البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

July / 1 / 2021  |  321النسبية في فهم الدين غالبا ما تؤدي إلى التشكيك والإلحاد

الحوار مع :د. همايون همتي
النسبية في فهم الدين غالبا ما تؤدي إلى التشكيك والإلحاد

لقد عمل الدكتور همايون همّتي حتى الآن على تأليف وترجمة الكثير من الكتب، منها: «نقد على نظرية انعكاس المعرفة»، و«معرفة الدين المقارن والعرفان»، و«ترجمة مفهوم الأمر المقدّس لرودولف أوتو«، و«ترجمة وتدوين مقدمة على اللاهوت المعاصر لهرليث وآخرين»، و«ترجمة وتدوين علم الأديان لهانس كليم كيت وآخرين»، وغير ذلك. كما شارك في العديد من المؤتمرات الدولية حول مختلف مسائل الإلهيات على مدى السنوات المنصرمة.

في هذا الحوار نسعى معه إلى مقاربة جملة من الاتجاهات الإلهية والكلامية الجديدة في الحقبة المعاصرة.

«المحرر»


* كيف ترون إلى الصلة بين الكلام الإسلامي والاتّجاهات الإلهيّة والكلاميّة الجديدة؟

لقد شهد اللّاهوت المعاصر تحوّلات، لا علم لأغلب الدول الإسلامّية بها للأسف الشديد. لقد كان لدينا في السابق علم في الكلام، وكان هناك بشكل رئيس اتّجاهان مطروحان في هذا الشأن، وهما: المعتزلة والأشاعرة، كما كانت هناك اتّجاهات أخرى، مثل: المرجئة، والماتريدية، والكرامية، وبعض الإسماعيلية، وفِرَق الشيعة أيضًا، وكذلك الخوارج والأباضية والزيدية وغيرهم. وأمّا اليوم فقد تغيّر الفضاء المعرفي والثقافي، ولم يعد بمقدور نصوص تراثنا تلبية علم الكلام، كما تعرّضت إنتاجاتنا في علم الكلام إلى الركود، وبقينا في الحقيقة رازحين حتى الآن في القرن السابع، كما أنّ ما قام به بعض علمائنا المعاصرين، لا يفي بالحاجة المعاصرة قياسًا إلى التحوّلات الكبيرة التي يشهدها العالم حاليًا. وقد قدّم الشهيد المطهري، والشيخ جوادي الآملي، والشيخ مصباح اليزدي أعمالاً جيّدة في هذا الشأن، وهكذا في مصر حيث أدلى المستنيرون من تلاميذ مصطفى عبد الرزاق بدلائهم في هذا المجال، وقد تم طرح بعض الأفكار ـ على سبيل المثال ـ من قبل الدكتور حسن حنفي في كتابه «من العقيدة إلى الثورة» المؤلف من خمسة مجلدات. وكذلك أحمد فرج الله في مصر، ومحمد عابد الجابري ومحمد أركون، الأمر الذي يثبت أنّهم فكّروا ضمن هذا الفضاء الفكري، وبطبيعة الحال لا تخلو أعمالهم من بعض الإشكالات أيضًا. والنقطة الهامّة هي أن لكلّ عصر وزمان أسئلته واحتياجاته المعرفيّة الخاصّة، ولا يمكن أن نتوقّع من علم تبلور قبل قرون عدّة أن يكون ناجعًا ومفيدًا لفضاء ثقافي آخر تشكّل بعد ذلك بقرون من الزمن. الأمر الآخر أنّ اللاهوت في الظروف المعاصرة لم يعد مقتصرًا على علم الكلام ومعرفة الله فقط. لا سيما وأنّه في السياق المعاصر حيث شهد اللاهوت تطوّرًا واتّساعًا وازدهارًا ملحوظًا، وحتى هذا التحوّل لم يلتفت إليه بعض المستنيرين الإيرانيين، وتحدّثوا في بعض الموارد عن نهاية اللاهوت، وهي أطروحة في غاية السطحية والافتقار إلى الدعامة. لقد تمّ طرح علم اللاهوت في بداية الأمر ضمن ما بعد الطبيعة لأرسطو وفي كتاب المياتفزيقا. وأمّا منذ القرن الثامن عشر للميلاد فما بعد في مرحلة التنوير وعصر النهضة، فقد خضع اللاهوت إلى التحوّل بتأثير من الفضاء الثقافي للشباب الغربي. فبعد ظهور شلاير ماخر في ألمانيا، ظهر نوع من اللاهوت الحديث في البروتستانتية وفي الحزب الليبرالي بمحورية التجربة الدينية بدلاً من العقائد والمبادئ؛ وها نحن اليوم نشاهد استمرارًا للتفكير اللاهوتي الحديث ذاته أو الكلام الجديد، وقد بدأنا نشهد تبلور الكثير من المنظومات اللاهوتية. لقد حدث تغيّر في دور اللاهوت، وفي المسائل اللاهوتية، وفي أساليب الإلهيات، ولا سيّما في ذلك الشيء الذي ندعوه باللاهوت الحديث أو ما بعد الحداثة. إنّ جانبًا من ذلك يتمثّل في اللاهوت المعاصر، وفي هذا اللاهوت المعاصر هناك مصاديق مختلفة، من قبيل: اللاهوت البيئي أو إلهيات البيئة، واللاهوت النسوي، ولاهوت الثقافة، واللاهوت الوجودي، واللاهوت التحرّري، واللاهوت السياسي، والكثير من الأنظمة المتبلورة، وكلّ واحد منها جدير بالبحث والدراسة. وإنّ البعض منها قلّما تمّ التعرّف عليه في البلدان الإسلامية. من قبيل اللاهوت العالمي أو اللاهوت الناظر إلى جميع الأديان في العالم. وعليه بالالتفات إلى هذه الاختلافات، أقول: إنّ أبعاد التجربة النظريّة والبيانية والتفسيرية للاهوت قد تغلبت اليوم على الأبعاد المعيارية والدفاعية أو الـ (Pelegetic)، ولم يعد بالإمكان تعريف الإلهيات بالمشهورات، وأن يتمّ توظيف المشهورات والمسلمات في مقدّماته؛ ليتّخذ صبغة جدلية. وفي الحقيقة فإنّ اللاهوت قد تحوّل اليوم إلى علم هرمنيوطيقي وتفسيري. وهو يسعى في الغالب وراء بيان الإيمان وتفسيره. وبذلك يكون اللاهوت علمًا واسعًا ومزدهرًا للغاية، وقد ارتبط بالعلوم الأخرى، وارتبط حتى بعلم الاجتماع أيضًا. واليوم هناك أنظمة لاهوتية لا تعمل على توظيف عموم الفلسفة فحسب، بل وتستفيد حتى من الفلسفة التحليلية أيضًا، وافترضوا ذلك التقسيم الثنائي القارّي: التحليلي في اللاهوت أيضًا، أو أليستر ماك غراث حيث ألّف كتابًا من ثلاثة مجلدات بعنوان اللاهوت العلمي، أو ويرفار بلانبر حيث ألّف كتاب اللاهوت التاريخي، وبول تيليخ حيث ألّف اللاهوت المنهجي، وهكذا. والآن اقترن اللاهوت بالعلوم التجريبية ولا سيما مع اللاهوت التحقيقي الذي يقيم اللاهوت على العلم. وبذلك فقد اقتربت الأساليب والمناهج اللاهوتية من الأساليب التجريبية والعلمية، أي نمط من اللاهوت المتمحور حول العلم. وفي الكنسية الشرقية هناك حضور للاهوت العرفاني أيضًا. كما تحدّث فلاديمير لاسكي وغيره في هذا الشأن بالتفصيل. وفي المقابل هناك اللاهوت العدمي ولاهوت موت الإله أيضًا. وكذلك هناك وجود في البين للاهوت المقارن أيضًا؛ حيث هو في مقام المقارنة بين جميع هذه الأساليب والاتّجاهات. ثم إنّ سمارت ـ اللاهوتي المعاصر الشهير ـ يذهب إلى الاعتقاد بوجود نمط من الكلام واللاهوت حتى في ما وراء الأديان وفي الأديان التاريخية والأساطيرية أيضًا. وفي الحقيقة فإنّ مجموع الردود الدفاعية حول أيديولوجية ما، والشبهات التي يجاب عنها تمثّل بدورها نوعًا من الكلام واللاهوت والأيديولوجيا أيضًا. ثم إنّ الماركسية، والقومية، والاشتراكية وغيرها من الأيديولوجيات الأخرى تمثّل نوعًا من الدين. وعليه لا يمكن تجاهل العلم الذي يمتدّ بجذوره لأكثر من ألفي سنة، وكان مطروحًا منذ عصر سقراط وأفلاطون وأرسطو، والتركيز على مجرّد الكلام المعتزلي والأشعري فقط، ثم حتى هذا الكلام التقليدي والتراثي توجد له اليوم قراءات جديدة أيضًا. ويمكن لكم ـ على سبيل المثال ـ قراءة كتاب سابينه شميتكه حول الإلهيات الإسلامية. إنّ الكثير من المفكرين الإسلاميين لا علم لهم بالتحوّلات الجديدة، فهم في غياب تام عن التحوّل الحاصل في اللاهوت، ولا يعلمون باقترانه بفلسفة الدين، وعلم الاجتماع الديني، وعلم النفس الديني، بل ولا علم لهم حتى بآثار المختصين بالتراث الإسلامي في المجتمعات الغربية.

* ما الآليات والخصائص الإسلوبية التي يمكن الإشارة إليها من بين الاتّجاهات اللاهوتية الجديدة؟

- هناك عدد من المقولات في هذا الشأن. إحداها: هو إيضاح المفاهيم الدينية، والثانية: اختبار المدعيات اللاهوتية التي تحتوي على وجوب وإلزام. وقد ثبتت إمكانية تحقّقها من الناحية العملية، ومن بينها وظيفة بيان العقائد الدينية وتفسيرها أيضًا. وليس هو مجرّد دفاع، إنّما الدفاع الكلامي يشكّل مجرّد جزء منه. هناك في اللاهوت المسيحي المعاصر ما يقرب من خمسة عشر جزءًا، وهي أعم من: معرفة الكنيسة، وتعريف المعاصي والذنوب، والأخلاق، والمواعظ، والحكم، والمناجيات، والأدعية وما إلى ذلك. ولكنّنا لا زلنا نتشبّث للأسف الشديد بالصبغة الدفاعية ذاتها في اللاهوت. إنّ عماد اللاهوت هو تفسير الإيمان، وكنت أقول إنّ اللاهوت لا يقتصر على الإلهيات ومعرفة الله فقط، كما أنّه لا يقتصر على البحث حول المجرّدات وعالم الغيب فقط. بل هو يبحث في المسائل اليومية وأحداث المجتمع أيضًا. ولذلك لدينا اليوم لاهوت حقوق الإنسان. بل ويوجد هناك حتى لاهوت المثلية الجنسية أيضًا. وعليه يجب تعلّم اللغات الأخرى، وإعداد مصادرها والعمل عليها. بل وهناك حتى لاهوت نسيجي يبحث فيه عن كل منطقة ومجتمع من زاوية لاهوتية. لقد تغيّرت النظرة إلى مسائل الأسرة، والشرخ الحاصل بين الأجيال، والنساء وما إلى ذلك، وتغيّرت حتى أساليب تفسير النصوص المقدسة أيضًا. وتوجد الآن مناهج وأساليب جديدة، من قبيل: الفينومينولوجيا والهرمنيوطيقا؛ ولذلك فقد اكتسب بحث التفسير في الإلهيات المعاصرة مكانة هامّة للغاية، وأثر ذلك حتى على الناحية الدفاعية منه أيضًا. بيد أنّ اللاهوت يمارس النقد أيضًا. والنقد يختلف عن الدفاع. إنّ الرؤية التقييمية والانتقادية لمباحث الإلهيات وأسلوب نقد النصوص، يمثل أسلوب نقد تاريخي ظهر للمرّة الأولى في ألمانيا، والكثير من الأبحاث الأخرى. ومن هنا فإنّ عالم اللاهوت يمارس نقد النصوص وتقييم المعتقدات أيضًا، ويبحث كذلك في اختبار صحّة هذه النصوص وسقمها، وبالإضافة إلى ذلك يمتلك عالم اللاهوت رؤية تاريخية أيضًا. ليس المراد من الرؤية التاريخية مجرّد نقل الأقوال، بل المراد من ذلك في الغالب هو معرفة النسخ واللغات وصولاً إلى معرفة الأساطير والدراسات التاريخية. إنّ الأبحاث والدراسات التاريخية بشأن العقائد ودراسة المعتقدات الدينية في حالة من التحوّل التاريخي. إنّ بعض الاتّجاهات في البحث عن الوحي تستعين بأبحاث متنوّعة، من قبيل: التلباثي [التخاطر عن بُعد]، وأساليب علم النفس، والظواهر ما بعد النفسية، وفلسفة الدين أيضًا. ولذلك لا بدّ من الالتفات إلى هذا النوع من التحوّل أيضًا.

* هل تدلّ القراءات المشتركة عند الفلاسفة الجدد على التعارض بين العقل والإيمان؟ وما هي أقسام القائلين بهذا التعارض، وما المشتركات بينهم؟

-هذا السؤال يحيل بدوره إلى الأبحاث العريقة والقديمة حول العلاقة بين العلم والدين، والعقل والدين، والعقل والوحي، والعقل والإيمان، حيث يتم طرحه وبيانه بمختلف التعابير، وقد تمّ اليوم إقامة الكثير من المؤسّسات ومراكز الأبحاث والتحقيقات والدراسات الخاصة ببحث العلاقة بين العلم والدين. من ذلك مؤسّسة (Templeton) ـ على سبيل المثال ـ وهي مؤسّسة شهيرة جدًا، وهي مزيج من علماء اللاهوت، وعلماء الفيزياء، والأحياء، والمختصّين في العلوم الطبيعية، ويتركز نشاطهم على الدراسة حول محور العلم والدين، وقد أوجدوا مؤسّسات في بعض الجامعات تحت عنوان العلم واللاهوت. كما كان هذا البحث مطروحًا في العالم الإسلامي أيضًا، ولا نزال في بداية الطريق. وفي فلسفة الدين يتم كذلك تناول بحث بشأن العقل والإيمان أو العلم والدين أيضًا. وقد تمّ التركيز على بحث النزعة الإيمانية منذ فيتغنشتاين فلاحقًا. رغم أنّ النزعة الإيمانيّة تتعلّق بكركيغارد. ومن هنا فإنّ النزعة الإيمانية سواء في قراءة كركيغارد أو في قراءة فتغنشتاين ـ حيث يستقل الإيمان عن العقل والفلسفة في واقع الأمر، بل ويكون الإيمان مستغنيًا عن الدليل ـ مهمًّا للغاية. كما أنّ كلمات بلانتينغا يتم طرحها اليوم بشدّة في باب الأبستيمولوجيا الإصلاحية، التي تكتب مستصلحة عن طريق الخطأ. إذ لم يتم استصلاح شيء، فهذا أمر يرتبط بتيّار الكالفينية وكنيسة الإصلاحات. الكنيسة المستصلحة والإصلاحية. في الأبستيمولوجيا الدينية المعاصرة يتم بحث توجيه القضايا والمعتقدات من خلال الشواهد الدينية وغير الدينية عن عواقب وتداعيات بحث العلاقة بين الدين والعلم. فهؤلاء يعتقدون بإمكانيّة توجيه المعتقدات الدينية بالشواهد الدينية ذاتها، وعمدوا إلى تغيير اتّجاه الأبحاث الأخرى أيضًا. حيث كانت الأبحاث القابلة للإثبات ترتبط بمرحلة هيمنة الوضعيّة، واليوم يتم طرح ما بعد الوضعية. إذ يدور البحث حول وجوب اشتمال المدعيات الدينية عن العقلانية أو المعقولية. لقد ألّف بلانتينغا كتابًا بعنوان الإيمان المعقول حيث ادّعى فيه أنّ مجرّد الوصول إلى شيء على طبق أسلوب ومنهج، وأن يكون الادّعاء دينيًّا وعقيدة دينيّة ذات منهج، يكفي لتكون معقولة أو عقلانية، والعقلانية تعني إمكانية المحاسبة والتقييم، وتعني إمكان إقامة الاستدلال والمجيء بالدليل. كما تسمّى المعرفة في الأبستيمولوجيا المعاصرة بالإيمان الصادق. وعلى هذا الأساس فقد توصّلت الأبحاث الراهنة إلى وضع القابلية على الإثبات والتحقيق جانبًا. وقد عمد الوضعيون المنطقيون إلى طرح بحث العقلانية والمعقولية، وأخذوا يؤكّدون على بحث الرجحان. بمعنى أنّهم فيما يتعلّق بالأدلّة على وجود الله ـ على سبيل المثال ـ قد وصلوا إلى تكافؤ الأدلّة. بمعنى أنّ هناك أدلّة على وجود الله، وهناك أدلّة على عدم وجود الله، ولكن كفّة أدلّة وجود الله في المجموع ترجّح على كفّة أدلّة عدم وجود الله بعد ردّ أدلتها، فتكون بذلك راجحة، لا أنّها قابلة للإثبات، ولكن هؤلاء عقلانيون. فقد تم الحصول على مقدار منها في هذه المعارف، وتوجد أدلّة لها وعليها، وتندرج ضمن الفضاء المعرفي، وتكون قابلة للبحث والنقاش، ولأنّها جديرة بالاهتمام وصلت إلى هذا الفضاء. وفي الأساس نحن نعيش الآن في عصر ما بعد الحداثة. إنّ من بين خصائص عصر ما بعد الحداثة هي التعدّديّة في كلّ شيء؛ في الأخلاق، وفي الحقوق، وفي المعرفة، وفي الفلسفة واللاهوت، وكذلك من بين الخصائص القول بالنسبية أيضًا. وعليه لا يمكن البحث في فضاء ما بعد الحداثة عن معرفة راسخة ومستدلّة ويقينيّة لا يرقى إليها الشك. فكلّ شيء نسبيّ تقريبًا. فأنا أذهب إلى النزعة الأخلاقية المطلقة وإلى العينيّة الأخلاقية، ولا زلت أعتقد بوجود سلسلة من الحقائق المطلقة، ولكن يبدو أن هناك نزعة تدفع بالجميع إلى التوجّه نحو التعدّديّة والنسبيّة. ولذلك يكون البحث في هذا الفضاء عن تفسير مشترك يقبله الجميع أمر قريب من المحال أو بالغ الصعوبة والتعقيد، ولذلك توجد هناك قراءة مشتركة، لا أنّه لا وجود لمثل هذه القراءة، فحتى في الهرمنيوطيقا هناك نوع من القراءة المشتركة على مستوى الذهنيات، وإن هذا اللاهوت الناظر إلى الأديان الذي أشرت إليه في المنظومات اللاهوتية إنّما هو لهذه الغاية. هناك قراءة أساسية، وقراءة مشتركة تمثّل معيارًا ذهنيًّا، ولكن ترسيخ ذلك وبيانه والقدرة على الإجابة عن المشاكل أمر شديد الصعوبة والتعقيد.

* كيف تحلّل هذه الرؤية التي تقول أن الأبستمولوجيا تؤدّي إلى الإعتقاد بأنّ أصحاب الأفكار اللاَّدينيّة يتصورون أنّ المعتقدات المخالفة للدين لا تحظى كما يبدو بالقوّة والاستحكام، وفي المقابل يثبتون للمتعصبين الدينيين أنّ مواقفهم الدينيّة لا تتمتّع بالقوّة والرسوخ؟

-  يجب أوّلاً دراسة أصل هذا المدّعى. والحقيقة هي أنّ علم الأبستمولوجيا ليس ضدّ الدين، كما أنّه لا يدافع عن الدّين في الوقت نفسه، وإنّما يسعى إلى توجيه الدين. وفي الأساس فإنّ هذه ليست مهمّة الشخص الأبستمولوجي. فالأبستمولوجي يسعى إلى أن يكون حياديًا، وإن كان بعض الأبستمولوجيين لم يراعوا هذه القاعدة في كتبهم، وقاموا بنقضها وتجاوزها. بيد أنّ الموجود في مدعيات الأبستمولوجيين، ولا سيما في الأبستمولوجية الدينية ـ إذ هناك فروع متعدّدة في الأبستمولوجيا أيضًا ـ هو أن يحافظوا على حياديتهم، وأن تعمل الأبستمولوجيا على تحليل الدين والقضايا الدينية والمفاهيم اللاهوتية وما إلى ذلك من هذا المنطلق. وأن تعمل على طرح ملاك ومعيار الصدق، كما أنّ أبحاث العقلانية والأبستمولوجيا ليست رؤية واحدة. ففي صلب هذا العلم الذي ينظر إلى المعرفة ـ مثل سائر العلوم الأخرى ـ هناك آراء مختلفة. كما هناك الكثير من النظريات والمدارس المختلفة. وفي الجملة فإنّ الأبستمولوجيا لا هي دعامة للدين والمعتقدات الدينية، فهذه مهمّة المتكلم واللاهوتي، ولا هي ضدّ الدين حتى تكون من مسؤوليتها محاربة الدين. أمّا التحليلات التي تقوم بها الأبستمولوجيا للقضايا الدينية، إنّما تقوم بها في أصل القضايا اللاهوتية. لكن من الممكن أن تؤدّي في بعض الأحيان إلى إضعاف عقائد المتدينين والمؤمنين. ولكن قد تؤدّي في بعض الأحيان إلى تقوية هذه المعتقدات أيضًا. كما يوجد هناك بعض الأبستمولوجيين في الحقل الديني من الذين تؤدّي أعمالهم وأفكارهم وآراءهم إلى خلخلة أواصر المعتقدات الدينية. وهذه هي النتيجة غير المطلوبة التي يتمّ الوصول إليها. لا بدّ من الالتفات إلى نقطة وهي أنّك عندما تأخذ الدين إلى صالة التشريح، وتبدأ بعملية تشريح جسد الدين، عندها ستحدث الكثير من الأشياء التي لم يكن لها وجود قبل هذه العملية التشريحية. ويضعف مستوى تقديس وقداسة الدين إلى حدّ ما. ومن هنا كان بعض الأشخاص من أمثال كارل بارت يخالف هذا المسار، ويخالف حتى اللاهوت الطبيعي بشدّة، ويخالف اللاهوت العقلي الذي يقوم بقضّه وقضيضه على العلوم الطبيعية ومعطيات العقل البشري. وعلى كل حال فإنّ توقّع رؤية فلسفية وفلسفة شاملة للدين، أمر غير ممكن. وفي الأساس فإنّ هذا من بين الاختلافات بين الدين والأيديولوجيات البشرية. وبهذا المعنى يكون الدين أفضل من الأيديولوجيا، وهذا صحيح. وأمّا القول بأنّ الدين لا يقبل الأيديولوجيا أصلاً، وأنّه لا يمكن الاستدلال عليه، وأنّه تعبّد كلّه ـ كما يحلو لبعض الأشخاص قوله ـ فهذا خطأ أيضًا، ولذلك فإنّه لا ينسجم مع الحداثة والعقلانيّة الحداثويّة. كلا، فإنّ للدين أبعادًا استدلاليّة وعقلانية وفلسفيّة أيضًا، كما يوجد في الدين بعد اعتقادي قابل للتشريح المفهومي والاستدلالي، كما يحتوي على بُعدٍ عرفانيٍّ وشهوديٍّ يفوق العقل أيضًا، ولكنّه لا يخالف العقل.

* هل تعدّ قابلية الدين على الاستدلال دليلاً على قوّته؟ وهل يصحّ تعبير كارل بارت القائل: إنّ الاستدلال العقلي على الإيمان تعبير آخر عن المواقف غير الإيمانية؟

- لقد كان هذا الاتّجاه موجودًا في المسيحية، وهو موجود في اليهودية وفي الإسلام أيضًا. وذلك أنّ البعض يرى أنّ إقامة الاستدلال على الدين منافيًا لقداسته، ويعتبرون ذلك تصويرًا للدين وكأنّه بحاجة إلى الفلسفة، وإنّه لا ينبغي بنا أن نجعل الدين محتاجًا إلى أدلّة الفلاسفة وبراهينهم، إذ يعتبرون هذه الحاجة نوعًا من النّقص في الدين. والذين هم من أصحاب النزعة الإيمانية أو من أمثال باريت الذي لا يؤمن باللاهوت الطبيعي والعقلاني المحض، ويؤمنون باللاهوت المتمحور حول السيد المسيح، فإنّ كلّ شيء عندهم يدور حول وجود المسيح وشخصيّة المسيح وأعمال المسيح، ويتم تعريف الإيمان بالمسيح، ويكتب الفوز والنجاة والفلاح بالسيد المسيح. وهذا ما يسمونه بالتمحور حول السيد المسيح. وهناك مثل هذا الاعتقاد القائل بأنّ الإيمان بالمسيح والعيش مثله يطهّر الإنسان من المعصية الأولى، وأنّ عقل الإنسان قد تدنّس بفعل المعصية الأولى، وأنّ الناس يولدون ويأتون إلى الدنيا وهم مذنبون، كما هو موجود في البروتستانتية ولاهوت مارتن لوثر. إنّ مارتن لوثر يستند إلى المعصية الأولى كثيرًا، وهناك أنواع عدّة من المعصية في المسيحية. ومن بينها معصية الأسلاف والأجداد. وكذلك المعصية الأولى ومعصية الغرائز. وإنّ معصية الغرائز تركّز على البُعد الحيواني حيث توجد بفعل عبادة الغريزة والهوى. إنّ المسيحية تبحث هذه الذنوب والمعاصي الثلاثة، وهي إنّما تطهر بواسطة الإيمان بالسيد المسيح الذي دفع كفّارة الذنوب بواسطة حمله على الصليب. ومن هنا لا يمكن للعقل وحده أن يوصل الإنسان إلى السعادة والفلاح، ولا بدّ من بلوغ النجاة عن طريق المسيح عيسى والكنيسة. وعليه فإنّ هذا الكلام من باريت يعني أنّه لا يؤمن باللاهوت الطبيعي، ولا يرتضي تطفّلات العقل البشري. إنّ العقل مدنّس وآثم، ومنذ أن يولد الجنين يأتي إلى الدنيا وهو ملوّث بالآثام والمعاصي، ولا يمكنه الخلاص وبلوغ السعادة والفلاح إلا بالإرادة والإخلاص والعمل الصالح. إنّهم يعتقدون بأنّ الذنوب يتمّ توارثها كما يتمّ توارث الجينات الوراثيّة عبر الأجيال، وبذلك يكون جميع الناس آثمون ومدنّسون بالذنوب. خلافًا للإسلام الذي يقول بالفطرة الطاهرة للإنسان. وكذلك أنّ الإيمان عندما يمتزج بالاستدلال والتعقّل، فحيثما فتح باب التشكيك والترديد والتساؤل، فإنّ الإيمان سيفقد قدسيّته، ثم يتمّ بعد ذلك إنكار تفوّقه على العقلانية، يضاف إلى ذلك يجب أن نبحث عن الحياة المسيحية والتطهّر بواسطة السيد المسيح. وقد كانت رسالة باريت إلى اللاهوتيين المسيحيين تأمرهم بعدم استبدال العقل بالسيد المسيح. لأنّكم تتوقّعون من العقل ما لا يمكن أن يصدر عن غير المسيح. ولذلك فأن يتحوّل الدين إلى أمر قابل للاستدلال، أمرٌ ترفضه المسيحية. بمعنى أنّ الغالبية العظمى في المسيحية ترفض هذا الأمر. وبطبيعة الحال لا يخفى أن بنية الأديان تختلف. من ذلك أنّ الإسلام ـ على سبيل المثال ـ ليس كذلك، حيث نجد في الإسلام احتفاءً كبيرًا بالعقل، حتى قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) [الأنفال - 22]. ويُعدّ التفكير في الإسلام عبادة، وقد اشتمل القرآن على الكثير من الآيات التي تذكّر بمكانة العقل، حيث يتكرّر في الكثير من آيات القرآن الكريم التعبير بكلمات من قبيل: (أفلا يعقلون، أفلا يتدبّرون، أفلا يتفكّرون، وما إلى ذلك)؛ حيث تدعونا إلى التعقّل والتدبّر في الخلق وفي الطبيعة، وقال تعالى: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [البقرة - 111؛ النمل - 64]. ومن بين معاني البرهان هو الاستدلال والدليل العقلي، وهكذا أخذنا نشهد في الحضارة الإسلامية ظهور العلوم العقلية والفلسفية وازدهارها، ولا سيّما في التشيّع حيث نجد احتجاجات الأئمة، والخطب التوحيديّة في نهج البلاغة، والأدلّة التي استعملها الإمام الصادق والإمام الرضا (ع)، ومناظرات الإمام الرضا في مجلس المأمون مع عمران الصابي، ورأس الجالوت، والجاثليق وغيرهم. وبذلك يكون الإسلام أكثر عقلانية بالقياس إلى المسيحية.

* ما هي الانتقادات الواردة على اللاهوت الوجودي؟

إنّ من بين التيّارات النافذة والواسعة في اللاهوت المعاصر، هو اللاهوت الوجودي. إنّ هذه الفلسفة تتعرّض إلى وجود الإنسان، بل هناك من قال إنّها نوع من الأنثروبولوجيا، وليست فلسفة بالمعنى المصطلح والشائع للكلمة. أي أنّها ليست فلسفة ميتافيزيقية. بل قد كان لدى الوجوديين نوع من التمرّد على الفلسفة، وإنّ الفلسفة الأولى والتقليدية ـ ولا سيّما في شكلها الأفلاطوني والديكارتي ـ كانت فلسفة عقلانية وقومية بحتة، والوجودية تمثّل تمرّدًا على القومية الديكارتية والإفراط في العقلانية. لقد بحث هؤلاء في وجود الإنسان، وكان الـ (Dasein) هو المصطلح الذي استعمله هايدغر، وقد ترجمه هنري كوربان إلى الواقعية البشرية أو الوجود البشري. إنّهم يعتقدون أنّ الوجود المعتبر والأصيل إنّما هو من مختصّات الإنسان حيث هو الكائن المدرك. إنّ هذا الكائن أي الإنسان إنّما هو شخص وليس شيئًا. أمّا الكائنات الأخرى فهي من الأشياء والـ (object). وقد اعتادوا ذكر خصوصيتين للشخص، وهناك من ذكر له أربع خصائص. ومن بينها أنّه يمتلك إرادة وفعلاً إراديًّا، كما أنّه يمتلك وعيًا وإدراكًا ذاتيًّا. فإذا كان لدى كائن ما وعيًا وإدراكًا ذاتيًّا وفعلاً إراديًا، وكان يتمتّع بـ (Will) وإرادة، كان هذا الكائن شخصًا. سواء أكان هذا الكائن إلهًا أم بشرًا. وعندها تمّ التخلّي عن ذلك النّزاع المعروف في فلسفة الدين حول الإله المتشخّص أو غير المتشخّص الذي لا يزال مستمرًّا إلى هذا اليوم، وهو من بين الأبحاث المعقّدة في فلسفة الدين، حول ما إذا كان الله متشخّصًا أم لا. وفي الحقيقة يتمّ في الوجودية البحث حول الإنسان وأوضاعه البشرية، حيث الإنسان من وجهة نظر اللاهوت المسيحي كائن هابط. لقد تمّ طرده من الجنّة، وسكن في الأرض وحُبس فيها وابتعد عن الله، وأصبح مطرودًا من حضرة الله، وتورّط في هذا العالم بأنواع الشرور والتناهي والكوابح والقيود والحدود. لقد استعرض بول تيليخ في كتابه حيوية الإيمان أربعة أو خمسة أقسام من الاغتراب، ثم ذكر بعد ذلك أنواع التناهي، وبعل هذا التناهي تحدّث عن ثلاثة أنواع من الاضطراب، وكذلك في كتابه شجاعة الكينونة يطرح بعض الأمور، ومن بينها: اضطراب المعصية، واضطراب العدم، وتقبّل الموت، والفناء، والزوال، واضطراب تناهي الوجود. وفي المجموع فإنّ اللاهوت الوجودي يبحث في هذه الموضوعات: اضطراب الإنسان، وتناهي الإنسان، واحتياجات الإنسان وقيوده، وتدنّس الإنسان بالمعاصي والذنوب، وهبوط الإنسان من الجنة، وإنّه ما الذي يمكنه فعله، وكيف يجب تفسير الإيمان للإنسان في مثل هذه الظروف، وما الذي يفعله الله للإنسان، وما إلى ذلك من الموضوعات الأخرى. إلا أنّ أحد الانتقادات الواردة على اللاهوت الوجودي ناظر إلى أحادية هذا اللاهوت، إذ إنّه في الأصل يتجاهل الأبعاد الاجتماعية، والسياسة من الدين، حيث يتجاهل الآليات والعناصر السياسية والاجتماعية للدين. وكأنّ الدين مذهب صوفي قد جاء لمجرّد منح الإنسان الطمأنينة ويرفع عنه الاضطراب فقط، وليس له أي وظيفة أخرى. في حين أنّ للدين والتديّن آليات وعناصر متنوّعة، وهي أعم من الآليات السياسية والاجتماعية. ومن هنا فإنّ الرواية الوجودية تعمل على إيضاح بُعد واحد من الدين فقط. وهو البُعد المدنّس والمضطرب من وجود الإنسان، وأنّ بإمكانه الوصول إلى الطمأنينة والهدوء بواسطة الإيمان.

* هل التعدّديّة بين أنواع الاتّجاهات اللاهوتية الجديدة تعني حيوية اللاهوت أو أنّها تعني اضمحلاله؟ وما هي مسؤوليّة علماء الإسلام في هذا الشأن؟

إنّ هذه التعدّديّة في التفكير أمر طبيعي. وهي تعود إلى اختلاف الناس في الاستعداد والإدراك والظرفيات. فالإنسان ما دام يقرأ ويطالع ويدرس، سوف يصل لا محالة إلى بعض الأفكار. يضاف إلى ذلك أنّ هناك أغراضًا ودوافعَ مختلفة لدى الأشخاص أيضًا، ولا يمكن السيطرة على هذه العملية بشكل تامّ وكامل. إنّ التنوّع الثقافي حقيقة واقعة. وعلى هذا الأساس فإنّ مدركات الناس تختلف، كما تختلف أساليبهم التربوية أيضًا، وبالتالي فإنّ مناشئهم ودوافعهم وحاجاتهم ستكون مختلفة أيضًا. يضاف إلى ذلك أنّها وليدة الأسئلة الفكرية والثقافيّة الجديدة أيضًا. وفي بعض الأحيان تقتضي الضرورة ذلك، بمعنى أنّ الأفكار والآراء القديمة تفقد جدوائيّتها، ولا يعود بمقدورها تلبية حاجة العصر، ومن هنا تمسّ الحاجة إلى إنتاج أفكار ونظريات وآراء جديدة، ويقوم ذلك كلّه على أساس ومنشأ الأفكار والآراء المتنوّعة والتعدّديّة. ثم إنّ هناك مفكّرون ملهمون يشعرون بالمسؤولية ورسالة التعاطف. إنّهم علماء مخلصون يتوصلون إلى بعض الابتكارات، ويدركون أنّ الأفكار القديمة لم تعد ناجعة، وأنّه لا بدّ من البحث عن طرق جديدة لمعاجة مشاكل الشباب والمجتمع. كما كان الحال في الحرب العالمية الأولى والثانية حيث تكشّفت الكنيسة عن إفلاسها ولم تكن تمتلك جوابًا للمشاكل المعاصرة. ومنها انتشرت العدميّة والتفاهة في عموم القارّة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية. حيث تفشّت ظاهرة الانتحار وحالات الاكتئاب والأمراض النفسية والعصبية والانهيار الأسري وما إلى ذلك من الأزمات الأخرى بكثرة، ولم يكن لدى الكنيسة ما تقوله أو تفعله للشباب على أرض الواقع ومن الناحية العمليّة. ومن هنا شاعت مظاهر التمرّد من قبل الشباب وفئة الهيبي والعدمية في أوروبا. على علماء الإسلام بدورهم أن يفكّروا في جدوائيّة الدين والاستجابة الدينية، وأن يعيدو النّظر في الأساليب الإعلامية وأن يفكّروا في جدوائيّتها، وإلّا سوف ينتظرنا المصير نفسه أيضًا. من حالات تمرّد الشباب، وهروبهم من البيوت، والشرخ بين الأجيال الآخذ في التصاعد، وعدم اهتمام الشباب بالمقدسات والمعتقدات والسنن وما إلى ذلك.

* يعدّ الاعتراف الرسمي بالتعدّديّة الدينيّة عنصرًا في إطار اضمحلال الدين التقليدي، فهل يمكن اعتبار ذلك بوصفه فرصة للدين الحقيقي؟

إنّ الذين تحدّثوا عن التعدّديّة في الغرب ـ وربّما كان أشهرهم صديقي الراحل جون هيك ـ قد عثروا في الواقع على بعض المشاكل في المجتمعات الغربية، وهي بدورها وليدة سلسلة من المشاكل العملية. قال هيك في واحدة من الحوارات التي كانت لنا معه في جامعة بيرمنغهام: كان لدي الكثير من الأصدقاء، من الهندوس، والسيخ، والبوذيين، والمسلمين، وكانوا بأجمعهم على درجة عالية من الأخلاق والإخلاص والانضباط، وقد تشكّل في ذهني هذا السؤال بالتدريج: هل يمكن لجميع هؤلاء أن يرسلوا إلى جهنّم، لمجرّد أنّهم لا يذهبون إلى الكنيسة، ولأنّهم لا يؤمنون بالسيد المسيح؟! أو إذا كان هناك إله موجود ـ وهو موجود ـ وكان رؤوفًا وعادلاً وعطوفًا، فمن المحال أن يقذف بجميع هؤلاء الأشخاص الصالحين الذين لا يكذبون، ولا يخادعون ولا يمارسون الغش والاحتيال، وهم أوفياء وصادقون في صداقتهم وراسخة أقدامهم، لمجرد أنّهم لا يؤمنون بالسيد المسيح، ومن هنا فقد طرح نظريّة التعدّديّة الدينيّة. ولا شكّ في أنّ هناك نظريتان أخريان منافستان في قبال هذه النظرية، وهما أوّلاً: الشموليّة، وثانيًا: الانحصارية. والطرح الآخر هو الذي يقدمه التقليديون المعاصرون حيث يقولون بالوحدة الجوهرية للأديان. وأنّ حقيقة الإيمان والأمور الأخلاقية للأديان مشتركة فيما بينها تقريبًا. فجميع الأديان تحتوي على تعاليم أخلاقية مشتركة، ولا أقول واحدة، وإنّما هي مشتركة. النقطة الأخرى هي أنّه في البلدان الإسلامية غالبًا ما يتم خلط التعدّديّة الدينيّة بمسألة حريّة التعبير، وحريّة التفكير، ومسألة التسامح والتساهل وسعة الصدر، ويقال إنّ الذي يعارض التعدّدية الدينية والمعرفية، كأنّه يعارض حرية التفكير، ويخالف حرية التعبير. في حين لا تنافي بين هذه الأمور. يمكن الاعتقاد بحرية التفكير وحرية التعبير بالكامل ـ كما أني كذلك ـ وأن تكون هناك سعة صدر إسلامية، ورفض العصبية والسطحية والفرض والتحكم ـ كما أنّي أرفض ذلك ـ ولا سيما في تبليغ الدين والدعوة إليه، وفي الوقت نفسه عدم القبول بالتعدّدية الدينية. لأنّها غير قابلة للدفاع من الناحية المعرفية والأبستمولوجية. وعلى كل حال فإنّ التعدّدية قد اختلطت بالغايات السياسية، واختلطت ببحث التسامح والتساهل وبحث حرية التفكير.

* ما هي الانتقادت الواردة على النسبية الدينية؟ وهل يمكن للنسبية أن تكون صحيحة في بعض الحالات والظروف الخاصة؟

إنّ النسبية مرفوضة من زاوية المواقف الفلسفية والأبستمولوجية. إنّ هذه النظرية تؤدّي من الناحية العملية إلى نتائج تستند إلى التشكيك. بمعنى أنّها تشكّل جسرًا إلى التشكيك. هذا إذا لم نقل إنّها هي التشكيك بعينه، بل وقد تؤدّي إلى الإلحاد وإنكار وجود الله. وعلى هذا الأساس فإنّه خلافًا لما أصبح موظة عصرنا، أصبحت النسبية في كل شيء؛ فهناك نسبية في الأخلاق، وفي المنهج، وفي المعرفة. إنّ هذه النسبية التي تؤدّي إلى الفراغ والتشكيك أيضًا أمر مرفوض. ولكن من ناحية أخرى فإنّ النزعة الإطلاقية لا تعني الجزمية إذا كنا من القائلين بالحقيقة المطلقة أو القيَم المطلقة والعينية ـ وأنا من القائلين بها في فلسفة الأخلاق ـ فهذا لا يعني التحميل والتعصّب، بل هو يمتلك دليلاً ودعامة استدلالية. وفي الحقيقة هناك شح في العمل والنشاط في مجال الواقعية الأخلاقية والعينية الأخلاقية والنزعة الإطلاقية الأخلاقية. وفي المقابل أرى الاتّجاهات غير الواقعية مضرّة على المجتمعات إلى حدّ كبير. كما أنّه لا يمكن الدفاع عنها من الناحية النظرية. وحتى فيلسوف مثل فيتغنشتاين الذي أسّس منظومتين فلسفيتين رغم عمره القصير، له رسالة في باب اليقين. وهناك يقول باستحالة الشك المطلق. وأنا بدوري أريد القول هنا إنّ النسبية المطلقة مستحيلة أيضًا. وأمّا أن تكون دعوى النسبية المحضة، نسبية قي كل شيء، فهو بدوره ادّعاء مطلق، وقضية مطلقة. إذ لو كانت هي بدورها نسبية أيضًا، فهذا يعني أنّها تنقض نفسها، وتعارض نفسها بنفسها. وعلى كل حال فإنّ بعض القضايا يقينية وبديهية، وإلا لو كان كل شيء نسبيًا، فسوف يصبح التفكير محالاً. إذًا، هناك لدينا قضايا مطلقة أيضًا. ولكن لو صحّت النسبية بهذا المعنى وهو أنّ هناك في الثقافات المختلفة أفكارًا مختلفة وأنّها تختلف من مجتمع إلى آخر؛ فإنّ النسبية بهذا المعنى قابلة للدفاع. أو أن الآداب والتقاليد والأعراف الاجتماعية تختلف من مجتمع إلى آخر. أو أنّ قابليات الناس وظرفياتهم التفكيرية والإدراكية تختلف من شخص إلى آخر. وبهذا المعنى تكون النسبية صحيحة وواقعية، ولا يمكن مواجهتها؛ لأنّها غير قابلة للإنكار. وأمّا القول بأنّ جميع المعارف البشرية، أو كل القيَم الأخلاقية، وجميع المفاهيم نسبية، فهذا ما لا يمكن إثباته، ولا ينطوي على فائدة أو مصلحة عملية في هذه النظرية. وفي الحقيقة فإنّ هذه النظريّة خطيرة حيث تؤدّي إلى الفراغ والعدمية المعرفية.

* ما هو ملاك صدق الاعتقاد الديني من بين أنواع القراءات المتنوّعة؟ وما هي المعايير والموازين الموجودة في هذا الشأن؟

هذا سؤال جيّد. إنّه سؤال هرمنيوطيقي ومعرفي. وقد أشرت في معرض الإجابة عن السؤال الأوّل إلى أنّنا نعيش اليوم في فضاء ما بعد الحداثة حالة من الحركة والسيولة. إنّه عصر القبض والبسط، وهو ما أخذوا يعبّرون عنه في أنواع العرفان في العصر الجديد بعصر الدلو، وذلك بلحاظ أنّنا بحسب مصطلح المراحل التاريخية قد وصلنا إلى برج الدلو، وهو يمثّل كناية عن أن العصر الجديد أخذ يشهد حالة سيلان في كلّ شيء. وفي مثل هذا الفضاء لا تكون للأخلاق أصول ثابتة ولا للمعرفة. وفي هذا الفضاء يختلط الحسن بالقبيح، ولا يكون هناك وجود لصدق أو كذب. ومن هذه الناحية ظهرت النسبية والحالة العائمة والسائلة في أغلب بلدان العالم ولا سيما في مجتمعات أوروبا الغربية وأميركا الشمالية. وعلى هذا لم تعد تلك النزعة الإثباتية من قبل المناطقة التقليديين التي تقوم على مبنى البديهيات والأمور البديهية والنظرية والفطرية والاكتسابية وما إلى ذلك، ولا بحث في قابلية التحقيق لدى الوضعيين القائلين بقابلية التجربة. ويقوم ذلك على أساس الاستقراء، والاستقراء الناقص يفتقر إلى الحجيّة. ولذلك تم طرح مسألة العقلانية أو المعقولية، والمطروح حاليًا هو بحث الرجحان القابلية على الترجيح. وعلى كلّ حال فإنّ مجرّد أن يقدّم الشخص بعض الشواهد أو معرفة أو معارف بشكل منهجي، يكون ذلك كافيًا، وأمّا سائر الأمور فهي مجرّد انتقاءات وترجيحات للشواهد المؤيدة والمخالفة بحسب مذاق الأشخاص، حيث يكون هناك دور لظرفياتهم الإدراكية، ولدوافعهم ومقاصدهم وتربيتهم وأمزجتهم ونمط حالاتهم النفسية والشخصية. ولذلك لم يعد هناك من وجود لبحث الصدق والمطابقة وإدراك التطابق مع الواقع. فاليوم يتمّ التوجّه إلى اعتبار الإجماع هو الملاك في الصدق، كما أنّ أنصار ما بعد الحداثة فيذهبون إلى الاعتقاد بالسلوك وردود الأفعال الجماعيّة أو إلى الرجحان والمعقولية. أن تقدّموا شيئًا منهجيًّا وتؤكّدوا وجود الشواهد عليه لم يعد كافيًا للدفاع والإثبات. وإن كان لا توجد هناك حماية قطعية وحاسمة. وفي المعرفة الدينية والمعتقدات الدينية هناك الكثير من الذين يجنحون نحو الإيمان. ولا نعني بذلك الإيمان المفرط، إلا أنّ الإيمان المغاير والمختلف عن الأحكام العقلانية قد شاع على نطاق واسع. وهناك من استند إلى الأبعاد العمليّة من الدين، بمعنى أنّ الدين يؤدّي إلى التحوّل المعنوي والروحي، وهو أمر ملحوظ ومشهود؟ فإنّ الشّخص إذا كان متدينًا، وكان مخلصًا لدينه، وكان ملتزمًا بأحكام دينه، فإنّ ذلك سيترك تأثيرًا على شخصيّته، وسوف يؤدّي ذلك إلى تغيير سلوكه ونمط حياته نحو الأفضل، بمعنى أنّه يتحسّن من الناحية الأخلاقية. ومن هنا فإنّ الأبستمولوجيا المستصلحة أو المصلحة تحتوي على ملاكات ومعايير علمانية، ومن هنا حلّت نظرية التوجيه محلّ نظرية التمحور حول الصدق وملاكاتها.  وحتى المبنائية التقليدية ذاتها عملت على رفع نواقصها، وأخذت تتحدّث عن النزعة المبنائية الجديدة.


تعريب: حسن علي مطر الهاشمي