البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

June / 17 / 2021  |  160من سمات العقل الحداثوي إقصاء الإيمان الديني من فلسفة المعرفة

الحوار مع :الشيخ محمد حسن زراقط
من سمات العقل الحداثوي إقصاء الإيمان الديني من فلسفة المعرفة

في هذا الحوار مع سملحة الشيخ محمد حسن زراقط الأستاذ في جامعة المصطفى العالمية ومدير مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي في بيروت، نتاخم مجموعة من الإشكاليات المعرفية في عالم الفلسفة والمعاثر التي تعترضها في التعامل مع قضايا الحضارة المعاصرة. وقد تركّز الحوار بصفة خاصة حول الكيفيّة التي تنظر فيها الحداثة الغربية إلى القضايا المعرفية والأخلاقية وأنظمة القيم، وتبيِّن مواطن الخلل التي عصفت بمنهجيّة العقل الأداتي الغربي ولا سيما لجهة الفصل بين البعدين المادي والروحي في الشخصية الإنسانية.

«المحرّر»


* من أبرز المعاثر التأسيسيّة للحداثة الغربيّة فصلها التعسّفي بين العقل والإيمان الديني،.. كيف تقاربون هذه القضيّة انطلاقًا من رؤيتكم الإسلاميّة؟

لست أشكّ في أنّ القارئ الكريم لهذا الحوار مطّلعٌ على صعوبة تقديم تعريف واضح المعالم مستوفٍ للشروط العلميّة التي يجب توفّرها في التعريف. ومن هنا نجد كثرة التعريفات التي أدلي بها لشرح هذه الظاهرة وتفسيرها. وكلّ واحد من هذه التعريفات ينظر إلى زاوية من زوايا هذه الظاهرة ويسلّط الضوء عليه ويجعل منه عنصرًا أصيلًا في التعريف وفصلًا مقوّمًا للمعرَّف على حدّ تعبير المنطق الأرسطي. ولا أرى حاجة في مثل هذا الحوار إلى الخوض في التعرفات ومناقشتها، ولكن تكفي الإشارة إلى أنّ السمة الأبرز لخطاب الحداثة هو إحلال الإنسان والعقل الإنسان والتجربة البشريّة محلّ القيم الأخلاقية والجماليّة والفكريّة الموروثة من الأجيال السابقة. وبعبارة أخرى يمكن القول إنّ الحداثة في أبرز معالمها هي محاولة للقطيعة مع الدين والإيمان الدينيّ وتعميق الصلة مع العقل بالمعنى الحداثوي للعقل.

والسمة البارزة للعقل الحداثيّ الذي نظّر له عددٌ من فلاسفة الإرهاصات الأولى للحداثة الغربية هو «العقل الأداتي» الذي يهدف إلى السيطرة على الطبيعة واستغلالها بأقصى حدّ ممكنٍ. وعلى ضوء هذا التحديد للعقل لم يكن ثمة خيارٌ آخر أمام عددٍ من المفكّرين الغربيين سوى إعلان القطيعة بين العقل الحداثي الأداتي وبين الدين ومفردات الإيمان الديني. وذلك لأنّ العقل بالمعنى المشار إليه لا يقدر على التجوال في ميدان الإيمان من جهة، ومن جهة أخرى تبدو كثيرٌ من مفردات الإيمان الدينيّ قيدًا يحدّ من تألّه الإنسان وسيادته على الطبيعة. وتفرض هذه المفردات مباشرة أو بطريقة غير مباشرة أنّ العالم بما يشمل ساحة لتجلّي الألوهة، وبالتالي لا تفسح هذه المفردات المجال لألوهية الإنسان واعتباره مصدرًا لكلّ شيء ومعيارًا لكلّ حكم.

هذا من جهة الحداثة والحداثوّيين أنفسهم. ويبدو أنّ توفّر على الضفّة الأخرى من ينادي بالفصل بين مفردات الإيمان وبين العقل صونًا لبعض التقليد الإيمانيّ من الخضوع لمشرحة العقل الحداثيّ. وهو إجراء قد يبدو للوهلة الأولى منطقيًّا ومقبولًا فإنّ كثيرًا من مفردات الإيمان المسيحيّ يصعب بناؤها على العقل، على الرغم من عدم تنافي كثيرٍ منها مع مقتضيات العقل بالمعنى الفلسفيّ. ولكن في جميع الأحوال ثمّة قضايا إيمانيّة يميل التقليد المسيحيّ إلى التّعامل معها بعين الإيمان بدل النّظر إليها بعين العقل. ومن ذلك مسألة اللاهوت والخطيئة الأولى وما يليها من تكفير (من الكفّارة والتوبة) وغير ذلك. وإثر هذه المعطيات أخذ القرار بالفصل بين مجالين للعمل الفكري الإنساني أحدهما مجال العقل والثاني مجال الإيمان. وهذا يشبه إلى حدٍّ ما الفصل بين السيفين والسلطانين سلطان الملك وسلطان الله الذي تمثّله الكنيسة.

أما على المستوى الإسلامي فيبدو لي أنّ المعطيات الاجتماعية والفكرية والدينية مختلفة وبالتالي لا داعي لتكرار التجربة نفسها وإعادة إنتاجها في ميدان البحث الديني وإنتاج الأفكار الإيمانية. وعلى الرغم من الجدال الذي حصل مرّات في تاريخ الفكر الإسلاميّ بين الفلسفة وبين المتكلّمين أحيانًا أو الفقهاء في حالات أخرى. وعلى الرغم من فتوى ابن الصلاح المشهورة بإحراق الكتب الفلسفية وعلى الرغم من تبديع عددٍ من الفلاسفة والدخول في صراعٍ معهم. إلا أنّ هذا التيّار المعادي للفلسفة لم يكتسح لا الجغرافيا الإسلامية ولا التاريخ. وبقيت الفلسفة بما هي ساحة من أبرز ساحات نشاط العقل، بقيت على تواصل مع الدين والقضايا الإيمانية إلى حدّ أنّ بعض المتكلّمين ربطوا بين علم الكلام والفلسفة بحيث صارا علمًا واحدًا كما في حالة نصير الدين الطوسي. وعندما نتحدّث عن الدمج بين الكلام والفلسفة نتحدّث عن ما يشبه اتّحاد الساحات بين مفردات الإيمان وبين مؤدّيات العقل وما ينتهي إليه. ولا أنسى الإشارة إلى وجود من عاب على الطوسي فعله هذا واتّهمه بأنّه أنتج علمًا هجينًا لا هو فلسفة ولا هو علمُ كلام. ولا يعنينا الآن محاكمة الطوسي ولا تقويم ما فعل. ولكن الهدف هو الإشارة إلى أنّ العقل الإسلامي لم يجد حاجة ماسّة إلى القطيعة بين العقل والإيمان، سواء وفِّق «اللاهوتيون» المسلمون في التوفيق بين الطرفين أم لم يوفَّقوا. وثمة شاهدٌ آخر من فترة أحدث من فترة الطوسي هو صدر الدين الشيرازي الذي يقول «...حتى يُعلم أنّ الشرع والعقل متطابقان في هذه المسألة (المعاد) كما في سائر الحكميات وحاشا الشريعة الحقّة الإلهية البيضاء أن تكون أحكامها مصادمة للمعارف اليقينية الضرورية، وتبًّا لفلسفة تكون قوانينها غير مطابقة للكتاب والسنّة» (الشيرازي، الأسفار الأربعة، ج9، ص303). وهو من أعلن في المحطات الأولى من أسفاره أنّه يبتغي إثبات الإيمانيات بالبرهان، وأعلن أنّ هدفه الوصول إلى محطة يلتقي فيها العقل والبرهان والقرآن. ومن جهة أخرى، فإنّ أكثر مفردات الإيمان المسلّمة تفتح الباب أو تبقيه مواربًا للعقل ليقول كلمته فيها إمّا تأييدًا أو تفسيرًا أو حيادًا.

*  يُنظر إلى أزمة المعرفة في حقبة الحداثة وما بعدها كمؤشّرٍ انعطافيٍّ على المعضلة التي تعيشها الفلسفة الغربيّة المعاصرة. كيف ترون إلى هذه المعضلة، خصوصًا لجهة ما يقال أنّ المعرفة عموماً والمعرفة على وجه الخصوص في الغرب بلغت حدًّا لم تعد فيه قادرة على إنتاج قيمٍ جديدةٍ تلبّي الحاجات الأخلاقيّة والمعنويّة للحضارة المعاصرة.

ظهرت في الحقبة الحديثة من تاريخ الفكر الغربي مجموعة من النّزعات المعرفيّة تشترك في سمة أساس أهمّها إحالة جميع الأشياء إلى الإنسان، وفي بعض الحالات إحالتها إلى الإنسان الفرد وفق السمة التي لا تُنكر من سمات الحداثة وهي سمة الفردانية. وربّما يكون الكوجيتو الديكارتي مثالًا مناسبًا لتبيين وجهة النظر التي أحاول الإدلاء بها في هذه المداخلة. ومن المعروف أنّ ديكارت أسّس للمعرفة على قاعدة الانطلاق من الشكّ، والشكّ هو حالة شخصية لا يمكن تعميمها ولا نقلها من شخص إلى آخر. فعندما خفّف ديكارت كاهله من كل المعارف وألقى بها في أتون الشك لم يبقَ له إلا شكّه هو وتفكيره في الجواب المناسب لكلّ الأسئلة التي يشكّ في أجوبتها المطروحة. وعلى أساس هذا الشك والتفكير أعاد بناء صرح المعرفة المنيف بحسب وجهة نظره وهذا كلّه ما عبّر عنه بقوله: «أنا أفكّر إذًا أنا موجود». وأهم لوازم هذا الكوجيتو هو إحداث القطيعة بين الفكر الإنساني وبين أيّ مصدر خارجيّ للمعرفة بل وبين أي مصدر غير ذاتيٍّ للمعرفة، فلا قواعد عقلية ثابتة عابرة للأذهان، ولا وحي ولا أيّ شيء آخر من خارج الإطار البشري.

والسّمة الخطيرة الأخرى التي ابتُلي بها الفكر الغربي هي نقل بعض الأفكار من مجالها الخاصّ بها، وتعميم العمل بها في مجالات قد لا تكون لها الكلمة الفصل فيها. وهنا آخذ نظريّة التطوّر كمثال مناسب. فقد ظهرت نظرية التطوّر والنّشوء والارتقاء في مجال علوم الأحياء ثم ما لبثت أن سرت إلى سائر المجالات، وحوّلت إلى نموذج أو ما يُعرف بالموديل أو الباراديم لتفسير الكثير من الأشياء وإخضاعها لقانون التطور. فصارت المجتمعات والأخلاق والسياسة والفلسفة وغيرها تطوريّة، يُتعامل معها وتفهم وتفسر وفق مبادئ التطوّر والنشوء والارتقاء. وثمة مثال آخر أحسب أنّه يساعدني على توضيح تصوّري. هو مثال مشهور من دائرة الفيزياء فقد توصّل أحد علماء الفيزياء، وأحسب أنّه شرودينجر، إلى نتيجة مفادها أنّ موقع الإلكترون حول النواة في الذرّة تحدّده وسائل القياس والاختبار. وشرح ذلك بمثال معروف هو مثال القطة التي تقبع في غرفة مظلمة يحاول شخصٌ معرفة موقعها من ثقب باب زنزانتها المظلمة، فعندما يسلّط الضّوء على بقعةٍ محدّدةٍ من الغرفة تأنس القطّة بهذا الضوء وتجلس فيه وهكذا يعتقد الباحث أنّ القطة في هذا المكان الذي سلّط الضوء عليه، بينما الواقع هو أنّ الضوء الذي سلّطه هو الذي جعل القطّة في هذا المكان. وهذه الفكرة الفيزيائيّة نُقلت إلى مجالات أخرى وتحوّلت نسبيّة المعرفة من مجال الفيزياء الذريّة لتتحوّل إلى ظاهرة في جميع العلوم والمعارف، فصارت كلّ المعارف نسبيّة مرتبطة بالعارف. وفي هذا السياق أيضًا يمكن الإشارة إلى التجريب فالتجريب منهجٌ أثبت نجاحه ونجاعته في مجال التعامل مع المادة والظواهر الطبيعية، ثم ما لبث أن تحوّل إلى منهج أثير له الكلمة العليا في جميع ميادين المعرفة الإنسانيّة.

وعندما تُسيطر هذه السمات على الفكر الغربي وتلوّنه بصبغتها، فمن الطبيعي أن يواجه هذا الفكر أزمات حادّة عندما يريد التّعامل مع القيم والمعنويات. وذلك أنّ أهمّ سمات القيم الأخلاقية الثبات وعدم النسبيّة وقابلية التعميم على جميع الناس وفي جميع المواقف. وهذا لا ينسجم مع السمات التي ذكرناها أعلاه. وأخطر ما يمكن الإشارة إليه في هذا المجال بعض المحاولات التي ترمي إلى تفسير الأخلاق والقيم والدين بتفسيرات بيولوجية؛ بحيث يتحوّل الدماغ البشري إلى مصدر للقيم وأشير هنا إلى محاولات معاصرة ترمي إلى تفسير القيم الأخلاقية بواسطة مبادئ علم الأحياء وقوانينه. وعلى الرغم من أنّ هذه الدراسات ما زالت في بداياتها لكنّها تشي بقابليّتها للتطوّر والانتشار والتبني. والدين والتديّن عند بعض الدّارسين المعاصرين خاضعٌ أو تابع لجينات وراثيّة تدفع بعض النّاس إلى الإيمان وتصدّ آخرين عنه وتدعوهم إلى الإلحاد.

إزاء هذه الملاحظات يبدو لي أنّ الفكر الغربي سوف ينحدر إلى مزيد من المشكلات المعرفيّة في مجال تعامله مع عالم المعنى. مع الاعتراف بعدم إمكان التعميم إلى كل ما هو غربي فالغرب في نهاية المطاف ليس نمطًا واحدًا ولا مدرسة واحدة. وما زال يحتضن أصواتًا معارضة للتيار السائد؛ لكنّ کثیرًا من هذه الأصوات ما زالت حبيسة الأكاديميا ولم تستطع الخروج إلى الميدان العامّ للتحوّل إلى تيّار منافسٍ.

* ألا يُعتبر حضور سؤال الدين في الغرب اليوم دليلًا على الخواء الذي تركته علمانيّة العقل المحض، وكذلك على حاجة الإنسان المعاصر إلى ملء فضائه الحضاري بقيم أخلاقيّة مستمدّة من الفضاء الديني؟

في مقاربتي للجواب عن هذا السؤال لا أدري بالتحديد إن كنتُ أتّفق مع منطلقاته أو أختلف. وبغضّ النظر عن فهمي للخلفية التي ينطلق منها السؤال والأرضية التي يقف عليها. يبدو لي ضرورة الإلفات إلى أنّه على الرغم من تعدّد نسخ العلمانية واختلاف سطوحها ومستوياتها في موقفها من الدين. وتنوّع هذه المواقف بين علمانية إلحادية تريد إزالة الدين من واقع الحياة الإنسانية، وأخرى تضيّق حدود عمله ونشاطه لتحصره في دائرة الفرد وعلاقاته الخاصة. لكنّ الدين على الرغم من ذلك ما زال حاضرًا بقوّة في جميع المجتمعات الإنسانية. ولم تستطع العلمانية استئصال الدين من ذهن الإنسان. بل ثمة حالات تحوّلت فيها العلمانية نفسها إلى دين. خاصة إذا فهمنا أنّ الدين هو شكلٌ من أشكال التسليم المطلق والاستسلام لفكرة مطلقة، ولو بإضفاء الإطلاق على فكرة محدودة. وهنا أشير إلى الشهيد السيد محمد باقر الصدر الذي يتحدّث عن المثل الأعلى الذي لا يستغني الإنسان عنه وربّما لا يستطيع العيش دونه فإذا لم يتوفّر له مثلٌ أعلى مطلق غير محدود اتّخذ مثلًا أعلى من محيطه المحدود وحاول عملقته وإضفاء الإطلاق عليه، ثم ما يلبث هذا المحدود المعملق أن يصل إلى أقصى مدياته الممكنة وربّما يخدم الإنسان فترة من الزمان ويعينه على التقدّم خطوة أو خطوات ولكنّ لمّا كان التقييد والمحدودية سمة أصيلة فيه فإنّ الإنسان ما يلبث أن يجد نفسه محاصرًا بما اختار من مثل وبدأ يراوح مكانه ولا يتقدم. ويستنتج الشهيد الصدر من هذه المقاربة أنّ الإنسان لا يمكن أن يستغني عن الدين أو يعارضه على المدى البعيد، فقد يتمكن الإنسان من تجاهل الدين يومًا أو يومين وعقدا أو عقدين وهكذا ولكن في نهاية المطاف سوف يصل إلى طريق مسدود يرى نفسه مضطرًّا للعودة إلى مبادئ الدين أو تديين ما ليس دينًا. كما حصل في بعض التجارب الغربية وأشرنا إليه آنفًا.

ومن هنا فإني، وربّما كنت مخطئًا في فهمي لخلفية السؤال، لا أرى أنّ الحداثة استطاعت طمس الدين وإزالته من الحياة الحديثة. ومن يزر البلاد الغربية يشعر بأنّها ما زالت بلادًا مسيحية في روحها وثقافتها إلى درجة كبيرة وما زالت المسيحية تنبض بالحياة في أكثر المجتمعات الغربية الحداثويّة. وبقي الدين مركز اهتمام عند مفكّري الحداثة أجمع. نعم ربّما استطاعت الحداثة التقليل من حضور الدين وخاصة في المجال السياسي والتشريعي ولكنّه في جميع الأحوال بقي حاضرًا.

وإذا كان لا بدّ من شاهد فكريّ يدلّل على هذا المدّعى، فثمة شواهد كثيرة أهمّها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يعدّ بحقّ من أهمّ الوثائق التي يمكن ربطها بالحداثة بشكلٍ أو بآخر. فهذا الإعلان المحدود في عدد كلماته وموادّه وردت كلمة الدين فيه أربع مرّات على الأقل. وإنّ عددًا من مواده لا يخفي اشتمالها على بعد دينيّ مهما كان ظليلاً ومخفّفاً. والوثيقة الثانية التي يمكن الإشارة إليها بوضوح أكبر هي ما يعرف بـ«القانون الدولي الإنساني» وهو مجموعة وثائق ومعاهدات تنظم العلاقات الحربية والصراعات بين بني البشر، وأهل الخبرة في قواعد القانون الدولي الإنسانيّ أشاروا إلى عدد من حالات التطابق بين موادّ هذا القانون وبين بعض النصوص والقواعد الدينية ومنها على وجه التحديد النصوص الدينية الواردة في التراث الإسلاميّ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله).

أما مسألة خواء الحداثة وإحساس الإنسان بالحاجة إلى الدين، فهي مسألة لا تنكر، وأحسب أنّها تعود إلى جذر أساس، هو أنّ القيم الأخلاقية ما لم تربط بالمقدّس لا تنال قداسة مهما حاول المؤمنون بها إضفاء القداسة عليها. فعندما تُربط القوانين والقيم الأخلاقية بالمصالح واستطلاعات الرأي وما شابه لا يمكن أن تتحوّل هذه القوانين إلى مقدّسات. وفي بعض الأحيان يشعر الإنسان أنّ قصّة الإله التمري تتكرّر في كثير من المجتمعات التي تشرّع القوانين ثم عندما تتحوّل هذه القوانين إلى قيود تعدّلها أو تلغيها إن لم تستطع تجاهلها. وغضّ النّظر عنها. والأمثلة عن القوانين التي عطّلت كثيرة، وأما القوانين التي انتهكت فهي أكثر بكثير خاصة عندما يتعلّق هذا الانتهاك بما هو خارج حدود الغرب وإطاره الجغرافي. وفي الختام يبدو لي أنّ بقاء الدين حاضرًا على الرغم من المحاولات الحداثوية لإزاحته إقصائه من المجتمع الإنسانيّ، عبر وسائل شتّى منها إعادة تأويله بطريقة تتناسب مع مبادئ الحداثة ومنطلقاتها الفكرية، هذا البقاء دليلٌ على أصالة الدين في النفس الإنسانية من جهة، وحاجة الإنسان إليه من جهة أخرى، وقدرة الدين على تحقيق مصالح حيوية للإنسان من جهة ثالثة وليس أخيرة.

* كيف يمكن الفكر الإسلامي انطلاقًا من الإيمان بالوحي والعناية الإلهيّة بالعالم، أن يواجه تحديّات العقل الانفصالي بين الله والعالم، وهو الأمر الذي تشهده الحضارة الإنسانيّة المعاصرة؟

قضية العلاقة بين الله والعالم قضية شائكة في الفكر الإسلاميّ. فقد طرح هذا السؤال مبكرًا في علم الكلام الإسلامي وفي غيره من الميادين، وقدّمت أجوبة شتّى حاول بعضها قطع الصلة بين الله والعالم وتنزيهه سبحانه عن أي شكلٍ من أشكال العلاقة بالحوادث كي لا يكون محلًّا للحوادث. وقد ورثت الفلسفة الإسلامية مجموعة من المسائل والأفكار ذات الصلة بالعلاقة بين الله والعالم أشهرها مسألتان إحداهما مسألة علم الله بالجزئيات، والثانية مسألة الخلق المباشر أو الخلق بالواسطة، وخاصّة إذا ضممنا إلى هذا السياق المحاولات الإنسانية لتفسير كيفية الخلق، ففي هذا المجال طرحت على الأقل ثلاث رؤى إحداها نظرية الفيض والثانية الرؤية التي تنطلق من نموذج العلّة الفاعلة، والثالثة نظرية المحايثة والمباطنة التي تقضي ببقاء العلاقة بين الخالق والمخلوق بخلاف النظرية الثانية التي تستبطن الانفصال والاختلاف. والكلام على هذه القضايا يطول وربّما يخرجنا عمّا نحن بصدده. ولكن بكلمة موجزة ترك المسلمون في تعاطيهم مع هذه الأسئلة بصمات واختلفوا وخطّأ بعضهم بعضًا وترواحت الأجوبة التي تبنّاها المسلمون بين شرقٍ وغربٍ ويمين وشمالٍ. وتزداد الشقّة عندما يصل الأمر إلى العلاقة بين الله والإنسان وأفعاله فثمة من يؤمن بالتفويض وهي النظرية التي تبناها المعتزلة والتي تقترب إلى حدٍّ ما من نظرية «صانع الساعات» التي وجدت من يتبنّاها في الفكر الغربي، وفي المقابل ثمة من يؤمن باستمرار عملية الخلق حتى للأفعال الإنسانية وينسب خلق أفعال الإنسان إلى الله، وأخيرًا النظرية التي تبنّاها الفكر الكلامي الإمامي وهي نظرية الأمر بين الأمرين.

هذا وبالعودة إلى النصوص الدينية نكتشف أنّ الصورة التي تقدّمها هذه النصوص عن العلاقة بين الله والعالم هي علاقة تواصل مستمرّ وحاجة دائمة من العالم إلى التدخّل الإلهيّ. وقبل استعراض بعض النصوص لا بأس من الإشارة إلى فكرة مطروحة للنقاش في الفلسفة الإسلامية تتعلّق بهذا النقاش أي نقاش العلاقة بين الله والعالم. فقد سأل الفلاسفة والمتكلّمون هل العالم حادثٌ أم قديمٌ؟ واختلفوا بين من رأى أنّ العالم حادثٌ وأنّ القديم هو الله وحده، وهذه النظرية تبنّاها أكثر المتكلّمين وذلك انطلاقًا من أنّ الاعتقاد بقدم العالم، هو تعبيرٌ آخر عن استغنائه عن الله وتعطيل لله من أهمّ أفعاله وصفاته أي الخلق. بينما رأى الفلاسفة عمومًا أنّ العالم قديمٌ وذلك انطلاقًا من أنّ الصفات التي أدّت إلى خلق العالم قديمةٌ فلا يمكن تعطيلها وتأجيل فاعليّتها فحيث توجد القدرة على الخلق والكرم واللطف و.... لا بدّ أن يوجد أثرها وهو العالم، وأجابوا عن الإشكالية التي أثارها بعض المتكلّمين بأنّ الحدوث لا يؤدّي إلى... ولا يعني الاستغناء، فليست علّة الحاجة إلى الخالق هي الحدوث حتى يؤدّي ضدّها وهو القدم إلى الاستغناء؛ بل علّة الحاجة هي الإمكان والفقر «العالمي» أي فقر جميع الكائنات إلى الله واحتياجها إليه، وبالتالي الفارق بيننا وبينكم هو أنكم تثبتون حاجة العالم إلى الله منذ حدوثه فقط، بينما نحن نثبت حاجته إليه منذ  القدم.

وبالعودة إلى النصوص الدينية نلاحظ أنّ القرآن الكريم يؤكّد على الصلة الوثيقة والعميقة بين الله والعالم بدءًا من الإشارة التي يتضمّنها وصف الله نفسه بأنّه «ربّ العالمين» وتتضّح هذه الصورة عندما نتعمّق في دلالات مفهوم الربوبية الذي يتضمّن معنى الرعاية والتربية والعناية المستمرّة التي يشي بها قوله تعالى: (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) (سورة البقرة: الآية 255)، وقبلها فكرة نفخ الله من روحه في القسم الماديّ من المخلوق الذي استخلفه الله على الأرض والاستخلاف يعني في ما يعنيه عدم القطيعة، يضاف إليها ما يضجّ به القرآن الكريم من نسبة كثير من الأفعال المرتبطة بالعالم المادي إليه سبحانه، والأمثلة كثيرة، منها: الرزق، وإحياء الأرض بنزول المطر، وتسيير السحاب وسوقه من بلد إلى بلد، والنصر والإمداد للمؤمنين، ومدّ الظلّ، إلى عشرات بل ربّما مئات الآيات التي تقرّر حقيقة العناية الدائمة التي لا تنقطع بين الله والعالم. بل أكثر من ذلك ثمة أيات في القرآن تكشف عن دور الله في ما يفعله الإنسان نفسه، ومن أجمل الآيات في هذا المجال قوله تعالى في آيات متلاحقة يسأل الله تعالى الإنسان عن ما بين يديه من النعم بدءًا من نطفته التي تستقرّ في رحم امرأته فينتج عنها الولد، مرورًا بما يزرعه ليرتزق به، وصولا إلى الشجرة الذي يقطع ليجعل منها وقودًا لدفئه في برد الشتاء. كل ذلك ينسب إلى الله تعالى على طريقة التساؤل ليخرج الجواب على شكل اعترافٍ من الإنسان لخالقه بالفضل في ذلك كله.

ولم تخلُ النصوص الحديثية من محدّدات لمستوى العلاقة بين الله والعالم. ومن أجمل ذلك وأوضحه ما ورد عن الإمام عليّ (ع) حين سئل عن كيفية معرفة الله فأجاب: «لا يشبهه صورة، ولا يحسّ بالحواس، ولا يُقاس بالناس، قريب في بعده، بعيد في قربه، فوق كلّ شيء ولا يقال: شيء فوقه، أمام كلّ شيء ولا يقال له: أمام، داخل في الأشياء لا كشيء داخل في شيء، وخارج من الأشياء لا كشيء خارجٍ من شيء، سبحان من هو هكذا ولا هكذا غيره، ولكلّ شيء مبتدأ» (الأصول من الكافي، ج 1، ص 85.) وفي نص آخر يروى عنه (ع). وتكتمل الصورة عندما ندخل في دائرة النظر والملاحظة نظرية الإمامة التي لا تخلو الأرض منها وهو أمرٌ لفت المفكر الفرنسي هانري كوربان الذي يرى أنّ نظرية الإمامة والمهدوية على وجه التحديد تعطي التشيّع امتيازًا أساسيًّا يسمح ببقاء الصلة بين السماء والأرض على خلاف سائر النحل والأديان.

وتترتّب على هذه النظرة إلى العلاقة بين الله والعالم وترتبط بها الكثير من الآثار والنتائج سواء في ميدان العبادة والعلاقة الصاعدة بين الإنسان والله حيث يندب الإنسان إلى رفع يدي وجوده وربط نفسه بالله في كل شيء حتى لو كان علف دابته كما ورد في بعض الأحاديث، فضلا عن طلب ما هو أهم وأرقى. وفي هذه الخانة توضع قيمٌ أخلاقية إسلامية مثل مفهوم التوكّل، على الرغم من سوء فهمٍ وقع عند بعضٍ في هذا المجال. كما تترك هذه النظرة أثرها في العلاقة الأفقية بين الإنسان وبين الكون الذي يحتضنه وأخيه الإنسان الذي يعيش معه. وممّن التفت إلى هذا الأمر الشهيد السيد محمد باقر الصدر الذي يقول في تحليله لنظرية الاستخلاف حيث يجعل الله سبحانه طرفًا رابعًا في العلاقات الاجتماعية، يقول في هذا المجال: «والاستخلاف عند التحليل نجد أنّه ذو أربعة أطراف؛ لأنّ الاستخلاف يفترض مستخلِفاً أيضاً. لا بدّ من مستخلِف ومستخلَف عليه، ومستخلَف. فهناك إضافة إلى الإنسان وأخيه الإنسان والطبيعة يوجد طرف رابع في طبيعة وتكوين علاقة الاستخلاف وهو المستخلِف؛ إذ لا استخلاف بدون مستخلِف، فالمستخلِف هو الله سبحانه وتعالى والمستخلَف هو الإنسان وأخوه الإنسان، أيّ الإنسانية ككلِّ الجماعة البشرية والمستخلف عليه هو الأرض وما عليها ومن عليها، فالعلاقة الاجتماعية ضمن صيغة الاستخلاف تكون ذات أطراف أربعة وهذه الصيغة ترتبط بوجهة نظر معينة نحو الحياة والكون بوجهة نظر قائلة بأنّه لا سيد ولا مالك ولا إله للكون وللحياة إلّا سبحانه وتعالى... هذه الصيغة الاجتماعية الرباعية الأطراف التي صاغها القرآن الكريم تحت اسم الاستخلاف ترتبط بوجهة النظر المعينة للحياة والكون..» ويتابع ليؤكّد أنّ إضافة العنصر الرابع ليست مجرّد إضافة عددية بل إضافة تؤدّي إلى تغيير جوهري في طبيعة العلاقة بين الأطراف...

* إلى أيّ مدى شكّلت التبعيّة الأكاديميّة للغرب، عاملاً أساسياً في إنتاج فكر محلي عاجز عن إنتاج معارف مستقلّة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية؟

بادئ ذي بدءٍ، لا أشكّ في ضرورة إبقاء الأبواب مشرعةً بين الناس للتثاقف والتعارف، ولا أدري إن كان ظهور الآية يسمح لي بتوسعة دائرة دلالتها لتشمل المعرفة وليس التعرّف. وهنا أشير إلى قوله تعالى: ﴿ﭼ   ﭽ  ﭾ  ﭿﮀ﴾ (سورة الحجرات: الآية 13). فالتفسير الأكثر شهرة للآية هو تفسيرها بأن يعرف بعضكم بعضًا، ولكني لا أرى في نصّ الآية ما يعيق إمكانية فتح دلالتها وتوسعتها لتشمل المعرفة، فتعرّف شعبٍ إلى شعب وقبيلة إلى أخرى لا يكتمل ما لم يكن تعرّفًا إلى ثقافته وما أنتجه من معرفة. وعلى هذا المعنى من التعارف جرت سيرة المسلمين في تاريخهم حيث أخذوا العلم والمعرفة من الأمم الأخرى وأعادوا إنتاجها أو تدويرها بما يتلاءم مع سياقهم الحضاريّ. فلست بأي شكلٍ من الأشكال من دعاة القطيعة والانفصال، ولا أتّهم السؤال بالإيماء ولا بالإيحاء إلى هذا الأمر.

ولكنّ التعارف والتعرّف شيء والتبعية والارتهان شيء آخر. وأوافق السؤال في مرماه لإدانة التبعية والارتهان. نعم تعاني مجتمعاتنا ومؤسساتنا الأكاديمية من فشل كبير في كثير من النواحي. فقد استوردنا الجامعة وأنظمتها وتخصّصاتها، ومقرراتها التعليمية من الغرب وفشلنا في تقليده من جهة وفشلنا في إنتاج نموذجنا الخاصّ بنا من جهة أخرى. ولست أرمي إلى التعميم، ولكنّ هذه السمة هي السمة الغالبة على مؤسساتنا التعليمية. ولحسن الحظّ أو لسوئه أنّ هذه الشكوى هي شكوًى عامّة تنطبق على غيرنا أيضًا. فثمة أصواتٌ أكاديمية وازنة تتّهم العلوم الاجتماعية مثلا بأنّها تعاني من سيطرة المركزية الأوروبية عليها وأنّ النظريات السائدة في الأكاديميا الغربية هي نظريات تنتسب إلى ما لا يزيد عن ستة أو سبعة من البلدان الغربية.

وقد بدأ علماء العالم الإسلامي على تنوّع مشاربهم بالالتفات إلى هذا الخلل ومحاولة الاستقلال والتخلّص من التبعية والارتهان للغرب ولكنّ المسار طويل يحتاج إلى عقود حتى تؤتي ثمارها. وثمة حلول بسيطة لا تحتاج إلى أكلاف عالية وجهود، أقلّها أن تتحوّل قضايانا الخاصة إلى موضوعات للدرس والبحث ولو بنفس المناهج والآليات المعتمدة في الغرب. وهي خطوة أولى في مسار طويل رسمت له أهداف عالية ومهمة تحت عناوين تأصيل العلوم الإنسانية والاجتماعية أو أسلمتها. وهي مشاريع مباركة لكنّها تحتاج إلى ورشة واسعة وطويلة المدى نسأل الله سبحانه للعاملين فيها التوفيق والقدرة على بلوغ الأهداف المتوخّاة.

* كيف ترون إلى قيام علم استغراب نقدي يشكّل أساسًا للجهود المفترضة التي على النخب المسلمة اعتمادها في مواجهة تحديّات الاستشراق الغربي المستأنف وتأثيره الراهن على بنية مجتمعاتنا؟

التعرّف إلى الغرب ودرسه ضرورة فكرية وحضارية لا يمكن التغاضي أو غضّ النظر عنها، وذلك أنّ الغرب بنى حضارة تردّدت أصداؤها السلبية والإيجابية في حياتنا طوعًا وكرهًا. والأسباب والعناصر التي تدعونا إلى دراسة الغرب كثيرة أهمّها أنّه ينبغي أن ندرس الغرب نفسه لنقوّم تجربته ونستفيد منها إيجابًا وسلبًا. أما الإيجاب فإننا لا ننكر على الغرب تحقيق نجاحات متعددة في مجالات شتى بدءًا من التطوّر التقني وصولًا إلى التطور المدهش في العلوم الإنسانية وما يرتبط بالمجتمعات البشرية من قوانين وأنظمة. ولست الآن بصدد إعطاء تقويم إيجابيّ لهذه التجربة الإنسانية، ولا أقصد من التطوّر المعنى الإيجابي بالضرورة، ولكنّي أقصد من التطور المراكمة الفكرية والعلمية التي تسمح لنا بممارسة أعلى درجة من درجات الانتقاء واختيار ما ينفع سياقنا الحضاري وما لا ينسجم معه ولا ينفعه. ومهما يكن من أمر موقفنا من التجربة الغربية فإنّها تجربة بشرية تشتمل على الغثّ والسمين وفيها ما ينفع الناس وينبغي أن يستقر في الأرض، وفي الفكر الغربي من جهة أخرى ما لا ينسجم مع سياقنا الحضاري والثقافي وهذا ينبغي تجنّبه.

ويقع في دائرة القسم الأوّل أي النافع نقد الغرب لنفسه فالغرب ليس غربًا واحدًا ولا مدرسة فكرية واحدة؛ بل الغرب مدارس وتيّارات فكرية متعددة وثمة تيّار واسع وعريض في الفكر الغربي ينتقد الغرب ويعيد النظر في حضارته وما أنتجه في القرون الأخيرة. وقد بلغ هذا التيّار النقدي حدًّ التجذّر في الغرب خاصّة في الجوامع والمراكز الأكاديمية. وهنا أشير إلى مجموعة من المفكّرين يطلقون على منظومتهم الفكرية مصطلح (Decoloniality) ديكولوينالية أو ما بعد الاستعمار وإن كان يرى أحد الأصدقاء المختصين أنّ مصطلح ما بعد الاستعمار ليس مصطحا دقيقًا للتعبير عن هذا التيار الفكري. وعلى أي حال فإنّ السمة الغالبة لهذا التيّار أو المدرسة الفكريّة هو نقد الحداثة الغربية واتّهامها ببناء أسسها ونظرتها إلى الإنسان والعالم والمجتمع على أسس استعمارية. ويكفي للدلالة على عمق هذا التيّار أن نقرأ عناوين كتب تحدّث عن «الجانب المظلم للحداثة الغربية»،  وكتابات أخرى تركّز انتقادها على العقل الأداتي للحداثة الغربية وما شابه ذلك من عناوين.

والجهة الأخرى التي تجعل درس الغرب والاطلاع عليه مهمًّا وحيويًّا لنا هو ما أنتجه الغرب من أدبيات حولنا في علوم شتى، ويكاد غير المطلع لا يصدّق أنّ ما أنتج في الغرب بلغ هذا الحجم كمًّا ونوعًا. ويكفي للدلالة على ضخامة الكمّ أن أشير إلى أنّ كاتبًا تساءل في عنوان كتابه عن الإسلام ما هو؟ وأراد أن يجيب عن هذا السؤال بالاعتماد على ما دُوِّن باللغة الإنجيليزية على وجه التحديد ووضع قيودًا أخرى زمنية وغير زمنية فبلغت مصادره التي اعتمد عليها لإنجاز دراسته المئات على الرغم من تعدد القيود التي وضعها كي يضيّق دائرة مرجعيّاته البحثية. هذا بإحدى اللغات فما بالك إذا وسّعنا دائرة النظر لتشمل الغرب كله بلغاته المتعددة ومؤسساته الأكاديمية المهتمة بدراسة الإسلام والمسلمين من جهات شتّى.

وعليه لا غنى لنا عن دراسة الغرب والتعرّف إليه. ولكنّي مضطرٌّ للتعبير عن تحفّظي على المصطلح في بعض دلالاته، فقد أثيرت تحفّظات من جهات عدّة على مصطلح الاستشراق واتّهم باتّهامات عدّة، بدءًا من المركزية الغربية إلى غيرها من الانتقادات التي وجهت إلى هذا الحقل العلمي والثقافي. والخشية نفسها تتكرّر مع مصطلح الاستغراب، يُضاف إلى ذلك أنّنا في البيئة الاسلامية استخدمنا مصطلح الاستغراب في معنى آخر أقرب إلى الانبهار بالغرب والتأثر به. وهنا أشير إلى جلال آل أحمد في كتاب «غربزدگی»  الذي ترجم بالعربية إلى الاستغراب، مع تحفّظي على هذه الترجمة للمصطلح، وأرى أنّ مصطلح «لوثة الغرب، أو مسّ الغرب» هو الترجمة الأقرب إلى مراد المؤلف.