البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

October / 12 / 2021  |  1046العقل الغربي حول الوجود الإنساني إلى فائض قيمة في السوق الرأسمالية

الحوار مع :د. يوسف طباجة
العقل الغربي حول الوجود الإنساني إلى فائض قيمة في السوق الرأسمالية

حوار مع الدكتور يوسف طباجة

في هذا الحوار مع أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانيّة الدكتور يوسف طباجة محاولة للإحاطة بأبرز المحطات التي مرَّ بها الفكر الفلسفي الغربي، وبيان المشكلات الناجمة عنها، وقد جاءت الإجابات لتقارب المحطات المشار إليها برؤيةٍ تحليليّةٍ نقديّةٍ. وخصوصًا لجهة توظيف النظريات والأفكار والمفاهيم في سياق الهيمنة الكولونياليّة على المجتمعات العربيّة والإسلاميّة.

وفي ما يلي نص الحوار:

«المحرّر»


* يختصر بعض مؤرّخي تاريخ الفلسفة أنّ العقل الفلسفي الغربي دار ضمن ثلاث دوائر أساسيّة متداخلة، وهي:

دائرة الأنسنة، أي أنّ الإنسان وحده محور الكون والوجود.

دائرة العقلانيّة، أي أنّ العقل هو أداة التوسّل الوحيدة للتعرّف على العالم.

دائرة التاريخ أي أنّ فهم حضور الإنسان في العالم ومصيره خاضع لقوانين الزمان والمكان، أفلا تؤدّي هذه الدوائر الثلاث إلى إضفاء الشيئيّة على الوجود الإنساني وتجريده من بعده المعنوي والروحاني، وبالتالي تحويله إلى مجرّد كائنٍ كسائر الكائنات الأخرى؟

بفعل المرحلة السوداء – غيّر الطاعون الأسود أو الوباء العظيم - من تاريخ أوروبا في القرون الوسطى، وإسهام الكنيسة في تكريس النظام الاقطاعي الغربي (Féudal) ومساندته، ورغم المحاولات العديدة لإصلاح البيت الكنسي (إذا صحّ التعبير) التي باءت معضمها بالفشل؛ حيث أسهمت الحركة الإصلاحيّة الكنسيّة في التأسيس للرأسماليّة – دون أن تدري – باعتبار أنّ الرأسماليّة ولدت من أحشاء الإقطاع الغربي، بحسب ماركس، أو بالأحرى هي الوليد الطبيعي لتطوّر النظام الإقطاعي الغربي... والشقيقة الشرعيّة للنظام الماركسي، وإن كانا متغايرين بطبيعة الحال ديناميًا في عالم التطبيق العملي، الذي كاد أن يصل تنافسهما – بعد تقاسمهما العالم بعد الحرب الكونيّة الثانية - مرحلة الصراع إلى أن انهارت المنظومة الاشتراكيّة انهيارًا مدويًا – باستثناء الصين التي انفتحت على نظام السوق عبر جرأتها وإصرارها على الانتماء لمنظمة التجارة العالمية سنة 2001...-  حيث عبر فوكوياما (1992) وبصوتٍ عالٍ عن نهاية التاريخ معتقدًا بانتصار الرأسماليّة، التي سانده فيها هنتغتون (1993)، منظّرًا لعالمٍ جديدٍ تسوده صراعات الحضارات.. إلّا أنّهما تراجعا عن أطروحتيهما... التي جاءت أزمة 2007 – 2008 في وول ستريت وتداعياتها؛ لتنسف أعمال كلّ من نظّروا للنظام العالمي الجديد بعد انهيار الاتّحاد السوفياتي... حيث لا زال العالم يعيش اليوم تداعياتها- جمرًا تحت الرماد -. 

وعليه، كانت حركة التنوير التي هيّأت للثورة الفرنسيّة (1789)، والتي ألّه فلاسفتها العقل والانقطاع عن السماء، مسحوبة على الانعتاق عن الكنيسة، لا بل أعلن البعض كخطوةٍ راديكاليّةٍ ضدّ الديانة عن «ديانة العقل» (Cult of Reason/ Culte de la Raison). علمًا أنّ الثورة البلشفية (1917) في أوروبا الشرقية. وفلسفتها (الدين أفيون الشعوب) لم تكن أكثر إلحادًا من الثورة الفرنسيّة، لكن الفارق أنّ البلاشفة أحرقوا الكنيسة وعطّلوها، في حين أنّ الثورة الفرنسيّة ورغم المجازر التي ألحقتها بالمتديّنين، إلّا أنّها أبقت على الكنيسة، ولكن داخل أروقة أو جدران بيت العبادة، مشدّدة على الكهنة بعدم التدخل في السياسة ترسيخًا – بحسب رأيهم – لمقولة السيد المسيح عليه السلام « ما لقيصر لقيصر وما لله لله «.

هذا الابتعاد عن سموّ الرّوح وعلوّها، وتعلّقها بالباري تعالى، وتجليات السعادة في الاتّصال الروحي / عقلي، والاستغراق في المادية الرأسماليّة التي بلغت لأجل تعاظم الربح – وبحسب فلاسفة الغرب المعاصرين – حدّ التوحش، وكأنّها تعيد مرحلة أوروبا القرون الوسطى ولكن بآلياتٍ ومظاهرَ مختلفةٍ... بمعنى أنّ التقدّم يعود القهقري الذي قال به توينبي. لتصبح الهرمينوطيقا Herméneutique الفلسفية، والبنيوية العلمية Structuralisme – مبنية على إرث طرح العلمانية منذ جورج هوليأوك G. Holyoake عام 1846، واللائكية Laicus وبالفرنسية لائيسيته Laïcité - ومن بعده بعد الحرب العالميّة الثانية أو منذ مطلع النصف الثاني من القرن العشرين، طريقتين محوريتين متنافستين للجواب عن أزمة  أوروبا و محنتها الروحية. تلك الأزمة والمحنة تجلّت بكتابات ميشال فوكو(ت 1984) التي بدأت كحدٍّ تاريخيٍّ منذ القرن السادس عشر، ليبرهن عن قطائع خفيّة في أساليب التفكير انطلاقًا من أنّ ذلك التاريخ لا يُجسّد تقدّمًا متواصلًا للعقل. ومن نهاية عصر النهضة إلى العصر الكلاسيكي إلى عصر الحداثة الذي حاول العديد إنقاذه ولكنّنا نستشعر نهايته... أو من دائرة العقلانيّة، أي أنّ العقل هو أداة التوسّل الوحيدة للتعرّف على العالم. إلى دائرة الأنسنة، أو النزعة الإنسانية Humanism، أي أنّ الإنسان وحده محور الكون والوجود، ثم دائرة التاريخ، أي أنّ فهم حضور الإنسان في العالم ومصيره خاضع لقوانين الزمان والمكان. وعليه، نرى أنّ التقهقر والنهايات مستمرّة ضمن التخبّط الغربي في إرساء فلسفة ما؛ طالما أنّها بعيدة عن السماء.

فوق إشكالية العقل الغربي، تضاف إشكالية التشييء الرأسمالي على الوجود الإنساني وتحويله إلى سلعة، لذا تجلّت أطروحة فوكو (العنصري التوجه وفيلسوف السلطة الكلونيالية) عن «موت الانسان»، لم يكن يقصد بها الموت البيولوجي، وإنّما أن يصبح الإنسان شيئًا من أشياء الوجود، أو من أشياء العالم مجرّدًا من كلّ ما هو متعالي. واليوم إلى رقم في عالم الرقمنة. ولعلّ بورديو Bourdieu – كعدو للتشيؤ - آخر من تصدّى للإشكاية وفضحها، باعتبارها لبّ، لا بل محور نظريّته في قمّة عمله «إعادة الإنتاج»، كون التشيّؤ هو شرط السلطة في المجتمع.. وينخر التعليم ويقوم مقام الناموس الذي يسوسه، في فضح آلياتها في «وعي السحر وإغراء شيطان الجهل بالسلطة».

* ثمّة من هؤلاء من يرى أنّ التاريخ الغربي لم يكن مسيرةً مظفرةً نحو النور والسعادة، بل هو بخلاف ذلك تمامًا، فلقد تخلّل ذلك التاريخ انحدارٌ أساسيٌّ منذ ما قبل سقراط إلى زماننا الحالي. ودليلهم على قولهم أنّه كان كلّما ازدادت محاولة الإنسان الاستغراق في عالمه الاستهلاكي وإنجازاته التقنيّة، ازداد نسيانه ما هو جوهري وأصيل في الوجود. وهكذا كان التاريخ الغربي انحدارًا مما هو جوهري نحو دنيا الممكنات. ما رأيكم بهذه الفرضيّة وكيف تعلّقون عليها؟

استغرقت جدليّة المعرفة الدينيّة مجالات عدّة في الفلسفة اليونانيّة...حتى القرن السادس عشر عند بدء الثورة الصناعيّة في بريطانيا وشملت أوروبا، ذلك الحد الفاصل بين عصر الدين وعصر العقل، ومعها بدأت الماديّة تطغى على الميتافيزيقيا، لتتوج عند أكثر فلاسفة الغرب ومنهم – على سبيل المثال – نيتشه (ت 1900) الذي أعلن «موت الله»، وحلّ التاريخ محلّ الله في المدارس الفلسفيّة التي أنشأها هيغل (ت 1831)، الذي يبدو أنّه تأثّر بالجوّ الفكري الذي ساد في أوروبا بعد حركة الإصلاح الكنسي والنّزعة الإنسانيّة، عندما أعلن بأنّ الله بحاجة إلى الإنسان لا العكس... وعزّز الفلسفة الراديكاليّة الرافضة للعقائد الميتافيزيقية السائدة مقابل تبنيهم للعلم ومنجزاته، إطلاق أوغسيت كانت (ت1857) لمذهبه الوضعي أو الفلسفة الوضعية... ليتفرغ في سنواته الأخيرة من عمره «لوضع معالم ديانة وضعية، كان يريد منها أن تحلّ محلّ العقائد الشائعة. وهكذا كان كتابه المقدس الجديد يجعل الإنسانية هي العليا، بدلًا من الألوهيّة» ـ والعياذة بالله ـ... وتبرز فلسفة جون بول سارتر(ت1980) كرائد من روّاد الوجوديّة المتشائمة، متأثّرًا بظواهريّة هورسل وهايدغر، برزت في نظريّته حول أصالة الإنسان...بعد أن أعلن عام 1900 عام البرجوازية أو حلاوة العيش والترف إثر التقدّم العلمي وإنجازاته باعتباره انتصارًا للإنسان على الطبيعة...

واحتدم الصراع الفكري في الغرب حول الوجودية (المادية)، لدرجة القول بأنّ وجود الإنسان في البداية يعود إلى الطبيعة... ما سبّب أزمةً فكريّةً حادّةً بعد الحرب العالمية الثانية، ذلك أنّ وجوديّتهم أضحت وجوديّةً مجرّدةً من الله، وتفاقمت تلك الأزمة في القرن العشرين مع استفحال العقل الكولونيالي، أحد تجليات الرأسمالية المستبدة، والتي نظّر لها فلاسفة كبار على خلفية عنصرية (لا زالت معشعشة في عقول أصحاب السلطة خصوصًا في أميركا- الأبارتايد) وصولًا إلى طرح العلمانيّة ومأزقها، والدعوة إلى التخلص منها أيضًا.    

* في مرحلةٍ متأخّرةٍ دعا الفيلسوف الألماني المعاصر مارتن هايدغر إلى تأسيس ميتافيزيقا جديدة تشكّل نقطة انعطاف في تاريخ الفلسفة منذ اليونان إلى عصر ما بعد الحداثة. وكانت دعواه مستندة إلى أطروحته الشهيرة حول ما أسماه «نسيان الكينونة». أي الغفلة عن المبدأ المؤسّس للوجود والانشغال بمنجزات العقل التقني.. ما تعليقكم ولو بإيجاز على هذه الأطروحة؟

تعدّ أطروحة الفيلسوف الألماني هايدغر «نسيان الكينونة» انعطافةً عن سكّة الميتافيزيقيا الغربيّة في الفلسفة الباحثة عن الموجود، تحوّلت مع هايدغر إلى بحثٍ عن الوجود. هذه الأطروحة سبقها طرح العلمانية الانكليزية لائيكية Laicus والعلمانية الفرنسية لائيستيه Laїcité أمثال فولتير (ت1778)- الملحد الذي صرّح وهو على فراش الموت أنّه «لم أصل لله أبدًا..»، هو الذي حاول فصل الدين عن الأخلاق، بجعل الأخلاق كالهندسة، مسألة مستقلّة تقوم بالدين، والحقيقة أنّ الهندسة واحدة ولكنّها متعدّدة المجالات، وهذا ما أبكر به الفيلسوف المغمور أبو الحسن العامري (ت991م) عن التنوّع في الوحدة. حتى هايدغر يعيب على نتيشه ضياعه وعدم فهمه للميتافيزيقيا وخفايها، وهذا ما يدلّ على الحيرة والتّخبّط، لا بل الضياع الذي تعاني منه الفلسفة الغربية عمومًا بابتعادها عن السماء وانغماسها الكلي في المادية.. وتأليه الآلة (التقنية) بعد تأليهها العقل.. ولعلّ هايدغر لمّا التفت إلى الوراء ناشدًا فلسفة الوجود (الوجود والموجود) أو الكينونة عند أقرانه، ثم إلى الإنسان نفسه الذي سماه «الدازاين» ككائن إنسانيّ يبحث عن سرّ حضوره، انعطف عنهم لا بل انقطع عنهم ليلتمس الطريق المؤدية إلى الله تعالى... مختزلًا العقل في العقل الأداتي أو العقل التقني، معتبرًا هذا النّوع من العقل أو العقلانيّة هو الشكل الوحيد للعقل في حين أنّ مفهوم العقل والعقلانيّة أوسع من ذلك بكثير... بالمقابل كان النقد قاسيًا للعقل الأداتي من مدرسة فرانكفورت إلى حد التشكيك في أنّه عقل بالأساس. وكذلك هابرماس الذي يعتبر أنّ فكرة العقل الأداتي كانت استعمالًا تهكميًا، كون العقل الأداتي ليس عقلًا أبدًا... ومعضلته بوصفه صانع تراجيديا الحداثة ومنتج ضحالتها... وغيره...

* جوابكم يحيلنا إلى الكلام على المأزق الأخلاقي الذي تعبره اليوم الحضارة الغربية الحديثة. كيف ترون إلى هذا المأزق وهل يمتلك الغرب اليوم ما يمكنِّه من صوغ بدائله الأخلاقيّة في عصر تطغى عليه فلسفة المنفعة، وتستبدّ به مصالح الرأسماليّة الليبراليّة المتوحّشة؟

لم تكن الرأسماليّة (المتوحشة) يومًا تتمايز أخلاقيًا عن الإقطاعيّة Féodale، لذلك كان الهمُّ الأخلاقي عند معظم فلاسفة الغرب؛ من كانط إلى اليوم ... باحثين عن بديل يقوّض العلاقة مع السماء وتجلّي الخالق تعالى شأنه... فكانت أحلامهم  و (وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۭ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا..). و(لَا يَزَالُ بُنۡيَٰنُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوۡاْ رِيبَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).  ذلك أنّ هيدغر أعلن صرخةً مدويةً في سماء الفلسفة الغربية، بعد طوافه الأخير في صحراء الميتافيزيقا الظمأى، أن: «وحده الله بإمكانه أن يمنحنا النجاة...»، تمامًا كما حصّل كانط الوجوديّة – دون أن يقصد – في طريقه إلى الأخلاق... باعتبار المحاولة الكانطية إنزال الأخلاق منزلة الدين.. وبفشل الفكرة قدّم أقوى الأدلّة على وجود الله تعالى من خلال الاضطراب المنهجي الذي وقع فيه (سبحان الله). وهذا ما عابه عليه نيتشه (عدو الأخلاق) الذي يرى فيه الانحطاط والبلاهة. فالوعي التاريخي أكّد بعد المحاولة الكانطيّة أنّ الأخلاق هي أعجز ما تكون عن القيام في دنيا الخلق خارج الدين، أو على الأقل بلا شرطه. فالغرب – بحسب سيرج لاتوش - لا رسالة أخلاقيّة عنده، ولا حتى مجالًا مسيحيًا بالمعنى الرسمي للعبارة...فقد حلّت ديانة «الاقتصاد السياسي» محلّ الديانة الروحية لتجعل من الهوية الغربية ذات الامتداد العالمي هويّةً سلعيّةً لا تشغل القيم منها سوى مساحة عارضة، « فكلّ مجتمع توجد فيه العلاقات السلعية ينطوي على خميرة تدمير للنظام السياسي والأخلاقي»... لذلك العالم اليوم يعيش أزمة قيم وأخلاق بقدر ما يعيش أزمة دين.

* كيف ترون إلى حال المجتمعات العربيّة والإسلاميّة في ظلّ الانهيارات المتعاقبة للنظام الأخلاقي العالمي، وهل ثمة بدائل يمكن أن يقدّمها المسلمون في هذا المضمار؟

  -  بعد حقبة الاستعمار التي تركت آثارها على بلادنا العربيّة والإسلاميّة، وزرع الجسم الغريب – الكيان الصهيوني - في وسطها، كوظيفةٍ استعماريّةٍ متماديةٍ بفعلها الترهيبي والتخريبي وخلق الترهات... استمرّت الهيمنة أو السيطرة المقنّعة، خصوصًا في المجال السياسي والاقتصادي وبالتالي الاجتماعي (والتربية في مقدّمتها). واندرجت الكثير من المجتمعات العربية في سياقات الفكر والعقل الأوروبي، خصوصًا منها بعض المثقفين الذين اكتسبوا الثقافة الغربية على مقاعد الدراسة فيها، فكان من الطبيعي أن يشاركوها تلك الانهيارات في نظمها الأخلاقيّة، وانعكاسها على أجيالنا المتعاقبة. لكن بلادنا كمهد للديانات السماوية لا زالت جذورها راسخة، رغم الخضات والأزمات المفتعلة والتي ساهمت بتخلّعها وبتخلّفها.. فإنّ تراثنا الديني والعلمي كفيل بمعاودة المبادرة على القاعدة التي سنّها الإمام علي عليه السلام من أنّه «رُبّ همّة أحيت أمة».  وقال نبينا صلى الله عليه وآله وسلم: «الدين الأخلاق»، وقال: «إنّما بعثت لأُتمّم مكارم الأخلاق».

   إذًا، البديل موجود والنموذج حاضر، ولو تخلّت الأمة عنه في فترة ضياع أو في فترة انعدام الوزن بفعل الضربات المتعاقبة جرّاء الهيمنة والاستلاب، فقد علّمنا الامام الحسين عليه السلام أن ننتصر بالنهضة الأخلاقيّة ولو كان ثمنها الرّوح على مذبح الأمّة... حيث سعى لطلب الإصلاح في أمّة جده محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي بعث ليتمّم مكارم الأخلاق، كونه تُوِّجَ بالخلق العظيم من رب العالمين.

* شهدت العقود القليلة المنصرمة نموًا لافتًا لسؤال الدين بين النّخب الفكريّة والأكاديميّة في أوروبا والولايات المتّحدة الأميركيّة، بعضهم فسّر ذلك بأنّه يعكس بداية النهاية لتاريخ العلمنة بعدما استنفدت أغراضها الكبرى سواء في مجال التنظير الفلسفي أو على مستوى تطبيقاتها في الحضارة الغربيّة المعاصرة.. كيف تقاربون هذه القضيّة؟

- بشَّرَ الكثير من الفلاسفة والمفكرين الغربيين بموت الغرب (موت أخلاقي ...وموت بيولوجي بتناقص أعدادهم السكانية) بعد الانسداد الحضاري وعقم ثقافته التي انقلبت رأسًا على عقبٍ، ذلك أن « ما كان حقًّا وصدقًا بالأمس هو اليوم خطأ وكذب، وما كان غير أخلاقي ومخزيًا – الزنا، والإجهاض، والانتحار، والفتل الرحيم، - قد صار تقدّميًّا ويستحق الثناء، وقد سمّى نيتشه Nietzsche ذلك نقل التقييم لكلّ القيم، الفضائل القديمة تتحوّل إلى خطيئات، والخطيئات تتحوّل إلى فضائل».

تلك الثقافة ترفض الله الذي أنزل تعاليمه في العهد القديم ووغيره من الكتب السماوية، لتقدّم بخورها على مذبح الرأسمالية المتوحّشة... متباهية بأفكار الشاعر كبلينغ وملخّص رؤيته العنصريّة أنّ الشّرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقيا أبدًا–  أحد أشدّ المناصرين للاستعمار بعد إسقاطهم لثنائيّة الفكر الديني والإنساني أمثال فوكو.. وكيسنجر .. واليوم برنارد ليفي – التي نحّت رب الانجيل جانبًا. وغدا الجنس، والشهرة، والمال، والسلطة، واللذة السادية.. هي كلّ ما تدور حوله أميركا ومن يدور في فلكها... وكأنّها تعيش اللحظة السوفياتيّة التي سقطت أيضًا وثقافتها سقوطًا مدويًا لبنائها، باعتبارها الشيوعيّة هي الإله الذي فشل بعد سبعين عامًا. والذي تنبّأ به الشهيد السيد محمد باقر الصدر في كتابه الشهير فلسفتنا.

عندما ذكرت أعلاه السادية، راودتني فكرة التقليد الأعمى لأكثر العرب للغرب، لا بل الالتحاق به كنموذجٍ ينهار، دون فعل أيّ شيءٍ في المستقبل ينتظرهم. كون مجتمعاتهم أمست تعتمد على ريعية المردود المالي للنفط، هذا وقد حدثني أحد أصحاب دور النشر في بيروت أنّ العرب أكثر ما يهتمون بالجنس والأكل والشعوذة (اللذة السادية)...

بناء على ما تقدّم، فإنّ الكثير من روّاد الفكر والفلسفة الغربيين أعلنوا نهاية تشدّق الغرب بالعلمانيّة... والعود على بدء إلى الله تعالى وكتبه السماوية، وإنْ بخجلٍ كما تظهره الساحة الروسيّة والأميركية والأوروبية...

* هل نستطيع أن نقول إنّنا بتنا عند أبواب هذه اللحظة من تاريخ الإنسان التي تدعونا إلى تنظيرٍ جديدٍ يتصالح فيه الفكر الفلسفي مع الإيمان الديني والبُعد الروحي والكائن الإنساني؟

تشير الوقائع والتنظيرات الفكريّة والفلسفيّة – منهم فلاسفة كبار في الغرب وأيضًا يهود - على أنّه في الأفق غير البعيد ستأتي اللحظة التاريخيّة، التي تكون فيه الفلسفة والفكر بخدمة الإيمان الديني والبُعد الروحي،  لتكون كلّها في خدمة الإنسان الملتزم بشرائع الله تعالى:(لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ ) [1]، تمامًا ما يشار إليه من أنّ اهتمامًا باللّغة العربية في الدول الغربية وخصوصًا في أميركا – المجتمع – فيطالعنا كلّ يوم من أعلن إسلامه، وانبهاره بالحقيقة القرآنية التي تقول: (وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَٰٓئِرٖ يَطِيرُ بِجَنَاحَيۡهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يُحۡشَرُونَ) [2] و (وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ...) [3].

* مع بداية القرن الحادي والعشرين، وتحديدًا في العام (2020م) بدأ العالم كلّه يعيش تحوّلات هائلة وجذريّة في المنظومة القيميّة الغربيّة مع انتشار وباء كورونا.. فقد تبيّن أنّ الآثار المترتّبة على هذا الوباء تتعدّى الجانب البيئي لتطاول مجمل الثوابت التي قامت عليها العلوم الإنسانيّة بما فيها الفلسفة.. كيف ترون هذا الحدث الجلل انطلاقًا من رؤيتكم الفلسفيّة؟

اهتزّ العالم على وقع جائحة «كورونا»، وشكّل الصدمة للإنسانيّة المتفلتة من الأخلاق والدين خصوصًا، على أن ما يُهمس به اتّهامًا لذاك أو لذلك ممن صنعه... من جانب آخر نحن ننظر إلى المعاجز الإلهيّة كواحدة من التدخل الرباني بموجب قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ﴾ [4]. ويشير القرآن الكريم في قصصه إلى مثل هذه الابتلاءات ومنها ابتلاء آل لوط مثلا. على أن يغيّروا ما بأنفسهم في لحظة التأمّل والتفكير، هذه اللحظة الحاسمة يتعرّض فيها الفكر الإنساني لعمليّة تحوّل، باعتبار ما قبل كورونا ليس كما بعده، وهنا وفي هذه اللحظة تأتي مسؤوليّة فقهاء وفلاسفة ومفكري البعد الديني والإيماني بالله تعالى وتعاليمه – لا ضير إن كانت إسلاميّة أو مسيحيّة أو يهوديّة غير الصهيونيّة – لتأتلف وتطبع اللحظة بطابعها الديني الأخلاقي كنموذج تظهره للعالم... خصوصًا أنّ الثورة التكنولوجيّة قد أتاحت فعل التواصل الذي يؤدّي إلى حوار يكشف عن المحجّة البيضاء، أي الطريق الواضح إلى الله تعالى: (وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ) [5]. (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيۡهِمُ ٱلرِّجۡزُ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَۖ لَئِن كَشَفۡتَ عَنَّا ٱلرِّجۡزَ لَنُؤۡمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرۡسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ) [6]. لهذا تتحدّث الصحافة عن نسبةٍ كبيرةٍ من الناس بدأت تقصد دور العبادة للصلاة والتوسّل والدعاء، وأن شريحة من المسلمين يعتقدون بأنّ هذا الداء لا يصيب المؤمنين..

بالمقابل لاحظنا أنّ الشركات الرأسماليّة باشرت بالعمل على الاستثمار واستغلال الفرصة في إنتاج اللقاح أو مضاد للفيروس، وبدأ الكلام عن مقدار الأرباح التي يمكن أن تجنيها. وهذا أمر طبيعي طالما أن العقل الأداتي يقود الرأسماليّة المتوحّشة التي لا هدف عندها إلا تعاظم الأرباح؛ إذ بلغ هذا الفكر البراغماتي بالدعوة إلى «ودّعوا أحبابكم» من كبار السن، باعتبارهم غير منتجين وهم عالة على المجتمع، حيث كان الحديث في أوروبا قبل جائحة كورونا عن أزمة أماكن لإيواء العجزة بعد أن ارتفع متوسّط عمر الإنسان وترافق مع تفكّكٍ أسريٍّ وانهيار في القيم واللحمة الاجتماعيّة... كاشفًا عن الأزمة الأخلاقيّة في الغرب الذي ما توانى عن صنع الأسلحة الفتاكة بالبشر، كالتي استخدمت ضدّنا في لبنان والجنوب خاصّة من قبل العدو الصهيوني (الأداة الغربية) كقنابل النابالم والعنقودية والمصنعة من اليورانيوم المخصب...

أمّا لجهة الاقتصاد العالمي، خصوصًا اقتصاديات الدول الفقيرة، وذوي الدخل المحدود والذين فقدوا وظائفهم... انكشف العقل الأداتي (للرأسمالية) لا بل فضيحة السرقات التي تمّت بمصادرة بعض الدول لبضائع دول أخرى. بالمقابل أحيت المجتمعات المتدينة منظومة الوحدة والتضامن والإيثار والتكافل والتكامل، إن كان على المستوى الفردي أو المجتمعي. هذا ونعلم أنّ الإنسان اجتماعيٌّ بطبعه وفطرته، لكن تداعيات جائحة كورونا ألقت باللائمة على تلك المسلمة تقتضي الانعزال والتباعد الاجتماعي.. ما يؤثر للعاملين في ميدان الطب والصحة. كاشفة عن مدى الأزمة الأخلاقيّة في المجتمعات البشريّة خصوصًا إذا ما ثبت أنّ هذا الفيروس من صنع البشر، تمامًا كما كشف عن العديد من الفيروسات التي دخلت حلبة الصراع الجرثومي كالجمرة الخبيثة وسارس وغيرها.

لن تكون صرخة كانط ولا بيتر برغر ولا هايدغر ولا روجيه غارودي وغيرهم من فلاسفة الغرب الذين أعلنوا أو تبيّن لهم بأنّ كلّ الطرق تؤدي إلى الله تعالى، مع أنّ الكثير لا زال يكيد كيده.


[1] - المائدة/ 48.

[2] - الانعام/ 38.

[3] - النحل/ 89.

[4] - الروم / 41.

[5] - المطففين/ 26.

[6] - الأعراف / 134.