البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

August / 8 / 2021  |  597أنطولوجيا العقل الغربي قامت على الفصل الحاد بين الطبيعة والوحي

الحوار مع :د. عزيزة صبحي
أنطولوجيا العقل الغربي قامت على الفصل الحاد بين الطبيعة والوحي

يدور هذا الحوار حول الإشكاليات التأسيسيّة التي نجمت عن العلاقة المعقّدة والملتبسة بين الفلسفة والدين في الفكر الغربي منذ اليونان إلى عصور ما بعد الحداثة.

لقد تركّزت إجابات أستاذة فلسفة الدين في جامعة الإسكندرية على الصّلة الوطيدة بين الأنطولوجيا اليونانيّة والمباني الفلسفيّة التي قامت عليها الحداثة الغربية. وخصوصًا لجهة الأثر العميق الذي أحدثه اليونان في تنظيره للفصل الحاد بين المادة والبُعد الروحي للإنسان.

وفي ما يلي وقائع الحوار:

“المحرّر”


* هل لنا أن نلقي الضوء بداية على التأسيسات الأولى للعلاقة بين الفلسفة والدين كما ظهرت لنا في بنية التفكير الغربي؟

اسمحوا لي أوّلاً، وما دمنا نتحدّث تحت مظلّة العلاقة بين الدين والفلسفة في الغرب، أن ألمِّح سريعاً، وبصورةٍ مختزلةٍ، أنّ مثل هذه العلاقة التي تتأرجح ما بين التكامل/التناقض/التوفيق، وأنّ ذلك السّجال الفلسفي المطوّل المطروح عبر تاريخ الفكر الفلسفي لم يكن له وجود في الفكر اليوناني الكلاسيكي، قد يُرجع البعض هذا إلى طبيعة المفهوم الديني أو اللاهوتي في اليونان قديماً، وقد يرجعه البعض الآخر إلى طبيعة العقلية الغربية المتسيدة والمتحرّرة من كلّ قيد. وإنّني لا أرى هذا أو ذاك، فلم تكن الصورة بتلك المثاليّة، فحقيقة لم يكن هناك صراع بين الديني والفلسفي كما نعدهما، وإنّما كان هناك صراع من نوع آخر، صراع بين الفكر (الفلسفة) والمقدّس، ولا أعني بالمقدّس هنا أية صورة من صور الدين، وإنّما الأفكار والموروثات التي اكتسبت بفضل تقادمها شيئاً من التقديس. وفي هذا السياق، يبدو لي أنّ الأمثلة حاضرةٌ في تلك الحقبة. أضرب لكم مثالاً واحداً يوضّح ما أقصده؛ كانت الأسباب الرئيسة لمحاكمة سقراط – وفقاً لروايتي أفلاطون وإكسينوفون – أسبابًا دينية، والحقيقة أن اتّهام سقراط بالفجور وعدم التقوى لا يتعلق بالمفهوم الديني لهما، لكنّه يتعلق بدلالتهما لدى اليونانيين. فالتقوى ليست فقط احتراماً للآلهة وللشعائر الدينية، لكنّها تتضمّن السّلوك العام نحو الآباء والأسلاف وكل أفراد الدولة ومؤسّساتها، وتتضمّن أيضاً الأحاديث أو التعاليم التي قد تنال منها – أي الدولة. وربما كان الأساس في محاكمة سقراط هو ذلك السبب الذي يظهر حيناً ويتوراى أحياناً لكنّه دائماً فاعلاً وقوياً، وأقصد به السياسة، أي موقف سقراط السياسي من الصراع الطبقي بين الأوليجاركية والديمقراطية وتحيّزه لحكم الفرد الذي يعرف.

علي أيّة حال، ما أردت قوله من هذا الاستدعاء لمحاكمة سقراط، إنّه وإن لم تظهر قضية الدين/الفلسفة على ساحة الفكر اليوناني الكلاسيكي فقد كان هناك صراع بين الموروث، القديم، المقدّس وبين الجديد، المستحدث، والمخالف للعادة. إنّ هذا الفكر اليوناني بأطروحاته الفلسفية المتباينة عن العقل، والذي أثر في الفكر الغربي اللاحق وأسّس لمفاهيم التنوير والحداثة، فإنّه أيضاً من وضع هذا العقل في مواجهة جديّة مع التقليد وانتصر للأخير ضدّ الأوّل.

* بذلت الميتافيزيقا منذ ولدت في أرض الإغريق وإلى يومنا الحاضر ما لا حصر له من المكابدات. اختبرت النومين (الشيء في ذاته) والفينومين (الشيء كما يظهر في الواقع العيني)، لكنّها ستنتهى إلى أنّ العقل قاصر عن مجاوزة دنيا المقولات وعالم الحس. أمّا النتيجة الكبرى فكانت الإعراض عن الخوض في علم الغيب بذريعة أنّ ما لا دليل عليه بالعقل والتجربة لا يُعَّول عليه. كيف ترون إلى هذه المعضلة التأسيسيّة في الميتافيزيقا؟

ولد اصطلاح الميتافيزيقا – كما أشرتم – في بلاد الإغريق على يد أندرونيقوس الروديسى، وقد جاء متوافقاً مع دلالته ومضمون المؤلفات التي عنونت به، حيث اطلق على مؤلفات أرسطو التي تأتي بعد الكتب الطبيعية، وإذا كنّا نؤرخ لهذا الاصطلاح – بالقرن الأوّل الميلادى فلا شكّ أنّ دلالته تنسحب على الفكر الفلسفي السابق لا في اليونان فحسب بل أبعد من ذلك بكثير، حيث نجد نظريات ورؤى ميتافيزيقية معمّقة في الفلسفات الشرقيّة الضاربة بجذورها في عمق التاريخ.

لكنا إذا ما خصّصنا الحديث فيما يتّصل بميتافيزيقا اليونان بوصفها تأسيساً لميتافيزيقا الغرب اللاحقة، فإنّها قد عانت كثيراً من العثرات، بدايةً من الخلط المبتدئ لدى فلاسفة اليونان الأوّل ما بين المادي والميتافيزيقي، وذلك في سعيهم الحثيث ومساءلتهم الدائمة والمتباينة عن أصل الوجود، وإقرارهم بالأصل المادي له، وتصوّرهم للمادة تصوّراً ميتافيزيقياً، حيث أضفوا على تلك المادة مفاهيم: الإحاطة، العلم، والمقدرة، وما إلى ذلك من مفاهيم ميتافيزيقية.

ثم إنّ العقل الغربي – في تلك الآونة – وإن لم يكن يُميّز تمييزاً واضحاً بين المادي والروحي. فإنّه ورغم ذلك، أراد أن يرتفع بالمادي الطبيعي الأرضي إلى مقام المتعالي السماوي. أي أنّ العقل الغربي قد بدأ منذ القرن السادس قبل الميلاد بمحاولة إعلاء المادي إلى الميتافيزيقي، ثم ينتهي في عصوره الحديثة وعبر تطوّره التاريخي وتلقفه للعديد من الفلسفات إلى إنكار الميتافيزيقي وموت الإلهي.

إذا كانت الميتافيزيقا هي البحث في حقائق الأشياء لا في ظواهرها، وكشف الوجود الحقيقي الذي يكمن وراء الواقع المحسوس، وهو ما يمكن التعبير عنه بمصطلحي كانط: النومين والفينومين، فإنّ العقل الغربي قد اختبر منذ البدء الشيئين، وعبر عن الهوة الساحقة بينهما، لكنه ورغم ذلك – فيما يتصل بالفكر اليوناني باستثناء السوفسطائية والشكاك – منح العقل قدرة وإمكانية تجاوز تلك الهوّة، وربما كانت تلك الجرأة، والثقة في العقل وإمكاناته وتجاوزه، والتي ظلت حاضرة في تاريخ الفلسفة الغربية، ربما كانت بمثابة تأسيساً لتأليه العقل الذي يمثل جوهر الحداثة. ففي الفكر ما قبل السقراطي – مثلاً – نجد بارمنيدس يحيل الوجود بأكمله إلى السكون والثبات، وقد توصل إلى هذه القضية من الاستدلال العقلي المنطقي، ثم جاء زينون الإيلي ليذهب بمذهب أستاذه إلى حد الشطط المخالف للواقع العيني وخبرة الحواس، ويقول إنّ أخيل لن يسبق السلحفاة أبداً. مما جعل أرسطو – ورغم تقديره لهما – يرى أن هذه الآراء شبيهة بالجنون، بطبيعة الحال، لم يكن هؤلاء الفلاسفة بالعقول الساذجة التي لم تختبر الحركة في العالم، لكنّهما لم يعتقدا إلّا في عقيدة العقل لا الحواس، ولم يثقا إلا في شهادته.

ثم يأتي سقراط، ليؤكّد أنّ ذلك العقل هو مستودع الحقيقة، وليس أدلّ على ذلك من محاورة مينون، ذلك العبد الصبى الذي استنطقه بمبادئ رياضيّة لم يتعلّمها من قبل، كذلك آمن سقراط بقدرة العقل وإدراك الماهيات (النومين) التي تكمن وراء أعراضها المحسوسة (فينومين)، حقيقة لم يصل سقراط من بحثه هذا إلى تلك الماهيات لكنه رسّخ لإمكانيّة العقل في العبور إلى الكلّي، ليأتي أفلاطون بعده ويؤكّد المفارقة الأنطولوجيّة والإبستمولوجيّة للماهيات، والتى لا يمكن إدراكها إلّا بالعقل الصرف، ولقد أثار أفلاطون من خلال نظريّته هذه العديد من الإشكاليات التي لا يتّسع المقام الحالي لعرضها، لكن ما أريد قوله؛ إنّه بينما ميّز أفلاطون بين الحقيقة والظاهر أي بين المثال ومظاهره الحسيّة المتغيّرة بوصفها ظلالاً وأوهاماً، فإنّه قد آمن بقوّة العقل في الترقي والصعود من تلك المظاهر إلى الحقيقة الكلية والمطلقة.

ربّما كانت العثرة الحقيقية في تاريخ الميتافيزيقا أو الإنكسار التاريخي لها، هو ذلك الذي حدث في فلسفة أرسطو، والذي لم يُعد مقنعاً للعقل الفلسفي اللّاحق، فإذا كان أرسطو يعرّف الفلسفة بأنّها علم الوجود بما هو موجود، ومعرفة العلل الأولى له، فإنّه لم يتجاوز في بحثه هذا عالم الطبيعة، وحتى عندما انتهى إلى المحرك الأوّل، فإنّه قد أوقفه عند الدفعة الأولى للحركة، بل وعزله تماماً عن العالم المادي، وربّما كان هذا المفهوم الأرسطي عن المحرّك الأوّل أو العقل الذي لا يعقل إلا ذاته، والمنفصل عن العالم بأنساقه المعرفيّة والقيمية والسياسية، ربما هو ما أدى إلي ذلك الفصل الحداثي بين الأرضي والسماوي، الدين والدولة ، ... وغير ذلك من الثنائيات التي لم تظهر على ساحة الفكر إلا في صورة متناقضات.

* صحيح أنّ اليونان قاربوا علم الإلهيات على طريقتهم، لكن كيف تميزون بين هذه المقاربات، وما جاءت به الأديان الوحيانيّة وخصوصاً الإسلام، وهو ما يطرح إشكاليّة المقارنة بين ما يمكن أن نسمّيه «التوحيد الناقص» و«التوحيد الكامل»؟

- من المعروف أنّ السياق الثقافي الإغريقي تعدّدي، مغرق في الوثنيّة، فالآلهة لدى اليونان القديمة بكثرة يعجز المرء عن إحصائها، لكن العقل الفلسفي ينزع منذ المبتدأ نحو التوحيد. لم يكن التوحيد بطبيعة الحال التوحيد الوحياني، لكن التوحيد الفلسفي الذي نلتمس فيه ميلاً نحو إرجاع الوجود الفيزيقي إلى مبدأ ميتافيزيقي واحد لا متناه.

ونجد إرهاصات تلك المقاربة للإله الواحد، بداية – وبشيءٍ من التأويل – لدى انكسمندريس الذي يتحدث عن إلهٍ لا متناهٍ تأتي منه الأشياء وإليه تعود بحكم الضرورة، ولقد أضفى عليه صفات لا تتلبّس إلا بكينونة إله؛ كالإحاطة، الخلود، الأزلية والأبدية. أمّا المثال الأكثر وضوحاً للنزوع نحو التوحيد في فلاسفة ما قبل سقراط فهو إكسينوفان الذي يقول عنه ييجر إنّه أوّل من صاغ المعتقد العالمي، وأنّ فكرة الإله في العالم الغربي لم تبدأ مع أنبياء إسرائيل ولا مع المسيحين وإنّما مع فلاسفة اليونان، كذلك يُقال عنه – وفق وفيلا موفيتيز – إنّه الموحّد الحقيقي الذي ظهر على وجه الأرض، فإله إكسينوفان إله واحد، ليس له شبيه، كلّه عقل، كلّه سمع، كلّه فكر، أزلي لم يخلق من شيء ولا يمكن أن يأتي من شيء دون مقامه. ولقد كان هذا التصور مثاراً لجدل كبير؛ وذلك لأنّه يمثّل ثورة على التصور الإغريقي الشائع عن الألوهية. رغم ذلك، فلم يكن إكسينوفان موحّداً بالمعنى الديني؛ وذلك لأنّ إلهه لم يكن متمايزاً عن الوجود الطبيعى بل حال فيه، أي أنّه توحيد قائم على مذهب وحدة الوجود لا توحيد المؤلهين.

أمّا أفلاطون فقد تحدّث عن الديمورجوس – أي الصانع – في التيماوس، وعن مثال الخير في الجمهورية، وإله أفلاطون إله واحد، روح، عاقل، محرك، خير، جميل، عادل، كلّه في حاضر مستمر، علّة العالم الفاعلة، ويقارب أرسطو –لاحقاً- مبحث الألوهيّة فيحدثنا في الفيزيقا والميتافيزيقا عن المحرّك الأوّل اللّا متحرّك، وعن دليلي النّظام والجمال الباديين في الكون ليؤكّد وجوده، إلّا أنّ إشكاليات بحثه في الحركة وفي ظواهرها جعلته يضع بجانب إلهه هذا آلهة أخرى أدنى مرتبة أسماها العقول المفارقة وشبهها بالمحرّك من حيث كونها عارية عن المادة، ومن ثم فلقد حاول العقل الفلسفي اليوناني تجاوز التعدّديّة نحو التوحيد، لكنّه لم يرق في هذا التوحيد الوحياني، فلقد قال كلّ من أفلاطون وأرسطو بآلهة ثانويّة وهذا ما يتنافى تماماً مع توحيد الألوهيّة، ولم يكن إله أفلاطون محدثاً لشيء إحداثاً مطلقاً لا على صعيد الوجود ولا على صعيد الصيرورة، وإنّما قام بعمله على أشياء موجودة بالفعل من قبل. أمّا إله أرسطو فهو الصورة الخالصة والفعل المحض، لكنّه لا يعقل غير ذاته، ولا ينفعل لسواه، ولا يهتم بشأن العالم، وهذا التّصوّر عن الواحد يتناقض تماماً مع توحيد الربوبيّة الذي يعني تفرّد الإله بالخلق والإحياء والإماتة، ومن ثم فلم يكن التوحيد الذي نادى به الفلاسفة توحيداً بكلّ ما تقتضيه كلمة توحيد من معانٍ.

* الواضح أنّ القسم الأكبر من فلاسفة الحداثة ورثوا عن الإغريق، معضلة «الفصل الإكراهي» بين واجد الوجود والموجود الخاضع لمعايير العقل الحسي ومقولاته؟ غير أنّ هذا الفصل لم يكن أمراً عارضاً بل سيكون له أثره الحاسم وامتداده الجوهري في ثنايا تفكير الغرب الحديث. كيف ترون إلى هذه المشكلة التأسيسيّة التي غطّت مجمل نشاطات الميتافيزيقا الحديثة المتعلّقة بحياة الإنسان ومصيره؟

بالفعل لقد وجد الغربيون في ميتافيزيقا أرسطو ضالتهم ومسعاهم في فصل الإله عن الحياة الواقعيّة؛ فإله أرسطو علّة غائيّة لا فاعلة، وهو الصورة المحضة والعقل المكتفي بذاته الذي لا يعقل غيرها ولا يعلم شيئاً عن الموجودات. إنّ إله أرسطو ليس له إرادة أخلاقيّة أو هدف يتّصل بالوجود، لكنّه قاطن في عليائه، لا ينفعل لشيء؛ لأنّ في هذا منقصة لقدره. ولقد تأثّر الغربيون بهذا المفهوم إلى حدّ كبير، فأبعدوا الإله عن تدابير الكون والتدخل في أموره، واتّخذوا من ميتافيزيقا أرسطو منطلقاً لهذا.

والحقيقة، أنّ ثمّة عوامل أخرى أثْرت موقفهم هذا، منها مناهضة الكنيسة ورجالها ومسلكهم المتعنّت والسلطوي المعروف تجاه العلم والتفلسف، ومنها أيضاً تسليم الغرب المطلق بالعلم ومكتشفات العقل البشري التي أزالت الغموض حول كثير من إشكاليات الكون وأسراره المختلفة. عندئٍذ بدأت الأصوات تتعالى بفصل وإبعاد الله – مع الاعتراف بوجوده – عن العالم الواقعي، ووصلت صيحات هذه الأصوات إلى منتهاها إلى حد القول بموت الإله الميتافيزيقي.

ومن الذرائع أيضاً التي اتّخذها هؤلاء ممن دعوا إلى الفصل بين الله والعالم؛ قصور المعرفة البشرية وعجزها عن إدراك الحقائق الكلية بشكلٍ كاملٍ وصحيح، وهم في هذا لا يستندون إلى رؤيتهم التجريبية المادية فحسب وإنّما أيضاً إلى التأسيس الإغريقي لهذا، فإن كان أرسطو لم يجعل معرفة الإله غاية في فلسفته، فإنّ أفلاطون من قبله قد أكّد أنّ معرفة الصانع عمل شاق يستحيل على مكتشفه أن يفضي به إلى الجميع، وهو ما أكده أيضاً إكسينوفان قبلهما فذكر أنّه ليس هناك من يعرف شيئاً عن الإله أو يدركه تمام الإدراك. ومن ثم، فقد وجدت ميتافيزيقا الحداثة – وفقاً لما سبق – في الميتافيزيقا اليونانية ما جعلها تختزل الميتافيزيقا إلى مجرد اهتمام بالعالم الأرضي وحياة الإنسان ومصيره بداخله.

وإن كان الغرب نفسه أصبح يدرك عواقب ذلك ويعيد – في الآونة الأخيرة – قراءته لهذا الموقف.

* في الفلسفة الحديثة ومع تأسيساتها الأولى أراد الشكّ الديكارتى بحسب عدد من نقاده أن يقول إنّ الإنسان يكوّن معرفته الخاصّة ويجعلها تؤسّس ذاتها بمعزل عن الله. ولقد تركّز وعي الحداثة على هذه المقولة من خلال تأسيس يقينه الوجودي والمعرفي في الأنا الواعي على إظهار الإنسان كموجود مطلق ... ألا ترون أنّ هذا الأمر هو من الأسباب الأساسيّة في دفع العلمانيّة نحو إقصاء الإيمان الديني من نظامها المعرفي، وبالتالى كيف تقرأون التداعيات الخطيرة للكوجيتو الديكارتي على الفكر الغربي الحديث؟

قاربت العقول الفلسفية الكوجيتو الديكارتي ما بين مؤيّدٍ ومعارضٍ: مؤيّدٌ يرى فيه تحرّرًا وسيادة وإعلاءً للإنسان بوصفه جوهراً مفكراً، ومعارضٌ يرى فيه نعرة استعلاء واستلاب على وعن كلّ ما هو إلهيّ مقدّس. لقد استندت الحداثة إلى الكوجيتو الديكارتي، وبالفعل، لقد دفع في اتّجاه العلمانيّة، ولكن كيف آل هذا الكوجيتو إلى مثل هذا المنحى الفكري، وكيف أدّت فلسفة ديكارت وهو الفيلسوف الكاثوليكي الورع، الذي أثبت وجود الله واعتبره ضامناً لإثبات وجوده، كيف أدّت في نهاية الأمر إلى إقصاء الديني والمقدّس؟ هنا وجب أن نفرّق بين مقصد الفيلسوف ونيّته على المستوى النّظري، وما آلت إليه فلسفته بالفعل على مستوى التطبيق، خاصّة وأنّه، من المعروف أنّ فلسفة ديكارت راجت رواجاً كبيراً ليس بين المثقفين والمتفلسفة فحسب وإنما بين العامة؛ وذلك لأنّه ولأوّل مرّة في تاريخ الفكر تكتب الفلسفة بلغة العامة ألا وهي الفرنسيّة، فتحطّمت بذلك الوصايا التي احتكرتها الكنيسة والنّخبة من متقني اللاتينيّة، لهذا فقد أثّرت عظيم الأثر في الفكر بصفةٍ عامةٍ. أمّا عن الركيزة التي ارتكزت إليها الحداثة في فلسفته، وهو الكوجيتو الذي يمثل لحظة تاريخيّة فارقة، لحظة تحوّل إبستمولوجى وأنطولوجي نحو الأنا؛ حيث نحى ديكارت الحقائق والمعارف السابقة جانباً وانطلق من الصفر الوجودي والمعرفي متخذاً من الشك المنهجي وسيلة في هذا حتى توصّل إلى قضيّته المحوريّة «أنا أفكر إذًا أنا موجود». لم يكن لمثل هذا الأنا الذي أخذ يطفو على سطح التاريخ لأوّل مرّة في القرن السابع عشر، لم يكن له وجود سابق فليس هناك اعتبار وتعظيم إلا لله وللمؤسّسة الكنسيّة.

لقد جاء «الأنا أفكر إذًا أنا موجود» أي الكوجيتو ليؤكّد أولويّة الذات البشريّة واستقلالها وتمايزها على الطبيعة، ولقد كان التنظير لتلك الذاتية المفرطة أثرها في الفكر اللاحق، فعندما نُظر إلى الأنا بوصفها أساساً للحقيقة ولتأسيس وجود المرء ومعرفته أصبح الإنسان مكتفياً بذاته، واعياً بها، وليس في حاجة إلى الله؛ لأنّه يستمدّ يقينه من ذاته لا من سلطة غيرها. وهو ما رسخ فيما بعد لإقصاء الديني، ورغم إيمان ديكارت بوجود خالق للكون، فإنّ مفهومه عن الألوهيّة لم يكن سوى نتيجة «الأنا موجود» وفي هذا هدم للميتافيزيقا القديمة. فإذا كان أرسطو قد اتّخذ النّظام الكوني دليلاً على وجود الإله، فقد أقام ديكارت ميتافيزيقا جديدة لا تجعل المادة متكأً للوصول إلى الله، وإنّما انطلق من إثبات الفكر إلى إثبات وجود الله. ولم يعد الله العلّة الغائيّة، كما هي الحال في الميتافيزيقا الكلاسيكية، بل أصبح ضامن لوجود الذات الفردية. وهكذا أستطيع القول إنّ الكوجيتو الديكارتي قد بحث عن الحقيقة على الأرض لا في السماء وفي الذات الإنسانيّة لا في الأشياء الخارجية، ومن ثم، حول الكوجيتو الديكارتي الفلسفة من الميتافيزيقا إلى الإبستمولوجيا، فارتبط كلّ من المعرفة والوجود بالذات الفردية وليس بالكلّي والمطلق، مما كان له عظيم الأثر في تعضيد الرؤية العلمانية وفصل المقدس عن الدينوي. فحاول الإنسان الحديث تقليص الدور الإلهي؛ وذلك لأنّه اعتبر نفسه معياراً لكلّ شيء حتى انتهى بها الأمر إلى اعتبار دور الإله دوراً زائداً، أي أنّه بتمرّد الفلسفة على الوحي، الإلهي، المقدس أصبح الطريق ممهداً للعلمنة وإقصاء الديني.

* يبدو الأثر البيّن لمعاثر الميتافيزيقا في الغرب مركوزاً في ملحمة الصراع بين الإيمان الديني والعقل العلمي. فلقد جاءت أطروحة التناقض بين العقل والإيمان الديني كتمثيل بيّنٍ على مأزق التنوير الذي افتتحته الحداثة في مقتبل عمرها. كيف تبيّنون لنا رؤيتكم التحليليّة والنقديّة لوقائع هذه الأطروحة؟

بدأ العقل الغربي عصر النهضة بالثقة والإيمان المطلق بذاته وبتخارجه وقدرته على فهم العالم وحلّ الإشكاليات الكامنة به، دونما أية حاجة إلى الما ورائيات. حتى أصبحت تلك العقلانية في القرن السادس عشر والسابع عشر بديلًا موضوعيًا عن الدين. نظرت إلى العلم بوصفه موضوعًا من موضوعاتها، وآمنت بقدرته على تفسير ظواهر العالم تفسيراً علياً عقلياً، وازداد هذا الإيمان بالعلم بتطوّر مناهج البحث العلمي إلى أن بلغ هذا التطوّر أشدّه في القرنيين التاسع عشر والعشرين، وبدأ الانفصال التام بين الدين والعلم. ولكن ما لبث هذا العقل الغربي الذي تجرأ واغتر بإمكاناته أن أدرك ما آلت إليه هذه العقلانية من مثالب نالت من الإنسان وجعلته مغترباً عن ذاته وعن الآخر.

والحقيقة أنّ موقف الغرب وتماديه في عقلانيته في مقابل تخليه عن الدين والميتافيزيقا موقف متهافت لا يصمد للنقد. ليس فحسب لأنّ تاريخ العقلانيّة الغربية ذاته قد تجاوزها محاولاً أن يتلمس طريقه مرّة أخرى إلى علاقة تكامل وتعايش تجمع بينها وبين الدين، وإنّما أيضاً لأنّ الأساس التاريخي الذي قام عليه إدعاء الغرب في تخليه عن المعتقدات الدينية وإهماله لها هو إدعاء زائف، يقوم على صيحات قائلة بالاختصام الشديد بين الدين والعلم، وتجد هذه الصيحات ما يبرّرها في تاريخ الفكر البشري قديمه وحديثه، مستندة في ذلك إلى القرون الوسطى وما ساد فيها من تعصّب وجمود ورفض لحقائق العلم. والحقيقة أنّ هذه الثنائية: الإيمان الديني/ العقل العلمي والمثيرة للإشكال والالتباس والمرسخة في الوقت نفسه لبعض الثنائيات الأخرى: الله/ العالم، السماوي/ الأرضي، وهى ثنائيات تم تناولها بوصفها متناقضة، لم يكن لها ـ في ظني ـ وجود على الإطلاق .يستند أصحاب إدعاء التناقض والخصومة التامّة بين الإيمان الديني والعقل العلمي إلى قصة النزاع الشهيرة بين النظرية الهليوسنترية؛ وهي النظرية القائلة بأنّ الشمس هي مركز النظام الكوني، والتي أثبتها العلم منذ الإغريق، وبين النظرية الجيوسنترية؛ القائلة بأنّ الأرض مركز الكون والتي تبناها رجال الدين المسيحي. والحقيقة أنّ هذا النّزاع التاريخي الذي وصل في أوجه إلى حد التكفير والمحاكمة، لم يكن صراعاً بين دين وعلم، لكن بين مذاهب لاهوتية ورجال دين أوّلوا نصوص الكتاب المقدس وفقاً لرؤيتهم التي تتسم بقصور النظر وسذاجة التحليل. لأنه إن كان الأمر خصومة حقيقية بين دين وعلم لما تراجعت الكنيسة واختلقت الأكاذيب لتبرّر بها موقفها العدائي من كوبرنيقوس أوّلاً والقائل بمركزية الأرض، والذي لم يجرؤ على نشر نظريّته إلا بوصفها صورةً متخيلةً خوفاً من اضطهادها، ثم موقفها من جاليليو الذي انتصر لهذه النظرية، لكنّه ما لبث، وتحت وطأة القهر والقسر الكنسي، أن تبرأ منها. إذًا لم يكن الأمر ـ كما صوره البعض ـ عداءً بين دين وعلم؛ لأنّ مسيحيّة القرون الوسطى هي مسيحيّة القرون اللّاحقة. ومن ثمّ، ووفقاً لما سبق، ينهار الإدّعاء التاريخي انطلاقاً من هذا.

وقد وجد هذا العداء لقرون سابقة تحديداً في اليونان قديماً عندما أعلن فيثاغورث ثم فيلولاوس – أنّ الأرض والسيارات تدور حول نار مركزيّة ثم بعد ذلك أكد أرسطارخس هذا القول فاتُّهم حينئذٍ أيضاً بالكفر وذلك في عهد ما قبل المسيحية.

الخلاصة، إنّ الصّراع لم يكن سوى نزاع بين فكرة قديمة تحوّلت بتقادمها إلى صنم عبده الإنسان، وبطبيعة الحال يواجه كلّ ما عداه بشيء من التربص والعداء والاختصام.

* ماذا تعني لكم عودة القضيّة الدينيّة إلى المجتمعات الغربية ... وهل يدلّ ذلك على إخفاق العلمانيّة أو انكفائها عن كونها البديل التاريخي الحضاري لاستمراريّة حداثة الغرب؟

-بدأ الغرب أطروحته عن العلمانيّة بمقولته المعروفة والجريئة والصادمة أيضًا «إزالة السحر عن العالم» وظلّ يتنبّأ بتراجع النزعة الدينية وانحسارها لدى الأفراد والمجتمعات، بل ووصل به الشطط إلى حدّ القول بأنّ الدين هو أعظم الأوهام النفسيّة، وقد اقترب من الموت – وفقاً لفرويد – بل وحدّد توقيتاً بعينه لزواله (عام 1900) وتمّ النّظر إليه على أنّه من مخلفات الماضي – وفقاً لوولستون. ولقد انتشرت العلمانيّة كنتيجةٍ منطقيّةٍ لتشدّد الكنيسة وعدم مواكبتها للتغيرات التي شهدتها أوروبا في القرن السابع عشر وما بعده. فضلاً عن الحروب الدينية وما أحدثته من انقسامات مذهبيّة وسياسيّة. فآمن الغربيون بوهم العلمانية القائم على أن العصا السحرية لحلّ الأزمات ونهضة الأمم هو التمييز التام بين الديني والدنيوي، الأرضي والسماوي، الدين والسياسة.

أمّا عن عودة القضيّة الدينيّة إلى المجتمعات الغربية، وهي الأطروحة السائدة على ساحة الفكر الغربي في سنواته الأخيرة، ذلك الغرب الذي بدأ حداثته بإزدرائه وتقويضه للدين، لكنّه بعد أن اختبر العلمانيّة لقرون أربعة، تزعزع إيمانه بالدعائم التي تقوم عليها: مثل التقدّم التقني العلمي الذي يفسّر الواقع بصورةٍ علية، كذلك التقدّم الاجتماعي والاقتصادي الذي وعد الإنسان بالسعادة والرفاهية دون الحاجة إلى الما ورائيات، والحقيقة أنّ تاريخ الحداثة نفسه يدلّ على مراجعة واقعيّة لهذه الدعائم، حيث كان التقدّم التقني هو الخطر الحقيقي الذي يتربص بالإنسان، وهو ما أشار إليه هابرماس من أنّ الخطر الفعلي هو العلم التطبيقي (البيولوجي) بكلّ ما يتضمّن من نتائج أخلاقيّة وإنسانيّة خطيرة. كذلك لم يتحقّق وعد الرفاهية، والتاريخ دال على معاناة وحاجة بعض البلدان الغربية، فضلاً عن أنّ تلك العلمانيّة قد أدّت بالنهاية إلى عالم فاقد للمعنى، وكان من الطبيعى في ظلّ هذه الأجواء أن يظهر الدين ليرأب الصدع الأخلاقي والروحي.

إذا كان العالم قبل العلمانية مفعم بالسحر والوهم، فإنّ عالم العلمانيّة بمثابة القفص الحديدي ـ وفقاً لتعبير ماكس فيبر ـ المتحجّر الذي لا روح ولا قلب فيه إن لم يظهر به أنبياء جدد، أو تبعث فيه أفكار ومثاليات قديمة، وعندما نتحدث عن عودة القضيّة الدينيّة إلى الغرب يجب أن ننوّه إلى أنّ الشعار الذي تبنته علمانية الغرب «إعطاء ما لقيصر لقيصر ومالله لله» لم يطبق أبداً، فلم تتخلّ أوروبا كليّةً عن معتقداتها وطقوسها الدينية، فمثلاً، ما زالت بعض الأحزاب السياسيّة تقوم على القيم المسيحيّة. أي أنّه لم يكن هناك انسحاب حقيقي للدين، حتى وإن توارى لبعض الوقت لدى مجتمعات الغرب على المستوى المؤسساتي، فإنّه دائماً وأبداً يستقرّ داخل الوعي الفردي، ورغم دعاوى التجديد والحداثة والعلمانية، ورغم تنبّؤ العلمانيين في المبتدأ بزوال الدين، فإنّه قد انتشر على نطاق أوسع إلى الحد الذي قال عنه بيتر بيرجر: «إنّ العالم المعاصر يطغى عليه جنون ديني..».

وعودة القضيّة الدينيّة هو ما درج تناوله في سياق مصطلح «ما بعد العلمانية»، ولا يعني هذا الاصطلاح العودة إلى ما قبل العلمانيّة أو إزاحتها، لكنّه حضور جديد يتواءم مع ظروف العصر، حضور يقبل التعددية، ويقبل الدين دون إكراه أو إلزام، وينظر إلى العالم في ظلّ رؤية كونيّة تتعايش فيها العلمانية والدين معاً، لتكون «ما بعد العلمانيّة» هي البديل الحضاري لاستمرارية حداثة الغرب عوضاً عن العلمانية. وربّما جاء التاريخ فيما بعد ليعلن تجاوز ما بعد العلمانية إلى ما بعديات أخرى ... فما أكثر الما بعديات الغربية!

* كان الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط أوّل من أعلن عدم ثقته بالميتافيزيقا في زمن الحداثة، إلّا أنّه كان أيضاً أوّل من أعطى لقوّة العقل البشري صفة تجاوز كلّ تجربة حسيّة، وهو ما ذهب إلى تسميته بالاستعمال المتعالي للعقل ... ألا يعتبر ذلك تناقضاً جوهرياً في مهمّة العقل النظري الذي ورثته الفلسفة الغربية من بعده إلى يومنا هذا؟

تتضمّن فلسفة كانط العديد من النقائض التي يصعب تسويتها خاصّة فيما يتّصل بالإشكاليات التي طرحها في “نقد العقل الخالص”، وعلى وجه التحديد موقفه من الميتافيزيقا، والحقيقة أنّ موقف كانط لايخلو من التباس وغموض، حيث بدأ كانط ثورته على الميتافيزيقا الكلاسيكيّة وهو ما استند إليه الفكر الحداثي. كان ذلك انطلاقاً من إعجابه بما حقّقه العلم في الفيزياء والرياضيات، وهنا تساءل كانط كيف استطاع العقل في هذه العلوم أن يحقّق هذا التقدّم المعرفي الهائل، ولِمَ أخفق فيما بعد الفيزياء، ورأى أنّ المشكلة تكمن في أنّ الفلسفة قد استخدمت أداة – ويعنى العقل – دون مساءلتها، وكان مشروع كانط في “نقد العقل الخالص” هو مساءلة هذا العقل والبحث في حدوده وقدراته. ويرى كانط كما أشار بنفسه في بداية كتابه أنّ العقل البشري مهموم بالعديد من التساؤلات التي لا يستطيع الإجابة عنها أبداً؛ لأنّها تجاوز حدود قدراته، وإن فعل فإنّه يلقي بنفسه في العتمة والمتناقضات، والحقيقة أنّ كانط بمقولته هذه هو من ألقى بفلسفته في خضم هائل من التناقضات لا تزال تثير جدلاً واسعاً حتى اليوم، ويتوافق هذا الرأي مع تمييز كانط المعروف بين النومين والفينومين، ذلك التمييز الذي يمثل جوهر رفضه للميتافيزيقا المتعالية، حيث أقرّ بعجز العقل عن إدراك الشيء في ذاته، بل وجعل النومين مغايرًا تماماً للفينومين، مما استتبع بالضرورة الشك ونسبيّة المعرفة. وهو في هذا لم يتجاوز هيوم الذي أخرجه من ثباته العميق – وفقاً لمقولة كانط – وبسبب هذا التمييز الأكثر إرباكاً في فلسفة كانط كان لتلاميذه المباشرين منحى فلسفي مختلف.

إنّ التمييز الكانطي بين النومين والفينومين، وتوقف العقل عند حدّ الحس وعدم إمكانيّة تجاوزه لدنيا المقولات الأرسطية، أوقع كانط في تناقض كبير؛ وذلك لأنّ مشروع كانط – كما أسلفنا – هو دراسة ماهية العقل– أي دراسة الشيء في ذاته، فكيف للعقل أن يكون هو الوسيلة والغاية في الوقت نفسه، كيف يكون القاضي والمتّهم في قضيّة واحدة؟ ولقد انسحب هذا الفهم، بطبيعة الحال، على رؤية كانط للميتافيزيقا، فإذا كنا قاصرين على إدراك الشيء في ذاته، وإن كان العقل لا يتجاوز علم الحس، وإن كان العلم هو سبب النهضة الهائلة، إذًا، يمكن أن نستبدل بالميتافيزيقا الكلاسيكيّة ما أسماه كانط بالعقيدة العلميّة الجديدة والتى ناقشها بوصفها إمكاناً ميتافيزيقياً، فأراد للميتافيزيقا أن تكون علماً على غرار العلم الطبيعي، فأحدث كانط بذلك انقلاباً نوعياً تمخضت عنه تداعيات مختلفة أثرت في الفكر اللاحق.

لم يُقم كانط، إذًا، للميتافيزيقا وزناً، حتى فيما يتصل بموضوعات؛ الله والنفس والحرية، أو ما أسماه كانط الأفكار المتعالية للعقل المحض، والتى تمثّل محوراً مهماً في الفكر الميتافيزيقي، ويقدّم العقل الحجج لدعمها أو نقضها، لكن لقصوره فإنّه عاجز عن إدراك حقيقتها، لذا يقوم كانط بإحالة الميتافيزيقا إلى العقل العملي والواجب الأخلاقي، وكأنّه بذلك قد أراد للميتافيزيقا أن تنحو نحواً مغايراً تماماً لما كانت عليه منذ أرسطو.

رغم هذا الموقف العدائي من الميتافيزيقا، فإنّ كانط في القسم الثاني من «نقد العقل الخالص» المعنون «بالجدل المتعالي» لم ينكر نزوع العقل البشري إلى تجاوز عالم التجربة، مستشهداً في ذلك بأفلاطون ومحاولته تجاوز المحسوس للمعقول، ويقرّ بأنّ هذا التجاوز ليس ترفاً عقلياً، لكنّه دافع يكمن داخل العقل البشري. وعلى هذا، يؤكّد كانط نفسه تأصّل الميتافيزيقا داخل الطبيعة البشرية، وفيه أيضاً يعرض كانط للكيفية التي يحول بها العقل الخالص أفكاره إلى موضوعات للتأمّل وكأنّها في ذاتها ولذاتها. ولا شكّ أنّ هذه النقلة من الطبيعة إلى ما بعد الطبيعة قد أدّت بطبيعة الحال إلى تناقضات يصعب حلّها. وكأنّ كانط نفسه لم يستطع – رغم موقفه العدائي من الميتافيزيقا – أن يلجم هذا النزوع العقلي نحو الميتافيزيقي، فالميتافيزيقيا حاجة متأصلة بداخلنا.

* إلى أيّ حدّ يمكن لنا الحديث عن فلسفة إسلاميّةٍ تملأ الفراغات الكبرى التي أحدثتها الفلسفة الغربية في الحضارة الإنسانيّة المعاصرة وخصوصاً الفراغ الحاصل في المنظومة الأخلاقية والقيمية؟

سبق وتحدّثنا من خلال ما تفضلتم وطرحتموه من تساؤلات عن الفلسفة الغربية منذ نشأتها، ورأينا كيف أنّها فلسفة آمنت عبر تاريخها الطويل إيماناً مطلقاً بالعقل ومخرجاته، ورأينا أيضاً ما آل إليه الإفراط في هذا الإيمان من عواقب نالت من الإنسان المعاصر ومن مصيره، بل وأفقدته المعنى والهدف وجعلته مغترباً عن أصله ومآله الإلهي. لقد أفرز هذا العقل زخماً فكرياً كبيراً يتمثل في المذاهب الفلسفية المختلفة؛ المادية، المثالية، الوضعية والعقلانية. العلمانية والحداثة وما بعدهما...تلك المذاهب التي تناوبت الظهور على ساحة الفكر الغربي، لكنّها دائماً وأبداً تقارب الإنسان من جهة أحادية، تهمل الوجود الإنساني الأرضي لصالح الأخروي حيناً، وتُعلي من ذلك الوجود الدنيوي وتبحث في كلّ ما يُثريه وتتناسى السماوي أحياناً. تُعلي من شأن العقل على الجسم حيناً، وتهمل الروح لصالح الجسم أحياناً. وفي كلّ الأحوال تتخذ من العقل متكأً في ذلك، وتنفصل تماماً عن الميتافيزيقي- كما رأينا في الفكر الحداثي.

الأمر يختلف تماماً في الفلسفة الإسلامية، فبدايةً هي تقارب الإنسان بكُليته من حيث الوجود؛ في وجوده الأرضي الحالي وفي وجوده الأخروي المستقبلي، ولا تهمل أحدهما لصالح الآخر. وتقارب الإنسان بكُليته أيضاً من حيث الماهية، فإذا كان أرسطو قد عرف الإنسان بأنّه «عاقل»، وعرّفه ديكارت بأنّه «مفكر» فإنّ ما آل إليه تاريخ الفلسفة يثبت أنّه «ميتافيزيقي» لا يمكن أن ينفصل بحالٍ من الأحوال عن أصله ومصدره ومرجعه. تحدثنا أيضاً عن تداعيات الانفصال عن الإلهي في الفلسفات الغربية، وكانت النتيجة لذلك عالم مصاب بالعديد من الأمراض الاجتماعية والأخلاقية والسيكولوجية الخطيرة، والتي لم يجد الغرب لها ترياقاً إلّا بنزوعه مجدّداً نحو الميتافيزيقي وذلك بعد أن سلك العديد من الطرق ولم يزداد إلا اغتراباً وتيه. وجب علينا إذًا أن نستلهم روح الفلسفة الإسلامية مرة أخري، وذلك لرأب الصدع الأخلاقي والقيمي بل والروحي أيضاً. قد لا نبالغ إن قلنا إنّ الأخلاق هي الأساس الذي تقوم عليه الحضارات، فبالعقل وحده أصبح الإنسان مكبلاً بقيود المادية التي لم يستطع التحرّر منها، بل صار هذا العقل هو الخطر الذي يتربص بالإنسان؛ لأنّه بغير ضوابط أخلاقية. أما الحضارة الإسلامية فقد قامت بالأساس علي إرساء القيم والأخلاق “إنّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، إنّ الفلسفة الإسلامية - فضلاً عن انطلاقها من هذه القاعدة- وفي سياق بحثها فيما يتّصل بالألوهيّة والوجود والمصير والحرية وغيرها من الإشكاليات التي ورثتها عن الفلسفة الإغريقية، فضلاً عمّا أضفت عليها من روحها الخالصة ومن إبداعها، فإنّها لا تنفصل بحال من الأحوال عن الميتافيزيقي، ولم تفرط في إيمانها بالعقل وإنّما -وذلك على النقيض من الفلسفات الغربية- ربطت بين الإيمان والعقل وتاريخ الفلسفة الإسلاميّة زاخر بمحاولات التوفيق بينهما، ومن ثم، يمكن لهذه الفلسفة أن تتجاوز الكبوات والإخفاقات التي نالت إنسان العصر الحديث كتداعيات للمذاهب الغربية، وذلك لما سوف تحقّقه من إشباع روحيٍّ ووجدانيٍّ أثبت التاريخ أنّ الإنسان لا يستقيم أمره بدونه أي بإرتباطه بالماورائي، الذي يستقي منه الأمان والعقلي والإشباع الوجداني.