البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

July / 26 / 2021  |  311لم تنفصل علوم الغرب عن المسار العام للسيطرة الرأسمالية

الحوار مع :د. عزيزة بدر
لم تنفصل علوم الغرب عن المسار العام للسيطرة الرأسمالية

إذا كان حقلٌ معرفيٌّ تعرّض دون سواه إلى التوظيف والاستثمار من جانب المركزيّة الغربيّة، فهو الحقل الذي نشأت فيه فلسفة العلم، ولعلّ قراءة إجماليّة لتاريخ العلوم في الغرب الحديث تفضي إلى حقيقة أنّ مجمل المعارف العلميّة الغربيّة جرى اختزالها بفلسفة العلم بوصف كونها العلم المشرف على توجيه مجمل العلوم التقنيّة.

في هذا الحوار مع أستاذة فلسفة العلوم في جامعة عين شمس الدكتورة عزيزة بدر، ستقرأ إطلالات تحليليّة ونقديّة على إسهامات هذا الحقل الفلسفي في تطوّر الرأسماليّة الليبراليّة وتسويغ مجال هيمنتها.

«المحرّر»


 * كغيرها من الفلسفات المضافة تعرّضت فلسفة العلم إلى التوظيف المنفعي من جانب الرأسماليّة الليبراليّة، إلا أنّ التّطوّر الأبرز هو ما حدث مع نهاية القرن العشرين ومازال يحدث، وهو أنّ المجتمع المفتوح الذي نظر إليه بوبر بدا مترنّحًا أمام غزوات الليبراليّة المتوحّشة.. كيف تقوّمون هذه الإشكاليّة؟

- أسهمت فلسفة العلم ـ عبر تيّارات النّقد الثقافي الغربي ـ  في الكشف عن أنّ العلم  قد بات متوشّجاً بالرأسماليّة الغربيّة توشّجاً جماً، سارا معاً يداً بيد؛ حيث يسعنا أن نؤشّر على العلم بوصفه ذاك المشروع البرجوازي الغربي، فقد جاء تطوّر فزياء نيوتن مصاحبًا لظهور الرأسماليّة، وغدا العلم والتكنولوجيا مكمّلان للنّظام السوسيو اقتصادي الرأسمالي، وراحا معًا يشكّلان قوّة من شأنها أن تسهم في التأسيس للرأسماليّة والاحتكار والتبعيّة وكذا الإمبرياليّة، ومن ثم بالوسع النظر إلى العلم بوصفه امتلاكًا وملكيّة، وعلى هذا تمّ توظيفه توظيفًا نفعيًا، يحقّق النّفع لأولئك الذين يحوزونه، حيث تتغيّأ الممارسات العلميّة الماثلة في الأمم الإمبريالية: ـ تحقيق النفع، والحفاظ على الاستبداد الذي يحقّقه ذاك النفع. وهكذا لم تعد مفاتيح الإبداع توجد داخل الكيمياء والفيزياء الذريّة وغيرها من الحقول العلميّة، بل بات الإبداع يتمثّل في تحويل العلم إلى رأس مال فحسب، غدا العلم ميثولوجيا عقلانيّة وتقنيّة، غدا متوشّجاً بالمجتمع الرأسمالي بالكلية. ومن ثم بالوسع النّظر إلى العلم بوصفه مؤسساتيًا، وبوصفه منهجًا وتقليدًا معرفيًا تراكميًا، وتزايدًا مضطردًا في إنتاج السلع، وكذا بوصفه أحد أهم المؤثّرات في تشكّل الاعتقاد ات والتوجّهات نحو الكون والإنسان.

ولنا أن نلفت هنا إلى أنّ التطوّر العلمي والتقني كان يحدث ــ فيما قبل الرأسمالية ــ على نحو عولمي، بيد أنّ الرأسماليّة الأوربيّة والأميركيّة أسهمت في حصر التطوّر العلمي والتقني داخل القارة الأوربية والولايات المتحدة الأميركية، وهاهنا لنا أن ننوّه إلى أنّه عند تتبّع الجذور السوسيوـ اقتصادية لكتاب نيوتن « مبادئ الرياضيات «، سنلقى أنّ ذاك العمل ليس عملًا علميًا خالصًا لوجه الحقيقة، كلا وليس عملا متحرّرًا من القيم؛ إذ الكتاب يدنو من أن يكون تلبية لحاجات النموّ الرأسمالي وكذا التقنية المصاحبة له.

 وراحت الرأسماليّة توظّف نتائج تطوّر البحث العلمي لصالح نموّها الوحشي الشرس؛ حيث كرّست الشقّ الأكبر من المغامرة العلمية لتطوير تقنيات التسليح والحروب، أمّا النّفع الذي ينبغي تحقيقه للإنسان فيأتي في مرتبة تالية، وذاك لأنّ العلم والرأسمالية قد توشّجا معًا توشجًا خالصًا.

ينضاف إلى ذلك ما ألقته تلك الرأسمالية داخل البناءات المعرفيّة من هيراركية وحشيّة أفضت إلى تفتيت المعرفة؛ حيث دشّنت لهيراركيّة المعرفة عبر التأسيس لصرامة الفيزياء والرياضيات، ونعومة البيولوجيا والعلوم الإنسانية، وكذا عبر التأسيس للثنائيات، كثنائية النظرية / التطبيق، وثنائية علم / تكنولوجيا، والعقلي / اليدوي. ليس ذلك فحسب، فقد راحت الرأسمالية الغربية تقتسم العالم وذلك عبر التأسيس لنظرية « نظام العالم»: القلب والأطراف.

 تؤشّر نظريّة نظام العالم على أنّ كلّ مجتمع هو جزء من النّظام الرأسمالي، حيث طرح مفهوم الحواضر والتابعين أو القلب والأطراف، الغرب هو القلب وكلّ ما عداه أطراف وتابعون، الغرب هو مركز العالم وكلّ ما عداه هوامش، ومن ثم تمّ تنصيب الإدارة الرأسمالية للعالم؛ حيث خطّت الوكالات القوميّة والدوليّة للأمم المتحدة سياسات تنمية أسهمت في خلق شروط حياة مجحفة بائسة أسوء من تلك التي كان عليها حال أولئك المستهدفين سياسيًا واقتصاديًا، وهم أشدّ الناس فقرًا في العالم، راحت سياسات التنمية تلك تسهم في نقل الموارد الطبيعية وكذا الاجتماعية من الفقراء إلى الأغنياء، ما أفضى إلى ترسيخ تبعيّة العالم الثالث وتنمية اقتصاديات الغرب. وهكذا باتت السياسات العلمية التي خطّها الغرب متورّطة في فشل مشروعات تنمية دول العالم الثالث، وذاك أنّ نمو الاقتصاد الغربي يقتضي نقل النماذج الصناعية والحضارية إلى الجنوب.

وعلى هذا يسعنا قراءة نصوص اقتصاديات التنمية بوصفها فصلًا من فصول حلم التنوير الغربي، ذاك الحلم الواعد بتقدم مضطرد وانتقال من براثن الفقر والجهل إلى الازدهار، وقد تمّ توظيف ذاك الخطاب التنويريّ المنمّق في إخفاء الدور المهمّ الذي مارسته سياسات التنمية في تأسيس البنية الاستعماريّة الجديدة والتبعيّة، وبدلًا من التقدّم والازدهار، ذاق الناس في بقاع شتّى من العالم الفقر المدقع وأعباء الديون وأزمات البيئة. وبعد حين أقرّ دعاة سياسات التنمية أنّ تلك السياسات التي انتهجوها قد منيت بفشل ذريع، وغدت سياسات الخصخصة والتجارة الحرة والتقشف هي الاستراتيجيات الجديدة، التي من شأنها أن تمكّن للرأسمالية وتسهم في أن تتعملق.

ومن ثم، ألفينا التخلّف والقهر والاضطهاد بدلًا من التقدّم والازدهار.

وحين النّظر إلى العلم وكذا التقنيّة داخل مجتمعات العالم الثالث، سوف نلمس القهر الذي ابتدعه الرأسماليون الغربيون، عبر ميكانيزم ماهر مخادع يتخفّى خلف مفردة «تنمية» وسياساتها الوحشية. هاهنا يبدو المشروع العلمي والتقني ضبابيًا يلفّه الغموض، فبينما هو قوّة يسعها أن تسهم في إيجاد حلول للمشكلات الملحّة، إذا به يسهم في تضخيم تلك المشكلات؛ حيث يخفي الجذور السوسيولوجية للمشكلات التقنيّة، وكذا يحجب الوجه الرأسمالي الاستعماري للعلم؛ إذ نلقى النّفع الذي يقدّمه ملتئم مشوب بحاجات المستعمر من المواد الخام وكذا أسواق جديدة ومستهلكين. ويهمّنا هاهنا أن ننوّه إلى أنّ العقل الغربي يعتقد ــ لدرجة التسليم ــ أنّ الرأسماليّة ستظلّ باقية، وأنّ دول العالم الثالث ستمكث في المؤخرة، وذاك رغم برامج وسياسات التنمية، تلك التي انبنت على محاكاة الدول المتقدمة ونقل النماذج الحضارية من الشمال إلى الجنوب. فإذا كانت الثورة الصناعية وكذا التنمية التقنية التقليدية ـ فيما يرى الغرب ــ قد أسهمت في تقدم الغرب، فمن شأنها أن تُسهم في تقدّم العالم الثالث، وكذا من شأنها أن تمحو الفقر، وكذا التصنيع التقني مهمّ للتنمية. تلك التوجّهات ليست سوى تأسيسًا وكذا ترسيخًا لكلّ قهر وكذا لمفهوم العالم الثالث. ويبقى التحدي الدياليكتيكى الأساس كما هو: ثم شعوب مقهورة وثم مضطهدون، فكيف للأمم المتقدّمة أن تسهم في تقدّم دول العالم الثالث؟

* إلى أيّ حدّ استطاعت البنى المعرفيّة لفلسفة العلم أن تصمد أمام القيم التي أنتجتها النيوليبرالية وخصوصًا على مستوى الأخلاق والعدالة في النظام العالمي؟

- فلسفات العلم بناءات معرفيّة متوشّجة بسياقاتها الثّقافيّة ومتموقعة داخل سياقاتها الاجتماعبة والتاريخية، وعلى هذا ثمة الآن حقبة معرفيّة جديدة ماثلة داخل ذاك الحقل المعرفي المهم، تلك الحقبة الابستمولوجيّة الجديدة انبنت على نقدٍ جذريٍّ لفلسفات العلم الوضعيّة والتحليليّة، ودشّنت لتيّارات ابستمولوجيّة مستجدة كثيرة، ومن بينها إبستمولوجيات ما بعد الوضعيّة، وما بعد الكونيّة، وما بعد التنويريّة، وما بعد الاستعمارية، وكذا فلسفات العلم الماركسيّة والليبراليّة.

راحت تلك التيّارات المستجدّة تقارب البناءات المعرفيّة والثقافيّة والاجتماعيّة الماثلة في سياقاتها، بغية الكشف عن البنى الهيراركيّة والثنائيات ومنطق الهيمنة، ما أسفر عن تقويض تلك الهيراركيات والثنائيات الكامنة في صلب البنية المعرفية والبنية الثقافيّة والبنية الاجتماعيّة، راحت تلك التيّارات المستجدّة تكشف عن أنّ العلم خطابٌ سياسيٌّ؛ حيث تنتقل المفاهيم المعرفيّة الرئيسة لتغيّر الأجندة السياسيّة. فالعلم سلسلة من الخطابات السياسية، وذاك أنّ لغة العلم مخترقة ايديولوجيًا، تخترقها ايديولوجيا الهيمنة الماثلة في ممارسات سيكولوجيا الشخصية، وإزكاء الشخصيّة الفرديّة في المجتمعات الأوروبيّة وشمال أميركا؛ حيث تسهم المفاهيم المعرفيّة كمفهوم همجي / متحضر في تقديم دعم ايديولوجي لإبستمولوجيات الإمبريالية والرأسمالية، وكذا نلقى مفاهيم من قبيل «العالم الثالث» و«مفهوم الهمجي»  و«غير الغربي»، و«التدوين الأنثروبولوجي» تتخذ الغرب معيارًا، وتؤشّر على باقي البشر بوصفهم أدنى وهامشيين ومنحرفين، وقد اتّخذ الغرب إفريقيًا دليلًا على تفوّقه الذاتي الخاص، وهذا يستلزم أن تغدو الذات الغربية هي الفاعلة في الواقع السياسي العالمي، وإذا كان فرويد يضع الأنا تتوسّط الأنا العليا المتحضّرة و«الليبيدو البدائية»، فقد تم توظيف خريطة فرويد تلك على الواقع السياسي، كميتافور لتلك العلاقة الهيراركية الوحشية بين بين الغرب و الآخر؛ حيث ترى الذات الغربية أنّها توازن شفيف فيما بين المتحضّر والبدائي، وهنا نلقى فهمًا زائفًا بملء الفم، وعلى الرغم من ذلك، تم توظيف ذاك السرد الثقافي في إعادة تشكيل علاقة الغرب / الآخر. وعلى هذا راحت فلسفات العلم بعد الوضعية وبعد الاستعمارية تقدّم برنامجًا مستجدًا لفلسفة العلم في القرن الواحد والعشرين، ذاك البرنامج يتعلّق بالمسؤولية السياسية الاجتماعية لفلسفة العلم. فثمّة مسؤولية سوسيو ـ سياسية لفلسفة العلم، فقد غدت نظرية العلم معنية بالإصلاح العلمي والإصلاح الاجتماعي والسياسىي في آنٍ معًا، وذاك سعيًا نحو إبستمولوجيا يسعها النّفاذ إلى الواقع لأهداف تحرّريّة، بمعزل عن العقلانيّة، ومن ثم راحت نظريّة العلم تتحالف مع الحركات الاجتماعية والسياسية من أجل المساواة والعدالة الاجتماعية، وذلك لأجل ترسيخ مسؤوليّة العلم المعرفيّة السياسيّة.

ولنا أن نلفت هاهنا إلى أنّ المسؤوليّة المعرفيّة السياسيّة للعلم ترنو إلى تحقيق المساواة فيما بين البشر في الحقوق السياسية والاجتماعية والمدنية؛ إذ ينبغي أن يغدو العلم كفاحًا من أجل العدالة الاجتماعية والإنسانيّة.

 العلم يسعه أن يغدو سلاحًا قويًا في ذاك الكفاح، وكذا يسعه أن يرسّخ عدم المساواة، ويسهم في إنتاج الهيراركية الاجتماعية وتسويغ المفاهيم المخادعة المجحفة سياسيًا.

* العقل في مواجهة الإيمان، التقنية في مواجهة البُعد الروحي، ووقع العقل الحديث في أحادية جائرة ستجرّده من إمكانات هائلة ضروريّة لتجدّده الحضاري. كيف تعلّقون على هذه الأطروحة؟

- هاهنا لنا أن نتساءل متى كان العقل في مواجهة الإيمان، متى كان ثم تعارض فيما بين العلم والروحية؟

ثم تعالقٌ جدليٌّ فيما بين العلم والروحيّة؛ إذ تتشكّل الحضارات عبر التوازن والتناغم العميق بين الحكمة الروحيّة والتطوّر التقني، فالعلم بلا روح يفضي إلى كارثة.

وثم تاريخ طويل كان يرى عبره كلّ من العلم والروحيّة بوصفهما ثنائيّة، على الأخص داخل التقليد المسيحي.

 والحقّ أنّه ليس ثمة تعارض فيما بين العلم والدين أو بين العلم والروحيّة، فهذا الزعم مرجعه إلى التشوش المصاحب لفشل كتّاب كثر في التمييز فيما بين كلّ من الروحيّة والدين، وكي نفضّ هذا التّشوّش، لنا أن نقارب دلالة كلّ من هذين المصطلحين (العلم والروحية) وكذا العلاقة بين كلّ من الدين والروحيّة، وما إذا كانت رؤى العالم الروحيّة والدينيّة متوافقة مع الرؤية النسقيّة (وهي الرؤية العلميّة الماثلة الآن والمصاحبة للبراديم العلمي في القرن الواحد والعشرين).

الروحيّة خبرة إنسانيّة رحيبة، أكثر رحابةً وجوهريّةً من الدين، وثمة وجهان أو بعدان للخبرة الروحيّة: الأوّل، باطني يتوجّه نحو الداخل وكيف يكون، والآخر، خارجيّ يتغيّا عناق العالم وشركائنا في الإنسانية. وهذان البعدان للروحية قد يكونا مصاحبين للدين وقد لا يكونا؛ إذ إنّنا حين نقول عن علماء كاينشتين وبوهر أنّهما كان روحييان، فذاك يعني أنّ لدى كلّ منهما رغبة قويّة في التّماهي مع سرّ الكون، ومن ناحية أخرى حين النّظر إلى كلّ من غاندي ومارتن لوثر كينج بوصفهما موجودات روحيّة، فذاك يعنى أنّ حياتهما تأتي تجسيدًا لمثل إنسانيّة عليا، هاهنا ثمة وحدة وتناغم فيما بين البعدان الداخلي والخارجي للروحيّة، بحيث يغدو بالوسع الحديث عن روحيّة ماكثة، صيغة للوجود الروحي أو صيغة روحيّة للوجود دونما حاجة الى أن تتوشّج بديانة بعينها.

 الروحيّة على هذا النحو الرحب لن تكون بحاجة لأن تصطدم بالعلم، هاهنا تبدو الروحيّة متناغمة مع الرؤية النسقيّة للحياة والكون، بيد أنّها تبدو متعارضة مع أنماط بعينها من التقنية كالتعديل الوراثى والاستنساخ وغيرها من التقنيات الوحشيّة..

على العكس، بالوسع تقديم الحقبة العلميّة الماثلة الآن بوصفها حقبةً صوفيةً فريدةً، يدنو فيها العلم والممارسات العلميّة الماثلة الآن من أن يكون مرحلة صوفيّة فريدة متفرّدة، ويدنو الكون من أن يكون ذاتًا صوفيّةً ونصًّا صوفيًّا، الكون كله متناغم؛ حيث الرؤية العلميّة الماثلة الآن هي الرؤية الكلية، أو التواشجية، والنسقية، والواحدية، ولت الرؤية الميكانيكية المادية التي كانت المصاحبة لبراديم نيوتن.

* تعرّضت الحضارة التقنية للنّقد من قبل فلاسفة وعلماء اجتماع منذ النّصف الأوّل من القرن الماضي، وتضاعفت وتائرها خلال العقود الماضية، فهل يعدّ النّقد كافيًا لأحداث ثورة ثقافيّة تُعيد الاعتبار للقيم في المجتمعات الغربية؟

- النّقد أحد أدوات تصفية الوعي، ومقدّمة رئيسة مهمّة للتحوّل الثّقافي والتحوّل الإدراكي، وذلك فيما يتعالق بالقيم والمسارات الحضارية المأساويّة الماثلة في المجتمعات الغربية وغيرها.

مع بدايات القرن السابع عشر، ومع توشّج علم الميكانيكا الجديد بالرؤية البيكونيّة ــ وذلك في سعيها نحو قهر الطبيعة بمؤازرة التكنولوجيا ــ تشكّلت الرؤية الميكانيكية للعالم، ولت الرؤية الأنثوية والقيم الأنثوية التي كانت تحكم سلوك الإنسان نحو الأرض عبر الترفق والتقديس، استحالت قيم الرفق الأنثوي تلك مسلكًا جديدًا يتّسم بالقهر والاستغلال، ومع قهر الطبيعة، ذاك القهر الذي مارسته التقنية، تشكّلت صورة ذهنيّة جديدة، صورة العالم بوصفه ماكينة الإله، تلك الصورة غدت مصاحبة للثورة العلمية في القرنين السادس عشر والسابع عشر؛ حيث ساد كلّ من مفهوم الميكانيكيّة ومفهوم قهر الطبيعة، توشّجًا وسارا معًا يدًا بيد. وفى تلك الحقبة كان الوعي الروحي نحو الأرض بوصفها الأنثى الحنون، العذراء، البكر قد اندثر وتلاشى بفعل التقنية والميكنة.

كانت تلك الصورة الذهنيّة ـ الأرض الأم الحنون ـ توجّهًا ثقافيًا مصحوبًا بدعمٍ اجتماعيٍّ أخلاقيٍّ، أمّا الصورة الذهنيّة الجديدة ــ الأرض بوصفها ماكينة الإله ــ فكانت توجهًا ثقافيًا يسوّغ قهر وتعرية الطبيعة، ذاك أنّ المجتمع وقتئذ كان بحاجة إلى تلك الصورة الذهنيّة المسوّغة لممارسات وغايات الرّوح التّجارية الصناعيّة، التي انتهجت ممارسات حفر الأرض، واجتثات الغابات وغيرها من الممارسات الوحشيّة.

ومن ثمّ، لاحت في ذاك الأفق تياراتٌ مناهضةٌ للتكنولوجيا يسعنا أن نؤشّر عليها هاهنا كالحركة الرومانتيكية، واللودية الجذرية تلك الخاصة بمحطمي الآلات، والإيكولوجيا العميقة، وكذا حركات الإيكولوجيا الجذرية الأخرى.

لاحت الحركة الرومانسيّة في نهايات القرن الثامن عشر كردّ فعلٍ مناهضٍ للثورة الصناعية؛ حيث ثار عدد من المفكرين على قبح المدن الصناعية وقيم المجتمع الصناعي، جاءت الرومانسية كردّ فعلٍ مناهضٍ لسيادة العقل على حساب الشّعور. تستشكل الحركة الرومانسيّة الرؤية الميكانيكيّة للعالم، تلك المصاحبة لبدايات العلم الحديث، وعلى الأخص الفيزياء التي أسهمت في توصيف العالم عبر حدود رياضيّة كميّة ، وكذا توصيف العالم عبر حدود ذريّة، وهي كيانات غير قابلة للملاحظة والإدراك المباشر، تم توصيف العالم في حدود الكتلة والطول والزمن دونما كيفيات أخر، فليس ثمة كيفيات ثانويّة كخبرة اللّون والتذوق والشم، حيث كانت الكيفيات الثانوية تُرى بوصفها إنتاجًا ذاتيًا لأعضاء الحس والعقل، وليست حقيقية كالكيفيات الأوّليّة، راحت الحركة الرومانسية تواجه ذاك الإدّعاء عبر التأكيد على أن الحقيقي هو ما ندركه على نحو مباشر، عبر حدود اللون والتذوق والصوت، فالكون أو الطبيعة بوصفها خبرة مباشرة هي حقيقية بملء الفم، بينما يأتي توصيف الفزيائيين لتلك الطبيعة عبر حدود الذرة والهندسة توصيفًا خاليًا من الحياة.

وثم ما يدعو أن نلفت إليه هنا هو أنّ بخس الخبرة الحسيّة المباشرة، تلك التي تخصّ كيفيّات اللّون والصوت وغيرها من الكيفيات الثانوية، وإعلاء الكمي بوصفه الحقيقي على نحو مطلق، كان من شأنه أن يفضي إلى تسويغ قبح المدن الصناعية وتلوّثها؛ حيث تقارب الفيزياء وكذا الاقتصاد الكمي كلّ ما هو كمي فحسب. إلّا أنّ من جمالات الفكر الرومانسي، تلك السمة المهمّة التي انبثقت عبر العلوم والتقنيّة وأعنى بها الرؤية الكليّة أو التواشجيّة، حيث تزعم الكلية أنّ الكل أكبر من مجموع أجزائه، وذاك أنّ النّسق الكلي يملك سمات ليست هي أجزاءه المكوّنة له.

لم ترفض الرومانسيّة العلم، بل راحت تؤشّر على أنّ العلم ليس تلك المقاربات والممارسات الميكانيكيّة الوحشيّة الماثلة، وبدلًا من تلك الرؤية الميكانيكيّة أسهم الفزيائيون الرومانسيون في اجتلاء الرؤية الدينامية، حيث لوّح بعض مؤرّخي العلم إلى أنّ مبدأ بقاء الطاقة إنّما مرجعه في الأساس إلى الرؤى الرومانسية للطبيعة، وذلك بوصفها موحّدة، الكون كلّ دينامي موحّد. وعلى هذا تبنّى فلاسفة الطبيعة الرومانسيين المقاربات الحدسيّة بدلًا من المقاربات التحليليّة للطبيعة.

أمّا الحركة اللوديّة أو اللوديون نقاد التكنولوجيا، فقد ظهرت في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن العشرين، على يد عمال النسيج في بريطانيا ممن غدا العمل اليدوي الذي يمارسونه في بيوتهم غير مرغوب فيه، فقد حلّت أنوال الحياكة الميكانيكيّة ومصانع النسيج بديلا، ومن ثم حطّم اللوديون آلات المصنع معبّرين عن سخطهم لتوقّفهم عن عملهم الذي ألفوه واعتادوه. وها هي حركة الإيكولوجيا العميقة التي راحت تناهض التقنية، وذلك بوصفها تدخّلًا تقنيًا مفرطًا مدمرًا للطبيعة، أخذت الإيكولوجيا العميقة تتلمّس تغيير القيم والرؤى المسوّغة لقهر الطبيعة، وكيف لا والإيكولوجيا العميقة فلسفة الانسجام والتناغم البيئي، أفق معياري يعبّر عن نسقٍ قيميٍّ قبليٍّ، يرنو إلى تحوّل إدراكي يسهم في تفكيك ثنائيّة إنسان / طبيعة، وكذا تتبع الجذور التاريخية لأزمات البيئة، وذلك عبر تفحّص مقدّمات البراديم الاجتماعي السائد المهيمن داخل المجتمع الغربي ــ وأعني بمقدّمات البراديم الاجتماعي القيم والمعايير والعادات والمعتقدات ــ آخذة في استشكال مقدّمات ذاك الباراديم. وهكذا تفترض الإيكولوجيا العميقة مقدّماً تصوّر «الإنسان ـ في ـ الطبيعة»؛ إذ الإنسان ليس فوق الطبيعة أو خارجها، فهو جزء من إبداع مستدام. ويهمّنا هاهنا أن نلفت إلى أنّ الإيكولوجيا العميقة «ايكوصوفيا»، وأعني بايكوصوفيا فلسفة الانسجام والتناغم البيئي، الفلسفة بوصفها نمطًا من حكمة صوفيا، معيارية مفتوحة تتناغم داخلها المعايير والمسلمات، وكذا مقولات قيميّة قبليّة تتعالق بالكون، انشغالات الإيكوصوفيا تتعالق بالقيم لا بوقائع التلوث ونضوب الموارد فحسب.

وبالوسع النّظر إلى الإيكوصوفيا بوصفها ائتلافًا فريدًا تلتئم داخله الإهتمامات العلميّة بصناعة السياسات، ائتلاف يضم علماء ينتمون لحقول علميّة متغايرة وكذا نشطاء وصانعي سياسات. ولنا أن ننوّه هاهنا إلى أنّه ثمة حقل معرفيّ ملهم أسهم في مناهضة التدخّل التقني المفرط في الطبيعة، ذاك الحقل هو الإيكولوجيا النسويّة، حيث تزعم تلك الإيكولوجيا النسويّة أنّ البيئة قضيّة نسويّة، وقد راحت تطرح أطروحات نقديّة مفاهيميّة، وذاك عبر فضح المفاهيم الذكورية المتعالقة بالإيكولوجيا والكون في التقليد الغربي، وكذا في فلسفة البيئة، ما أفضى إلى التئام كلّ من الفكر النسوي والفكر البيئي.

تستشكل الإيكولوجيا النسويّة ثنائيّة إنسان / طبيعة؛ إذ الإنسان ــ فيما ترى الإيكولوجيا النسوية ــ ليس فئة فائقة خارجة عن الطبيعة، وتلفت إلى أنّه ثمة بنية سياسيّة لكلّ من مفهوم طبيعة، وحيوان، وإنسان، وآلة، حيث تفترض أن المعرفة الإنسانيّة سياسيّة في الأساس، وأنّ الفئات التي تنتمي للطبيعة يكتنفها الغموض، وكذا تلفت إلى أنّ الحقل العلمي المحايد «بريماتولوجي» أو «الرئيسيات» (أحد فروع علم الحيوان يقارب الرئيسيات التي تضم الإنسان والقردة العليا) موصول الصّلة بالأنثروبولوجيا والبيولوجيا، هذا الحقل يعدّ مشوبًا بمنظور الأبوي الأبيض الإمبريالي، وذلك بوصفه توصيفًا علميًا للذكورة مناهضًا للمرأة والقوميات وكذا الحيوانات ذاتها، والتي تمّ تصنيفها على أنّها أقليات.

تقترح الإيكولوجيا النسويّة استراتيجية رهيفة تسهم في النّظر إلى الطبيعة بمعزل عن الثنائيّة، وكذا بمعزل عن مركزيّة الإنسان، وتناهض البنى الأبويّة التي تسوغ استبدادها تأسيسًا على التعارضات الثنائيّة، كثنائيّة إنسان / حيوان، والثقافة / الطبيعة، تلك التي كان من شأنها أن تفضي إلى ترسيخ القهر عبر افتراض الحقيقة في تلك الثنائيات وغرسها في البنى الدينية والعلمية والمعرفية بوصفها مفعمةً بالقداسة.

ليس ذلك فحسب، إذ تزعم الإيكولوجيا النسويّة أنّها أعمق من الإيكولوجيا العميقة، فإذا كانت الإيكولوجية العميقة تعنى بالقضاء على تلوّث البيئة، فالإيكولوجيا النسويّة تنشغل باقتلاع التلوّث الإيديولوجى، ذاك الذي رسّخه المجتمع الذكوري الأبوي طيلة قرون.

* خلال العقود الماضية طرأ تحوّلٌ كبيرٌ على نظام القيم العالمي بسبب تقنيات التواصل، هل لكم أن تضعونا في المعالم الإجماليّة للآثار السلبيّة النّاجمة عن هذا التّحوّل؟

- التفكير والقيم متواشجان، فحين تتغيّر طريقة التفكير تتغيّر القيم، يُضاف إلى ذلك أنّ نسق القيم العالمي ينطمر على قيمٍ ليست تختلف ـ في المجمل ــ عن غيرها من القيم المحليّة، ذاك أنّها قيمٌ إنسانيّةٌ في الأساس، ونحن إذ نؤشّر على أنّ ثمّة تحوّل قد حدث في نسق القيم، سواء كانت عالميّة أو داخل مجتمعٍ بعينه، فذاك التحوّل ليس سوى جزء من تحوّل الباراديم؛ حيث يأتي التغيّر في نسق القيم مصاحبًا لتغيّر أرحب، وأعني به ذاك التحوّل الأرحب، تحوّل الباراديم.

والبراديم هو توصيف مختزل لرؤية العالم، إطار ضام تلتئم داخله القيم والمعايير والعادات والمعتقدات وكذا الممارسات، تلك التي تشكّل مرجعيّة جمعيّة لأولئك الذين يتشاركون الوطن والدين والطبقة الاجتماعيّة.

 البراديم الاجتماعي السائد يدنو من أن يكون الصورة العقليّة للواقع الاجتماعي الذي يحياه مجتمع ما، حيث ينطمر البراديم السائد في الغرب بعامّة على اعتقاد مُفاده أنّ النّمو الاقتصادي هو مقياس التقدّم، وأنّ الغاية القصوى للسياسات تلتمس عبر إبداع شروط من شأنها أن تسهم في زيادة إنتاج السلع، وأنّ التقنيات يسعها أن تقدّم حلولًا لكلّ المشكلات. وهاهنا يسعنا اجتلاء مكانة الطبيعة داخل هذا البراديم، فالطبيعة داخل ذاك الباراديم ليست سوى مستودع للموارد التي ينبغي تنميتها تلبيةً لحاجات الإنسان، وثم اعتقاد يهيمن هنا هو أنّ رقي العيش ورقي الحياة برمّتها إنّما يقاس بالاقتناء، اقتناء السلع والبيوت والمركبات وغيرها. وهذا البراديم يتنامى عبر التكرار المتواصل الذي تمارسه تقنيات التواصل؛ حيث يشكّل جزء من رؤية العالم لدى الذات الغربية، وكذا في أماكن كثر في العالمي.

ولنا أن نُلفت إلى أنّ الباراديم الاجتماعي ذاك، قد اشتقّ من بنية الرأسمالية الغربية وأيديولوجيتها، وذاك لفرط ما نلمسه من تلوث البيئة واستنزاف الموارد الطبيعية والهيمنة الاقتصادية والسياسية، حيث جاء ذاك البراديم مصاحبًا للنزعة العلميّة المتطرّفة، وذلك بوصفها تطبيقًا وتدخّلًا تقنيًا مفرطًا في الطبيعة.

ووفقًا لتوماس كون يظلّ البراديم سائدًا حتى يحدث عدم التوافق فيما بين الواقع والبراديم، حينئذ يأخذ البراديم الاجتماعي الجديد في الظهور، وتلك تعدّ بداية التحوّل في البراديم.

التغيّر في نسق القيم ــ كما أشرنا آنفا ــ يأتي مصحوبًا بتغيّر أرحب، ذاك التحوّل هو تحوّل البراديم، عندها يحدث التحوّل في رؤية العالم، ويسعنا الأن إيضاح تلك الصّلة القويّة الوثيقة فيما بين التفكير والقيم؛ حيث إنّه حين يطال التغيّر طريقة التفكير تتغيّر القيم، وهذا التغيّر الماثل الآن يسعنا النّظر إليه بوصفه تحوّلًا من قيم تأكيد الذات إلى قيم التواشج والتعالق والتكامل، وهاتان النزعتان ــ تأكيد الذات والتكامل ــ جوهريتان لكلّ نظام اجتماعي، حيث التوازن الديناميكى فيما بين قيم تأكيد الذات وقيم التواشج والتكامل هو ما نبغي أن نكون عليه، أما انعدام التوازن فيما بينهما، أو التأكيد المفرط على إحداهما وإغفال الأخرى، فمن شأنه أن يفضي إلى التفكّك الاجتماعي. واذا ما تأمّلنا الثقافة الصناعية الحديثة، وكذا قيم المجتمع الصناعي سنلقى تأكيدًا مفرطًا على قيم تأكيد الذات، وانصرافًا مفرطًا عن قيم التواشج والتعالق الإنساني.

وبالوسع اجتلاء ذلك في كلّ من التفكير والقيم؛ حيث التفكير التواشجي تسمه سمات عدّة، وتلك السمات هي أنّه تفكير حدسي، تركيبي، كلي، غير خطي، أما التفكير المتعالق بتأكيد الذات فيتسم بأنه تفكير عقلاني، تحليلي، اختزالي، خطي.

وفيما يخص القيم سنلمس القيم التواشجيّة، وتلك القيم هي التعاون، والكيفية، والتشارك، والحماية، على حين نلمس قيم التنافس، والكمية، والهيمنة، والتوسّع بوصفها قيمَ تأكيد الذات. وهاهنا لنا أن نلقت إلى أن قيم تأكيد الذات تلك هي قيم الرأسمالية في الأساس؛ حيث يرسّخ المجتمع البطريركي قيم الهيمنة والتنافس والاستغلال، وتلك القيم هي القيم المهيمنة والتي تحوز السلطة السياسية والحوافز الاقتصادية، ولذا يبدو التحوّل إلى نسق قيم أكثر توازنًا من الصعوبة بمكان.

* ما هي التّصوّرات التي يمكن أن تشكل قاعدة لاستراتيجيّة معرفيّة إسلاميّة في مواجهة قيم التقنيّة الغربية؟

- ثمة حاجة ملحّة إلى نحت حقول معرفيّة مستجدّة تُقارب عن كثبٍ ذاك المسار الحضاري البائس الماثل الآن، تلك المعارف لها أن تلتئم بالحيوات؛ كي تغدو معارف من أجل الإنسان لا عن الإنسان، وذاك يقتضي كفاح ونقاش وكذا بحوث جمعيّة وتكتّلات معرفيّة، تلك التكتّلات المعرفيّة لها أن تسهم في خلق حراك اجتماعي وتغيير ذاك المسار الحضاري.

 وثمّة ما يدعو هنا إلى أن نقارب أو نستلهم جبل الجليد؛ إذ المعارف تبدو كقمّة جبل الجليد، حيث تظهر قمة جبل الجليد واضحة جليّة، أما ما دون القمّة فهو محتجب على نحو تام. والمعارف تُرى بوصفها قمّة جبل الجليد؛ حيث يغدو المجتمع بتاريخه وقيمه هو البنية العميقة للمعارف والعلوم، فإذا كانت تلك البنية تشوبها الهيراركية والعنصرية، جاء البناء المعرفي مشوبًا بتلك العنصريّة والهيراركية.

وهاهنا نلفت إلى أنّ بناء استراتيجيّة معرفيّة إسلامية يقتضي بداءة القيام بممارسة النّقد الثقافي الجذري، وكذا تفكيك النصوص المعرفيّة المفعمة بالأنساق الثّقافيّة الجائرة، كالهيراركية والعنصرية والطبقية والجنوسة وغيرها من الأنساق الثقافية الجائرة، وعلى هذا نقد الثقافة العربية الماثلة من شأنه أن يُسهم في تصحيح المسار الحضاري البائس المتهاوي الذي يحياه الإنسان العربي، وكذا يسهم في تحوّل ثقافي وتحوّل إدراكي؛ حيث إنّ مانعانيه من أزمات الفقر والجهل والمرض، كلّها أوجه عدّة لأزمة واحدة هي أزمة إدراك، ولن تُحلّ تلك الأزمات إلا إذا حدث تحوّل إدراكيّ. وذاك يقتضي سوسيولوجيا عميقة تنفذ إلى الواقع وتتوشّج بالحركات الاجتماعية.

 يهمنا هنا استلهام حقبة ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، فقد التئمت داخل تلك الحضارة اثنيات كثيرة؛ حيث كان العلماء يتكلّمون داخل بيوتهم الفارسية والهندية وغيرها، وحين يخرجون من بيوتهم لدواوين الترجمة يتكلمون العربية؛ لأنّها كانت لغة العلم حينئذ. ومن ثم ليس عسيراً أن تغدو البلاد العربية مسهمةً في الحضارة والسياق الحضاري الماثل الآن، ليس عسيرًا أن تتقدّم بوصفها ذاتًا حضاريّةً تملك خصوصيّة ثقافيّة مهمّة وملهمة، تحول دون الذوبان في الحضارة الغربية والآخر الغربي.                

* بإزاء هذه الوضعيّة الاستثنائية نجد أنفسنا في العالم الإسلامي أمام تحدياتٍ تاريخيةٍ وحضاريةٍ مفصليّةٍ أبرزها: كيفيّة مواجهة التغريب القيمي الذي يجتاح مجتمعاتنا. ما الذي ترونه حيال هذه التحديات؟

التحدي الحضاري التاريخي الذي نواجهه الأن ليس التغريب القيمي وحده، كلّا، ولا التغريب برمّته، التّحدّي الحضاري الماثل هو تلك الشروط السوسيو سياسيّة الجائرة التي يحياها الإنسان العربي، تلك الشروط أسهمت في تردّي المسار الحضاري العربي الإسلامي، وكذا ضياع الخصوصيّة الثقافيّة المائزة للشعوب العربية والإسلامية، وضياع الهوية، بل والإنسان العربي. ومن ثم نحن بحاجة إلى تحوّل ثقافي، نقد ثقافي جذري يستحيل معه التنظير والفلسفات إلى ممارسات ناجزة مسهمة في التغيير الاجتماعي، نقد جذري يُفضي إلى خلخلة مفاهيم وايديولوجيات جائرة تلفّ وتوجّه الحاضر، وتسهم في تشكيل أدقّ تفاصيل الواقع المعيش والحياة اليوميّة، بحاجة إلى تفحّص الفهم المشترك الثقافي، وهو تلك القيم والمعتقدات التي تسري دون أن تقال، وكذا تقييم الفرضيات الجمعيّة لأجل اقتلاع الانحيازات التي تعوق كلّ تقدّم اجتماعيّ حضاريّ، بحاجة لنزع الحدود التي تفصل الإبستمولوجي عن الأنطولوجي، لأن تلتئم المعارف بقضايا وجوديّة، كي يغدو البحث عن الحقيقة مصاحبًا للبحث عن العدالة، بحاجة إلى أن تغدو كلّ قضيّة شخصيّة قضيّة عامّة، كي نبدع فلسفتنا الخاصّة ونخطّ نصوصنا المعرفيّة المتوشّجة بالهويّة والخصوصيّة الثقافيّة، أعني تفكيك ثنائية الذات/المجتمع، تلك التي انبنى عليها الفكر العلمي الحديث، لأن نعي الدّرس البليغ الملهم الذي علّمنا إيّاه النّقد بعد الحداثي الغربي، ذاك الدرس الذي يُؤشّر على أنّ فصل المسار المعرفي عن المسار السياسي من شأنه أن يسهم في إخفاق أيّ مشروع حداثيّ، بحاجة لأن تتواشج العلوم بالحيوات، لأن نعي أنّ تقدّم العلوم الإنسانية شرط أساس لكلّ تقدّم اجتماعي، بحاجة لأن تغدو الذات العربية فاعلة ناجزة في وضع استراتيجيات وسياسات المجتمع العولمي وذاك يقضي كفاحًا ايديولوجيًا يشتغل على الأطر المفاهيمية الجائرة، تلك الأطر تسمها سمات منها:

ـ التراتبيّة أو الهيراركيّة وتعني التفكير وفقًا لتراتبيّة أعلى/أدنى.

ـ الثنائية تلك التي تشيّد هويّة وحدود متعارضة تفصل فيما بين طرفين ينبغي أن يكونا متتامين، كما في   ثنائيّة الذات/المجتمع. 

ـ منطق الهيمنة وبنية الحجاج التي تفضي إلى تسويغ القهر، وتلك الأكثر خطورة فيما يتعلق بالأطر المفاهيمية الجائرة.

ويسعنا أن نلفت هنا إلى أنّ الهيمنة ليست محض بنية منطقيّة؛ إذ تنطمر على منظومةٍ قيميةٍ تضع مقدمات أخلاقيّة تسوغ إخضاع عادل لمن هم في منزلة أدنى، ويجري هذا التسويغ على نحو نمطي وذلك، تأسيسًا على سمة بعينها مزعومة كالعقلانيّة ينفرد بها المهيمن (الرجل) ويفتقر إليها الخاضع (المرأة).

يتواشج منطق الهيمنة بكلّ من التراتبيّة والثنائيّة، لكن يبقى منطق الهيمنة هو أساس الأطر المفاهيميّة الجائرة. وثمة مثال يمكن أن نسوقه على منطق الهيمنة ذاك؛ إذ حين يُقال «الإنسان أسمى المخلوقات»، وذاك لأنّه يملك وعيًا يتيح له أن يحدث تغييرًا جذريًا في المجتمع الذي يحيا فيه وعلى هذا، ذاك السمو يخوّل له الإخضاع. 

يسهم الكفاح الأيديولوجي في استشكال المفاهيم المخادعة التي تمارس فعلها في الواقع الثقافي العربي، ومن بين تلك المفاهيم مفهوم «التنوير» المصاحب لحقبة الحداثة الغربية، الذي تلقفه المثقّف العربي ولا يزال يتغيّاه ويرى الثقافة العربية دونه عماء، وعلى العكس افتتح التنوير  فصلًا جديدًا في تاريخ الاستبداد، وكذا سردية استعماريّة؛ حيث نلقى النظريات الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة المعاصرة تستشكل التنوير الغربي، وذاك بوصفه مشروعًا مريبًا، فقد راح التنوير الأوروبي ــ في القرن الثامن عشر ــ يؤسّس لمشروعٍ كونيٍّ يتغيّ إزاحة التقاليد العقلانيّة والثقافيّة والأخلاقيّة الخاصّة بالعالم الذي لم يعايش حقبة الحداثة والتحديث، وذلك بغية غرس معيار وحيد، ومن ثم تبدو تلك العقلانية والفردانية المصاحبة للتنوير والمائزة له غير ناجزةٍ في الواقع الأخلاقي والعقلي والثقافي والسياسي.

وفي الأخير.. علينا أن نتساءل ما جدوى علوم لا تُسهم في تصحيح المسارات الحضاريّة؟ نتساءل عن الكيفية التي تغدو معها المعرفة واقعةً اجتماعيّةً سياسيّةً، كيف تغدو الإسهامات النظريّة في خدمة الإصلاح الاجتماعي والسياسي، كيف تتوشّج المعار ف بالحركات الاجتماعية، وها هم فلاسفة الوضعيّة المنطقيّة، ذاك التيّار الذي يعدّ معقل الموضوعيّة والموثوقيّة والعقلانيّة والمنطق، هؤلاء المناطقة لم يكونوا مدفوعين بانشغالاتٍ منطقيّةٍ إبستمولوجيّةٍ خالصة وكفى، كانت لديهم انشغالات اجتماعيّة وسياسيّة واقعيّة. حيث إنّه إذا شئنا تقديم تقرير صائب عن حلقة فينا أو الوضعية المنطقية، فإنّه لا يسعنا النّظر إليها من داخل الإطار المنطقي الإبستمولوجي والميثودولوجي، أعني بوصفها محض حركة ترنو إلى وضع تصوّر علميّ للعالم، لقد عملت على أن تأتي الإسهامات النظريّة في خدمة الإصلاح الاجتماعي، وذلك بتحالفها مع حركات اليسار الاجتماعي آنذاك..    

* في ظلّ هذا المناخ المعقّد، يجري الكلام الآن على التأسيس لعلم الاستغراب، وهو العلم الذي يقصد في وجه من وجوهه إنشاء منهج يقوم على فهم الغرب كأطروحةٍ حضاريّةٍ، وعلى نقده في الوقت نفسه والسؤال: هل يدخل نقد عصر التقنية كمحور من محاور التأسيس لهذا العلم؟

- الاستغراب مثله كمثل الاستشراق ذاك الذي انبنى على ثنائيّة ذات/موضوع، الغرب ذات والشرق موضوع، الغرب ذات منحضرة لها أن تحدق في الموضوع، وهو هنا ذاك الشّرق المتخلّف وثقافته، تحدق بعين الدارس الفطن الذي يملك أدوات الرصد والتحليل والكتابة عمّن لا يملكون العلم والتحضّر.

 الاستغراب يتماهى مع الاستشراق، يحذو حذوه، يتقدّم بوصفه ذاتًا تحدق في موضوع، والموضوع هنا هو الغرب، أي وضع الغرب في موضع الدّراسة، الأمر ليس كما قال كابلن: «الشرق شرق والغرب غرب ولا يمكن أن يلتقيا»، بل ثمة تدفق متقاطع وإلتقاء فيما بين الشرق والغرب، ها هنا يتقدّم مفهوم التعدّديّة الثّقافيّة بديلًا إنسانيًا لكلّ استشراق وكلّ استغراب، هذا فضلًا عن أنّ الغرب ليس محض إثنيّة، كلّا وليس رقعة جغرافيّة، الغرب منطق، والمنطق السائد في الغرب هو النّقد والتّصحيح الذاتي. ينضاف إلى ذلك أنّ الاستغراب والاستشراق كليهما انبنى على مفهوم الجوهرانيّة.. ذاك المفهوم غير الحقيقي. 

يُؤشّر ذاك المفهوم الوحشي على أنّ ثمّة سمات ثابتة راسخة لا تتغيّر، يتّسم بها جنس أو ثقافة أو شعب أو عنصر، الاستغراب والاستشراق كليهما ينطمر على مفهوم الجوهرانيّة، ذاك المفهوم يدنو من أن يكون عنصريّة، تلك التي تفترض ـ بدأة ـ أنّ بالوسع تصنيف الجنس البشري إلى أنماطٍ طبيعيّةٍ ثابتةٍ، تأسيسًا على سمات فزيائيّة تنتقل عن طريق الدم وتسوّغ التمييز بين العناصر النقيّة الخالصة والمختلطة؛ إذ يفترض هذا المفهوم على نحوٍ ضمنيٍّ أنّ السلوك الأخلاقي والسمات العقليّة، كالشخصيّة الفرديّة والقدرات مرجعها إلى العنصر، وقد انتقد كانط تلك الصيغة غير العقلانيّة في التفكير، والتي تقرّ ماهيّة داخليّة ثابتة لجنس ما أو ثقافة ما.

يُسهم مفهوم التعدّديّة الثقافيّة في أن يغدو نسق المعرفة رحيبًا أبعد ما يكون عن الشوفونيّة، فهو سعيًا نزيهًا نحو مفهوم المعارف الحضارية، تلك التي تتشارك إنتاجها الحضارات والثقافات المتغايرة، وها هنا يتقدّم مفهوم الاستعارة العابرة للحقول العلميّة والعابرة للحضارات والثقافات، حيث تتقدّم المعارف تقدّمًا تدرجيًا عبر الاستعارة، بحيث يمكن النّظر إليها بوصفها الصيغة الأساس والأم الحُبلى لكلّ إبداعٍ معرفيٍّ.