البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

June / 24 / 2021  |  296الروحانية العلمانية هي تعبير عن مأزق المعنى في الحضارة المعاصرة

الحوار مع :د. محمد فنائي إشكوري
الروحانية العلمانية هي تعبير عن مأزق المعنى في الحضارة المعاصرة

الدكتور محمد فنائي إشكوري حائز على شهادة الدكتوراه في فلسفة الدين من جامعة مكغيل الكنديّة. وهو حاليًا عضو في الهيئة العلميّة لمؤسّسة الإمام الخميني للتحقيقات، ويشتغل في حقل الفلسفة المقارنة، وفلسفة الدين والعرفان الإسلامي تدريسًا وتحقيقًا. وقد صدر له حتى الآن كتب كثيرة، منها: «المعرفة الدينية»، و«العلم الحضوري»، و«العلم الإسلامي والجامعة الإسلامية»، و«مكانة المرأة في الفكر الإسلامي»، و«الالتزام بالحقيقة»، و«أزمة المعرفة»: نقد العقلانيّة والروحانيّة التجديديّة»، و«مناجاة العارفين: شرح الحكمة والروحانيّة الشيعيّة في دعاء كميل»، و«مدخل إلى تاريخ فلسفة الغرب»، و«خصائص العرفان الشيعي الخالص»، و«الفلسفة والعرفان الإسلامي في مواجهة التحديات المعاصرة)، و«العرفان الإسلامي في نصوص علماء الشيعة»، و«مدخل إلى فلسفة العرفان». كما نشر له العشرات من الأبحاث في حقل الفلسفة والعرفان والدين.

 نسعى في هذا الحوار إلى بيان عيوب وثغرات النّزعة الروحانيّة الجديدة السائدة اليوم وخصوصًا في الغرب.

«المحرر»


* ما المقصود بالنّزعة الروحانيّة الجديدة؟ وما هي أبعاد التقابل بين النّزعة الروحانيّة الجديدة والروحانيّة الإسلاميّة؟

الروحانيّة ترجمة للمفردة الإنجليزية (Spirituality) أو (Spirit) بمعنى الروح. وفي الحقيقة فإنّ الـ (Spirituality) تعني الروحانيّة والاتّصال بعالم الروح وما وراء المادة. وبطبيعة الحال فإنّ المعنوي والروحاني متوافقان من حيث المعنى والمصداق، رغم اختلافهما من الناحية اللفظية. ومن بين الاتّجاهات المعاصرة السائدة في حقل النزعة الروحانية، هو الاتّجاه إلى الروحانية دون الإيمان بعالم الغيب. في حين أنّه لا معنى للروحانية دون الاعتقاد

بالروح وبالله وعالم ما وراء الطبيعة. إنّ الـ (Spirit without Spirituality) يعني الحديث عن نوع من الروحانية بمعزل عن الروح. وبعبارة أخرى: الروحانية من دون دين، ومن دون الاعتقاد بالله والإيمان بالأمور الدينية، في حين يبدو أنّ هذا النّوع من الروحانية ينطوي على شيءٍ من التناقض؛ إذ إنّ الروحانية بالمعنى الشائع والتاريخي لا يمكن أن تفهم بمعزل عن الدين. ومن هنا فقد عمد المنظّرون في هذا الشأن إلى تغيير هذا المعنى، أي أنّهم استفادوا من لفظ الروحانية وأرادوا به معنًى آخر؛ وعلى هذا الأساس فإنّ الروحانية المعاصرة هي في الغالب أشبه باللفظ المشترك. إنّ الروحانية أو السلامة الروحيّة تعني في الكثير من الأحيان السلامة النفسيّة، وعدم وقوع الأشخاص في الاكتئاب وانعدام الأمل، وأن يعيشوا حياتهم بسعادة وحبور. أو أنّها تفهم ـ في الحدّ الأقصى ـ في إطار الحياة الأخلاقية. في حين أنّ هذا المعنى غاية في التضاؤل والانخفاض لمفهوم الروحانية. وبطبيعة الحال فإنّ الروحانيّة الدينيّة تشتمل بدورها على السلامة النفسية والأخلاقية أيضًا، إلا أنّها تمثّل شيئًا أوسع من ذلك. إنّ جوهرها هو الارتباط بالمعنى وباطن العالم والارتباط بالله سبحانه وتعالى، وإنّ الموارد المذكورة إنّما تمثّل مجرّد جانب من آثار ذلك الارتباط. إنّ الفرد الذي يرتبط بالله سبحانه وتعالى ويكون متصلاً بباطن العالم يعدّ سليمًا من الناحية النفسية، ولا يعتريه الاكتئاب وانعدام الأمل. قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [سورة الرعد (13)، الآية 28]. إنّ الأساليب الدنيوية السائدة التي يتمّ تقديمها في إطار تسكين النفس والروح، من قبيل: حركات اليوغا، أو تناول بعض العقاقير الخاصة، أو الاستماع إلى الموسيقى، ربّما تساعد على إيجاد المسكّنات الوقتية، ولكنّها لا تحتوي على العمق والديمومة. إنّ هذه الروحانية لا ربط لها بالوحي وعالم الغيب، وإنّما هي من ثمار التجارب العاديّة للإنسان، وعلى خلاف الروحانيّة الدينية المتّصلة بوحي السماء. في الروحانيّة الدينية إذا كان هناك من كلام عن الروحانيّة وآثار الحياة الروحانية، فإنّ هذا الكلام بأجمعه يعود بجذوره إلى الوحي والتعاليم الدينية؛ وأما في الروحانية العلمانية فإمّا أن يتمّ إنكار الله بالمرّة، أو تتمّ الغفلة عن الربوبية التشريعية للباري تعالى في الحدّ الأدنى، أي إنكار تلك الشريعة التي تعمل على تنظيم الواجبات والمحرمات وسلوك الحياة على أساس الأحكام الإلهية. ومن هنا يتولّى الإنسان بنفسه عمليّة اتّخاذ القرارات بشأن هذه الضرورات والمحظورات بشكل كامل. ويقوم الإنسان بتحديد ما يجوز ولا يجوز بنفسه. وهكذا هو اتّجاههم إلى الحياة الأخروية وخلود الإنسان أيضًا. إنّ أكثر الروحانيات الجديدة لا تؤمن بالمعاد الديني. فهناك منها ما هو مادي بالكامل ولا يعتقد بالآخرة أبدًا، وهناك منها ما هو متأثّر بالعرفان الشرقي في ذهابه إلى الاعتقاد بالتناسخ. ومن هنا فإنّ التعاليم الدينية والمعتقدات التقليدية في المجتمع الإسلامي تتناقض جذريًّا مع معتقدات الروحانيات الجديدة. فلا يمكن للإنسان أن يكون متدينًا، ويتّخذ ـ في الوقت نفسه ـ من الروحانيات الجديدة منهجًا وطريقة لحياته؛ إذ سرعان ما سوف يتّضح هذا التناقض إن عاجلاً أو آجلاً.

* ما هو موقع الخرافة ودورها في النزعة الروحانية الجديدة؟

- هذا سؤال جيّد. بعد الدخول في هذا النّوع من الروحانيات سوف تدركون للوهلة الأولى أنّها شديدة الجاذبيّة، وتبدو في بعض الحالات علميّة بحسب الظاهر، ولكن سرعان ما ستطفو بعد ذلك بعض الخرافات والكلمات الاعتباطية على السطح؛ وهي كلمات لا تقوم على أيّ مستند علميّ أو عقليّ. عندما تكون لدى الفيلسوف بعض المعتقدات ـ سواء أكان فيلسوفًا ماديًّا أم إلهيًّا، أم مسلمًا أم غير مسلم ـ فإنّه يقيم معتقداته على مجموعة من الأدلّة العقلية والفلسفية. فإن كانت تلك المعتقدات متطابقة مع العقل، كان ذلك الاستدلال والادعاء مقبولاً. كما أنّ العالم التجريبي في حقل الفيزياء والكيمياء، يعمل على توثيق مدّعياته عن طريق التحقيقات المخبرية والأساليب العلمية أيضًا. ونحن نرى تلك الأساليب ونعمل على تقييمها ثمّ نقبل بها أو نرفضها. وهكذا النبي عندما يدّعي شيئًا، إنّما نقبل مدّعاه على عمومه بسبب تطابق هذا المدّعى مع العقل والفطرة. وقد أجاب النبي الأكرم (ص) عندما سألوه: ما الذي تدعو إليه؟ قائلاً: أدعوكم إلى عدم الشرك بالله، والإحسان إلى الوالدين، والعدل في القضاء، وعدم قتل أولادكم مخافة الفقر والجوع، وما إلى ذلك من الأمور التي نجدها مجموعة في قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [الأنعام (6): 151 ـ 152].

إنّ هذه بعض تعاليم النبي الأكرم (ص)، وهي تعاليم تتّفق مع الفطرة الإنسانية، ومن هنا فإنّها تكون مقبولة، فإذا كان المخاطب عنيدًا وصعب المراس، يأتي دور المعجزة. من ذلك أنّنا إذا انجذبنا لفنّ ما من قبيل: الموسقى أو الخط أو الصوت الجميل. على سبيل المثال. سنقع في الحقيقة تحت تأثير جمال ذلك العمل الفني. فإذا كان الادّعاء أو الأثر غير مشتمل على أيّ واحد من هذه الخصائص، بمعنى أنّه لم يكن متطابقًا مع الفطرة، ولا يمكن إثباته بالدليل العقلي والعمل المخبري والتحقيقات العلميّة، ولم يتم دعمه بالمعجزة، ولا هو يحتوي على جماليّة يمكن أن تجتذب المخاطبين، عندها سوف يضطرّ صاحب هذا الادّعاء إلى الخداع والتزييف واللجوء إلى الخرافات. ولا تزال هذه الأساليب موجودة في المجتمعات الإسلامية أيضًا؛ حيث يتم اجتذاب بعض الأشخاص من خلال الوعود الكاذبة أو ممارسة الخداع والشعوذة وما إلى ذلك من الوسائل المرذولة. إنّ هذا النّوع من اختلاق الدين والروحانيات المصطنعة، ليس أمامه من سبيل سوى الخرافة والخداع؛ إذ ليس لديه شيء آخر يقدّمه كي يتمكّن الأشخاص من الإيمان على أساسه بما يدّعيه. ومن هنا فإنّ الخرافات تلعب دورًا كبيرًا في هذه الاتّجاهات والتيّارات. فلو تمّ تجريد الروحانيات الجديدة من الخرافات، سوف يتمّ تجريدها من كامل أسلحتها. إنّ الخرافة تعني المعتقدات التي لا تستند إلى أي مبنى يمكن الدفاع عنه. إنّ الكلام الذي لا يستند إلى دليل معتبر يعدّ خرافة، حتى إذا كان تقديمه باسم الدين.

* ما سبب إقبال الشباب على المصاديق المختلفة للروحانيات الجديدة في المجتمعات الإسلامية المتنوّعة؟

- إنّ هذه الشرائط تعبّر عن آليّة الخداع، والخداع هنا يعني إظهار غير الواقع على أنّه واقع. ليس كلّ النّاس يفكّرون بمنطقيّة. نشاهد أنواع الخرافات في مختلف المجتمعات، وهذا الأمر يثبت أنّ النّاس على استعداد لتقبّل الخرافة؛ إذ إنّ الوصول إلى الحقيقة أمر مستصعب. لقد ذكر القرآن الكريم في الكثير من آياته أنّ أكثر الناس لا يعقلون ولا يتدبّرون ولا يتفكّرون. لا سيّما إذا وجدوا في شخص ما جاذبيّة خاصّة، فإنّهم سوف يصدّقون ما يقوله دون تريّث. إنّ لدى قادة هذا النوع من الفرَق والفنون وزعمائهم قدرات كبيرة للتأثير على الآخرين. هناك في بعض الأحيان شخصيات تتمتّع بكاريزما وظاهر أنيق أو حلاوة في اللسان، وجمال في البيان، ومهارة في نسج القصص، أو إنشاد الشعر. وعلى كلّ حال فإنّهم يتمتّعون بصفات بارزة تمكّنهم من اجتذاب الأشخاص. من ذلك على سبيل المثال أنّ ساتيا ساي بابا يقول: إنّ الله قد حلّ في وجودي منذ أن بلغت سنّ الرابعة عشرة، وقد ادّعى أنّه سيعود إلى الحياة بعد سبع سنوات من موته. وقد صدّق به أتباعه الذين يبدو عليهم أنّهم عقلاء وطبيعيون واعتياديون؛ إذ تمكّن ساي بابا من اكتساب ثقتهم بالخداع والاحتيال. وإنّ الذين ادّعوا النبوة جميعًا أو حتى الربوبية، أو الأشخاص الذين ادّعوا المهدوية وحصلوا على الكثير من الأتباع، قد استفادوا من هذه الأساليب. إنّ الدعامة الأولى التي يتمتّع بها هؤلاء الأشخاص تكمن في مجموعة من الخصائص التي يتّصفون بها، وإلا فإنّ الذي يعاني من الخرَق لا يستطيع أن يُؤسّس لنفسه فرقة وأتباعًا. غاية ما هنالك أنّهم يعملون على توظيف طاقاتهم وقدراتهم في الاتجاهات السلبية والخاطئة. وحتى بالنسبة إلى زعيم عصابات التهريب أو بيع الممنوعات أو السطو والسرقة، يتمتّعون بذكاء أو قوّة عضليّة وجسديّة تجعلهم مؤهّلين لهذه الخصائص واستقطاب الأعضاء وتماسك العصابة. إنّ هذه الخصائص تدعو بقية الأعضاء والأفراد إلى اختياره بوصفه رئيسًا للجماعة. إنّ الخرافة ليست أمرًا جديدًا، فإنّ أكثر الادّعاءات والمعتقدات السائدة في المجتمعات البشريّة على طول التاريخ لم تكن سوى خرافة؛ بمعنى أنّ بذرة تقبّل الخرافات موجودة في البشر. لا سيّما وأنّ النّاس يميلون بغريزتهم الفطرية إلى المعنويات والروحانيات. إنّ المطالبة بالمعنويات أمر ذاتي؛ بمعنى أنّه كما نمتلك خمسة حوّاس ظاهريّة أو لدينا الحسّ والتجربة الأخلاقية، نمتلك كذلك حسّ المطالبة بالمعنويات أيضًا. وفي الواقع هناك حسّ فطري وذاتي اسمه الحسّ المعنوي وهو كامن في وجود البشر. ومن هنا يمتلك الإنسان اعتقادًا بالمعنويات والروحانيات والأمور الباطنية والغيبية. وإنّ معرفة الله الفطريّة من هذا القبيل أيضًا. إنّ النزعة الأصيلة في وجود كلّ إنسان تدفعه إلى الحقائق الباطنية وعالم الغيب والأسرار والأمور الباطنية. فإذا لم يكن الشخص من أهل التعقّل والتدبّر ولم يهتدِ بنور الفطرة والعقل والوحي، فإنّه سوف يضلّ الطريق. إنّ ميل الإنسان إلى الخرافة أمر عرضي، أمّا ميله إلى المعنويات والباطن والغيب، فهو أمر أصيل وذاتي من قبيل الميل إلى الجمال والأخلاق. ومن هنا فإنّ النّاس على استعداد لينجذبوا إلى الادّعاء الصالح بمجرّد سماعه إذا كان لديهم ثقة نسبية بقائله؛ لظنّهم أنّ هذا الأمر يمثّل تلك الحالة الروحية والمعنوية التي تتوافق مع فطرتهم. إنّ هؤلاء المخدوعين ليسوا عاطلين من العقل. إنّهم أناس طبيعيون واعتياديون ولكنّهم لا يدققون، ومن هنا نجد أنّ الله سبحانه وتعالى يكثر من التأكيد على أهميّة التعقل والتدبّر وضروريتهما في آثار الأمم السالفة وأحوالها، والاعتبار بالتاريخ وما إلى ذلك، وأمر باتباع الصالحين.

* هل لكم أن تحلّلوا لنا المبنى الأبستيمولوجي للنزعة المعنوية والروحانية الجديدة؟

- من الواضح أنّ ابستيمولوجيا الروحانية الجديدة تختلف عن الأديان السماوية. تقوم فرضيّة المؤسّسين للروحانية العلمانية على أنّ الوصول إلى السعادة لا يحتاج إلى هداية إلهيّة؛ وذلك لأنّ في عقل الإنسان كفاية، ويمكنه لوحده أن يعثر على طريق السعادة والشقاء، أو أنّهم كانوا بشكل عام ينكرون ميتافيزيق الأديان وغفلوا عنه؛ وعلى هذا الأساس فإنّ مبناهم الأبستيمولوجي يقوم على أنّ الإنسان يستطيع بمفرده أن يتدبّر الطريق إلى السعادة. إنّ المبنى الأبستيمولوجي لهذه الروحانيّة يقوم على كفاية العقل والتجربة البشرية. يحدث في بعض الأحيان أن يجعل الشخص من تجربته الشخصيّة أساسًا للوصول إلى الطريق الصحيح في الحياة، إلا أنّ هذا الشخص في غاية السذاجة والسطحية أو أنّه يعاني من داء النرجسية والغرور والعُجب؛ حيث يرى نفسه بمستوى الأنبياء وأنّه هو الذي يحدّد الصراط المستقيم؛ وعليه فإنّ الاعتماد على العقل المحدود والممزوج بالأهواء النفسية يعدّ أساسًا أبستيمولوجيًّا لبعض الروحانيات الجديدة. وبعبارة أخرى: يقوم افتراضهم على أنّ مجموعة القوى الإدراكية للإنسان والتجربة البشرية والتجربة الشخصية للفرد تكفي للهداية والحياة الصحيحة، وأنّه لا حاجة إلى الوحي في تحديد السعادة. وهذا بطبيعة الحال في مقام الادّعاء؛ إذ إنّهم لا يستفيدون حتى من العقل والتجربة؛ بمعنى أنّ مدّعياتهم لا تستند إلى دعامة عقلية أو تجريبية، بل تقوم على التخيّلات والتحليلات الوهميّة، والعلوم والتجارب الناقصة، والأهواء النفسية التي تتجلّى في قالب من الخرافات وأنواع الخداع والتضليل. وتارة تقوم الادّعاءات على هذا المبنى القائل بأنّه هناك حاجة إلى الله، ولكن لا حاجة إلى وحي الأنبياء، وإنّما نأخذ الحقيقة من الله مباشرة، بمعنى أنّهم يدّعون نوعًا من النبوة، أو يقولون إنّ القلب كفيل بأن يدلّ إلى الطريق الصحيح؛ بيد أنّ هذه المدعيات جميعها ليست سوى أوهام، ولا يمكن لها أن تقوم على أساس من الصحّة.

* هل المبنى الأبستيمولوجي للحداثة متجانس مع مبنى النزعة الروحانية الجديدة؟

- أجل، غاية ما هنالك أنّ الحداثة تدّعي الاستغناء عن الوحي، وتكتفي بالعقل الجمعي للبشر، وتعمل على توظيف العقل والمنطق والعلم التجريبي؛ وأمّا في الروحانية الجديدة فلا يتمّ توظيف العقل الفلسفي والتجريبي؛ بمعنى أنّها لا تمتلك دعامة استدلاليّة وعقل تجريبي وعلمي، وأمّا الحداثة فإنّها تمنح قيمة للعقل والتجربة. وليس لدينا اعتراض على ذلك بطبيعة الحال؛ وذلك لأنّنا بدورنا نقول باعتبار العقل والتجربة أيضًا، ولكنّنا لا نراهما كافيين، فإنّنا بالإضافة إلى العقل والتجربة نحتاج إلى الوحي أيضًا. لا يمكن التعرّف على مجهولات العالم جميعها بمجرّد العقل والتجربة الإنسانية. يمكن القيام ببعض الأعمال بالاستناد إلى التجربة، ويمكن العمل على صناعة السيارة واختراع الطائرة والسفينة دون الاستعانة بالوحي، بيد أنّ حاجة الإنسان لا تقتصر على هذه الأمور. قد ينفع العقل والتجربة في إعداد جانب من الحاجات الدنيوية، إلا أنّ احتياجات الإنسان جميعها لا تنحصر بهذه الأمور. صحيح أنّ العقل إذا سلك الطريق الصحيح فإنّه سوف يصل في نهاية المطاف إلى الوحي، بيد أنّ الروحانيات الجديدة لها مدّعيات أخرى. كما أنّهم لا يتمسّكون بالعقل والتجربة أيضًا؛ وذلك لأنّ العقل والتجربة مقولة جمعيّة، وليست حكرًا على شخص بعينه كي يقول أنا أفهم هذا والآخر لا يفهمه. ومن هنا فإن هذا الأسلوب يُعدّ باطلاً على أساس الحداثة أيضًا، بمعنى أنه على أساس التفكير الديني وكذلك على أساس التفكير الغالب في العالم المعاصر وهو التفكير العلماني، يعتبر أسلوب الروحانيات الجديدة باطلاً، ويعدّ نوعًا من الاحتيال والخرافة. وبطبيعة الحال فإنّ الروحانية الجديدة غير منفصلة عن الحداثة؛ وذلك لأنّ الاعتقاد السائد والحاكم على الحداثة قد جرّد الإنسان من الروحانية الحقيقية، في حين لا يمكن سلب الحاجة إلى الروحانية عن الإنسان. ومن هنا حيث يتمّ سلب الروحانية الحقيقية من الإنسان، يحلّ محلّها اختلاق الروحانيات المصطنعة قسرًا، وهذا هو المتحقّق في لحظتنا الراهنة. وبعبارة أخرى: إنّ الحداثة ليست دليلاً على الروحانيات الجديدة، ولكنّها من أسباب ظهورها، بمعنى أنّ البُعد الإيجابي للحداثة الذي يستند إلى العقل والتجربة، لا يبرّر خرافات الروحانيات الجديدة؛ وذلك لأنّها لا تقوم على العقل والتجربة العلمية؛ وأما البُعد السلبي للحداثة الذي يتجاهل عالم الغيب والوحي، فإنّه يقود البشر إلى اختراع هذا النوع من المعنويات؛ كي يروي الظمأ الروحي والمعنوي للإنسان.

* هل لكم أن تحلّلوا المباني الأنثروبولوجية للنزعة الروحانية الجديدة؟

- إنّ الحركات المعنويّة والروحانية لم تكن -بطبيعة الحال- على وتيرة واحدة، بل هي متنوّعة على نطاق واسع. إنّها تشترك فيما بينها من بعض الجهات، وتختلف كثيرًا في بعض الجهات الأخرى. من ذلك -على سبيل المثال- أنّ بعضها قد أحدث بعض التغييرات في الأديان، من ذلك أنّ الهندوسية قد مزجت بين المسيحية أو أديان الهنود الحُمر مثلاً وصاغتها على شكل حركة روحانية جديدة، وفي الحقيقة فقد أوجدت بينها وبين الأديان القديمة صلة مفهومية. وإنّ بعض الفِرَق المنحرفة المتظاهرة بالتصوّف المعاصر ذات جذور إسلامية بحسب الظاهر وتعرّف عن نفسها بوصفها إسلامية، وتعتقد بتقديم تفسير صحيح للإسلام؛ إلا أنّ بعض هذه النِحَل لا صلة لها بالأديان، وإنّما هي مستقلّة عنها. وإنّ المستقل منها يؤمن بالله، ولكنّه لا يعتقد بدين. وإنّ بعض التيّارات لا تؤمن حتى بالله، بل هي ماديّة بشكل تام؛ وعليه ليس هناك حكم واحد يمكن تعميمه على جميع هذه التيارات؛ ولكن يمكن القول: إنّ الحركات العلمانية الروحانية تعتقد بنوع من الإنسوية ومحورية الإنسان. وحتى إذا كانوا يعتقدون بالله، لا يكون له دور في حياتهم؛ بمعنى أنّهم لا يعتقدون بالربوبيّة التشريعية لله عزّ وجل. فهم يعتقدون بنوع من الربوبية ويرون أنّ الله خلق هذا العالم وانتهت مهمّته عند هذا الحد. والآن علينا أن نعمل على تنظيم حياتنا بأنفسنا. إنّ من لوازم تأصيل الإنسان عدم الحاجة إلى الدين والشريعة. إنّ هذه الموارد بمنزلة الفرضيّات للانثروبولوجيا والروحانيّة الجديدة. وفي المقابل فإنّ الرؤية الدينيّة تتمحور حول الله، وترى في الوقت نفسه قيمة الإنسان وكرامته. وهذه القيمة والكرامة إنّما تكون في ضوء اتصال الإنسان بالله؛ وذلك لأنّ الإنسان يعتبر خليفة الله في الأرض. إنّ الإنسان من زاوية العرفان الإسلامي هو المظهر الأكمل للصفات الإلهية في الوجود. وإنّ الشرف والكرامة الإنسانيّة تكمن في هذه الناحية، وهي تقمّص الإنسان للصفات الإلهية. قال الله تعالى: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [سورة البقرة (2)، الآية 30]؛ ويجب على الخليفة أن يشبه المستخلف عنه، وإنّ الإنسان من بين جميع الكائنات يمتلك الشبه الأكبر بالله عزّ وجل، وإن كان الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء. وعلى حدّ تعبير العرفاء الإسلاميين: إنّ لدى الإنسان أكبر الاستعداد ليكون مظهرًا لجميع الأسماء الإلهية. إنّ كلّ كائن يعكس من نفسه عددًا من الأسماء الإلهية، إلا أنّ الإنسان يمتلك القابلية التي تمكّنه من أن يعكس في وجوده أكثر الأسماء الإلهية. وهذه المظهرية تصل إلى الفعلية في الإنسان الكامل. كما أنّ هذه القاعدة لها المحورية في الحياة والسلوك أيضًا، بمعنى أنّ أهمّ عمل يمكن للإنسان أن يقوم به هو العبودية لله، وإنّ أهمّ النتائج يحصل عليها الإنسان من طريق العبودية لله. هذه هي المباني الأنثروبولوجية للإسلام والعرفان الإسلامي التي تعدّ في قبال مبنى تأصيل الإنسان بمعزل عن الوحي.

* كيف يمكن الاستفادة من ظرفية التعاليم وروحانية أهل البيت (ع) بوصفها عنصرًا أساسيًا لمواجهة الروحانية الجديدة؟

- إنّ الإمكانات الموجودة في مدرسة أهل البيت (ع) في حقل المعنويات والروحانيات -كما في سائر الحقول الأخرى- هي إمكانات استثنائية وفذّة. ويمكن بيان هذه الظرفيات والإمكانات على النحو الآتي:

أوّلاً: إنّ التعاليم الروحانية والمعنوية للدين الإسلامي متطابقة مع العقل والفطرة. ولو تمّ عرضها بشكل صحيح فإنّ الكثير من النّاس سوف يقبلون عليها ويلتزمون بها. ليس هناك في التعاليم الدينية الأصيلة ما يخالف العقل والفطرة. وإنّ تأكيدنا على التعاليم الدينية الأصيلة هنا إنّما يأتي من أنّ مصادرنا الروائيّة تحتوي على الغث والسمين. وإنّ سوق الاختلاق والتحريف في دائرة الحديث والروايات -ولا سيّما في حقل الروحانيات والعرفان- كان عامرًا إلى حدّ كبير. ومن هنا نجد علماء الدين عند رجوعهم إلى الأحاديث يتعاملون معها بأسلوب النقد، ويستفيدون في ذلك من أساليب علم الحديث والرجال لتشخيص الحديث المعتبر، وهذا الأمر يحتاج بطبيعة الحال إلى معالجة فنيّة. ثم إنّ تعاليمنا الروحانية تضرب بجذورها في عمق الوحي؛ بمعنى أنّ الضّعف والمحدودية الإنسانية لم تكون ذات تأثير على هذا المعارف والتعاليم.

ثانيًا: إنّ من بين أهمّ خصائص هذه التعاليم والمعارف، هي العقلانيّة والاعتدال والبعد عن الإفراط والتفريط. نرى في بعض فِرَق التصوّف إفراطًا أو تفريطًا. فإنّ بعض الفِرَق المعنويّة والروحيّة شديدة الارتياض، حيث تمارس الرياضات التي يندر أن يتحمّلها الأشخاص. ومن جهة أخرى هناك من لا يقوم بأيّ نوع من أنواع الرياضات، ويدعو إلى اللّهو والطرب والمتعة. وهؤلاء يعملون على الترويج إلى روحانية مجرّدة من الألم والارتياض؛ وأمّا في التعاليم الإسلامية/ العرفانية، فقد تمّ لحاظ الحدّ الوسط والاعتدال؛ فليس فيها رياضة قاسية لا يستطيع الإنسان تحمّلها، ولا منهج الراحة والانغماس في الأهواء والملذّات.

ثالثًا: يحتوي عرفان أهل البيت (ع) على الشمولية والجامعية؛ بمعنى أنّه ليس أحادي البُعد، وبذلك فإنّه يأخذ البعد المادي للإنسان كما يأخذ بعده المعنوي بنظر الاعتبار أيضًا. إنّ هذا العرفان لم يعمل على بناء المعنويات والروحانيات بمعزل عن الماديات، وبذلك فإنّه يحترم احتياجات الإنسان المادية؛ وذلك لأنّه يرى أنّ هذا البُعد يمثّل جزءًا من الإنسانية أيضًا. ومن هنا فإنّ عرفان أهل البيت (ع) يعتبر منظومة جامعة تهتمّ بكلا النوعين من احتياجات الإنسان المادية والمعنوية.

رابعًا: إنّه يأخذ كلاً من الدنيا والآخرة بنظر الاعتبار؛ بمعنى أنّ هذه السنة الدينية لا تقول: جئت للتضحية بدنياكم على حساب آخرتكم. في حين أنّ المادية تضحّي بالآخرة على حساب الدنيا. وفي المقابل فإنّ بعض المدارس الأخروية المتطرّفة تعمل على تدمير الدنيا أيضًا. والحال أنّ الإنسان في فضاء التعاليم الإسلامية يعيش في هذه الدنيا حياة رغيدة لا تخلو من الحبور.

خامسًا: إنّ التعاليم الإسلامية تقيم توازنًا بين البُعد الفردي والبُعد الاجتماعي، وتلاحظ الجامعية بينهما. إنّ الكثير من المذاهب العرفانية والمعنوية تنزع بشكل وآخر إلى الفردانيّة، وتنصح كلّ شخص بأن يعمل على إنقاذ نفسه بمفرده، ولا يكون له شأن بالآخرين، أو تدعو إلى العزلة. إنّ نشاط الإنسان المعنوي والروحي في التعاليم الإسلامية يحتوي على روح معنويّة. وفي الحقيقة فإنّ كلّ عمل صحيح يقوم به الإنسان من أجل مرضاة الله وبنيّة فعل الخير، يُعدّ عملاً روحانيًا ومعنويًا؛ سواء أكان هذا النشاط في المعمل أم في الأندية الرياضية أم في القراءة أم التحقيق أم التدريس، وإنّ أفضل الناس عند الله هم أنفعهم للناس. هذا هو منطق مدرسة أهل البيت (ع).

سادسًا: إنّ من بين الخصائص البارزة الأخرى لمدرسة أهل البيت (ع) -بالمقارنة مع المدارس والاتّجاهات الروحانية الأخرى- امتلاك هذه المدرسة لنماذج روحانية ومعنوية وعرفانية كاملة؛ وبذلك فإنّ الإسلام يمتاز من هذه الناحية من سائر الأديان الأخرى. والملفت أنّ مقدّسات الأديان السماوية الأخرى جميعها تعدّ جزءًا من مقدّسات الإسلام أيضًا، وفي الحقيقة فإنّ الأنبياء جميعهم يمثّلون أسوة للمسلمين. يضاف إلى ذلك أنّ التعاليم الإسلامية تقدّم أربعة عشر معصومًا، بوصف كل واحد منهم إنسانًا كاملاً. حيث عاش كلّ واحد منهم في مرحلة زمنية وظروف مغايرة للظروف والمرحلة الزمنية التي عاش فيها الآخرون منهم. وبذلك يمكن لنا الحصول على الشخص الكامل الذي نتأسّى به في مختلف الظروف والشرائط، وفي مركزيّة هؤلاء يقف النبي الأكرم (ص) بوصفه النموذج الأكمل والأمثل في الوجود. حيث نجد الإنسان الكامل الحاكم، مثل أمير المؤمنين (ع)، والإنسان الكامل الذي يمارس الجهاد في الخفاء، من أمثال الأئمة المتأخرين (ع)، والإنسان الكامل الذي خاض حربًا معلنة في رفض الظلم والاستسلام حتى الاستشهاد، مثل الإمام الحسين (ع)، والإنسان الكامل الذي دفعته الظروف إلى التحاور والتفاوض مع الأعداء ويصل بذلك إلى معاهدة سلام لتطوى تلك المرحلة، مثل الإمام الحسن (ع)، والأجمل والأروع من ذلك كلّه أنّ الإسلام يقدّم لنا امرأة معصومة، تثبت أنّ الروحانية والعرفان الإسلاميين ليس من مختصّات الرجال فقط.

سابعًا: إنّ في الإسلام كتابًا سلِم من أيدي التحريف والتلاعب؛ وعلى هذا الأساس فنحن نمتلك تعاليم سماوية خالصة، وعليه إذا استطعنا التعريف بالمدرسة والثقافة الإسلامية بشكل صحيح، فإنّ شعوب المعمورة سوف تعتنق هذه التعاليم بسعادة بالغة. وإذا كان الناس في الوقت الراهن والمرحلة المعاصرة بعيدين كلّ البُعد عن تعاليم الإسلام، فإنّ مردّ ذلك يعود إلى أنّ المسلمين لم يتمكّنوا من تعريف الإسلام بالشكل الصحيح.


تعريب: حسن علي مطر الهاشمي