البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

June / 20 / 2021  |  140التعرف على المسيحية الغربية ركن أساسي في علم الاستغراب

الحوار مع :د. حميد رضا آية اللهي
التعرف على المسيحية الغربية ركن أساسي في علم الاستغراب

يدخل هذا الحوار مع الباحث في الفلسفة السياسيّة الدكتور حميد رضا آية اللهي في سياق التأصيل لعلم الاستغراب. وقد تركّزت الأسئلة الموجّهة إليه على موقعيّة الدّين والإيمان المسيحي في صوغ ثقافة الغرب حيال قضايا عالميّة شتّى.

نشير إلى أنّ الدكتور آية اللهي حائز على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة بروكسل في بلجيكا. ويشغل حالياً منصب أستاذ متقاعد في جامعة العلامة الطباطبائي، ورئاسة المركز العلمي لفلسفة الدين. وتقتصر أبحاثه بشكل رئيس على حقل الفلسفة، ولا سيّما فلسفة الدين. وقد صدر له حتى الآن الكثير من الكتب والمقالات، أهمّها: (معايير البحث الديني المعاصر)، و(أبحاث في الفلسفة والبحث الديني المقارن)، و(فلسفة الدين)، و(التحديات الجادة الماثلة أمامنا في العلم والدين والسياسة)، و(الله والدين في عالم ما بعد الحداثة)، و(مفاهيم ومسائل فلسفة الدين)، وما إلى ذلك من الأعمال الأخرى. ومن بين اشتغالاته البحث عن الأبعاد المتنوّعة للتديّن، والتحديات المحدقة والحياة الإيمانية. وإقامة المؤتمرات، والدورات التعليمية، والمحاضرات حول هذه المسائل. وفي ما يلي وقائع الحوار:

"المحرّر»


* ما هو مدى أهميّة ومحوريّة دور المعرفة الدينيّة والمسيحيّة في مشروع «الاستغراب»؟

إنّ من بين المسائل الهامّة جدًا في معرفة الغرب، هو موقع الدين في الغرب، بل إنّ التعرّف على الدين مؤثّر للغاية حتى في سائر حقول الاستغراب الأخرى أيضًا، دون أن يلتفت الكثيرون إلى هذه الحقيقة؛ ولذلك فإنّه من بين الأمور التي يجب القيام بها من أجل الاستغراب قبل كلّ شيء هو الجواب عن أسئلة من قبيل: ما الذي يعنيه مفهوم الدين من وجهة نظر الغربيين؟ وما هي الأعمال والأبحاث التي قام بها الغربيون بشأن الدين؟ وما هي الفرضيات والمسائل المطروحة في هذا الشأن؟ وما إلى ذلك من المسائل الأخرى. أمّا المسألة الأولى فهي أنّ هناك فروقًا جوهريّة بين المسيحية والإسلام، والفرق الأهم في هذا الشأن يكمن في أنّ المسلم هو الشخص الذي يؤمن بالتوحيد وأنّ الله واحد، وأنّ الله سبحانه وتعالى قد أرسل الأنبياء والرُسُل، وأنّ المعاد حقّ. فمتى ما وصفنا شخصًا بأنّه مسلم، فهذا يعني أنّه يؤمن بالله والنبي الأكرم والمعاد. وأمّا الشخص المسيحي فليس كذلك. فإنّ صفة المسيحي لا تطلق على الشخص الذي يؤمن بإله واحد وما إلى ذلك. إنّ عنوان المسيحي إنّما يطلق على الشخص الذي يؤمن بمسار تاريخي. ونعني بالمسار التاريخي هنا أنّ الله قد خلق أبانا آدم وأمنا حوّاء. وأنّهما كانا في الجنة، وأن آدم قد اقترف المعصية، وأدّى به ذلك إلى الطرد من الجنة والنزول إلى الأرض. وأمّا نحن المسلمين فلا نرى أنّ أبانا آدم قد أخطأ أو أنّه قد ارتكب معصية ـ والعياذ بالله ـ وإنّما نقول: إنّه قد ترك الأولى. في حين يقول المسيحيون: إنّه قد ارتكب المعصية، وإنّ هذا العصيان كامن ومتأصّل في ذوات جميع أفراد البشر، وفي الوقت نفسه كان بعض أولاده من أمثال قابيل يقترفون الذنوب والمعاصي أيضًا. وفي الواقع فإنّ الله من جهة قد ألحق المعصية الذاتية بآدم، ومن جهة أخرى هناك طائفة من الذنوب يقوم بها البشر. وحيث إنّ الله ـ في المنظور المسيحي ـ إله مرهف الحس وهو محض الحبّ، ولذلك لم يطق صبرًا على أن يبقى البشر يرزحون تحت هذا الذنب، ولذلك نزل بنفسه إلى هذا العالم على شكل بشر وهو السيد المسيح؛ ليعيش في هذه الدنيا، وعانى في هذا العالم كثيرًا وقاسى أنواع العذاب والمآسي والمحن، وإنّ هذه الآلام التي كابدها السيد المسيح تمحو خطيئة الإنسان. وفي الحقيقة فإنّ السيد المسيح بعد أن تمّ رفعه على الصليب، مسح جميع ذنوب البشر. ولكن أيّ بشر تمّ محو خطيئته الذاتية؟ إنّه ذلك الإنسان الذي يؤمن بهذه الحادثة التاريخية. ولذلك هناك شعيرة غُسل التعميد في الديانة المسيحية. فالشخص ما لم يغتسل غُسل التعميد، يعتبر مذنبًا من وجهة نظر الكنيسة. إنّ غُسل التعميد يمحو حتى الذنوب الأخرى. ثم تتواصل القضية على هذا النحو، وتكون المسيحية عبارة عن الاعتقاد بهذا المسار التاريخي، ولهذه الغاية يتعيّن على الفرد أن يطوي مراحل كثيرة؛ كي يتعلّم مسار المسيحية بشكل جيّد. وعليه هذا هو نمط التفكير المسيحي، وإنّ البعض منهم من الكاثوليك، ويقولون إنّ وقت الارتباط بالله يجب أن يكون له مكان واحد، وأن يكون هناك نظام كنسي؛ ليقوم المسيحيون بعبادة الرب في ذلك المكان، ويكون ذلك المكان مركزًا لارتباطهم بالله؛ ومن هنا فإنّ المسيحية تختلف عن الإسلام من هذه الناحية اختلافًا كاملاً. وحتى الإنجيل الذي هو مجموعة من تعاليم السيد المسيح التي ألقاها على الحواريين من أتباعه، وكتبت بعد رفعه إلى السماء بخمسين سنة، وكتب فيه القديسون حالاتهم، وبعدهم كتبت أعمال من قبيل أعمال الرسل وما إلى ذلك. استمر عمر الوحي في الإسلام 23 سنة، بينما يبلغ عمر الوحي في المسيحية 1500 سنة. إنّ الوحي في المسيحية يعني أنّ بعض القديسين ـ والذين تقدّسوا في ظلّ ظروف خاصّة ـ يتفوّهون ببعض الكلمات في حالات خاصة، ويقوم بعض الأشخاص بجمعها وتدوينها. وعلى كل حال فإنّ مرادي من هذه المقدمة؛ هي أنّ المسيحية حيث تشتمل على هذا المسار، وأنّها بذلك تختلف عن الإسلام اختلافًا جذريًّا، وعليه فإنّ مسائله ستكون من نوع آخر وبشكل مختلف. بعبارة أخرى: إنّ هذا النمط من التفكير يجعل الكثير من مسائل المسيحيين تختلف عن مسائل المسلمين.

* ما هي نسبة الثقافة المسيحية إلى الثقافة الغربية المعاصرة؟ وبعبارة أخرى: هل انفصل الغرب الجديد عن جميع جذور الثقافة المسيحية، وأصبح ثقافة جديدة قائمة بالكامل على أساس الإلحاد أو العلمانية والإنسوية؟

نعلم أنّ أكثر البلدان الأوروبية علمانيّة، بيد أنّهم بأجمعهم ينظرون إلى المسيحية بوصفها ثقافة أساسية بالنسبة لهم. إنّهم يقولون: نحن لسنا مسيحيين، ولكن المسيحية هي التي أنجبت هذا الغرب، وهذا لا يُعدّ تناقضًا. وفي الحقيقة فقد تمّ التأسيس للمسيحية بينهم بوصفها ثقافة. من ذلك لو أنّ مسلمًا ـ على سبيل المثال ـ أراد أن يتحدّث معهم حول مسألة ما، فإنّهم بأجمعهم سوف يتحوّلون إلى مسيحيين، ويقولون: إنّ لدينا في الحدّ الأدنى هوية مسيحية. ولذلك فإنّ الكثير من مسائلهم تختلف عن المسلمين. إنّ قرآننا هو كلام الله، في حين أنّ إنجيلهم هو كلام الله والإنسان، ومن هنا ينشأ بحث الهرمنيوطيقا. لقد أدرك الغربيون في القرن الخامس عشر للميلاد أنّ هناك اختلافًا بين قرآن المسلمين وإنجيل المسيحيين. ومن هنا قرّروا أنّ الإنجيل ليس كلام الله قطعًا، وأنّه لا مناص من تفسيره. ثم لجأوا إلى أنواع النِّحَل التفسيرية؛ لغرض بيان كيفية استخراج كلام الله من بين هذه النِحَل. ومن ناحية أخرى لا مناص من الالتفات إلى هذه النقطة، وهي أنّ الكثير من التعاليم المسيحية وشعائرها تختلف عن الإسلام؛ من ذلك مثلاً أنّ بإمكان الرجل والمرأة في الإسلام أن يجريا صيغة عقد النكاح والزواج فيما بينهما، وفيما إذا كان هناك عاقد، فإنّه إنما يجري صيغة العقد بوصفه وكيلاً عن المرأة والرجل. وأمّا في الغرب فلا يمكن للزوجين أن يُجريا عقد الزواج فيما بينهما، وإنّما يجب عليهما إجراء مراسم الزواج في كنيسة خاصة على يد قسّ خاص مجاز من قبل أسقف، وأن يكون الأسقف مأذونًا من قبل الكاردينال، وأن يكون هذا الكاردينال مأذونًا من جهة البابا. يقول القس: أعلن منذ اليوم أنّكما زوج وزوجة. إنّ دور الكنيسة هنا يكمن في أنّ الزوج والزوجة لا طريق لهما إلى إبرام عقد الزواج في غير الكنيسة. ومن هنا فإنّ الزواج الذي يتم عقده في الكنيسة يعدّ ارتباطًا مقدّسًا تمّ عقده من قبل الله عز وجل. فهل يمكن لهذين الزوجين أن يطلّق أحدهما الآخر أو أن ينفصلا عن بعضهما؟ كلا قطعًا؛ لأنّ الصلة التي قامت بينهما صلة إلهية، ولا معنى للطلاق والانفصال فيها. ثم لنفترض أنّك كنت مسيحيًّا وذهبت إلى بلد لا يقطنه مسيحي واحد، وكنت من المسيحيين المؤمنين الملتزمين؛ فما الذي يمكنك فعله في مثل هذه الحالة؟ هل يمكن لك أن تعمل على تأسيس كنيسة وممارسة العبادة هناك؟ كلّا قطعًا؛ فالعبادة إنّما يقوم بها قسّ خاص وعبر مراسم خاصّة. ومن هنا فإنّ المسيحيين الملتزمين لا يذهبون إلى مكان إلا ويعملون أوّلاً على بناء كنيسة، وأن يقيم فيها قسّ موفد من قبل البابا المؤيّد بروح القدس، وروح القدس منصوب من قبل الله. كما أنّ المسيحي الملتزم لا يستطيع التوبة فيما بينه وبين ربّه، بل يجب عليه أن يقوم بإجراءات التوبة في الكنيسة، بمعنى أنّ عليه أن يقصد الكنيسة ويعترف بالذنب والمعصية التي اقترفها؛ ليتوب عنها ويغفر الله ذنبه، بعد أن يقول له القس: لقد عفوت عنك يا ولدي. وفي الحقيقة فإنّ هذا القس مكلّف من قبل البابا، والبابا من قبل الروح القدس، والروح القدس من قبل الله؛ ليتولّى هذه المسؤولية، كي يغفر خطيئة هذا العبد. وأمّا في الإسلام فإنّ جميع أنواع الارتباط تكون بين العبد وخالقه دون واسطة؛ فحتى الأئمة لا يقفون حائلاً بين العبد وربه، إلا على نحو الشفاعة. ولكن هذا الأمر لا معنى له في الكنيسة. وعليه فإنّ هذا النّوع من الرؤى موجود في المسيحية بكثرة، ومن هنا فإنّ الالتفات إلى الديانة المسيحية يعدّ أمرًا ضروريًّا من أجل التعرّف على الغرب والفلسفة الغربيّة. ويأتي تذكيري بأنّ الاعتقاد بالمسيحية اعتقاد بمسار تاريخي، بمعنى أنّ لهذا الاعتقاد تبعات كثيرة، ومن بينها التبعات الثقافية. كما أنتج هذا الاعتقاد الكثير من التحديات في الثقافة الغربية الحديثة أيضًا.

* هل لك أن تحلّل لنا التبعات الثقافية التي أفرزتها المسيحية للغرب المعاصر، مع بيان التحدّيات المعرفيّة المرتبطة بذلك؟

إنّ النموذج الذي يمكن بيانه هو أنّ المسيحيّة لا تحتوي على شريعة وحلال وحرام. إنّ اليهودية ذات شريعة، وهي شريعة تفصيليّة، وهي أوسع من الإسلام وأشدّ منه في هذا الخصوص. إنّ المسيحية تطالب بمجرد أن تكون إنسانًا صالحًا، وأن تكون ودودًا ومتسامحًا، وحيث إن المسيحية كذلك، فإنّ نوع تعاطيها مع الكثير من الأمور يكون مختلفًا. تقول المسيحية: إنّ على النّاس أن يكونوا متسامحين فيما بينهم، وأن يساعد بعضهم بعضا، وأن يحبّ بعضهم بعضا، ولذلك لا معنى لأيّ نوع من التجبّر والقهر وما إلى ذلك في المسيحية؛ ومن هنا ورد في الإنجيل: (من لطمك على خدّك الأيمن، فحوّل له الآخر أيضًا) . وإذا أخذوا منك عباءتك؛ فاعطهم رداءك أيضًا. بمعنى أنّ المسيحية لا تحتوي على صبغة دفاعيّة في هذا النوع من المسائل؛ ومن هنا يكون الإسلام من وجهة نظرهم دين عنف. أنتم في الإسلام تقولون: (قاتلوا)؛ فما معنى القتال؟ إنّ الإسلام يقول: إذا تعرّضت للظلم، وجب عليك الدفاع عن نفسك ومواجهة الظلم بقوّة. وأمّا المسيحية فتقول: يجب حل المسألة بشكل متحضّر وبأدب. وقد تسلّلت هذه الأمور إلى الكثير من الأفكار الأساسية في الغرب. من ذلك أنّ فلسفة التاريخ منذ هيغل فصاعدًا، تعتبر مسألة في غاية الأهمية؛ لأنّ الرؤية التاريخية جزء لا يتجزّأ من المسيحية. ولا توجد لدينا في الإسلام مثل هذه الرؤية التاريخية؛ كأن نقول ـ على سبيل المثال ـ لقد ذهب النبي الأكرم  في هذا اليوم، وقام بكذا، وقد بُعث في هذا اليوم، ويأتي شخص آخر ويقول: كلا، لم يُبعث في ذلك اليوم، وإنّما بعث في يوم آخر، ونقول لشخص: هل تؤمن بالنبي الأكرم ؟ يقول: أجل. فنقول له: إنّ هذا يكفي. إنّ هذا النّوع من المسائل لا ربط له بالتاريخ. ومن هنا فإنّ شؤون المسيحيين تختلف عن شؤون المسلمين. من ذلك مثلاً أنّ المسلم إذا اعتقد بنظريّة التطوّر، فإنّنا لا نعتبره ملحدًا؛ وأمّا إذا قال بها المسيحي، فإنّ اعتقاده هذا سوف يعتبر من وجهة نظر الديانة المسيحية إنكارًا للهبوط من الجنّة، والمعصية الذاتية، وحضور الله في العالم وما إلى ذلك؛ ومن هنا تكون مسألة التطوّر على الدوام شأنًا مسيحيًّا؛ وأمّا عند المسلمين فلم تكن نظريّة التطوّر تشغل حيّزًا كبيرًا من الاهتمام. وإنّما نحن نواجه مجموعة من التحديات فيما يتعلّق بتفسير بعض الآيات القرآنية، ولكنّها لم تصل أبدًا إلى الخوف على الشاب المسلم ـ الذي يقرأ دروسًا في علم الجيولوجيا والأحياء ـ من الانحراف عن الدين. في حين أنّها شغلت مساحة واسعة من الجدل في العالم الغربي. في عام 1933م، توجّه جميع أولياء أمور الطلاب إلى المحكمة للشكوى من المناهج التعليمية؛ لاعتقادهم أنّ الكتب الدراسية ـ التي تقرّها وزارة التربية والتعليم؛ لتكون مناهج يدرسها أبناؤهم ـ تدفع أبناءهم نحو الإلحاد؛ لاشتمال هذه المناهج على نظريّة دارون. كان على الأبناء أن يختاروا بين الإيمان بنظريّة دارون أو بالمعصية الذاتية الواردة في النصوص المسيحيّة، وبالتالي فقد كسبت الأسر المسيحيّة هذه الدعوى، وصدر الحكم بإلغاء هذه المناهج الدراسية. وكانت هذه المحكمة تعرف باسم محكمة آركانزا، واستمرّت بعد ذلك لستين سنة. وأصبح الأمر دولة بين الأهالي ووزارة التربية والتعليم، وكان كل واحد منهما يأتي بأدلّته ووثائقه ليتغلّب بها على الآخر في هذه المحكمة. إنّ التّحدّي القائم بين الدين والمسيحيّة، ليس بشدّة التحدي القائم بين العلم والدين، ولكنّه نوع آخر من التحدي، وهو من النوع الهام بطبيعة الحال. إنّ هذا التحدّي لم يتجلّ بهذا المعنى بين العلم والإسلام، كما هو الحال بالنسبة إلى نظرية التكامل التي سبقت الإشارة إليها، وكما نعلم فإنّ الكثير من النظريات العلميّة في الغرب كانت تقوم على هذه النظريّة؛ وعليه فإنّ كلّ من يريد أن يبقى متدينًا، يتعيّن عليه أن يحلّ هذه المشكلة مع نفسه بشكل وآخر. لنفترض أنّ زلزلة شديدة تحدث في مكان ما، فما الذي يفعله الناس تجاه هذه الظاهرة؟ هناك من يقول إنّها: حادثة طبيعية، وهناك من يقول: إنّها إرادة الله، وما إلى ذلك من أنواع وأقسام التحليلات التي تصدر عن الناس في هذا الشأن. وهناك من يقول: لا بدّ أن يكون هناك من ارتكب عملاً قبيحًا، واستوجب نزول هذا العذاب. من هو الله في الديانة المسيحية؟ إنّ الله في المسيحيّة هو محبّة محضة. إذًا، لماذا وقعت الزلزلة؟ إذا كان الله محض الحبّ؛ فما هو سبب معاناة البشر؟ ولذلك كانت جميع المسائل التي تثار في المسيحية على الدوام تتعلّق بالشرور؛ بمعنى أنّه كيف يمكن لنا ـ مع وجود الإله الذي يتّصف بالمحبّة المحضة والخالصة ـ أن نفسّر وجود كل هذه الشرور الي تقع في العالم؟ أمّا بين المسلمين فالذي يحظى بالأهميّة الأكبر هو مسألة القضاء والقدر. وتعود أهميّة المسائل إلى نوع البنية الدينية والإطار الفكري والفضاء الثقافي. ولذلك فإنّ المسائل والتوجّهات في الديانة المسيحية تختلف عن توجّهات المسلمين واهتماماتهم. من ذلك مثلاً أنّ البروتستانت كانوا يعترضون دائمًا على تدخّل الكنيسة في جميع الشؤون الدينية للناس. ومن هنا فإنّهم قد أحدثوا الكثير من التغييرات في الديانة المسيحية. إنّهم قلّلوا من دور الكنيسة، بمعنى أنّهم يطالبون المكلّفين بالحفاظ على الارتباط مع الله، وإن كانت لديهم بعض الآداب والتقاليد الكنسية. وعليه لا مناص من أن تكون نتيجة ذلك هي أنّ كلّ واحد من المسائل الدينيّة إنّما يكون بلحاظ الأفهام الشخصيّة، وبذلك يكون الدين أمرًا شخصيًّا تمامًا، ويفقد مفاهيمه الاجتماعية عند البروتستانت. ومن هذه الناحية يكون لدى البروتستانت تفسيرًا لجميع التعاليم الدينية. فحتى التفسير الديني الذي ينكر شخص السيد المسيح، وأنّ السيد المسيح شخص ولد في مكان خاص وما إلى ذلك من الحيثيات والخصائص، بل إنّ المسيحية تعني ذات تجلي العالم والهبوط وما إلى ذلك. وعلى هذا الأساس فإنّ البروتستانتية مذهب فردي بالكامل؛ وعليه فهل تعدّ جميع هذه التفسيرات دينية؟ أجل، إنّها من وجهة نظرهم دينيّة. وقد تحدّثت على المستوى الشخصي مع الكثيرين من كبار المسيحيين. كان أحد المسؤولين المسيحيين يقول لي: إنّي أغبطكم؛ عندكم القرآن، ويمكنكم الاحتكام إليه في إثبات صحّة المدعيات أو سقمها، وبيان ما هو الكلام الصائب وما هو الكلام الخاطئ، أو أنّ هذا العالم يتكلم بكلام صحيح أم لا. وحيث إنّنا لا نمتلك مثل هذا الكتاب، فإنّ جميع الكتّاب والتفاسير تعدّ كلام الله والدين؛ ابتداء من التجسيم فصاعدًا. لقد قام أحد البروتستانت مؤخّرًا باعتناق الأورثودوكسية، وقال في هذا الشأن: لقد وجدت البروتستانتية تستخفّ بتجسيم الله إلى حدّ كبير، حتى لم يبق شيء من التجسيم في البروتستانتية؛ في حين أنّي أرى أنّ المحور الأساسي للدين هو التجسيم. ولذلك فقد تركت البروتستانتية، واعتنقت الأورثودوكسية. وعلى هذا الأساس لا يمكن اجتناب فهم المسيحية في إطار التعرّف على مختلف أبعاد الغرب. وبعبارة أخرى: إذا أردنا أن نفهم الغرب بشكل دقيق، يجب علينا أن ننطلق من فهم الديانة المسيحية.

* طبقًا لهذا التقرير الذي أفدتموه، يمكن الادّعاء بأنّ الكثير من التحدّيات المعرفية، التي تجلبها الحضارة الغربية الحديثة للمجتمعات الإسلامية، تضرب بجذورها في المعتقدات المسيحية. في حين أنّه لا بدّ من الالتفات على الدوام إلى الاختلافات الجوهرية بين الإسلام والمسيحية.

نعم هو كذلك؛ من ذلك مثلاً أنّه لا معنى للرؤية السياسية في المسيحية. في حين أنّه لا يمكن للإسلام أن يكون بمعزل عن السياسة؛ إذ لا بّد أن يكون هناك شخص يتولّى أمر جباية الزكاة. وأن يكون هناك من يجمع الأنفال ويقوم على توزيعها، وكذلك  هناك سلسلة من المسائل الأخرى، مثل الحدود والقضاء وما إلى ذلك. وأمّا في المسيحية فلا وجود لمثل هذه المسائل، ومن هنا فإنّ فصل الكنيسة عن الدولة يعني أنّ النظام الكنسي موجود إلى جانب نظام الدولة، وأنّ الكنيسة والدولة عليهما عدم التدخّل في شؤون بعضهما. في حين لا يوجد مثل هذه الأمور في الإسلام. وبهذه الرؤية يجب أن يكون النظر إلى المسائل الأخرى في المسيحية مختلفًا، ونعني بهذه المسائل الأعم من الفلسفة والثقافة والاقتصاد وحتى الإلحاد. وكذلك من هذه الناحية يكتسب الإنسان أهميّة في المسيحية. إنّ الإنسان من وجهة النظر المسيحية يمتلك لنفسه وفي قبال الله هويّة خاصّة. ومن هنا لا معنى لمعرفة الإنسوية الغربية والعلمانية الغربية دون معرفة المسيحية. وبهذه العبارة التي استخدمتها يجب أن تكون العلمانية علمانية مسيحية. وذلك لأنّ المسيحية في الأساس تشتمل على دين شخصي، وأنّ الكنيسة وحدها هي التي يجب أن تحقّق هذا الارتباط. فأنا أريد غدًا أن أنزل إلى السوق وأمارس التجارة؛ فما هو شأن الله في هذه المسألة؟ إنّ الشخص المسيحي يمكنه أن يمارس البيع والشراء بعيدًا عن المعتقدات المسيحية، والعلمانية بهذا المعنى من ذاتيات المسيحية. في حين أنّه لا يمكن النظر إلى الإسلام من هذه الزاوية، وأنواع الأنظار الأخرى من قبيل الرؤية الموضوعية وما إلى ذلك؛ لأنّ الله قد تأنسن؛ وعلى هذا الأساس فإنّ محورية الإنسان والنزعة الإنسوية تولد على الدوام من صلب هذه الأفكار. وحاليًا لديّ عمل مشترك مع مجموعة الفلسفة في جامعة أوكسفورد. لقد كان ما ادّعيته على الدوام هو أنّكم عملتم في حقل الأنثروبولوجيا وفلسفة التاريخ وما إلى ذلك، وأمّا أنا فقد عملت في حقل الأبستيمولوجيا والأنطولوجيا وما إلى ذلك. بمعنى أنّ الفضاء الذي أنتم فيه يختلف عن الفضاء الذي أنا فيه، وإنّ أيّ نوع من أنواع الانتقال من ثقافة إلى ثقافة أخرى سوف يعرقل الوضع؛ كما هو الحال في هذا البحث الواسع والمتمثّل بالتجربة الدينية. إنّ التجربة الدينيّة لا يمكن تطبيقها في الإسلام بالمعنى الذي يقصدونه. إنّ ما يقوله الإلحاد من أنّ الله هو الآمال المتراكمة ذاتها، وأنّ كلّ ما في الأمر هو أنّ الإنسان يدفعه الشطط فيتصوّر أنّ الله موجود في الخارج؛ ويبدأ باختلاقه وعبادته وتقديسه، في حين أنّي بذلك لا أعبد الله حقيقة، وإنّما أعبد أمنياتي ورغباتي ومشاعري. فما الذي يعنيه هذا الادّعاء حقيقة؟ إنّ الله المسيحي الذي تأنسن، والإنسان في هذا المسار مشغول بدوره بعبادة نفسه. حقًّا إنّ هذا الدين والفهم الديني يمثّل أفيونًا للشعوب. وعلى هذا الأساس يجب إخضاع كلّ واحدة من العبارات والمدعيات للتدقيق والدراسة من خلال ملاحظة شرائطها. وفي المقابل لماذا ظهرت أنواع النشاطات العلمية مباشرة ومنذ القرن الأوّل من بزوغ فجر الإسلام؟ بينما الأعمال العلمية التي كانت قد ظهرت في اليونان تمّ تعطيلها وإلغاؤها بمجرّد دخول المسيحية إلى تلك الأصقاع؟ حيث تم تعطيل النشاطات والأعمال العلمية على مدى ستة عشر إلى سبعة عشر قرنًا. في حين أنّ العلم انتشر وازدهر بمجرد مجيء الإسلام؛ والملفت في البين أنّ الغربيين في العصور الوسطى قد تعلّموا الفلسفة اليونانية والعلوم الأخرى المرتبطة بها من المسلمين ولم يتعلّموها من اليونان. أريد بيان الاختلاف في نوعية الآراء والاختلاف في الأنظار، وأنّه لا بدّ من الرجوع إلى المسيحية في دراسة كلّ رؤية ومناقشتها. ومن هنا أرى أنّ هذا هو أسّ المسائل في دائرة التعرّف على الغرب.

* ما هي التحدّيات الماثلة حاليًا في المجتمع الغربي أمام الإنسان الحديث الذي يعيش في الغرب، ويريد الالتزام بالمسيحية؟

إنّ التحدّي الأوّل يحتوي على تحديات عدم المعقوليّة. يجب أن نوضح للآخرين معقوليات أعمالنا. بمعنى تلك التعارضات الموجودة بين المعتقدات الدينية والعقل. إنّ التحدّي الأهم الماثل أمام هذا الإنسان يكمن في أنّ عليه أن يوضّح ذهابه إلى الكنيسة والالتزام بلوازم ذلك. والتحدّي الثاني يتمثّل بالإجابة عن الأسئلة المتعلّقة بظاهرة الشرور في العالم، وأنّ الله كيف يسمح بوقوع الزلازل مثلاً؟ كيف تدعو لطفل مريض كثيرًا، وتتضرّع إلى الله من أجل شفائه، ثم يموت متأثّرًا بفعل المرض؟ إنّ المسيحية تواجه تحديًا جادًا وأساسيًّا في مسألتين، وهما: مسألة الشرور والتكامل الذي يعدّ من ذاتيات المسيحية. في حين أنّ مسألة الشرور تدفع المسلمين نحو العدل الإلهي. فنحن لا نقول: لماذا يكون هناك شر؟ وإنّما نقول: لماذا لم يصبني ذلك الشر؟ ولماذا لم تتحقّق العدالة؟ وعلى هذا الأساس يذهب الكثير من الغربيين إلى الاعتقاد بإله فاقد للوجود، بمعنى أنّ الله أمر إلهي من دون وجود أو كينونة. يقول ألتايزر: إنّ الإلهيات تعني موت الله. بمعنى أنّ موت الله يتحوّل إلى لاهوت، ومن هنا نكون نحن والرسالة التي يجب أن نعمل عليها. كما أنّ فريدريتش نيتشه لا يقول بعدم وجود الله، وإنّما يقول بأنّ الله قد مات؛ بمعنى أنّه كان موجودًا ثم انعدم. وهذا هو التفسير الدقيق لرفع المسيح على الصليب. إنّ الله قد مشى إلى الصليب برجله. فما الذي حدث بعد واقعة الصليب؟ (قال الله: قوموا بالأمور بأنفسكم، ومن الآن فصاعدًا، لا شأن لي بكم). ومن ناحية أخرى فإنّ النسويّة في ذاتها وماهيتها تعاني من مشاكل جمّة مع المسيحية. وذلك لأنّها تحصر المسألة بثالوث ذكوري قوامه: (الأب، والابن، وروح القدس). في حين أنّنا نقول: (الأم، والبنت، وروح القدس). إنّ المسيحية من وجهة نظر الحركة النسوية ذكورية في ماهيتها. والتحدي الآخر يكمن في أنّ الإنسان في الحياة المادية والطبيعية يتعيّن عليه أن يكون معنويًّا وروحانيًّا أيضًا. وبعبارة أخرى: إنّ تحقيق نمط الحياة الدينية، يُعدّ من جملة التحديات الهامّة. وعلى كل حال يجب أن يقترن الاعتقاد الديني بالحصانة الفكرية. وفي الوقت نفسه فإنّ هذا النّوع من الاعتقاد ينطوي على تداعيات فرديّة واجتماعيّة.