البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

September / 4 / 2021  |  134ليس كل من يتعرف على فلسفة الغرب يكون مستغرباً

الحوار مع :د. حبيب الله بابائي
ليس كل من يتعرف على فلسفة الغرب يكون مستغرباً

الدكتور حبيب الله بابائي متخصّص في تاريخ الحضارة والشعوب الإسلامية من كلية الإلهيات في جامعة طهران. يُمارس نشاطه الآن في حقل التحقيق والتأليف والتدريس في موضوع الاستغراب في كليّة العلوم والثقافة الإسلاميّة وجامعة باقر العلوم (ع). ولديه مجموعة من المقالات تحت الطبع بعنوان نقد الاستغراب، كما ألّف في حقل الاستغراب الموضوعي وحقّق فيه، ولا سيّما بالنّظر إلى الدّراسة النّقديّة للعلمانيّة، والعلمانيّة في العالم الإسلامي وما إلى ذلك. كما كان له إشراف علميّ فيما يتعلّق بتقييم الكتب الخاصّة بالاستغراب وإصدارها، منها (الاستغراب عند علماء الشيعة في التجربة المعاصرة لإيران)، (المذهب العلماني)، و(منهج الدراسات الإسلامية في الغرب)، وما إلى ذلك من الأعمال الأخرى. وقد أقام دورات ومختبرات متعدّدة في إطار سعيه العلمي من أجل التأسيس لموضوع الاستغراب على مستوى الدكتوراه.

وفي ما يلي نص الحوار:

«المحرّر»


* ماذا يعني الاستغراب؟ وهل هناك من عناصر قوّة تساعد على اعتبار الاستغراب بوصفه حقلاً جامعيًّا؟

- في البدء يجب القول: إنّ الاستغراب، حتى الآن، لم يبلغ في مجتمعنا العلمي مراحله الأساسيّة والعميقة. أولاً: أرى أنّ البعض يعرّف الاستغراب خطأً بفلسفة الغرب، ويظنّ أنّ كلّ من يتعرّف على فلسفة الغرب يصبح مستغربًا، حتى إذا لم يكن على دراية أو معرفة بثقافة الغرب أو فنون الغرب أو اقتصاد الغرب، ودون أن يعرف الاستشراق. أمّا أنا فأرى أنّ الذي لا يتعرّف على هذه الأمور، ويكتفي بمجرّد قراءة مارتن هايدغر، لا يمكنه التعرّف على الاستغراب بشكلٍ صحيحٍ. إنّ الاستغراب ليس أمرًا يُمكن لكلّ شخصٍ أن يضطلع به أو يقوم بأعبائه، ولذلك فقد أدّى هذا الفهم الخاطئ لحقيقة الاستغراب بالكثير من السياسيين والفضلاء والمفكرين الإسلاميين إلى التصرّف بسطحيّة وسذاجة في مواجهة الغرب. وأمّا في معرض الجواب عن السؤال القائل: هل هناك من عناصر قوّة في الاستغراب يمكن لها أن تحوّله إلى حقل جامعي؟ فيجب القول: إنّ الأمر كذلك قطعًا. فكما هناك لدينا استشراق، وتوجد هذه الشبهات ـ بطبيعة الحال ـ في حقل الاستشراق، حيث نرى ذلك زاخرًا في الأعمال الاستشراقيّة، وفي الدراسات الإسلاميّة، والشرقيّة، وسبر أغوار الصين، والدراسات حول إيران وما إلى ذلك. وأمّا في حقل الاستغراب فلا نجد سوى أعمال مفردة ونادرة جدًا. فلا نزال حتى الآن غير قارئين للمفاهيم المرتبطة بموضوع الاستغراب، ولم نؤسّس لأدبيات هذا الموضوع. ومع ذلك أرى أنّ فرضيّة الاستغراب تكمن في وجوب النظر إلى الغرب بوصفه حضارة. فلو نظرنا إلى الغرب بوصفه حضارة، سوف نكون تبعًا لذلك بحاجة إلى بحث فلسفة الغرب وإلى الفكر السياسي الغربي في الوقت نفسه، وإلى التفكير الاقتصادي للغرب أيضًا. وعندها سوف نكون بحاجة إلى دراسة تحوّلات الغرب وقراءة تاريخ الغرب وغير ذلك أيضًا. وليس مجرّد الدراسة فقط، بل ونحتاج كذلك إلى القراءة الخارجيّة والتجوّل الميداني على أرض الغرب نفسه، وهو ما نعبّر عنه بالاستغراب التجريبي. إنّنا إنّما يُكتب لنا التعرّف على الغرب بشكل صحيح، إذا أمكن لنا العيش في الغرب. فلا يمكن لنا أن نتعرّف على الغرب أو تكوين فكرة عنه من خلال الاكتفاء بالتعرّف على هوليوود. وإنّما في التعرّف على الغرب يجب ضمّ الموارد المتقدّمة جميعها إلى بعضها. فإنّنا في حقل الاستغراب ـ على سبيل المثال ـ قد خصّصنا من بين ثماني عشرة وحدة أو من بين أربعة وعشرين وحدة، خصّصنا وحدتين فقط لفلسفة الغرب، ووحدتين لمباني الحضارة الغربية وأسسها، ووحدتين للتفكير السياسي في الغرب، ووحدتين لردود أفعال البلدان الإسلامية تجاه الغرب، ووحدتين لثقافة الغرب، ووحدتين للعلم والتكنولوجيا في الغرب، وهكذا. وعندما نعمل على جمع هذه الأمور كلّها ونضمّها إلى بعضها، عندها فقط سندرك أنّ الغرب شيءٌ أبعد من دائرة تفكير أفلاطون وأرسطو، وأوسع من أثينا واليونان.

* لو نظرنا إلى الاستغراب بوصفه اتّجاهًا علميًّا؛ فما هي الأبعاد والخصائص التي يشتمل عليها هذا الاتّجاه؟

يمكن بيان هذه الأبعاد نوعًا ما وبطبيعة الحال ضمن أربعة أو خمسة محاور، وهي كالآتي:

المحور الأوّل: الاستغراب التاريخي، بمعنى أن نتعرّف على تاريخ الغرب، وما هي الأحداث التي شهدها الغرب عبر التاريخ.

المحور الثاني: الاستغراب الموضوعي، بمعنى ضرورة الاهتمام ببعض المدارس والأفكار المركزية في الغرب. كأن نفهم الغرب ـ على سبيل المثال ـ من الزاوية العلمانيّة، أو من الزاوية الاستعماريّة، أو أن نفهم الغرب من خلال مركزيّة العلم أو الإنتاج والاقتصاد وما إلى ذلك.

المحور الثالث: الاستغراب الانتقادي، وهذا الأمر سائد في بلادنا بشكل وآخر. ولكنّي أرى أنّه لا يزال أمامنا طريق طويل؛ لكي نفهم الغرب بشكل صحيح.

المحور الرابع: الاستغراب المقارن؛ بمعنى أن نعمل على تحليل هذا المفهوم ودراسته تحت مظلّة العلاقة بين الإسلام والغرب، والارتباط بين حضارة الإسلام وحضارة الغرب، والتعاطي بين هذين العالمين. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ نظريّة صراع الحضارات التي صدع بها صموئيل هنتنجتون، تمثّل نوعًا من الاستغراب المقارن، وهو في الحقيقة يمثّل مواجهة للحضارة. وبعبارة أخرى: ما هو المصير التاريخي وكيفيّة المسار التاريخي للغرب، وما هي مكامن اختلافنا عن الغرب؟ وما هي نسبة الغرب إلينا؟ إنّ هذه الأمور تمثّل طبقاتٍ مختلفةً، وأسئلةً متنوّعةً، وتستدعي مختلف الأبحاث والدراسات التي تندرج تحت عنوان الاستغراب المقارن؟ وبطبيعة الحال لا يمكن أن يكون لنا على الدوام رؤية مقارنة في الاستغراب؛ إذ لدينا في تاريخ الحضارة الغربية شيء باسم عصر النهضة، وليس لدينا مثل هذا العصر في الحضارة الإسلامية، وهناك في تاريخ الحضارة الغربية شيء باسم البرجوازية، وليس لدينا شيء من هذا القبيل، وهناك في الحضارة الغربية مرحلة إقطاعيّة، وليس لدينا في الحضارة الإسلاميّة مثل هذه المرحلة. وعلى المقلب الآخر لدينا في تاريخ الحضارة الإسلامية بعد مضي عشر سنوات أو ثلاث عشرة سنة شيء باسم مدينة النبي، بينما لا يوجد في الغرب شيء باسم المدينة المسيحيّة، وهكذا يمكن لنا تسمية الكثير من الموارد الأخرى من هذا القبيل.

المحور الخامس: الاستغراب التجريبي، حيث يتجلّى هذا النّوع من الاستغراب في كتب الرحلات غالبًا. وبعض كتب الرحلات كتب بأسلوب منبهر تمامًا في التعاطي مع الغرب. وبعض كتب الرحلات تندرج ضمن الكتب الانتقاديّة. من ذلك ما قام به سيد قطب في كتابه عن انحطاط الحضارة الغربية. وقد ذكر في هذا الكتاب وجهة نظره عن الغرب. وقد نرى عكس هذا الاتّجاه ـ على سبيل المثال ـ في أعمال الرحلات وأدبها التي كتبها رجال السياسة الإيرانيون في العصر القاجاري أو في العصر البهلوي.

* كيف تقيّمون انطلاقة وطريقة تقدّم مشروع باسم (الاستغراب النقدي)؟ وبعبارة أخرى: كيف ندير هذا المشروع كي نطوي هذا المسار منطقيًّا، ونصل إلى النتائج المطلوبة؟

أرى أنّ الخطوة الأولى تبدأ بالتعليم؛ ونحن حتّى هذا المقدار الناقص الذي نمتلكه من الاستغراب، لم نعمل على نقله إلى الجيل الذي وصل إلى مرحلة الجامعة. إنّنا لا نعاني من عدم امتلاك حقل في الاستغراب فقط، بل حتى في أيّ واحد من دروس علومنا الإنسانيّة، لا نمتلك وحدتين في الاستغراب أيضًا، وإنّ عدم امتلاك حتى وحدتين في الاستغراب وذلك في الجامعة التي يعتزم الكثير من الطلاب فيها التوجّه إلى الغرب، يمثّل كارثة. من ذلك على سبيل المثال: ما الذي يعرفه الطالب الجامعي في جامعة شريف الصناعيّة عن الغرب؟ إنّ هذا الطالب الذكي والحاذق، ما أن يذهب في الغد إلى الولايات المتحدة الأميركيّة بما يتمتّع به من الذكاء، لن يمضي عليه شهران حتى يتجرّد من هويّته. وعليه أرى أنّ علينا في الخطوة الأولى أن نقوم بالتعليم، ومن رحم التعليم تولد الأفكار والرسائل والأطروحات والترجمات، وتبعًا لذلك يمكن لنا مواصلة العمل وتعزيزه. وفي مثل هذه الحالة يمكن لنا بعد فترة من ذلك ـ بعد عشر سنوات أو خمس عشرة سنة على سبيل المثال ـ أن نقدّم صورة أفضل عن الاستغراب؛ إذًا، يتعيّن علينا العمل أوّلاً على تأسيس منظومة لحقل الاستغراب، وثانيًا يتعيّن علينا الحذر من نوع من التقليليّة في الاستغراب، كأن نخفض الغرب إلى المستوى السياسي فقط، أو أن نحصر الغرب في جوانبه الفلسفيّة فقط، أو أن نحشره في الجانب الاستعماري فقط، أو أن نحجّم الغرب بمظاهره الخارجيّة والعينيّة فقط. والنقطة الثالثة: يجب علينا أن نضمن مقتضيات الاستغراب. لا يمكنكم التعرّف على الغرب بشكل كامل من خلال الاقتصار على الأعمال المترجمة فقط، بل يجب عليكم التعرّف على أساتذة الاستغراب وطلّابه بثلاث لغات أو أربعة، قراءةً وتكلّمًا. الأمر الآخر هو أنّه يجب عدم التعاطي مع هذه المسألة بسخرية. يشتهر في بعض الأحيان موضوع في المجتمع، ويتمّ الإعلان عنه في اللافتات والإعلانات والشبكات الدعائيّة والإذاعة والتلفزيون، ثمّ لا تخرج النتيجة إلّا مجروحة ومشوّهة. لو قمنا بعمل كيفي حتى إذا كان على مستوى غرفة صغيرة، على أن يكون تعريف هذه الغرفة هو أن يكون العمل من الصباح حتّى المساء وبشكل دؤوب على الاستغراب؛ عندها يمكن لنا أن نصنع من النّشاط الكيفي معيارًا علميًّا، ونعمل على الترويج له في المجتمع، وعليه فإنّي أرى أنّه يجب التركيز على الجانب التعليمي.

* هل يمكن لكم تسمية وشرح المراكز الناجحة في مجال الدراسات الاستغرابية في إيران وسائر البلدان الإسلامية الأخرى؟

لا أدري ما يُبحث في أوروبا بشأن الحداثة، وما مقدار ما يمكن لنا تسميته بالاستغراب، ولكن كانت مسألة في العالم الإسلامي، ولا أعرف شيئًا بشأن المراكز. وأمّا في إيران فهناك مركز دراسات العلوم الإنسانيّة؛ حيث عمد الدكتور كريم مجتهدي إلى طرح الاستغراب على هامش الفلسفة الغربية، أو مجلّة في بحث التفكير والثقافة الإسلاميين التي يصدرها آية الله رشاد. وبدورنا فقد كان لنا في مركز دراسات مكتب الإعلام، قسم الدراسات الحضارية والاستغراب، وقد أقمنا من خلاله دورات عمليّة، ويبدو أنّنا نشتغل حول الغرب أكثر من غيرنا، وأنّنا أكثر استغرابًا من الآخرين. وعلى كلّ حال، فإنّ التنظيم إنّما يبدأ عندما تقومون ـ على سبيل المثال ـ بتأسيس حقل الاستغراب الانتقادي في الحوزة العلميّة. فكما يتحوّل الاستشراق في المدارس اللاهوتيّة المسيحيّة إلى عمل منظّم، وتبلغ المدارس اللاهوتيّة المسيحيّة بالاستشراق إلى مرحلة النبوغ، يجب تحقيق الشيء نفسه في الحوزة العلميّة في قم بشأن الاستغراب أيضًا.

*  هل يمكن لكم تسمية مسار الدراسات المناسبة والمصادر التي تستحق التحليل، والكتب القيّمة للترجمة في حقل الاستغراب ولا سيّما الاستغراب الانتقادي منه؟

- يمكن بيان مسار الدراسات الأوّليّة في مجال الاستغراب بالنّظر إلى أنواع الاتّجاهات التي أشرت إليها، على النحو الآتي:

1 ـ مسار تاريخ الاستغراب.

     ـ تاريخ الحضارة، لهنري لوكاس.

     ـ مسار تكامل العقل الحديث، لهرمن رندال.

     ـ التيّارات الكبرى في تاريخ التفكير الغربي، لفرانكلين بومر.

     ـ أطلس تاريخ العالم، لكالين مك أيودي.

     ـ تبويب الحداثة وما بعد الحداثة، لحسين علي نوذري.

     ـ قصة الحضارة، لويل ديورانت.

     ـ الإنسان والأزمة، لخوسيه أورتيغا جاست.

2 ـ مسار دراسات الاستغراب الموضوعي

     ـ الدين في الغرب الجديد (تاريخ التفكير الديني في القرن العشرين، لماك كواري. والعلم والدين، لإيان باربور).

     ـ التفكير في الغرب الجديد (نظريّة علم الاجتماع في المرحلة المعاصرة، لجورج ريتزر؛ تاريخ التفكير السياسي في القرن العشرين؛ الليبرالية الغربية؛ الظهور والسقوط، لأنطوني أربلاستر؛ العبور على الحداثة، لشاهرخ حقيقي).

     ـ العلم والتكنولوجيا في الغرب الجديد (ماهية التكنولوجيا وفن التكنولوجيا، لمحمد مددبور).

     ـ التعليم الحديث في الغرب الجديد (تاريخ التربية والتعليم في القرن العشرين، لكاتل واف).

     ـ الفن في الغرب الجديد (تاريخ الفن: القرن العشرين، لرامزي لامبرت).

     ـ المرأة والأسرة في الغرب الجديد (من النهضة إلى النظرية الاجتماعية، تاريخ قرنين من النسوية، لحميرا مشير زاده).

     ـ أسلوب الحياة في الغرب الجديد (تجربة الحداثة، لمارشال برمن).

     ـ نظريات النظام السياسي، لوليم تي. بلوم.

     ـ النظرية الاجتماعية الحديثة، ليان كرايب.

     ـ خمسون مفكرًا كبيرًا معاصرًا، لجان لتشت.

     ـ خمسون فيلسوفًا كبيرًا، لداياننه كالينسون.

     ـ الدين والرؤية الحديثة، لوالتر ترنس استيس.

     ـ تاريخ الفن، لإرنست هانس كامبريتش.

3 ـ مسار دراسات الاستغراب النقدي

     ـ أزمة العالم المتجدّد، لرينيه غينون.

     ـ الإنسان ذو البعد الواحد، لهربرت ماركوزه.

     ـ ما الذي سيحدث غدًا، للوئي لامبرنس رينغه.

     ـ القرن البايوتكنولوجي، لجيرمي رينكين.

     ـ التكنوبوليا، لنيل بستمن.

     ـ التنمية ومباني الحضارة الغربية، لآويني.

     ـ السيطرة الثقافية، لإدوارد بيرمن.

4 ـ مسار دراسات الاستغراب المقارن

     ـ إيران والغرب (نحن والحداثة، لداريوش آشوري؛ نحن والطريق الشاقة إلى التجديد، لرضا داوري اردكاني؛ المواجهة الأولى للمفكرين الإيرانيين مع اتجاهي الحضارة البرجوازية الغربية، لعبد الهادي الحائري؛ علم الاجتماع الغربي، لعلي نقوي).

     ـ الإسلام والغرب (الإسلام وحصارات الإنسان المتجدّد، لحسين نصر).

     ـ سيطرة الثقافة، لإدوارد بيرمن، ترجمة: حميد إلياسي.

5 ـ الاستغراب التخصّصي

بعد هذه المرحلة يمكن لنا أن نبدأ في الدراسات الاستغرابية التخصّصيّة، والعمل على التأليف خطوة بخطوة. يمكن لهذا الاستغراب أن يتمّ تعريفه بشكل مستقل، كما يمكن إدراجه ضمن واحد من حقول العلوم الإنسانيّة، ومتابعته في ذلك الحقل. فإن تمّ تعريفه بوصفه حقلاً مستقلاً، أمكن البدء به باعتباره واحدًا من الموضوعات الهامّة والجوهريّة في الغرب، ومتابعته فيما يتّصل بسائر الحقول الحضارية الأخرى في الغرب. وأمّا إذا أريد القيام بالاستغراب التخصّصي ضمن واحد من حقول العلوم الإنسانية (من قبيل علم النفس على سبيل المثال)، وجب إعطاء المحوريّة لأحد الموضوعات الهامّة في الغرب، والنظر إلى عموم الغرب ودراسته والتحقيق فيه من زاوية ذلك الموضوع. وبعبارة أخرى: إنّ الذي يتابع الاستغراب إلى جانب حقله الدّراسي، ينتخب الموضوعات الناجعة والتحقيقيّة من بين الفروع ذات الصّلة، ويجهد في القيام بها وربطها بالحقول الفكريّة الأخرى في الغرب، ويتابع شبكة ارتباطه في القيام بالدراسات ذات الصّلة بحقله التخصّصي.

هل المواجهة الانتقائيّة مع الغرب صحيحة وممكنة؟ بمعنى أن نعمل ـ من خلال التفكيك بين المعتقدات والتبعات والمنتجات الغربية في حقل (الحسن) و(القبيح) ـ بأخذ ما يرتبط بالغرب الحسن كلّه، وتجنّب أخذ ما ينتمي إلى الغرب القبيح كلّه.

إنّ هذا في الحدّ الأدنى ليس بحثًا مضمونيًّا حول الاستغراب، وإنّما هو سؤال عن الغرب نفسه. وفي الحدّ الأدنى يمكن لي أن أقول إنّي لا أفهم كيف يمكن تجاهل حضارة أو منتج إنساني، والعمل في المقابل على إيجاد مسارنا الحضاري في الفراغ. يبدو أنّ الحضارات على تواصلٍ مستمرٍّ فيما بينها. فقد عمدوا على الدوام إلى الانتقاء من بعضهم، وقد تنكصون في فترة من الزمن أمام ثقافة الحضارة المنافسة، حيث تتعرّضون للضعف من الناحية الثقافيّة. ألم يستفد الغرب نفسه من الثقافة الإسلامية ومن سائر الثقافات الأخرى؟ لقد استفاد منها قطعًا، ولكنّه حيث يمتلك الثقافة الغالبة، فإنّه لا يخشى من دخول ثقافة المسلمين إلى الولايات المتحدة الأميركية على سبيل المثال. وليس هناك لديهم تخوّف من تبدّل الثقافة الأميركية، بل يرون أنّ ذلك يعمل على تحسين الثقافة الأميركية. يبدو أنّنا إذا فصلنا الغرب الإنساني عن الغرب الاستعماري، كما نفصل الغرب الاستعماري عن الغرب العلمي، يمكن لنا أن نستفيد من الغرب العلمي والغرب الإنساني، والعمل في الوقت نفسه على مواجهة الغرب الاستعماري بالصواريخ. وعلى كلّ حال، هناك شيئان مختلفان. وهذا لا يعني أن ننظر إلى التكنولوجيا بوصفها شيئًا بسيطًا، أو أن نفصل بينها بسهولة، أو أن ننظر إلى الغرب بوصفه شيئًا سطحيًّا. بل يجب التعرّف على الغرب ضمن مسار أكاديمي، وقد يكون هذا التعرّف من قبيل: (اطلبوا العلم ولو كان في الصين). ومن هنا فإنّ رؤيتنا إلى الغرب رؤيةً سطحيّةً، وبدلاً من أن نتعرّف على الغرب، نشطب عليه بالخط الأسود ونرميه جانبًا. وبذلك نكون قد حذفنا صورة المسألة، وهكذا تبقى المشكلة دون حلّ.


تعريب: حسن علي مطر الهاشمي