البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

August / 14 / 2021  |  335علاقة الذهن بالروح من أبرز تحديات فلسفة العلم المعاصر

الحوار مع :د. مهدي همازاده
علاقة الذهن بالروح من أبرز تحديات فلسفة العلم المعاصر

يتركَّز هذا الحوار مع الدكتور مهدي همازاده على واحدة من القضايا ذات الصلة بأزمات الحضارة الإنسانيّة المعاصرة، نعني بها الأمراض العصبيّة والنفسيّة وأسبابها العلمية والسوسيولوجيّة.

نشير إلى أنّ الدكتور همازاده حائز على شهادة الدكتوراه في حقل فلسفة الذهن من كلية العلوم المعرفيّة في طهران. ويعمل حاليًا بوصفه باحثًا في حقل دراسات العلم في مؤسّسة الحكمة والفلسفة للتحقيق. وقد صدر له حتى الآن الكثير من الكتب أهمها: «مقدمة على فلسفة الذكاء الصناعي»، و«تأمّل حول الواقعية المباشرة في باب الوعي الظاهراتي»، و«الثنويّة السينويّة / الديكارتيّة والأحديّة الصدرائية»، و«النموذج الحاكم على فلسفة الذهن المعاصر وتداعياتها في اختيار المسائل والإجابة عنها» و«لا جدوائيّة نظريات الواقعية المباشرة في بيان الخصائص الذاتية للتجربة»، وما إلى ذلك من الأعمال الأخرى. ومن بين اهتماماته الأخرى وحقوله التدريسية على مستوى الدكتوراه فلسفة الذهن وفرص وتحديات هذا الاتّجاه الفلسفي. وفي ما يلي نص الحوار:

«المحرّر»


* هل نتعرف منكم بداية عمّا أطلق عليه عنوان العلوم العصبيّة، وما هو موضوعها وغاياتها؟

يمكن القول باختصار: إنّ العلوم العصبيّة تعمل على دراسة النشاطات المتعلّقة بالذهن على نحو تجريبي. إنّ الذهن أو ما يُعرف في الإنجليزية بـ (Mind) يُؤخذ بوصفه مفهومًا حياديًّا بين المخ أو الـ (brain) والروح أو الـ (soul). وذلك لأنّ أنصار الثنويّة فيما يتعلّق بنوع من التجرّد في باب النفس لا يرون كفاية المخ فقط، وإنّما يقولون بشيءٍ وراء المخ أيضًا، وإنّ الكثيرين من الماديين والفيزيائيين يكتفون بهذا المستوى من المخ أو الجسد. لقد تمّ وضع مفردة الـ (Mind) لهذه الغاية وهي أن تكون في فلسفة الذهن وفي الدراسات الذهنية بشكل عام، لتكون لها حالة حيادية حيال هذين الأمرين، وأن تشير إلى شيء يمكن لكلّ واحدة من هاتين المجموعتين من الآراء أن تتحدّث حوله. لقد تبلورت العلوم العصبيّة من أجل القيام بدراسة تجريبيّة حول نشاط الذهن. فقد أخذنا نشهد تخليًا بالكامل عن أساليب القرون الماضية؛ حيث كانوا يتحدّثون عن الذهن بواسطة الفرضيات والنظريات الفلسفية والكلامية واللاهوتيّة؛ إذ نركّز حاليًا على التجارب والمعطيات المخبريّة، وما تقوله لنا هذه التجارب، وبالتالي فقد تبلورت الاتجاهات ذاتها التي كانت كامنة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين للميلاد في هذا العلم؛ ولا سيما في نهاية القرن العشرين، حيث شهد هذا العلم قفزةً بسبب اختراع الأجهزة المتطوّرة لتصوير المخ. لقد تمكّن العلماء في حقل العلوم العصبيّة من رصد الكثير من النشاطات الذهنيّة، ولا سيّما منها نشاط الـ (intentional)، حيث تشتمل على قضايا من قبيل: الإيمان، والفكر، واتّخاذ القرار، والتعلّم، والاستدلال، والتركيز، واللّغة، والإدراك اللغوي أو النطق اللساني، والإدراك الحسّي، أو الإدراك البيئي، لدى الأشخاص الطبيعيين، وكذلك الذين يعانون من عاهات وتشوّهات في المخ تحت الأجهزة المخبرية، وأثبتوا أنّ نشاط الإدراك البصري على سبيل المثال يقع في ذلك الفصّ من المخ، كأن تكون هي الجهة الخلفيّة من المخ، حيث لاحظوا صدور إطلاقات عصبيّة واتّصالات في تلك الناحية من المخ، ونشاهد مثل هذه الخريطة من النشاطات العصبية في جهة من المخ أثناء ممارسة ذلك النشاط الذهني المعيّن، وما هي النماذج التي نحصل عليها في مورد هذه النشاطات الذهنية، وأن الأضرار في المخ والتشوهات تعمل على تكميل نتائج هذه الدراسة المخبرية. وعلى هذا لو افترضنا أنّ شخصًا تعرّض إلى حادث وأصيب في جزء خاص من المخ، سوف يفقد القدرة على القيام بعمل معيّن، أو تختلّ لديه مقدرة ذهنيّة خاصّة، وكان هؤلاء قادرين على تحديد أنّ ذلك الجزء من المخ الذي تعرّض للضرر يتولّى مسؤوليّة القيام بتلك المهمّة الخاصّة. فإنّ هذا القضيب الحديدي الذي اخترق عين هذا العامل عند سقوطه من أعلى البناء، ودخل في ناحية فص الوعي من مخّه، وأضرّ بهذا الجزء الخاص منه، أدّى إلى هذا النقص والخلل في إدراك ما يدور حوله على سبيل المثال. لقد كان يتمتّع بجميع نشاطاته الذهنية، وكان بذلك كما هو في السابق، وكان يقوم بالنشاطات ذاتها، غاية ما هنالك أنّه إذا ترك في الشارع لوحده لا يستطيع معرفة المكان الذي هو فيه، وكيف يهتدي إلى بيته؛ فأدركوا أنّ ذلك الجزء من المخ المصاب هو المسؤول عن تحديد الموقع الجغرافي، وكان الأمر كذلك وإنّ هذا الحادث ساعد على تأكيد هذا الاكتشاف؛ بمعنى أنّ الأضرار التي تعرّض لها المخ عملت على تكميل سلسلة الاكتشافات في هذه الأبحاث العلمية. لقد اقترنت العلوم العصبيّة بمسار مزدهر من هذه المعطيات التجريبية حول النشاطات الذهنيّة، وقد ساعد ذلك على توظيف المعطيات التجريبية من أجل التنظير حول الذهن والروح. وبطبيعة الحال كانت بعض الأفكار الفلسفية تساعد بشكل معكوس بشأن المعطيات التجريبية والمخبرية؛ حيث تتّجه هذه المعطيات بدورها نحو المنجزات الجديدة. وبذلك فإنّ العلوم العصبيّة بشكل عام عبارة عن الدراسات التجريبية للمسارات والنشاطات الذهنية، والتي بلغت ذروتها بشكل رئيس منذ النصف الثاني من القرن العشرين.

* ما هي تداعيات تقلّص جميع أفعال الإنسان وردود أفعاله إلى نظريات العلوم العصبية؟

أرى أنّه من خلال ما تقدّم من الشرح والتوضيح حول ماهيّة العلوم العصبية واتّجاهها، يتّضح تقريبًا أنّنا في جميع الدراسات التجريبية إذا أردنا الاكتفاء بتلك المعطيات التجريبية فقط، سوف نتعرّض ـ بطبيعة الحال ـ إلى نوع من النزعة الاختزالية. ولا يقتصر هذا الأمر على المخ والذهن فقط. وهكذا الأمر بالنسبة إلى العلوم المختلفة أيضًا. فقد كان الأمر كذلك في علم الأحياء والفلك وغيرهما ـ على سبيل المثال ـ وكلّ فرع من العلوم المختلفة ضمن حقل الفيزياء بشكل عام. وكلّما استندنا إلى القسم التجريبي فقط، واجهنا ـ بطبيعة الحال ـ نمطًا من النزعة الاختزاليّة أو ما يُصطلح عليه في اللغة الإنجليزية بـ (reducationism) أيضًا، حيث يعمل على اختزال تلك الظاهرة وخفضها إلى ذلك المستوى الفيزيقي أو المادي البحت، وتبقيه مقيّدًا في ذلك الحدّ. وبطبيعة الحال يحدث هذا الأمر في باب الذهن أيضًا، وعندما نعتبر مجرّد العلوم العصبية مرجعيّة، ويكون لدينا نوع من الانبهار حول هذه المعطيات، لا سيّما وأنّ هذه المعطيات تفرض تحدّيًا على بعض الفرضيات الفلسفية والكلامية السابقة، سوف ترون أنّ الاتّجاهات اللاهوتية والفلسفية جميعها بشأن الذهن تتعرّض للسؤال والتشكيك بطبيعة الحال، وسوف يحدث هنا في مورد الذهن ما حدث ذاته في القرون السابقة في العلوم الأخرى التي سبق لها أن توصّلت إلى هذه المعطيات التجريبية أيضًا، وسوف يحدث هذا النّوع من التجافي والانحسار في الأساطير والخرافات اللاهوتية أيضًا. وهو ما رأيناه في القرن العشرين في مورد فلسفة الذهن أيضًا.

* ما هي التبعات التي ستلحق الإلهيات بسبب العلوم العصبية ولا سيّما بالنظر إلى ماهيّة المخ وآليّته والاختلالات العصبية والنفسية؟ وبعبارة أخرى: ما هي التحديات والشبهات التي أثارتها العلوم العصبيّة بوجه الإلهيات؟

أرى أنّ جواب هذا السؤال قد اتّضح أيضًا من خلال المقدّمة التي ذكرتها سلفًا. إنّ الفرضيات اللاهوتيّة سواء في الإسلام أو في المسيحية ـ التي فرضتها الجامعات في أوروبا وأميركا الشمالية بوصفها مذهبًا رسميًّا غالبًا ـ فرضت تحديًا جادًا من الناحية العمليّة. وبالتالي فإنّ الإسلام والمسيحيّة والأديان الإبراهيمية وبعض الأديان غير الإبراهيمية، قد أشارت في تعاليمها في البُعد الأنثروبولوجي بشكل محدّد إلى الناحية غير الماديّة من الإنسان، ولنطلق عليها الآن اسم الروح أو أيّ شيء آخر، وهي الناحية التي بالإضافة إلى الجسم توجد فيما وراء الجسم أيضًا، وتدير النشاطات التي نتحدّث عنها بوصفها من النشاطات الذهنية ويعمل على تنفيذها. وبطبيعة الحال فإنّ الإلهيات منذ القدم لم تكن لديها مشكلة مع تدخّل المخ أو القلب بوصفهما أعضاء من الجسم في هذه النشاطات والمسارات الذهنية. ولكن يتمّ الحديث عنهما بين المتكلمين والإلهيين المسلمين بوصفهما من العلل المعدّة والممهّدة. وأمّا في الأدبيات المعاصرة لفلسفة الذهن فيطلق عليها مصطلح اللّحمة العصبيّة. بمعنى الشيء الذي يلتحم بمستوى  ما فوق عصبي. إنّ المستوى العصبي ملتحم بمستوى ما بعد عصبي مثل الروح، ويعمل هذان على تنظيم نشاط ذهني. فما هي ماهيّة هذه اللحمة؟ وما هي علّتها؟ بالتالي فإنّ هذه العليّة المُعدّة ليست علّة ماديّة، ولا هي علّة صورية، ولا هي علّة غائية، ولا هي علّة فاعلية، فما هو نوع هذه العليّة؟ لم يكن هذا الأمر واضحًا جدًا، وإنّما كانوا ينظرون لها بوصفها مجرّد حالة مُعدّة ومشاركة في هذا النشاط الذهني، ولم تكن لديهم مشكلة في هذا الشأن. غاية ما هنالك أن المسألة هنا تكمن في أنّ العلوم العصبية وصلت في العالم الجديد إلى نتيجة قطعية، وهي أنّ هذه الحاضنة المُعدّة أو هذا النشاط العصبي عندما يتعرّض إلى ضرر أو عطب، فإنّ مجمل النشاط الذهني سوف ينهار ويزول، وإذا كان هناك شيء باسم الروح ـ لا سيّما طبقًا للآراء الثنوية ـ هناك لدينا في البين الآراء الصدرائية أيضًا، حيث كانت ترى منذ أربعة قرون شأنية أكبر إلى حد ما للمستوى المادي فيما يتعلّق بجسمانية الحدوث، وعدم اعتبار النفس والجسم جوهرين منفصلين، من قبيل الرأي الثنوي السينوي/ الديكارتي، بل إنّ هذا جوهر واحد له مراتب مختلفة؛ فله مرتبة جسمانية ومادية، ومرتبة ما فوق مادية، ولكنّها جوهر واحد، ومن مستوى المادة هذا ينبثق مستوى ما بعد المادة أيضًا. إنّ هذه الآراء تطرح في الآراء الصدرائية، ولكن لو توجّهتم بشكل خاص إلى الآراء الثنوية، فإنّ الثنوية الجوهرية التي ذكرتها جوهر مستقل، فهي روح منفصلة عن المادة، ومنفصلة عن الجسم؛ حيث جاءت والتحقت بالجسم، وهذا الرأي هو الرأي التقليدي الذي كان سائدًا في العالم الغربي أيضًا، ويمكن لهذا الرأي أن يواجه تحديًا كبيرًا. فالآن ما هي آلية وتأثير هذا الجوهر المستقل عن الجسم والذي جاء والتحق به؟ عندما يتعرّض هذا الجسم إلى الضرر، ويتعرّض هذا العصب إلى العطب، يكون قد سقط عن التأثير بالمرّة، ولا يعود بمقدوره أن يفعل شيئًا أبدًا. كانت هذه هي تحديات جادّة تمثّلت أمام الإلهيات، وهي تمثّل تحديًا للآراء الصدرائيّة أيضًا. فليس الأمر وكأنّ هذه الأمور لا تمثّل تحدّيًا بالنسبة إلى آراء الحكمة المتعالية، بيد أنّ الذي أريد قوله هو أنّ هذه الأمور تمثّل تحديًا أكبر بالنسبة إلى النزعة الثنوية الجوهرية بشكل خاص. وكما كان متوقّعًا فإنّ القطب الفيزيقي والمادي قد قوي في باب الذهن على أساس معطيات العلوم العصبية أيضًا، وعمل على بلورة المنهج الغالب في الأنثروبولوجيا الفلسفية للعالم المعاصر. لقد شهدنا في القرن الأخير ـ ولا سيّما في النصف الثاني من القرن العشرين للميلاد فصاعدًا ـ تقوية وتناغم وارتفاع معنويات الفيزيقيين، كما شهدنا غلبة في أدبيات البحث عند الفيزيقيين، حيث كانوا يستندون إلى معطيات العلوم العصبية، والآن حيث نتحدّث تم تهميش الآراء الثنوية والثنوية الحديثة في الفلسفة ضمن أقلية متناهية، وها نحن نشهد الآن المسار الغالب في يد أنصار النزعة الفيزيقية بالكامل.

* هل لك أن تحلّل وتشرح لنا موقع الروح في أنواع الاتجاهات والنظريات العامة في العلوم العصبية؟ وفي الأساس ما هي الروح في مثل هذا الاتّجاهات؟

يكمن الاتّجاه والمنهج الغالب والحاكم في العلوم العصبيّة في تجاهل الروح. حيث إنّ العاملين في هذا الحقل هم في الأساس من العلماء التجريبيين. إنّ العالم التجريبي يتعاطى مع وثائقه ومعطياته الموجودة في مختبره، ولا شأن له بما وراء ذلك أبدًا، ولا يستفيد منها في علمه واختصاصه إطلاقًا. ليس من المتوقّع أن يأتي العالم المختصّ في علوم الأعصاب إلى الروح ـ بوصفها ظاهرة لا تقبل الاختبار؛ لكونها غير فيزيقيّة ـ ويعترف بها في تنظيراته رسميًّا، ويدخلها في مجال علمه. إنّه إنّما يدرس هذه الإطلاقات العصبية، ويبحث في تشريح ومسار وآليات نشاط المخ، ويعمل ـ بطبيعة الحال ـ على التنظير ضمن هذه الأطر، ولا يذهب إلى ما وراء ذلك؛ إذ هو مقيّد ومحدود بهذا المستوى العصبي من المخ، ومن هنا لا يتوقّع أن يكون للروح موضع من الإعراب في تنظيرات العلوم العصبية. وبطبيعة الحال يمكن له أن يعمل على توظيف بعض معطيات العلوم العصبية بوصفها شاهدًا على إثبات شيء وراء المخ، بمعنى أن يكون مؤيّدًا لوجود الروح والناحية ما فوق المادية للإنسان. ولا أقول إنّ هذا الأمر لم يحدث. بل قد حدث ذلك بشكل نادر في أدبيات البحث من قبل العلماء المختصين في علوم الأعصاب أيضًا. إلا أنّ هذا الأمر لا يشكّل الطريق الرئيس. إنّ هذا الاتّجاه هامشي ويعيش حالة من الأقليّة وسط الكثرة الكاثرة من العلماء المختصّين في حقل علوم الأعصاب، وكما ذكرت فإنّ التيّار الأصلي والزخار يحتلّه أولئك العلماء الذين إما لا شأن لهم بالروح، أو أنّهم يوظّفون ما يمتلكونه من معطيات العلوم العصبية في نفي كلّ ما وراء المخ والجسم.

* ما هو الموقع الذي تحتلّه التجارب المشارفة على الموت (NDE) والتي يتمّ التعبير عنها في بعض الأحيان تحت عنوان التجارب العرفانية في العلوم العصبية؟

إنّ علوم الأعصاب تبحث في هذه المقولة، ولا يقولون إنّ هذا لم يتمّ بحثه، من ذلك أنّهم في التجارب المتاخمة للموت ـ على سبيل المثال ـ شاهدوا أنّ النشاط العصبي يتّجه نحو الصفر. فنحن لا نشاهد أيّ إطلاقة واتّصال عصبي محفّز، وفي الوقت نفسه يتمّ تقرير سلسلة من النشاطات والآليات الذهنية من قبل هؤلاء الأفراد بعد عودتهم إلى عالم المادة وحصولهم على حياة ثانية. وقد بحثوا ذلك على هذا المستوى، بمعنى ما هو نوع نشاط الذهن في تلك الحالة. وهؤلاء عندما يعودون بتقريرهم حول ما دار بين المضمدين والأطباء في غرفة العمليات من حوارات حول ما سمعوه من المرضى الذين خضعوا للعمليات الجراحية ومدى صحّتها. وقد تمّ تأييد ذلك من قبل الأطباء، حيث تكلّم المرضى وهم في حالة الإغماء والتخدير عن أحداث وقعت لهم عندما كانوا خارج المستشفى في البيت أو في مطعم أو في مقهى المستشفى، أو كانت أسرتي تجلس معي في البيت ودار هذا الحديث بيني وبينهم، وقد رأى ذلك وقام بإفشائه، ثم تمّ تأييد ذلك من قبل هؤلاء. بمعنى أنّ هذه الأحداث ليست وليدة الأوهام والخيال، كي نروم ربطها بالفرضيات المسبقة. وإنّما هؤلاء يتحدّثون عن سلسلة من الحقائق والأحداث التي شهدوها. في المرحلة التي تشارف فيها حالة الوعي والإدراك لدى هؤلاء على بلوغ درجة الصفر، يبلغ النشاط العصبي والمخ لديهم مستوى الصفر أيضًا، ويقدّمون في هذه الحالة سلسلة من الإدراكات التي يجب ألّا تكون موجودة لدى هؤلاء الأشخاص طبقًا للنظريات الفيزيقية. ولكن لا يتم اختبار هذه المسألة. وليس هناك كبير توقع في هذا الشأن من ذلك المنهج الغالب في العلوم العصبية، بحيث يعتبرون هذه المسألة بوصفها مسألة جادّة أو أن يخوضوا في بحثها ودراستها. وبالتالي فإنّ المناهج تسعى وراء المسائل التي تؤيّد النظريات العامّة وأطرها الكلية وتمضي بها نحو الأمام. إنّ اختيار مثل هذه المسائل يعدّ من تبعات النماذج العلمية. ولكن تشاهدون في المقابل ـ كما هو متوقّع أيضًا ـ أنّ هذه المسألة قد حظيت بالاهتمام بشكلٍ متأخّرٍ جدًا وعلى نحو باهت إلى حدّ كبير. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ الكتاب الذي أصدره ويلي بلكول سنة 2018م، وهو يتحدّث حول الثنوية الجوهرية، والتي هي الثنوية السينوية/ الديكارتية التي نعرفها، وقد خصّ فصل من هذا الكتاب بهذه التجارب القريبة من الموت، حيث يبحث في هذا الفصل الآراء المطروحة بين الفلاسفة ـ دون المنظرين في العلوم العصبيّة؛ لأنّ هؤلاء لا يتناولون هذه الأمور بشكل جاد ـ في هذا الشأن بين فلاسفة الذهن وهم الذين ينحون منحى الاتّجاهات الثنوية واللاهوتية ويستندون إليها. وقد تمّت الإجابة عنها من قبل الطرف المقابل أيضًا. فقد أجيب عنها مثلاً من قبل الفلاسفة الماديين من أمثال مايكل مارش. وقد نسب مارش هذه الظاهرة إلى أزمات المرض. بالتالي فإنّ هذا الشخص قد أصيب بضرر حادّ في المخ، ودخل في حالة من الإغماء أو ما يشبه حالى الإغماء، وقد بلغ مستوى إدراكه درجة الصفر، الأمر الذي أدّى بدوره إلى أن يتعرّض إلى سلسلة من الآفات الاستقلابية، فإذا أضفنا إلى ذلك انخفاض نسبة الأوكسجين في المخ، فإنّ هذه الاختلالات العملية والاختلالات الأيضية في الجسم وفي المخ تؤدّي بدورها إلى سلسلة من الاختلالات العملية؛ فيتعرّض على سبيل المثال إلى مجموعة من الأوهام والخيالات. ولا سيّما أنّ هذه الأزمات كانت ملازمة له في فراش المرض وكامنة في جسمه، فلا ريب أنّها تتّصل بوعيه عن كثب. وفي الحقيقة، إنّه على أعتاب استعادة الوعي مجدّدًا، يعيش تجربة سلسلة من الأوهام والخيالات الواعية، حتى يدخل بعد ذلك في مرحلة الوعي والإدراك الحقيقي. لقد تمّ تقديم بعض التفسيرات في هذا الشأن، وقد نبّهوا بطبيعة الحال إلى أنّ الشخص المقابل يسعى بدوره إلى تفسير تجاربه القريبة من الموت اعتمادًا على فرضيات إلهية، وهذا هو الجواب الذي يقدّمه مايكل مارش. رغم أنّه يمكن في الحد الأدنى نسبة بعض هذه التجارب إلى الوهم أو الخيال أو الفرضيات الإلهية المسبقة، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ نسبة كبيرة من هؤلاء الأشخاص يقولون إنّهم عندما انفصلوا من أجسامهم دخلوا في نفق ينتهي إلى دائرة من الضوء والنور أو ما يُشبه ذلك، وأنّهم قد خرجوا من ذلك النفق ودخلوا في عالم جديد. وهذا التقرير واحد من التقارير التي يكثر تكرارها من قبل هؤلاء الأشخاص. وفي هذا الشأن يمكن اتّهامهم بافتراضات إلهية، وأن هذا البيان والتفسير مجرّد وهم وخيال قد تبلور استنادًا إلى تلك الافتراضات. إلا أنّ الإخبار عمّا حدث في حانوت المستشفى، أو الحوار الذي دار بين الأطباء والمضمّدين، أو الحوار الذي دار بين أفراد الأسرة من الذين كانوا يتصوّرونه ميّتًا أو كانوا في قلق وخوف من أن يموت، ليس من الوهم والخيال، وليس من الافتراضات الإلهية والدينية، ولا يتمّ تقديم تقرير وبيان واضح بشأنه. بيد أنّ الذي أريد قوله هو أنّ هذا البحث قد تمّ إدخاله حديثًا في أدبيات فلسفة الذهن، وذلك بنحو باهت جدًا، وربما أمكن لنا أن نتوقّع أن يشتدّ البحث حوله في المستقبل، لا سيّما من قبل أنصار التجريد أو الثنويين المحدثين، وأن نتوقّع من الفيزيقيين أن يتداركوا فرضيات لتوجيه هذه الظاهرة.

* العلوم العصبيّة الثقافيّة تبيّن الكثير من المعطيات والمسارات الذهنية/ العصبية بوصفها متأثرة بالثقافة. وعلى هذا المبنى هل يمكن للاختلافات الثقافية أن تمثّل تحديًا لقطعية واعتبار بعض نظريات العلوم العصبية؟

إنّ نظريات العلوم العصبية حيث كانت ترتبط بالنظريات اللاهوتية والإنثروبولوجية الهامّة والكلية، يكون لها في الحقيقة والواقع ثقافة قطعية وثابتة؛ بمعنى أّنها ترتبط بكلٍّ واحدٍ من وجهة النظر اللاهوتية. وبالتالي فإنّ اللاهوتيين والمتدينين والمؤمنين جميعهم لديهم في بقاع العالم جميعها رؤية واحدة  تقريبًا، وهي أنّ للإنسان ناحية تفوق المادة اسمها الروح، وأنّها سوف تعيش في عالم ما بعد الموت، وسوف تواصل حياتها هناك. وحيث هي موجودة في هذه الدنيا فإنّها تعمل على إدارة النشاطات الذهنية وتجربتها. هذه ثقافة عامة ومشتركة بين الذين يؤمنون بالمعتقدات الإلهية جميعهم. وليس هناك كبير اختلاف من هذه الناحية، فإنّ معطيات العلوم العصبية عندما تريد الارتباط بالآراء الأنثروبولوجية، تدعو هذه الرواية العامّة ذاتها إلى التحدّي، وهذه المسألة ليست مثار اختلاف كبير. بالتالي فإنّ علوم الأعصاب تساعد على نظريّة التماهي بين الذهن والمخ، بمعنى أنّ الذّهن أو الشيء الذي تسمّونه روحًا ليس هو شيء آخر غير المخ. فإنّ أحد الآراء ذات الجمهور الواسع بين الفيزيقيين ـ على سبيل المثال ـ هو هذا التماهي بين الذهن والمخ أو ما يُصطلح عليه في اللغة الإنجليزية بـ (identity). ما هو الشيء الذي يتم تحدّيه بهذه الرؤية؟ إنّ هذه الرؤية تعمل بشكلٍ محدّدٍ على تحدّي الرواية اللاهوتية من الناحية ما فوق الجسدية للإنسان، وليست هذه بالمسألة التي تستدعي التذكير، فمن الناحية الثقافية هناك اختلافات، ويمكنها أن تتحدّى قطعيّة هذه الرؤية الفيزيقية والمادية واعتبارها. كلا، فإنّ هذه تحتاج إلى أدلّتها، وبطبيعة الحال فقد تمّت إقامة أدلّة حتى بين الفيزيقيين ـ وليس بين الثنويين فحسب ـ تجاه هذا القول بالتماهي، بيد أنّ تلك الأدلّة لا ربط لها بالأبحاث والاختلافات الثقافية أصلاً. فهي أدلّة فلسفية. حتى الاستدلالات التي تنبثق عن معطيات العلوم العصبية ذاتها. من ذلك مثلاً أنّ الـ (multiple realizability) أو قابلية التحقّق المتعدّد تذهب إلى الاعتقاد بأنّ النشاط الذهني المحدّد قد يتحقّق في مختلف أنحاء المخ أو من طريق الاتصالات العصبية المتعدّدة مساراتها. ليس الأمر على سبيل المثال وكأنّ النشاط الذهني «أ» يجب أن يتحقّق حتمًا وحصريًّا من طريق النشاط العصبي «ب» فقط. فقد يتحقّق من طريق النشاط العصبي «ج»، أو من طريق النشاط العصبي «د»، وهذا قد تمّ إثباته. لا سيّما بين أولئك الذين أصيبوا بتلف في الناحية «ب» من المخ، حيث يحقّق ذلك النشاط الذهني «أ» بشكل طبيعي، وعندها يشاهد هذا الشخص في المختبرات والعلوم العصبية أنّ ذلك النشاط الذهني يتحقّق بواسطة نشاط عصبي بديل، مثل النشاط العصبي «ج». وعليه فإنّ الـ (identity) يتمّ تحدّيه بهذه الطريقة. إذا كان الذهن والجسم متماهيين، فإنّ هذا التماهي يعبّر عن ارتباط ضروري ودائم، مثل الماء والـ (H2o)، حيث هما متماهيان أبدًا، ولا معنى لأن يتحوّلا فجأة ويكون لهما بديل، أو أدلّة أخرى. إنّ التحدّيات الماثلة في قبال آراء العلوم العصبية، لا تمثّل تحدّيات ثقافية في أدبيات البحث في الحدّ الأدنى، بل هي تحدّيات فلسفية، وهي تحدّيات منبثقة من المعطيات المتناقضة ذاتها للعلوم العصبية.