطاب أبناء العالم الإسلامي أنفسهم ودمجهم في هذه المؤسّسات؛ لتقديم التقارير والدّراسات عن بلدانهم، ويتم تبرير ذلك بمجابهة التطرّف الديني، والأنظمة الدكتاتورية في العالم الإسلامي، وفي الحقيقة مواجهة الأنظمة الوطنية التي لا تخدم مصالح الغرب، وكثيرًا ما يتدخل الغرب وفق تلك التقارير المضلّلة؛ لإسقاط الأنظمة وخلق الفوضى في العالم الإسلامي؛ إذ لم نشهد أيّ تدخل غربي في العالم الإسلامي نتجت عنه تنمية أو إصلاح للأوضاع السياسية والاقتصادية، بل أدّت التدخلات الغربية إلى تقسيم الدول وإدخالها في حروب وفوضى اجتماعية، والمثل الأفغاني والصومالي والليبي خير دليل، وما يحدث في العالم العربي والإسلامي صار جليًا في أنّ تدخلات الغرب السياسية والعسكرية، والتأثير في سياسات الدول بما تقوم به السفارات الغربية في العالم العربي والإسلامي من نشاطات مختلفة تستند إلى التقارير التي يقدّمها مستشرقون توظفهم تلك الدول للتحكم في توجيه وخدمة المصالح الغربية في العالم العربي والإسلامي المغلوب على أمره، نتيجة التخلف والتبعية للغرب. الأمر الذي يفسّر لنا تغيير الاستشراق لوجهه التقليدي وتبنيه لأشكال وأدوار جديدة صار يلعبها للتحكم في الشرق، وخدمة الاستعمار الغربي الجديد الذي يتحكم في النخب السياسية. ويكفي أن نشير إلى دور الغرب في زرع الكيان الصهيوني في الشرق الإسلامي، وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم المشروعة، ووصم مقاومتهم بالإرهاب، والعمل على التأثير بكلّ وسائل الضغط الممكنة لفرض الاعتراف بإسرائيل، ودفع الدول العربية إلى التطبيع معها، بدون اعترافها بأيّ حقوق للعرب في المقابل.

* في مطلق الأحوال ما الذي بقي حيًا من تراث المستشرقين؟

- يتّفق أغلب دارسي الاستشراق أنّه يمكن أن نقسّمه إلى استشراق سلبي، واستشراق موضوعي إيجابي، الأول يشكِّله المبشِّرون والمتعصِّبون من المستشرقين الذين كانت أهدافهم من البداية مسبقة، وتهدف إلى الرد على الإسلام ومهاجمته والطعن فيه، وكانت تحركهم أسباب تبشيرية دينية وأهداف استعمارية، وأغراض سيئة امتدت من عصور الحروب الصليبية، إلى فترات الاستعمار الغربي؛ إذ كان المستشرق جزءًا من المخطط الاستعماري الغربي للسيطرة على العالم الإسلامي. أما الاستشراق الموضوعي فيتشكّل عادة من الذين اهتموا بالعالم الإسلامي وتراثه لأسباب علميّة معرفيّة، ولمّا تعرّفوا على ذلك التراث واحتكوا بالمسلمين تأثر الكثير منهم، ففيهم من دخل إلى الإسلام، وكتب بموضوعيّة وتجرّد وأنصف في كتاباته، وهناك من التزموا المنهج العلمي، وتحرّروا من الأفكار المسبقة والأهواء، وتجنّبوا الذاتية فكانت أعمالهم موضوعية حتى وإن لم يسلموا، وهؤلاء يشكلون الاستثناء لا القاعدة، وأصواتهم غير مسموعة في دوائر القرار الغربية، كما أنّ المؤسّسات الاستشراقيّة الماليّة لا تساعدهم، ولا تمولهم لخروجهم عن الأهداف التي تحرك تلك المؤسّسات.

ومع ذلك فإنّ تطوّر تكنولوجيا المعلومات، وانتشار النشر العلمي والردود العلميّة التي قدّمها علماء مسلمون ضدّ افتراءات المستشرقين المتعصّبين من رجال الدين اليهود أو المسيحيين، والتي لم تعد تقنع إذا وضعت على محك المنهج العلمي الرزين، فإنّ هذه الشّبهات الكلاسيكيّة التبشيريّة قد تمّ تجاوزها، ولم تعد تلقى الرواج حتى في الأوساط الغربية، كالتشكيك في النّبوّة والوحي، والطعن في القرآن والسنة، واعتبار الإسلام نسخةً مشوّهةً من اليهوديّة أو المسيحيّة، وغيرها من الترهات.. ولذلك حوّل المستشرقون المتعصّبون موضوعاتهم إلى قضايا معاصرة أصبحت أكثر تأثيرًا وهي مشاكل المجتمعات الإسلامية المعاصرة، مثل وضع المرأة ونظام الأسرة، والأنظمة السياسية، والديمقراطية وحرية الرأي والمعتقد، والفساد الاقتصادي والسياسي، وغيرها من المعضلات التي تعانيها حتى المجتمعات غير المسلمة، في إفريقيا وأسيا وأميركا اللاتينية، وإذا سلّمنا جدلًا بأنّ هذه المشكلات موجودة في الدول الإسلامية، ومن الطبيعي أن نناضل في مجتمعاتنا لحلّها، والعمل من أجل سيادة قيم العدل والمساواة والحكم الراشد، وحتى الدين يحث على ذلك، وعليه يصبح تعسّفًا وتجنّيًا حين يتمّ ربط المستشرقين لتلك المشاكل بالإسلام، والدين منها براء.

لا شكّ أنّ الاهتمام بالتراث الإسلامي، والعمل الذي قام به المستشرقون في دراسة ذلك التراث قد أفضت إلى كمّ هائلٍ من الدّراسات التي حرّكت دون شكّ المفكّرين العرب والمسلمين وحفّزتهم إلى الاهتمام بتراثهم، كما تتلمذ البعض على كبار المستشرقين لإحياء التراث الإسلامي، وتحقيق المخطوطات الموجودة في دول الغرب، وبالتالي الكشف عن كنوز من المؤلفات التي لولا عمل المستشرقين ما كانت لتعرف أبدًا، وقد تنافس المستشرقون الغربيون في كشف المخطوطات النادرة وتحقيقها، وشجّعوا بعض الباحثين العرب على ولوج المكتبات الغربية وإبراز التراث الإسلامي، وتأليف الرسائل الأكاديمية وتقديمها، ما أحدث يقظةً فكريةً مهمّةً استغلتها بعض الدول الإسلامية والعربية التي أرسلت أبناءها في بعثاتٍ علميةٍ إلى الدول الغربية؛ لتحقيق المخطوطات وتحضير الدراسات والأطروحات العلمية في مختلف المجالات، كمصر مع محمد علي وبعثاته إلى فرنسا، وأيضاً أبناء المهاجرين العرب من شمال أفريقيا، الذين درسوا في الجامعات الغربية  والفرنسية بالخصوص، وقد تكوّنت نخبة من المفكرين العرب المهتمّة بدراسة التّراث الإسلامي متأثّرين في ذلك بالمستشرقين، وفيهم من بقي تحت تأثير الرؤية الاستشراقيّة، ومنهم من تخلّص من التبعيّة ونادى بالتأصيل وإحياء التّراث بعيدًا عن المركزيّة الأوروبيّة، ولا شكّ أنّهم استفادوا من المناهج والدراسات الاستشراقية في هذا المجال. ويُلاحظ المتأمّل لمراكز البحث الغربية وجود مخابر عريقة تبحث في التراث الفكري واللغوي والفلسفي العربي؛ إذ تضمّ هذه المخابر مفكرين من دول غربية، وباحثين من العالم العربي والإسلامي، مما يبيّن الاهتمام المتواصل إلى اليوم بالتراث الإسلامي، وتخصّص باحثين غربيين لسنوات طويلةٍ في دراسة أحد الفلاسفة أو العلماء المسلمين، كالغزالي وابن سينا، وابن خلدون، وابن الهيثم وغيرهم، مما يثبت وجود مراكز بحث ومخابر علمية ما زالت تبحث في التّراث الإسلامي، وهي تقاليدٌ معرفيّةٌ درجت عليها هذه المؤسّسات، ما يؤكّد أنّ للشرق وعلومه سحرًا يأسر كلّ من يقترب منه. كذلك يجد الباحثون في هذه الموضوعات الشّرقيّة ما لا يوجد في الثقافة الغربية، التي تفتقد إلى الجانب الروحي، فهي معرفةٌ مغرقة في المادية، وتحوّل الإنسان إلى سلعةٍ، ما يُفقده كثيرًا من قيمه الأخلاقيّة والروحيّة، في مجتمع استهلاكي يباع ويشترى فيه كلّ شيء.

* في ضوء نقد إدوارد سعيد وأطروحاته الاستشراقيّة، هل ثمّة فرصة لقيام شرقٍ من صنع الشّرق في مقابل الشّرق الذي صنعه الغرب.. وبالتالي من أين نبدأ وكيف؟

- من بين الظروف التي ساهمت في تطوّر الاستشراق الصّراع الحضاري بين حضارتنا وحضارة الغرب، وبالتالي تأثير المراحل الطويلة للاستعمار الغربي للعالم الإسلامي، ثم عمل الغرب المتواصل لتحطيم الحضارة العربية الإسلامية، مستخدمًا وسائل من بينها الغزو الفكري الذي يهدف إلى تعطيل أيّ مشروع حضاري يهدف إلى رجوع المسلمين إلى قيم الإسلام ومبادئه لاستعادة مجدهم الحضاري. ونتج عن التدخل الغربي انقسام العالم الإسلامي بين مشروعين، وأدّى ذلك إلى التردّد بين (العزلة الحضارية) أو (التبعية الحضارية) وغاب النموذج الحضاري العقلاني الأصيل؛ إذ إنّ هذا التردّد بين الانغلاق على الذات أو تبعيّة الغير ولّده دائمًا التعامل مع الغرب.

لقد اتّخذ الاستشراق الكلاسيكي كما ورد في كتاب ادوارد سعيد موقفاً معادياً للشرق، واعتبر نفسه قد امتلك هذا الشرق ودجّنه، وكأنّ الشّرق وُجد من أجل الغرب فحسب؛ حيث أصبح الاستشراق اليوم «عبارة عن مؤسّسة مشتركة للتعامل مع الشرق، بإصدار تقريرات حوله، وهو أسلوب غربي للسيطرة على الشرق، واستبنائه (أي إعادة صياغته) وامتلاك السيادة عليه». وهذا ما يؤكّده تأمّل الاستشراق الذي أصبح يمثّل مؤسّسات ثقافيّة مركزيّة قويّة، تدعمها المؤسّسات الرسمية في الدول الغربية، بل يشكّل قطاعًا استراتيجيًّا في وكالات الاستخبارات، ومراكز التجسّس الغربية لأهميّة التقارير التي يقدّمها والشاملة لمجالات فكريّة واقتصاديّة وسياسيّة، ما جعل الاستشراق ينتج كمًّا هائلًا من المؤلفات، » فقد قدّر أنّ حوالي 60.000 كتاباً، تتعلق بالشرق الأدنى قد كتبت بين 1800 و 1950 في الغرب، وليس ثمة ما يقارب هذا العدد أي مقربة من الكتب الشرقية عن الغرب،  فالاستشراق من حيث هو جهاز ثقافي، هو عدوانيّة، ونشاط، ومحاكمة... فالشّرق وُجد من أجل الغرب، أو هكذا بدا لعدد لا يحصى من المستشرقين».

وحديثًا ظهر استشراق الشرق للشرق، أو ما نطلق عليه الاستشراق الاقتصادي الإيجابي ممثّلًا في بروز الصين كقوّة اقتصادية هائلة لها مصالح اقتصاديّة مهمّة في العالم عمومًا، وفي العالم الإسلامي خصوصًا، رغم أنّ الصين تحسب على الشرق، ومع ذلك فقد نسجت علاقات سياسيّة واقتصاديّة وثقافيّة مع دول عربية وإسلاميّة مهمّة كمصر والعراق والجزائر وايران واندونيسيا وغيرها، وأصبح لها مصالح كبرى مع هذه الدول وغيرها، وتوجه المارد الأصفر إلى الاهتمام بالثقافات العربية والإسلامية، واتّجه الصينيون إلى تعلّم العربية ولغات العالم الإسلامي، وإنشاء مراكز للثقافة العربية، وذلك لخدمة مصالحه الاقتصاديّة، ولم تظهر إلى الأن دراسات للاستشراق الصيني ولكن أتوقّع أن يحدث هذا قريبًا، وربّما الذي عطّل ذلك صعوبة اللّغة الصينية، ربما لم تسمح بالاطلاع على ما كتب عن العالم الإسلامي في الصين، وقد اتخذت الصين خطوات ثقافيّة مهمّة مستفيدة من التجربة الروسية في ذلك، كاستقطاب أبناء العالم الإسلامي في الجامعات الصينية، وأصبح الطلاب العرب يتعلّمون في الصين، وفتحت مراكز صينية في العالم الإسلامي، وأتقن الصينيون لغات العالم الإسلامي مما سمح لهم بالتوسع الاقتصادي والتجاري، والعمل على إنشاء وتشييد مشاريع هائلة كالسدود والطرق والجسور والمصانع والسكن، وتبع ذلك وجود جاليات معتبرة من الصينيين في دول العالم الإسلامي.

علينا أن نعتمد مقاربةً جديدةً وهي العمل على استقلال الشرق عن الغرب، والعمل على تحقيق تجمّع لدول الشرق، تكون نواته الدول الإسلامية، ويكمن الهدف منه تحقيق تعاون اقتصادي وثقافي، والتأكيد على قيم التعاون والتسامح والتكامل، على غرار كومنويلث وهي فكرة طرحها المفكر (مالك بن نبي)؛ لأنّه بدون تجمّع وتعاون لكلّ هذه الدول الشرقية، لا يمكن التصدي للعولمة والتبعية والتغريب، فولوج عالم الحداثة يتطلّب أن يوحّد الشرق كل الشرق جهوده، ليحقّق أوّلًا الاكتفاء الاقتصادي، الذي ينتج عنه بعد ذلك الاستقلال السياسي، ومنه ينتج التميز الثقافي، والإقلاع الحضاري، بحيث يصبح للشرق تأثير فعّال في الحضارة الإنسانيّة، وعوامل النجاح متوفرة وهي العامل الاقتصادي خاصة (الثروات الطبيعية، والجغرافيا..) والعامل البشري متمثّلًا في (اليد العاملة من الشباب، الكفاءات العلمية) العامل الثقافي في (تنوع الثقافات وثرائها، الرصيد الحضاري الكبير).

* هل ترى أنّنا يجب أن نؤسّس علمًا للاستغراب يكون الغرب موضوعه في مقابل الاستشراق؟ وما هو تصوّركم لمنهج المقاربة في هذا العلم الجديد نسبيًا؟

- إنّ دراسة الغرب ووضعه تحت مجهر الرصد ومنهج النّقد أمرٌ ضروريٌّ، بغضّ النّظر عن المسميات أكانت استغرابًا أم غير ذلك، وقد حدث ذلك من مفكرين عرب عاشوا في الغرب، ودرسوا في جامعاته، وتشرّبوا من ثقافته، ومنهم من تتلمذوا على أساتذة غربيين في بلدانهم العربية، وقد ألّفوا في تحليل الحضارة والثقافة الغربية ونقدها، ومنهم من تصدّى لنقد الاستشراق في ذاته، وفيهم من تأثر بالثقافة الغربية وتبنّى طروحاتها، وفيهم من رفض هيمنتها وانتصر لثقافته العربية، وهناك من التزم مناهجها، باعتبارها أدوات مبتكرة وجديدة، ولمجال العلم والبحث مفيدة، وذلك لتصحيح الإسقاطات الغربية، ورفض النتائج المفبركة، وهم كثر نذكر منهم على سبيل المثال: الطهطاوي، خير الدين التونسي، مالك بن نبي، زكي نجيب محمود، عبد الرحمان بدوي، ومحمد أركون، وهشام جعيط، وعبد الله العروي، محمد عابد الجابري، وغيرهم كثير. ولعلّ أشهر من تناول الاستشراق بالنقد والتحليل، من داخل المؤسّسة الأكادمية الغربية وخاصة أميركا، حديثًا إدوارد سعيد في مؤلّفه الضخم (الاستشراق) الذي ظهر في 1978، وكان عمله متميّزًا تناول بالنقد والتحليل مركزية المنظومة الاستشراقية، فاضحًا ارتباطها بالاستعمار والتبشير، وأخيرًا وائل حلاق في كتابه المتميّز (قصور الاستشراق منهج في نقد العلم الحداثي) الصادر في 2018 والذي تناول فيه علاقة الاستشراق بالحداثة، والقوّة والسلطة، وقام بتعرية المنظومة الاستشراقية والمركزية الغربية، مدافعًا في الوقت نفسه عن الإسلام، مفنّدًا الشبهات التي طالت العقيدة الإسلامية (القرآن والسنة)، باعتباره ضليعًا في اللغة العربية وعلم الأصول، زيادة على اتقانه للغة والثقافة الغربية الأميركية، ممّا مكّنه من التأثير الفعّال؛ لأنّه يواجه الاستشراق من داخل أقوى مراكزه المعادية للمسلمين، الولايات المتحدة، ناقدًا في الوقت نفسه، ومتجاوزًا الطرح الكلاسيكي لادوارد سعيد. ولذلك نثمّن هذه المشاريع لأنّنا بحاجةٍ إلى أعمال مثل هذه من داخل المنظومة الغربية وجامعاتها لتصحيح الرؤية، والعمل على مواجهة الاستشراق بأدواته، وفي عقر داره؛ لأنّ ذلك يساعد في كسب بعض المستشرقين أنفسهم وزيادة عدد المنصفين والمعتدلين والموضوعيين، وذلك كفيل بتشكيل أصوات منصفة ومسموعة من المنظومة الاستشراقية ذاتها.

لقد اعتمدت الحضارة الغربية على الجانب المادي حتى في بناء الإنسان الغربي، وتكوينه الفكري، وأصبح الأوروبي يعيش هذا الواقع الحضاري، ونتيجة لذلك «فالضمير الأوروبي يرزح تحت ثقل مسؤولياته...إذ إنّ مركب القوة موجود في أصول المرض الأوروبي، فمن اللازم إذًا مساعدة أوروبا على التغلّب على هذا المركب».

أمّا الحضارة العربيّة الإسلاميّة فتحمل معطيات التّحدّي والقوّة والتجدّد، وإنّها لا يمكن أن تموت، بل تحتاج إلى إحياء ما فيها من عناصر القوة والتجديد لتعود إلى سابق عهدها مبدعة مجدّدة، وتقدّم بذلك حلولها لمشاكله، بل حلول لمشاكل الإنسان المعاصر الذي يعاني أمراضًا، ومشاكل الحضارة المادية الغربية الحديثة التي رغم قوّتها وسيطرتها المادية، فإنّ إخفاقاتها كثيرة في المجال الروحي والأخلاقي.

حيث تعيش أوروبا اليوم ضياعًا روحيًا، فالإنسان الغربي بحاجة إلى الاستقرار النفسي، والعلاقات الإنسانية المتحرّرة من النزعة المادية. وما إن حدثت الحرب العالمية الثانية، وتقاتل أبناء الحضارة الواحدة، تغيّرت المعطيات، وأصيبت أوروبا بصدمةٍ عنيفةٍ كان لها تأثير اجتماعي ونفسي على الأوروبي من الناحية الأخلاقية. وبدأت الشعوب المستعمَرة تثور مطالبة بحرّيتها وتقرير مصيرها، وتحوّل مفهوم الاستعمار التحضيري إلى أكذوبة، وتم تجاوز النظرة المحتقرة للشعوب، والتصنيفات العرقية، وأصبحت هذه المفاهيم ممقوتة حتى عند الأوروبي نفسه، وخاصة أنّه عاش ويلات الحروب وتأثيرها، «وقد نجد أثر هذه الأزمة حتى في الأدب الغربي...أي الأدب الوجودي، فهو في الواقع تدارك لفقدان المبرّرات». وقد ظهرت فلسفات جديدة في المجتمعات الغربية كالوجودية، أو الفلسفات الروحية، والتي تعبر عن حالة انفجار لمكبوتات اجتماعية، واقتصادية وأخلاقية في المجتمع الغربي، وحالة قلق وحيرة في العقل والضمير الأوروبي، «ولقد صدّق تاريخ عصرنا هذا الحكم، فأوروبا التي كان عليها أن تهدي سعي الإنسانية، قد اتّخذت من مشاعل الحضارة (فتيلا) يحرق بدل أن يضيء، وفي ضوء ما أشعلت من نار أشاعت وهجها في المستعمرات، حتى جارت على أرضها هي، أوروبا هذه رأينا الفوضى تنتشر فيها، الفوضى نفسها التي أشاعتها في بقية أجزاء الأرض». إلى ذلك فإنّ الأزمة الاقتصاديّة التي عرفتها أوروبا في سنوات الثلاثينيات، والأزمات التي تعرفها اليوم، مثل الركود الاقتصادي والبطالة، والتضخم، والصراع على الأسواق، قد أظهرت بدون مبالغة فشل الحضارة الغربية ومناقضتها للمبادئ التي نادت بها كحضارة عالمية تهدف إلى ترقية الإنسان، وتنادي بالعدالة والحرية والإنسانية، ومن الغريب أن تكون زيادة الإنتاج سببًا في الأزمة، بينما تموت شعوب أخرى من المجاعة والأوبئة؛ لأنّ الغرب أفقرها واستنزف خيراتها. إنّ سيطرة عقليّة التفوق والاستعمار هي التي أوقعت الغرب في تلك الفوضى، واليوم تظهر جليًا أنانية الغرب ومحاولاته المتواصلة لجعل غيره تابعًا له، والحقيقة أنّه يغيّر الأقنعة دون أن يتخلّص من عقدة الاستعمار؛ لأنّه كثيرًا ما يُخفي الوجه الباهر للغرب وجوهًا أخرى بائسة. إنّ إخضاع الذات لنقدٍ موضوعيٍّ أمرٌ ضروريٌّ، كما يجب أن ننظر إلى الآخر نظرةً موضوعيّةً نقديّةً، فنحدّد أبعاده ومعطياته التاريخية والحضارية وفق معيار حقيقي؛ لأنّ وضع الغرب في حجمه الطبيعي كفيل بحلّ التناقض الحاصل بين الحقيقة ورؤيتنا لها. ومما سبق، فإنّ الدعوة إلى استخدام الطريق نفسه الذي سلكته أوروبا، فيه نوع من المغالطة، لأن تمثّل كل خطوات الحضارة الغربية يدلّ على عدم إدراك تميّز كل حضارة، فحتى اقتصاديًا ليس من الضروري أن يعطي نظام اقتصادي النتائج نفسها إذا طبقناه على مجموعةٍ إنسانيّةٍ من حضارة مختلفة منافسة أو منازعة لتلك الحضارة كما في حضارتنا.

ولكن هذا لا يمنع من القول بأنّ هناك نقاطًا مشتركة، وخاصّة المتعلقة بالجانب المادي أو التكنولوجي؛ لأنّ العقول تتفق على مبادئ العلم ولا تختلف في حقائقه، كما أنّ لحضارتنا دورًا أساسيًا في الوصول إلى هذه النتائج العلميّة. ولأنّ الحضارة التكنولوجية هي حصيلة جهد الإنسانية أي الحضارات المختلفة، وقد أسهم المسلمون إسهاماتٍ واسعةً وأساسيةً، ولأسبابٍ غير واضحةٍ، قد تكون مقصودة أو غير مقصودة أهمل دور الحضارة العربية الإسلامية إهمالًا غير علميٍّ في معظم كتب تاريخ العلوم الطبيعية والحيوية والرياضية المعاصرة التي كتبها الأوروبيون، كما أغفلت رياداتهم للبحوث التطبيقية.

* اشتهرت المدارس الاستشراقيّة بالاهتمام بلغات الشّرق؟ واهتمّ التغريب بنشر لغات الغرب عندنا ولكن الأمر لم يؤدّ إلى خطابٍ شرقيّ للغرب بلغته ما السبب برأيكم؟

حاول الغرب نشر لغاته في البلدان المستعمرة؛ لفرض سيطرته وتحكّمه في النّخب السياسيّة المشبعة بالثقافة الغربية. إنّ نشر الثقافة الأوروبية في الدول المستعمرة ارتبط أساسًا بنشر اللغة، ولنمثّل لذلك بمحاولات الاستعمار الفرنسي في بلدان المغرب العربي، خاصّة نشر اللغة الفرنسية الذي شكّل المغرب العربي -لظروف تاريخية- مجالًا ثقافيًا، وفضاءً سياسيًا تابعًا للثقافة والوجود الفرنسي، سواء في فترات الاستعمار أو بعد الاستقلال. ولذلك لم يكن نشر اللّغة الفرنسية معزولًا عن أبعادها الثقافية، وطبيعتها الإحلالية الناسخة للغة الأم التي هي العربية، وتعويض ذلك بنمط ثقافي وحضاري أوروبي.

إنّ تحليل طريقة نشر اللغة الفرنسيّة في المغرب العربي يبين أنّ اللّغة تحدث معها آثارًا على مستويات مختلفة. على مستوى الأفكار، لا لغة بدون فكر، كما أنّ الفكر يرتبط بالأيديولوجيا والاعتقادات. وعلى مستوى الآداب، فاللغة وعاء للمعاني والأدب والفنون، كالشعر والموسيقى والمدارس الفنية الراوية والقصة والمسرح والسينما. وعلى مستوى السلوك، أي طريقة التفكير والتصرف والتعامل مع عالم الأفكار أو عالم الأشخاص. نستنتج بعد الملاحظات السابقة أنّ اللغة لا يمكن أن تُنقلَ بدون أن تنقل معها مظاهر ثقافيّة بكلّ ما تحمله كلمة ثقافية من أبعاد. وتجنباً للالتباس نؤكّد أنّ المقصود ليس رفض وإنكار تعلّم اللّغات على اختلافها، وإنّما الخطر في ظاهرة الإحلال أو النسخ التي تقوم به لغة مهيمنة على لغة أخرى، أي ما حدث في دول المغرب العربي سواء في فترة الاستعمار ومحاولة القضاء على العربية وإحلال الفرنسية محلّها، أو حتى بعد الاستقلال والصعوبات التي تعرّضت لها عملية التأصيل والتعريب من طرف النخبة المتشعبة ليس بالفرنسية فحسب، وإنّما بما تحمله الفرنسية من ثقافة أوروبيّة، وجهل هذه النخبة للغتها وثقافتها العربية.

وتجدر الإشارة إلى أنّ نقل الفرنسية وتثبيتها لدى المثقف العربي في المغرب العربي في فترة الاستعمار، كانت محدودة ومركزة على فئةٍ معيّنةٍ، ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل منها:

أوّلًا: سياسة الاستعمار المتمثّلة في تجهيل الشعوب المغربية مع القضاء على ثقافتها الأصلية؛ ليحافظ بذلك على علاقة الغالب بالمغلوب، واعتبار سكان المغرب العربي من المسلمين في درجة دنيا، وإطلاق اسم «الأهالي» (Indigènes) عليهم، مع ما تحمله هذه الكلمة من دلالات (التأخّر الحضاري والتخلّف والبدائيّة)؛ لتبرز في المقابل المغالطة التي تُصوّر الاستعمار كمرادف للحضارة والمدنية التي تحتاجها شعوب المغرب العربي. وتُصبح بالتالي الثورة على الاستعمار ومخطّطاته عملًا همجيًّا يقوم به بعض أعداء الحضارة والمدنية، وهكذا يتم الترويج لهذه الأفكار وفرضها لتطبيع الاستعمار وأعماله سواء في عقل الإنسان الأوروبي، أو حتى عند النخبة التي أصبحت أسيرة الثقافة الاستعمارية.

ثانيًا: اعتقاد المستعمر ببقائه في المغرب العربي، ولهذا ركز على فئةٍ محدودةٍ من الأهالي على حدّ تعبيره لتكون همزة وصل بين الإدارة الاستعماريّة وشعوب المغرب العربي، ليضمن بذلك قدرة أكبر على فرض أساليبه ومشاريعه عن طريق هذه النخبة.

ثالثًا: المقاومة التي جوبه بها الاستعمار ومخطّطاته منذ الأيام الأولى للاحتلال، والتي بقت متواصلة حتى تحقّق الاستقلال. هذه المقاومة لم تكن ماديةً فحسب، بل كانت معنويّة أيضًا، تمثّلت في محافظة شعوب المغرب العربي على تميّزها وهويّتها، ورفض الفرنسة والتغريب والتنصير التي كان يقوم بها الاستعمار. وهذا ما يفسر لنا على الأقل الشراسة التي استخدمها الاستعمار مع المدارس الحرّة التي كانت تُعلّم اللغة العربية والقرآن الكريم وعلوم الدين، ولذلك كانت قوانينه صارمة جدًا في هذا المجال.

إنّ ما حقّقته اللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية أليًا في المغرب العربي بعد الاستقلال أكبر مما حقّقته أثناء الاستعمار، ويعود ذلك إلى عوامل وهي:

- استطاعت النّخبة المثقّفة ثقافةً فرنسيةً الوصول إلى السلطة السياسية بشكل مباشر أو غير مباشر بحكم سيطرتها على الإدارة ومؤسّساتها التي تركها الاستعمار.

- حصول اللّغة الفرنسية على الشرعيّة في مجتمعات المغرب العربي، فبعد أن كان يُنظر إليها كلغة المستعمر المفروضة، أصبحت اللغة الرسمية التي تتعامل بها السلطة السياسية سواء في الإدارة أو الاقتصاد أو الإعلام والتربية، وحتى إن خالفت الدساتير ذلك فالواقع هو المقياس.

- ظهور نخب سياسية وثقافية تجاهر بضرورة تبني الفرنسية لغة وثقافة، وتعادي في الوقت نفسه ما يمكن أن نطلق عليه التعريب أو التأصيل بصورة أعم، أي استعادة الهوية والشخصية الوطنية.

- انتشار كبير للفرانكوفونية لتشابك مصالحها مع بقاء الثقافة الفرنسية مسيطرة على الإعلام والإدارة، وبالتالي سهل الأمر أمام الرموز والأنماط الثقافية الأوروبيّة للانتشار أكثر في بلدان المغرب العربي.

- السياسة الثقافية الفرنسية والتي تعمل لإدخال دول المغرب العربي في إطار إستراتيجية الفرانكوفونية التي تهدف إلى تحقيق نفوذ الثقافة الفرنسية على حساب الثقافة العربية.

فقد جاء على لسان الكاتب الفرنسي (روجيه كانس Roger Gans) «إنّ الفرانكوفونية تقاوم جيدًا التعريب بالمغرب العربي». وأيضاً «إنّ الذين يتكلمون الفرنسية يمثلون الفرق العسكرية»؛ لأنّهم ينشرون لغة وثقافة فرنسا، أي الاستعمار الثقافي، ويقول أيضًا مبرزًا انتشار الفرنسية في الجزائر بعد الاستقلال: «إنّ تعليم الفرنسية بالجزائر قد ازداد بشكل ملحوظ منذ الاستقلال، حيث بلغ عدد الذين يدرسون في (1979) بالمدارس الجزائرية ثلاثة ملايين ونصف المليون مقابل خمسمئة ألف في 1962». كما ترتّب على انتشار اللغة الفرنسية من جهة أخرى، تأثير آخر له أبعاد نفسية واجتماعية ويمسّ حتى الشرائح الاجتماعية غير المثقفة، وهو المزج اللغوي (أي مزج اللغة العربية بالفرنسية) أو ما يطلق عليه (الفرانكو أراب).

وهذا ما أدّى إلى ظهور لهجةٍ عاميةٍ مشوّهة الألفاظ، أفقرت اللغة الأصل من كلماتها ومصادرها، وعوضتها بكلمات غريبة عن قواعدها.

والملاحظ أنّ هذه الظاهرة المنتشرة في المغرب العربي غير موجودة في الدول الإسكندنافيةمثلاً رغم وجود لغات مختلفة؛ حيث لا تمزج الإنجليزية مع السويدية أو الدنماركية أو النرويجية.

وقد أثبتت الدراسات الانتروبولوجية أنّ ظاهرة الإحلال الثقافي (Acculturation) تتم في حالة عدم توازن ثقافتين ولغتين؛ إذ «يبدو أنّ الطرف الذي هو في موقع الدونية والهامشية، بمعناها العام، هو الذي يميل إلى التقبل، أو السماح بتسرب العناصر الثقافية من الطرف المهيمن وليس العكس. أمّا إذا كان الجانبان شبه متساويين فإنّ الدراسات تدل على أن تبادل العناصر الثقافية بينهما أمر غير وارد على العموم». وهذا ما يفسر إلى حدٍّ ما المزج اللغوي في المغرب العربي، وغياب الظاهرة في الدول الإسكندنافية حيث لا تمزج الإنجليزية مع السويدية أو الدنماركية أو النرويجية.

لقد نجح التغريب في نشر لغاته في العالم العربي، وصار البعض سجناء اللغات الغربية، يفكرون بها ويكتبون بها، وأصبح الكثير منهم سفراء للثقافة الغربية، وكثيرا ما يتأثّر هؤلاء المفكرون بالفلسفات الغربية ويتبنون طروحاتها؛ حيث تأثّر على سبيل المثال زكي نجيب محمود بالوضعيّة المنطقية وهاجم التراث الإسلامي، ولكنّه عاد في أخر عمره إلى التراث الإسلامي، في كتابه المعقول واللاَّمعقول في تراثنا، واعترف بأنّه كان يجهله وأعجب بالتراث الإسلامي ودافع عنه بعد أن درسه، وحدث الأمر نفسه لطه حسين الذي تأثر بأساتذته من المستشرقين وكتب في الشعر الجاهلي، وتراجع أيضًا في إسلاميّاته، وحاول محمد أركون في نقده للعقل الإسلامي التأكيد على أنّ المستشرقين هم وحدهم الذين يملكون منهجًا علميًا، وإنّ هذا المنهج منعدم في الجامعات الإسلامية، كما كتب العروي في التارخانية مؤكّدًا على الحلّ الماركسي لتجاوز تخلّف العالم العربي، منتقدًا دعاة التأصيل، وقدّم الجابري مشروعه في نقد العقل العربي وفق ثلاثيّة البرهان والبيان والعرفان، ولاحظ غياب العقلانيّة في الثقافة العربية، وقد نقد مركزيّة الاستشراق، كما تبنى بدوي الوجوديّة وانشغل بإبراز تأثير الفلسفة اليونانيّة على الفلسفة الإسلامية، ولم يوظف تمكنه من لغات غربية كثيرة في نقد الحضارة الغربية، واكتشف في أواخر عمره تجنّي المستشرقين على الإسلام والنبي فكتب دفاعًا عن النبي، هذه نماذج فقط لمن تمكّنوا من لغات الغرب ولكنّهم لم يتناولوا بالنقد الحضارة الغربية، بل كانوا مهمومين بأزمة الثقافة العربية أكثر، وقدّموا مشاريعهم في نقد المنظومة الفكرية العربية. أمّا الذين تناولوا الحضارة الغربية بالنقد بلغاتها، فقد كانت أعمالهم جزئية، وتناولت قضايا محدّدة، استهلكت ردودهم على الاستشراق كلّ مجهودهم، ولم تكن أعمالهم مشاريع مكتملة وشاملة للحضارة الغربية، ذكرنا سابقًا كل من ادوارد سعيد ووائل حلاق، في نقد الاستشراق، يمكن أن نشير أيضًا إلى أعمال مالك بن نبي، ومحاولة هشام جعيط في أوروبا والإسلام، ومحاولة محمد إقبال لتجديد التفكير الديني، ومع قلّة هذه الأعمال إلا أنّ تأثيرها فعّال؛ لأنّها كتبت بلغات الغرب، من مفكرين تمكنوا من الثقافة الغربية زيادة على تمكنهم من الثقافة الإسلامية، ولذلك ندعو إلى تشجيع هذه المحاولات في الجامعات العربية، لتحقيق التوازن المفقود بين ما يكتبه المستشرقون، وما ينتجه في المقابل المفكرون العرب.

* كيف أثّرت برأيكم الثورة المعلوماتيّة وخصوصاً لجهة توظيفها نشر الصور النّمطيّة الاستشراقية عن المسلمين؟ وكيف يكون الرد؟

- لقد استغلّ الغرب تطوّر تكنولوجيا الاتّصال، ووسائل التأثير المرئيّة والسّمعيّة، كالقنوات التلفزيّة، وصناعة السينما، والجرائد والإذاعات، وتبنّت هذه المؤسّسات سياسة معادية للمجتمعات الإسلاميّة، وأصبحت هناك نظرة مسبقة سيئة عن المسلمين، أدّت إلى إحداث قطيعة، بين العالم العربي والغرب، وقد زاد في تأكيد القطيعة الوجود الصهيوني في فلسطين، فإسرائيل ما فتئت تعمل بكلّ الوسائل على كسب تأييد الغرب، معتبرةً نفسها حامية لمصالحه في المشرق العربي. وقد ساهمت الدوائر الإسرائيلية -التي تسيطر على كثير من الوسائل الإعلامية- في تحديد الرأي العام الغربي وتوجيهه، بإعطائه صورةً مظلمةً وظالمةً عن العالم العربي الإسلامي.

لقد جسّدت تلك التدخلات الصهيونيّة، التي تمتاز بقوّة الانتشار الثّقافي في الغرب كثيرًا من الأوصاف والاتهامات، من بينها أنّ الإنسان العربي المسلم إرهابي، متخلّف، غير عقلانيّ، وأنّ هذه الصفات ترتبط بالحضارة الإسلاميّة، التي هي حضارة غيبيّة، جبريّة، غير عقليّة، وهي اتّهامات استشراقيّة تبشيريّة يُعاد الترويج لها بشكل جديد، لتكوين رأي عام غربي معادٍ لكلّ ما هو عربيّ إسلاميّ. وبطبيعة الحال، فإنّ الترويج لهذا أمرٌ مقصودٌ، ويهدف إلى تحقيق أهداف سياسية، وما يدلّ على فساد ذلك القول إنّ الحضارة الغربية قدّمت نفسها دائمًا على أنّها حضارةٌ لها جذورٌ يونانيّةٌ رومانيّةٌ مسيحيةٌ، وتبنّى كثير من مفكريها موقفًا معاديًا للسامية. بينما نجد أنّ موقف الإسلام يؤكّد على احترام الأنبياء، والديانات السماوية، ويؤكّد على وحدة أصل البشرية. وغنيّ عن الذكر أنّه في ظلّ هذه المواقف، والاعتداءات المتكرّرة التي يقوم بها الغرب على العالم الإسلامي، فإنّ العلاقة بين الحضارتين تبقى علاقة تأثيرٍ أحادي، وتعالٍ واعتداءٍ عسكريٍّ وثقافيٍّ مستمرّ على أمّتنا. وعليه فإنّنا مطالبون فكريًا وعلميًا وسياسيًا بتصحيح هذه العلاقة، وإبراز معالم الحضارة الإسلاميّة من خلال الوسائل المختلفة؛ لتصحيح النظرة المجحفة في حقّ حضارتنا.

 ويتحمّل جزءًا كبيرًا من المسؤوليّة العلماء والمفكرون والكتّاب، ورجال الدعوة والإعلام؛ لأنّهم أمل الأمة في كشف المغالطات، ونشر المبادئ والأفكار الصحيحة عن الإسلام وحضارته، لدى المسلم وغيره. وخاصّة في ظلّ تطوّر الوسائل التكنولوجية، من أدوات إعلام واتّصال، والتي جعلت من العالم قريةً صغيرةً. وأن نقف بحزمٍ وعزمٍ أمام التيارات المتطرّفة، ونشجب بشدّةٍ الإرهاب الأعمى الذي يسيء إلى سماحة الإسلام ويشوّه مبادئه، ويفرّق بين أبناء الأمّة الواحدة، ويُبعد أيّ تعاطف من الأمم الأخرى مع قضايانا العادلة في المحافل الدوليّة.

وليس ذلك ببعيدٍ إذا أخلصت النوايا، وبذلت المجهودات، وطوّرت وسائل الدعوة إلى الإسلام، من خلال توفير الأموال لذلك، كتكثيف البحوث والدّراسات عن تراث الإسلام باللغات المختلفة، ونشرها في كلّ المحافل الثّقافيّة العالميّة، وتنويع الإنتاج الثقافي الدعوي، والمساهمة في فتح قنوات إذاعيّة وتلفزيّة فضائيّة بلغات مختلفة لهذا الغرض، إذا علمنا التأثير الكبير الذي تحدثه وسائل الإعلام والأفلام في الرأي العام العالمي. 

* هل من فرصةٍ لإقناع الغربيين بعالميّة الإسلام والشرق غارق في أصنام الحداثة؟

- الإسلام دين الإنسانيّة: فهو رسالة عالميّة تهدف إلى هداية الإنسان. وأمّا اهتمام الإسلام بقيمة الإنسان وكرامته، فقد أكّدته النّصوص الشّرعيّة؛ حيث خلق في أحسن تقويم خليفة الله في الأرض، كُرّم بالتّميّز عن سائر الكائنات، وأعطي العلم والعقل وسُخّرت له الطبيعة وما فيها، وكُلّف ليكون حرًّا مسؤولًا على أفعاله.

ثم جاءت بعد ذلك بقرون الدساتير الغربية لتقرّ بكثير مما جاء في الإسلام من مبادئ، ومن ذلك يدرك كل متأمّل منصف أسبقيّة الإسلام وأصالته في معالجة حقوق الإنسان.

ـ إنّ المطالبة بموضوعيّة أكبر لدراسة التراث الإسلامي وإنجازات العقل العربي الإسلامي، تصبح أكثر إلحاحًا في عصر يتغنّى فيه أصحابه بالحريّة الفكريّة، والمنهج العلمي، وتجنّب الأحكام الذاتيّة المسبقة التي ولّدتها عصور الصراع والحروب الصليبية، وذلك للتأسيس لعالمٍ عادلٍ ومنصفٍ، يُعترف فيه لكلّ الشعوب والأمم بإسهاماتها في الحضارة الإنسانية، التي يجب أن تبقى تراثًا إنسانيًا يستفيد من ثماره الماديّة والعلميّة الجميع، مثلما أسهم الجميع بالأمس، واليوم في الوصول إلى هذه الحضارة.

كما نبدي تقديرنا للإقبال في الغرب على دراسة الحضارة العربية الإسلامية، من جمهور واسع، لم يعد من المتخصّصين فقط، ولم تعد تحرّكهم دواعٍ استعماريّة أو تبشيريّة، بل أسباب ذاتيّة ومعرفيّة، مما نتج عنه أعمال موضوعيّة. وعليه، ننوّه بتلك البحوث المنصفة لحضارتنا، رغم أنّها لا تشكّل إلّا جزءًا ضئيلًا ومحتشمًا، في وسط تراكم -في فترات سابقة- كمّ هائل معاد في أغلب الأحيان لحضارتنا، ومع الأسف هو الذي يشكّل الرأي العام الغربي، ويوجّه صانع القرار الغربي، ولذلك يتطلّب الأمر تشجيع البحوث العلميّة المتوازنة لتصحيح الرؤية، وإعطاء الفكر العربي الإسلامي وجهه الحضاري الصحيح.

 لنساهم جميعًا في بناء الحضارة الإنسانيّة التي تتحقّق بالتّعاون والإخاء بين جميع فروعها، وليس بالتّطرف والإلغاء بين أبنائها، وخاصّة أنّنا أمة يؤمن أبناؤها بتعارف الحضارات وتواصلها، ويرفضون الرأي القائل بتنافر الحضارات وصدامها؛ لأنّ الحضارة تراكمٌ ثقافيٌّ معرفيٌّ علميٌّ ساهمت فيه الإنسانيّة بأكملها. وعلينا أن ندرك جيّدًا أنّه يجب ألّا نسقط في التبريريّة والرّدّ العاطفي على مواقف الاستشراق بنفي مميّزات الشرق وانتحال صفات الغرب ليرضى عنا، فننفي عن الشرق روحانيّته، وننغمس في التهليل للمادية والحداثة معتقدين أنّ ذلك يجعل منّا أفضل، فأصبحنا مستهلكين لأنماط الحداثة الغربية في كلّ شيء، في أكلنا ولبسنا وثقافتنا وحتى تفكيرنا بوعي أو بدون وعي، ونسينا في خضم ذلك خصوصياتنا الشرقيّة. فالحقيقة أنّ جماليّة الشرق في توفيقه بين الروح والمادة، والتوازن بين الفرد والجماعة، وأن تراعي الدولة إنسانيّة الإنسان وتحميه من نفسه أوّلًا، ومن تجنّيه على أخيه في الإنسانية ثانيًا، وتلزمه احترام للطبيعة التي يعيش فيها؛ لأنّ الحداثة الغربية المادية جلبت المآسي على الإنسانيّة؛ حيث تسببت في الحروب والاستعمار، وتدمير الطبيعة، واللّا عدالة بين الدول، والمجاعة، والأوبئة؛ لأنّ الحضارة الغربية فرضت قوانينها على العالم فجرّدته من قيمه وإنسانيّته. 

رغم أنّ العالم الإسلامي يعاني اليوم من الانبهار بالغرب، وسقط في عقدة الدونيّة، وصارت لديه قابليّة للانقياد والتبعيّة، وبمصطلح (بن نبي) القابلية للاستعمار؛ إذ فقد ثقته في ذاته، وسلّم أمره للغرب، وتأثّرت نخبته العلمية بالحضارة الغربية، واعتقدت أنّه لا نهضة ولا تقدّم إلّا باعتماد النموذج الغربي، ولم تقتنع أنّ لكلّ أمة خصوصياتها ومقوّماتها، وأنّ التقليد لا يصنع تنمية وتطوّر، ولكن سقطت هذه النّخب صرعى صدمة الحداثة، ولم تقتنع أنّ الشمس تُشرق من الشّرق، ولذلك نجح الغزو الفكري الغربي في تغريب النّخب العربيّة التي أصبحت تتبنّى الحداثة الغربية كحلٍّ لمشاكل المجتمعات العربيّة، ومما يزيد الطين بلّة أنّه في المقابل هناك مجموعات انغلقت على نفسها واعتبرت الحضارة الغربية بكلّ منتجاتها وانجازاتها كفر، وتبنّت حلولًا لا عقلانيّة بإنكار العلوم والإنجازات العلميّة للعقل البشري، وأصبحت تدعو إلى الرجوع إلى ما كان عليه سلف الأمة حتى في حياتهم المادية، وهو طرح يجافي المنطق ومتطلبات العقل، وتتبنى هذه التيّارات الإرهاب والتطرّف لتحقيق أهدافها، وهو الأمر الذي أساء إلى الدين، وأعطى المبرّر للغرب لاتّهام المسلمين دون تمييز، ولكن الملاحظ أنّ أغلبيّة الشعوب الإسلامية تتميّز بالاعتدال والتوسّط، وتنبذ الإرهاب والتطرّف، وتدرك ما في دينها من قيم التسامح والإنسانية، وتتطلع إلى إحياء ما في الإسلام من قيم النهضة والتّقدّم، وإنّ ذلك كفيل بإحداث الإقلاع الحضاري الذي يليق بمجتمعاتنا، دون محاكاة الآخرين؛ لأنّ هناك نماذج لم تستورد الأسلوب الغربي، بل تحدّت ونجحت في تحقيق التنمية والتقدّم مع المحافظة على تميّزها الثقافي، ونجحت في تحقيق النمو الاقتصادي، دون أن تفرّط في استقلالها السياسي والفكري، يكفي الإشارة إلى المعجزة اليابانيّة، والمارد الصيني، والنمور الأسيويّة.

* ما هي ضوابط الكتابة عن إسلام عالمي للغربيين؟

- بالعلم انتصر الإسلام وبالعلم سيعود، فلنعتمد على هذه القاعدة؛ إذ ما الذي يعجب الغربيين في الحضارة الإسلامية؟ إنّها أوّلًا: القيم الأخلاقية الأصيلة التي أدّت إلى انتشار الإسلام في بقع كثيرة من العالم، فقد كانت أمانة التجار المسلمين الأوائل وأخلاقهم وتعاملهم خير سفير للمسلمين في بلدان كثيرة قديمًا، وحديثًا نجحت الطرق الصوفية الأصيلة في نقل روحانيّة الإسلام وصوفيّته إلى بلدان افريقية كثيرة؛ لما كان عليه التّجّار والدّعاة المتصوّفين من تربية وأخلاق، وتحلي بالفضائل وتجنب للرذائل وعدم التكالب على الماديات والشهوات، وهذا ما حدث حتى عند بعض الذين أسلموا من الغربيين؛ حيث تأثّروا بقيم الإسلام وسماحته وعالميّته وإنسانيّته. وثانيًا: ما أنتجه المسلمون من علوم وفلسفة ومعرفة بصورةٍ عامةٍ، التي تجد القبول عند النّخب الغربية، فإنّ أعمال الفلاسفة والعلماء المسلمين كان لها تأثير كبير، وتلقى الإعجاب والتقدير في الأوساط العلمية الغربية، حتى وإن ادّعوا غير ذلك، خاصّة التراث العلمي والفلسفي للحضارة الإسلامية، كالفلسفة والطب وعلم الفلك والرياضيات وأيضًا التّصوّف. لقد ترك المستشرقون أعمالًا مشهورةً وناتجة عن عمل لسنوات طويلة في هذه الموضوعات، ويصبح من الواجب على العلماء والباحثين المسلمين الانطلاق من هذه الأرضيّة -أي إحياء العلم والتراث الفلسفي الإسلامي الذي يقدم الإسلام كدين للعلم والحضارة- لإبراز تسامح الإسلام الذي سمح لهذه العلوم أن تتطّور وتُنتشر في كنف العالم الإسلامي بأعراقه المختلفة من عرب وفرس وأتراك وأكراد وأمازيغ وغيرهم، وتسامحه مع جماعات من عقائد أخرى كاليهود والمسيحيين الذين عاشوا مكرّمين في المجتمع الإسلامي، وكان منهم الأطباء والكتّاب والفلاسفة والمترجمين وبخاصة في العصر الذهبي للعباسيين. كما احتضن العالم الإسلامي طوائف كثيرة وديانات مختلفة في كنف السلم والتسامح، قبل أن يظهر الاستعمار الغربي الحديث، الذي أيقظ النعرات، وطبق سياسة فرّق تسد ليسيطر على الجميع.

وعلينا أن ندرك أنّ الإسلام دينٌ عالميٌّ، جاء لهداية الإنسانية، فهو ليس حكرًا على جنس أو عرق دون غيره، فيجب ألّا نحتكر الحقيقة، ولا نمتلك الوصاية على هذا الدين العظيم، إنّما نشجع الجميع على الإسهام في خدمة هذا الدين، ونسهم بما نمتلكه من إمكانياتٍ ماديةٍ وبشريةٍ كدول عربية، في إبراز كنوز الحضارة الإسلامية العلمية والأخلاقية والثقافية، ولا بأس أن نتعاون مع المنصفين من المستشرقين، ومناقشة أعمالهم الموضوعيّة، والتزام المنهج الموضوعي يدعونا إلى ضرورة استثمارها، بحيث لا يحوّلنا العداء للغرب إلى أدواتٍ تحرّكها عواملُ الحقد، بل ننظر إلى الآخر نظرةً تحليليةً ونقديةً، فنصلح من أحوالنا ومواقفنا، فنظرة الغرب ليست كلّها خاطئة. ورغم الخصوصيّة الأوروبيّة التي ينطلق منها الاستشراق، فإنّه يمكن اكتشاف ذاتنا من خلال الآخر، وعلينا أن نعترف بنقائصنا وعيوبنا، وعلينا بفتح حوار حضاريٍّ بين حضارتنا وحضارة الغرب؛ لأنّنا لا نعيش في العالم وحدنا، ونحن بحاجة إلى إبراز قيمنا وحضارتنا في مجال عالميٍّ يسمح بيقظةٍ حقيقيّةٍ لحضارتنا.

* ما هي فرص الاستفادة من نقد الغرب للغرب؟ وهل من أرض مشتركة يمكن الانطلاق منها؟

- إنّ الدّعوة إلى استخدام الطريق نفسه الذي سلكته أوروبا، فيه نوع من المغالطة؛ لأنّ تمثّل كل خطوات الحضارة الغربية يدلّ على عدم إدراك تميّز كلّ حضارة، فحتى اقتصاديًا ليس من الضروري أن يعطي نظام اقتصادي النتائج نفسها إذا طبقناه على مجموعة إنسانيّة من حضارة مختلفة منافسة أو منازعة لتلك الحضارة كما في حضارتنا.

ولكن هذا لا يمنع من القول بأنّ هناك نقاطًا مشتركة، وخاصّة المتعلقة بالجانب المادي أو التكنولوجي؛ لأنّ العقول تتفق على مبادئ العلم، ولا تختلف في حقائقه، كما أنّ لحضارتنا دوراً أساسياً في الوصول إلى هذه النتائج العلمية.

لذا يمكن أن ننطلق مما تقوله أوروبا على نفسها، قبل أن نأخذ موقفًا من ذلك؛ إذ يعاني الغرب من أزمة قيم وضياع للإنسان، «هذه الأزمة التي أدّت إلى اغتراب الإنسان وحالة التفتّت التي تظهر في الثقافة الغربية، ومشاعر القلق والتمزق التي تعتمل داخل الضمير الأوروبي». في هذا السياق نلاحظ عودة الدّول الأوروبية إلى الحضارات الإقليميّة، وما نشهده من صراع بين الدول الأوروبيّة خاصة في المجال الاقتصادي، تكاثر الطوائف، ثقافات هامشيّة وكثيرة، صعود اللا إنساني واللا عقلاني ويبرز ذلك جليًا في عالم الغرب السياسي والثقافي، ووجود التناقضات السياسية والثقافية، ولذا كانت تحليلات (فوكو) «تعبّر عن اكتمال الثقافة الأوروبية، فإنّها تعبّر في الحقيقة عن عودة إلى الذات، إلى الأصول الأوروبية، وهذا دليل على الشكّ والاضطراب التي تعانيه الثقافة الأوروبية». هذه الازدواجية بين الثقافة والحضارة الغربية، التي يحاول (شبنغلر) أن يفرّق بين الثقافة الغربية والحضارة الغربية؛ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، خاصّة الجانب الإنساني في الثقافة الغربية، «فتصوّر الثقافة ليس هو الحضارة الإمبريالية، الصناعة، والمعاصرة».

إنّ الغرب مدين بدون شكّ في وجوده الحضاري إلى الحضارات التي قبله، هذا يعني أنّ الجانب العالمي من هذه الحضارة، هو جانب إنسانيّ؛ لأنّه يمثّل العقل العامل المشترك بين الجميع، ويعني ذلك أيضًا أنّ أوروبا ما كان يمكن أن تولد إلّا على يد الإسلام.

هذا هو الغرب وهذه أزمته، غرب يفرض نفسه بقوّته التكنولوجيّة، سيطر وما زال يسيطر كذلك على العالم، إنّه التقدّم التكنولوجي الذي دفع الغرب إلى الأمام، وفرض على الأمم الأخرى التخلّف والتأخّر، » ولكن هذا السباق الذي أوصل أوروبا، المتأخّر فيه سيكون مطحونًا فلا مجال للأخلاق هنا، إنّه سباقٌ بدون أيّة مساعدة، إنّ الحكم فيه للميدان، والنفس والموضوعي».

فوصول أوروبا أو الغرب دفعها إلى اعتبار أنّها ممثلة الحضارات ومحصّلة لها، ووارثة لكلّ الحضارات السابقة، لذا فإنّ الدعوة إلى العالمية هي في الحقيقة دعوة إلى الاستكانة والخضوع، وهي نوع من الهيمنة والتغريب لكلّ العالم المواجه للغرب، »حتى الماركسية التي قدمت نفسها نقيضًا لأور,با الإمبرياليّة لم تفلت من أهدافها التغريبية لكلّ ما هو شرقي، بل وصفت العالم الشرقي بالبربرية».

إنّنا ندعو إلى مقاربةٍ جديدةٍ للتعامل مع المستشرقين، وهي العمل على كسبهم واحتوائهم، وذلك بدعوتهم إلى نقاش وحوار منصف مع مفكرينا، وتوفير الإمكانيات المادية؛ لإجراء الدراسات والبحوث في البلاد العربية؛ لتصحيح الاختلالات والمواقف المسبقة، ويكون ذلك بتشجيع المستشرقين المنصفين، والذين قدّموا دراسات موضوعيّة. وإنشاء مراكز بحث ومخابر علميّة في الدراسات الإنسانيّة يختار لها علماء منصفون من المستشرقين، وتعتمد لغات مختلفة لتقوم بنشر أعمالها في العالم الإسلامي والعالم الغربي، ويمكن أن تكون لبنة تتوسّع وتكبر شيئًا فشيئًا؛ لأنّ هناك فئة منصفة من المستشرقين في الغرب صوتها مبحوح، ولكن إذا أتيحت لها الفرص ووفّرت لها الإمكانيات من العالم العربي، يمكن أن يصبح صوتها مسموعًا وتأثيرها فعّالًا، بحيث تتغيّر النّظرة النّمطيّة التي ترسّخت في الوجدان الغربي عن العالم الإسلامي.