البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

January / 17 / 2021  |  545الاستغراب ليس علماً بل هو منهج في التعامل مع الغرب

الحوار مع :أ. د. خنجر حمية
الاستغراب ليس علماً بل هو منهج في التعامل مع الغرب

تناول هذا الحوار مع الدكتور خنجر حمية طائفة من المشكلات المعرفيّة والفكريّة والحضارية التي تواجه التأسيس لعلم الاستغراب، ولقد حاولنا من خلال الأسئلة التي وجّهناها إليه أن نقف على رؤيته حول مشروع التأسيس لعلم الاستغراب، ولا سيّما لجهة موقفه الحذر من إطلاق تسمية «علم»  على المشروع، حيث اعتبر أنّ ما تسعى إليه النخب العربية والإسلامية هو التأسيس لمنهج في التعامل مع الغرب وليس التأسيس لعلم.


* في سياق الاشتغال على علم الاستغراب الذي يتولّى المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية العمل على تظهيره ،كيف لنا أن نتبيّن رأيكم حول هذا المفهوم؟

ـ يصعب وضع رسم واضح المعالم لمصطلح الاستغراب، أو اقتراح تعريف مستوعب لجملة مضامينه ودلالاته، بالرغم من بساطة دلالته اللغويّة ويسر معناه. تكمن الصعوبة واقعاً في الحمولة المفهومية أو الدلالية التي يراد لهذا المصطلح أن يبوح بها أو أن ينهض بعبء حملها والتدليل عليها واستيعابها. وفي أنّ المصطلح السالف يقصد له أن يرتفع بفعل تأسيس منهجي وانشغال فلسفي إلى حدود العلم الصارم ذي الموضوع المحدّد والمنهج الواضح والبنية المتماسكة والمبادىء، والأصول الراسخة، والأهداف الجلية البيّنة، وهو شيء اندفع في مثاله مفكّرون معاصرون وباحثون مخضرمون، مع ما يكتنف كلّ جهدٍ تأصيل أو إنشاء أو تأسيس من التباسات وتهويمات وأحلام ومتشهيات وآمال وطموحات، قلّما تتوفّر لها أسباب قيامها واتساقها وانسجامها وعوامل وجودها وتحقّقها. وفي أنّ المصطلح هذا يُراد له أن يقع على طرف مقابل للاستشراق وفي مواجهته... مع تفاوتات ظروف النشأة وتعقيداتها ورهانات التكوين والتأسيس ومفارقات الأهداف والأغراض والدوافع والعدة المفهومية والطرائق والأساليب والبنية والخلفية الثقافية والحضارية...، على أنّ كل علم يُراد له أن يؤسّس على نسق واضح المعالم ويقصد أن ينجز هدفاً وينال مقصداً ويقوم على طريقة يقع في التباس مفهومه بذاته، ما دام كل علم إنّما يكتسب رهان دلالته في سياق تشكّله التاريخي وظروف تكوّنه، وهو لن يغادر ذلك البتة، لا في لحظة تدشينه الأولى ولا في مراحل نضوجه واكتمال مثاله؛ لأنّه يولد في كل لحظة من لحظات تكامله إحراجاته الذاتية، كلما تقدّم خطوة في اتجاه مثال كماله وتماميّة صورته، وكلّما أوغل في محاولة بلوغ مقصده ونيل أهدافه وفي فحص بناه وشروط وجوده ونظام تشكّله استناداً إلى مراحل إنجازه، في عود مستمرٍ إلى إعادة اختبار لحظة الانبثاق، كموجّه للخطوة، أو كدليل على حسن السير وانتظام خطواته.

ولأنّه كذلك فهو لن تتبيّن له صورة واحدة مكتملة أساساً، ولن يتم له مفهوم في تمام حدِّه، ولن يتشكّل له كيان تام الأركان والعناصر مهما أرهقناه صعوداً وبالغنا في تحسين خطوات سيره وجوَدنا بناءه. أما طموح معرفته في كلّيته ما يعنيه، فهو رهين تشكّل مساره وتراكب خطواته في أطوار تشكّله واكتماله في جهود أولئك الذين ينتهّضون به علماً، ويمارسونه طريقة تفكير، ويشتغلون به أفقاً للفهم.

* هل نفهم ممّا قدّمتموه أنّنا أمام مشكلة معرفية أصيلة تتعلّق بغموض المصطلح وبقائه في منطقة رمادية لا تزال تعصف بعالمنا العربي والإسلامي؟

ـ غموض دلالة المفهوم لا تتأتّى من خفاء موضوعه والتباس دلالته، وغموض معناه، ومن كونه لا يقوم على ساق إلا في اكتمال بنائه وتحقّق مثاله واتساق منطقه فحسب، بل كذلك في أسئلة الكيف واللمَ  التي يثيرها تعريفه العام الذي يقرح له حين يقال: الاستغراب: دراسة الغرب.

بمعنى أن تعريفاً عاماً كهذا يولّد أسئلة هي احراجات في حقيقتها، ومن دون الإجابة عليها باستيعاب وتفصيل يبقى التعريف الذي يقدّم للاستغراب في بساطة وخفّة متناهيتين عاماً وضبابياً، ملتبساً وإشكالياً، يولد من الغموض أكثر مما يولد من الوضوح، ويحرّك من الأسئلة أكثر مما يكشف عنه من إجابات، ويثير من المشكلات أكثر مما يقدّم من حلول.

 دراسة الغرب؟. لكن لمَ؟.. ما الغرب أولاً في كلّية ما يعنيه ويقصد منه، هو جغرافيا واحدة، أو تاريخ واحد، أو هوية جمعية واحدة، أو حضارة واحدة. بماذا يعرّف أصلاً ؟ ثم ما الهدف من معرفته أو محاولة معرفته؟ وما الذي يقصد أن يعرف منه في سياق تشكّله التاريخي، ولأي هدف يقصد ذلك ولأية غاية أو غرض؟ وكيف يعرف وبأية وسائل أو طرائق أو دروب؟ وبأية آليات ومناهج وأدوات؟  وما العدة المعرفية التي يتطلّبها ذلك وما شروط النهوض بهذه المعرفة وما أسسها ومبادئها؟ ثم من نحن الذين نرغب في المعرفة؟ وكيف تتكشّف وحدة رغبتنا أو إرادتنا على تنوّع اهتماماتنا وطموحاتنا وتفاوتت رؤانا وتصوّراتنا، واختلاف مذاهبنا في الفكر وفي العمل؟ وما خصوصيتنا، وما هي عناصر هويّتنا الحضارية في زمن الفراق، وفي عالم بات التنوّع أساس راهنيته والاختلاف والتعدّد جوهر بنيته؟

* أمام أسئلة من هذا النوع الاستشكالي، إلى أي مدى يتسع الأفق لأجوبة تقترب من إضاءة تعريف الاستغراب؟

ـ يمكن افتراض تعريف الاستغراب - بأنّه دراسة الغرب-  دالةً مفهومية إلى  مسار إنشغال، لا مفهوماً مكتمل الدلالة ولا تعريفاً تام الأركان ولا رسماً محدّد الملامح لعلم تتّضح لنا جملة مبادئه، وجماع أسسه، وكمال خطواته، وصورة منهجه، وكلية أهدافه ومقاصده، دالةً لا يتكشّف مداها، ولا ينال مقصدها، ولا تكتسب إشارتها إلا في خاتمة انشغال نظري، يبدأ بالأبسط ويذهب نحو الأعقد، انشغال تأسيس وتأصيل وبناء، يصعد ويرتقي ثم يعود فيستأنف خطواته على ما هو أوثق من الأسس كلما واجهته إحراجات التأسيس أو التأصيل أو الانشاء، وكلما استغلقت أمامه أبواب وتعقّدت مسارات.

* نأتي إلى معنى الغرب بوصفه الإشكال المعرفي الابتدائي للدخول في فرضيات علم الاستغراب، ما الذي تقولونه في هذا الشأن؟

ـ يقول المنشغلون على علم الاستغراب، تأسيساً وتأصيلاً وتكويناً وإنشاءً، أنّ أوسع دلالاته وأعمّها أنّه علم يرغب في أن يتشكّل على نصاب رغبة في دراسة الغرب، في ماضيه وحاضره وفي تشكّلات وجوده التاريخي ومساره، وفي جملة نتاجه العلمي والمعرفي، وفي شخصيته الحضارية وعناصر هويته. وقول كهذا يفترض للغرب وحدة هوية حضارية، ذاتاً مكتملة الملامح والعناصر والمكوّنات تستجمع في داخلها مساراً محدّداً للتاريخ، يتشكّل من تقدّمات مترادفة متناسقة بدأت مع هوميروس في أعمق ذرى الإغريق ولّما تنتهي بعد. ويفترض كذلك وحدة لنتاجه، في الخصوصيات التي تؤسّسه والعناصر التي تؤلّفه، كالعقلانية والتنوير وحقوق الانسان والدنيوة والعلمية والعلم والثقافة والتنظيم إلخ...، ويفترض ثالثاً وحدة الشعوب المشكّلة لما هو غرب في أصولها العرقية والثقافية والحضارية، وفي وحدة انتمائها الديني والمذهبي، وفي وحدة رؤاها للإنسان وللعالم. وبالطبع لم يكن الغرب في الحقيقة كذلك في أيّة لحظة من لحظات تاريخه، وما قُدّم لنا على أنه الغرب الواحد، ذو التاريخ الواحد والهوية الحضارية الواحدة والهدف الواحد، خرافة، هو صورة نمطية للمركز الأوروبي الذي احتكر في مدى الزمن تعريف الغرب وتحديد صورته وكتابة تاريخه مع استبعاد مريب للأطراف التي تعلن بوضوح تام في حضورها وفي ذروة غيابها، عن ضحالة مثل هذا المفهوم (الغرب) والتباسه.

 لقد قدّمت أوروبا لنا نفسها ورسمت صورة هويّتها الموهومة المتخيّلة استناداً إلى رغبة أولئك الذين ملكوا في مرحلة من تاريخها مقاليد القوة والجبروت ومفاتيح الهيمنة والاستئثار على المختلف المتميّز من شعوبها وثقافاتها وحضاراتها ونتاجها وأعراقها وعاداتها وتقاليدها وأعرافها، ثم على شعوب العالم الأخرى وثقافاتها وهويّاتها الحضارية.

ثّمة ادعاء بامتلاك مسار حضارة يشكّل في جوهره تاريخ المدنية، وأعمق ما في النزعة الانسانية والعقلانية من عناصر قوة وابداع وخلاّقية، تبدأ باليونان وتستمرّ في صورة تقدّمات علمية وأدبية وفكرية، وفي جوهر مذاهب ورؤى وتبصّرات، وفي نتاج علمي وتقاني متقدّم ومعقّد، وهو علامة على شخصية حضارية واحدة لا تتغيّر في جوهرها ولا في بنية عناصر تكوينها ولا في الأسس التي انتهضت من خلالها كائناً تام الاستواء، مهما تعاقبت عليها الأزمنة وتغيّرت أوضاعها الحضارية وتبدّلت مساراتها. أمة واحدة، شعب واحد، ثقافة واحدة تراث واحد، وتاريخ واحد. هكذا قدّمت أوروبا لنا نفسها في ذروة صعودها الحضاري وهيمنتها وفي ذروة قوّتها وجبروتها واستئثارها، وهكذا أرادت لنا أن تتصوّرها في أبلغ معنى وأتم صورة. ثم إنّ الوقائع تشير إلى خلاف ذلك... فأوروبا ليست واحدة، ولا تعبّر عن مسار تاريخ واحد ولا حضارة واحدة ولا بنية هويّاتية واحدة ولا تراث واحد. إنّها رؤى ونوازع، شعوب وأمم، تعدّد فكري وثقافي ومعرفي وديني، تفاوتات في المكانة والمنزلة وفي العمل والانجاز، تقاليد وعادات ورؤى وطقوس، تواريخ ومسارات، أعراق متعارضة متناقضة متصارعة... لّما تستقر على وحدة قط، ولا عرفت في مدى تاريخها حتى زمن الأنوار وحدة هوية ولا وحدة حضارة.

إذن، كيف لنا أن نقترب من فهم كتلة حضارية نحن وإياها على نصاب الاحتدام، في اللحظة التي لا تزال مجتمعاتنا تعاني ممّا نسميه ثقافة التغريب التي تتدفّق علينا منذ أكثر من مائة عام؟

خرافة الغربنة، حديثة التشكُّل، ولّدها طموح الهيمنة والاستئثار والسيطرة، وعزّزها الأقوياء رغبة في أن تكون أوروبا صورتهم وحدهم، وصورة ثقافتهم وصورة إنجازاتهم وطموحاتهم وأحلامهم، وليتحقّق لهم ذلك دفعوا إلى الهامش كل رؤى مختلفة أو تصوّرات مغايرة أو تنوّع خلاّق أو تعدّد راسخ أو تمايز مقيم، وراحوا يفرضون بالعنت وبالقوة وبحروب داخلية وخارجية، صورة ذاتهم المهيمنة على الهوامش أولاً، ثم على شعوب العالم الأخرى وحضاراته.

من ندرس إذن؟ أي غرب هو ذاك الذي ندرسه؟ تراث الحضارة الرومانية الممتد في تقاليد الثورة الفرنسية وامتداداتها؟ أو التراث الجرماني – اللاتيني الممتد في النهضة النازية وصورتها المرعبة أو في طقوس الابتذال البراغماتي للأنكلوسكسون؟ أو تراث الهوامش المقصية المقسّمة بعد حروب ضارية أوروبية أوروبية مدمّرة كما هو حال أمريكا اللاتينية أو أوروبا الشرقية والجنوبية؟ غرب المركز أو غرب الأطراف المنسية والمهيمن عليها والمقسّمة بين منتصرين يتنازعون الهيمنة على أفق العالم وثروته وعلى أفق المعنى الذي يشكّله؟ حتى المركز نفسه، الذي بات مهدّداً بالتشظّي، لم يعد قادراً على القيام بعبء تعريف نفسه (غرباً) في ذروة تفكّك للقيم وللأعراف وللمجتمعات، وفي غمرة إعادة تكوين العالم في الإختلاف والتباين، وفي ذرى اندفاع الخصوصيات والتقاليد والثقافات التي طُمست معالمها ودُفعت إلى حدود اللامفكّر فيه فترة طويلة من الزمن لتعود في ذروة اندفاعها لتثبت نفسها في خضم توتّر العالم وحراكه.

مثل هذا الأمر يتطلّب منا إعادة فحص لهوية أوروبا في راهنها للكشف عن المسكوت عنه من تاريخها وفكرها وثقافتها وتجربتها الحضارية، ولإعادة بلورة صورة لتنوّع هويّاتها وشعوبها وأممها وأعراقها وأشكال تعبيرها عن نفسها في أنحاء سلوك لا تكاد تحصى، وتعبيرات رمزية لا تتناهى، وعادات وأعراف معقّدة غاية التعقيد، متمايزة غاية التمايز.

ولقد هيمنت هذه الصورة للغرب الواحد على عقول مثقّفينا فترة طويلة من الزمن وما زالت تهيمن. ما يراد لنا أن نعرفه عن الغرب هو ما يرغب الغرب نفسه أن نعرفه عنه تحت سياق هذه الوحدة واستناداً إليها. المركز القوي المنتج المتقدّم ذو الثقافة المتمركزة على ذاتها المعلنة عن نفسها في صورة ثقافة إنسانية عامة وكلية، والمعبّرة عن نفسها كهوية مكتملة الملامح والقسمات، ما يراد لنا أن نعرفه مذاهب في الفكر والأدب والاجتماع والسياسة، ورؤى وتصوّرات حول الانسان والعالم والوجود، وأنماط سلوك وأساليب عيش يقصد من خلالها أن نتصوّر الغرب على صورة نمطية توحي لنا بوحدة هويّته وتراثه وتاريخه، وبوحدة ذاته ونتاجه، وبوحدة ماضيه وحاضره ومستقبله. ما يراد لنا هو أن نعيش هذه الصورة وأن يتملّكنا هذا العلم وأن يسكننا مثل هذا الإحساس كما لو أنّها الحقيقة في كمال إهابها وذروة انكشافها وتمام حضورها.

* لكن ما الذي ينبغي العمل عليه بإزاء كل هذه التعقيدات؟

ـ ما ينبغي على علم «الاستغراب»  الذي يُطمح إلى تأسيسه وتأصيله أوّل الأمر هو تفكيك هذه الأسطورة، بأن يكشف في الغرب عن تنوّع هويّاته وتعدّد أشكال حضارته وتفاوت ثقافات شعوبه وتمايز أعراقه وتباين قيمة نتاجه واختلاف هويّاته وتعارضها...إلخ. وأنّه مركز وأطراف وأنّ الأطراف لا تقل جذرية ورسوخاً في التاريخ وفي الجغرافيا، في الماضي والحاضر، عن المركز، وأن تغييبها عن المشهد لا يلغي حضورها المتقد الفاعل والمؤثّر.. ولا يقلّل من قيمة فعلها في التاريخ ولا في الواقع الراهن ولا في المستقبل.

على أن تفكيك الغرب هذا أو دراسته يتطلّب كذلك تفكيك صورته في وعي مثقّفينا.. تلك التي سمحت لهذا الغرب في مرحلة من مراحل تاريخنا أن يُتَّخذ مثالاً أو نموذجاً تحت تأثير فكرة أن ما بلغته حضارة أوروبا الواحدة من تقدّم ومدنية هو نتاج إنساني شامل، وأنّ ثقافته ومعارفه وأنماط سلوكه تتّخذ طابع كونياً يمكن تمثّله واقتباسه واستثماره من غير نظر في خصوصية منشأه، وفي كونه وليد ظروف تاريخية محدّدة وعوامل اجتماعية اقتصادية وسياسية روحية ومادية، ساهمت جميعاً في خروجه على الصورة التي هو عليها، وأنّه تعبير خالص عن خصوصية أمة أو شعب أو جماعة  أو لحظة من لحظات التاريخ بالنسبة إليها، وفي أنّه تعبير كذلك عن هواجس وأسئلة وعن رهانات ورؤى عرفتها أوروبا في مسار تاريخها المتعدّد والمتشعّب، يصعب استلهامها كما هي بعزلها عن ظروفها وإعادة استثمارها في مناخات حضارية وظروف تاريخية مختلفة،نتاج الغرب -إذن- هو نتاج خصوصية أوروبا على تنوّعها واختلافها، وتعدّد روافدها ومنابعها، واختلاف شعوبها وأممها وأعراقها،وتباين ثقافاتها وعاداتها وأعرافها، ومثل ذلك لا يقتبس ولا ينتفع منه ولا ينزل في غير ظرفه ولا بيئته ولا يدرج في خارج مساره التاريخي.

* فلماذا نعرف الغرب إذن؟ ما دام له خصوصيته الحضارية التي لا تنقل ولا تقتبس ولا يمكن اقتلاعها من جذورها الفكرية والدينية الثقافية والحضارية؟

ـ إنّ طموح معرفة الغرب (بزعمي) له هدفان، بعيداً عن دعوى أنّ نهوضها الحضاري يتطلّب استلهام نموذجه:

الأول: لنكون شركاء في فهم مسار التاريخ وتحوّلاته وتبدّلاته ونهوض أممه وسقوطها، وأن نكون شهداء بالمعنى الإيجابي الخالص على التاريخ، شركاء في تبصّر حراكه مساهمين في وعيه واستيعاب دلالاته واعتبار معانيه.

الثاني: أن نفهم الكيفية التي أمكن لأوروبا من خلالها في ذروة صعودها وامتلاكها عناصر قوّتها، أن تستأثر بالهيمنة والسيطرة، وأن نستوعب الكيفية التي راحت من خلالها تُصرِّف فائض قوّتها واقتدارها المادي والتقاني من خلال تعريفها لذاتها وتشكيلها لهويّتها وفرضها لهيمنتها وسلطانها، وأن ندرك الآثار السلبية والايجابية التي تركها صعودها المدوّي في ميادين العلم والتقانة على مستقبل العالم الذي يضمنا في أكنافه، وأن نعيد اكتشاف شروط نهضتنا بوعي تام لما يولّده حضور غرب قوي فاعل من عقبات وعوائق، وما يفرضه من شروط، وما يؤكّده من خطط ومسارات وأهداف، وما يعرضه من رؤى وتصوّرات وأفكار ومذاهب في الفكر وفي العمل.

* هل تعتقد أنّ شروط قيام علم الاستغراب هو التعرّف العميق على الاستراتيجيات المعرفيّة والثقافية والسياسية للاستشراق؟

ـ وضع «الاستغراب» –كعلم بالغرب- في قبال «الاستشراق»  كما صنع البعض –كعلم بالشرق- لا يستقيم على سنن، فلقد جعل الاستشراق- كعلم- مجتمعاتنا موضع دراسة، أي حولّنا إلى موضوع، وهو كان يعي جيداً أنّ ما ينهض لدراسته من شعوب وثقافات ومجتمعات وأعراف وتاريخ وحضارات، لا تجمعها إلا وحدة هويّة دينية هشة، تكاد تغيب في خضم التنوّعات والخصوصيات والاختلافات العرقية والثقافية والاجتماعية والمذهبية والتاريخية، وفي غمرة الرؤى والتصوّرات والعادات والأعراف والسلوك والانتماءات العرقية والنسبية، وهو نهض في ذروة صعود قوّة أوروبا، كامبراطورية استعمارية مهيمنة، تملك من القوّة ما لا يمكن دفعه، ومن الامكانات ما لا يستطاع مواجهته، مع انحدار شبه تام للمجتمعات التي يدرسها في ثقافتها وعلمها، وفي اقتصادها وسياستها، وفي جوانب التنمية فيها، وفي جهات المدنية والتنظيم والإدارة، تنوء تحت مشكلاتها وتعجز عن مواجهة تحدّياتها الوجودية وأسئلة تقدّمها وحضورها، مجتمعات فاقدة للقدرة على النهوض استناداً إلى قواها الذاتية، فهو يدرسنا دراسة القوي، ويتّخذ منّا موضوعاً لانشغاله كمجتمعات توفّر له مواد أوّلية لنهضته الحضارية وأيدي عاملة لصناعته، وأسواق لاقتصاده الناشيء، ومساحات يصرف فيها فائض قوته، واندفاع شعوره الممتلىء بالأنا. أما الاستغراب فهو دعوة لدراسة الغرب مع عجز شبه تام عن مجاراته في ميادين الحياة العامة والتقدّم والمدنية والثقافة والعلم والسياسة والتنظيم والأدب والفنون...إلخ. ومع عجز عن مواجهة أهدافه ومقاصده وطموحاته وقوّته المادية والمعنوية التي تتبدّى في مدى العالم حضوراً سلعياً أو أمنياً أو اقتصادياً أو عسكرياً أو ثقافياً أو سلوكياً.

على أنّ «الاستغراب»  يتطلّب كذلك منّا إعداد تصوّرٍ شاملٍ للغرب في مساره بما في ذلك حاضره، وهو حاضر ثقيل مجهد يدفعنا إلى اللهاث وراءه من غير بلوغ لغاية، والركض خلفه للتعرّف على إنجازاته بغية فهمه ووعي طبيعة حراكه واستيعاب الدلالات الحضارية لوجوده، فكيف يمكن أن نحيط بذلك؟ ولم يجب أن نلهث لنحيط بذلك؟ أعني لنطَّلع على كل ما ينتجه الغرب من فكر ورؤى وثقافة وأدب وفنون وأشكال حكم ونظم...إلخ؟ ومتى يتأتّى لنا فعل ذلك مع ما نحن عليه من تأخّر وعجز، ومع قلّة حيلتنا وفقر إمكاناتنا؟ وما الذي نجنيه إن نحن أمكن لنا بشق الأنفس أن نبلغ هذا المقصد وأن ننجزه؟ ومن فعل ذلك من شعوب الأرض وأممها؟ الصين؟ الهند؟ أمريكا اللاتينية...إلخ. وهل معرفة كل ذلك شرط ضروري لنكون أمة حاضرة في مساحة حضارة الراهن، شريكة في صناعة مصير العالم، فاعلة في توجيه التاريخ وتجربة الحضارة؟ ثم ألا يتطلّب أمرٌ كهذا إعادة تكوين الذات في شرط خصوصيتها واستناداً إلى عناصر تراثها وتجربتها التاريخية، وثقافتها الخاصة، وطبيعة هويّتها، وأسئلتها الذاتية ومشكلاتها؟ مثل ذلك بنظري أكثر أهمية من معرفة الغرب وأكثر جدوى بل هو مقدّمة ضرورية لذلك، من دونه تبقى معرفتنا عاجزة عن أن تُستلهم أو يستفاد منها أو تنفع. وهو أهم كذلك من أن ننفق الكثير من الوقت والجهد والامكانات من أجل معرفة مذاهب في الفكر والنظر، ومدارس في العلم، وتيارات في السياسة والاجتماع، وتبصرات في الانسان والعالم لا تنفع حاضرنا ولا تفيد مستقبلنا، ولا تغيّر واقعنا، ولا تساهم في تقدّمنا ولا في ارتقائنا، ولا تجدي في حل أزمتنا والإجابة على أسئلتنا، ولا تعيننا على فهم موقعنا في التاريخ ولا حدود قدراتنا، ولا تكشف عن ما نعانيه من نقص أو نرفل فيه من عجز، ما ينبغي أن نعرفه عن هو ما يكفي لندرك طبيعة وجودنا، ولنفهم ذواتنا، ولنحيط علماً بتاريخنا وتراثنا، ولنعي المسؤولية في أن نحمل عبء صناعة حاضرنا وبناء مستقبلنا، وبلورة رؤية لهويّتنا إلى جنب شعوب العالم وأممه وجماعاته وخصوصية تاريخنا وحاضرنا في مواجهة خصوصية غيرنا وتاريخه.

* ثمة صلة وطيدة بين الاستغراب والاستشراق بحسب ما نفهم من كلامكم، هل كان إدوارد سعيد على وعي بالاستغراب وهو ينقد المباني الفكريّة والتاريخية للاستشراق؟

ـ من وظائف الاستغراب إعادة تفكيك «الاستشراق»  نفسه والكشف  عن رهان الهيمنة الكامن وراء صورته كانتروبولوجيا نسقية أو كعلم (ذلك ما صنعه ادوارد سعيد في كتاب الاستشراق) وما يحتويه من طموحات سيطرة واستئثار واخضاع، حين جعل منا موضوعات تُكشف بغية أن تسهّل السيطرة عليها وارتهانها وسلب مقدّراتها والتحكّم بمصيرها واستلاب إرادتها. هذا جزءاً من الاستغراب يجب أن يكون... وجزء آخر منه كذلك الكشف عن رهان الهيمنة في أنظمة الفكر والمعرفة في الغرب نفسه، وطموحات الاستلاب والتفكيك والتعمية وأشكال الهدم والعدمية والتشظية، وهو شيء لم يعد خافياً حتى على مفكّرين غربيين مثل سلوتردايك ودونو وجيجك واغلتون، كما لم يكن خافياً على سارتر وفوكو وماركوزه وهابرماس وأرندت ودريدا...إلخ. ليس من أجل إماطة اللثام عن نزوع الهيمنة الكامن في كل مذهب فكر ورؤية للإنسان والعالم والتاريخ ينشؤها الغرب ويروّجها، بل كذلك من أجل البحث عن سبل للتحرّر من سلطانه باكتشاف شرطه التاريخي ورهاناته وأهدافه المحتجية، واللامفكّر فيها والمغيّبة وراء دعاوى العقل والنزعة الانسانية.

ثم إنّ من وظائفه كذلك إعادة تفكيك الذات والكشف عن المحتجب فيها من تناقضات وراء وحدة هويّة وهمية أو شفيفة، وإعادة تكوين تصوّر للذات في علاقتها مع التراث ومع الراهن ومع الغير، وفي حدود الحضور الراهن في العالم. وهذا استغراب كذلك لأنّه يسمح لنا باستعادة إحساسنا بوجودنا كشركاء لنا هويّتها على تنوّع عناصرها، وتفاوت أبعادها، ولنا حضورنا الخاص في العالم وظروفنا وأوضاعنا وتمايزنا وتميّزنا في غمرة اندفاع مذهل للخصوصيات في مشهد معولم، وللثقافات المتنوّعة في ذروة اتصال بين أجزاء المعمورة لا قبل لنا به، وللعادات والأعراف والتقاليد في ظل توسّع مذهل لرؤى موحّدة يعرضها العلم وتروّجها التقنية. هذا شيء مما يتطلّبه الانشغال على تأسيس «الاستغراب»  فهل من ينهض بذلك؟

* بدت لنا مقاربتكم لعلم الاستغراب وكأنّها تتعامل بحذر شديد مع المفهوم، هل لنا في ختام هذا الحوار أن تقدّموا لنا رؤية إجمالية عما ترونه حيال هذا المشروع؟

ـ مقاربتي ليست بصدد الإشكال على تأسيس علم الاستغراب، نسميّه الآن علماً، وأفضل أن نقول منهجاً، الاستغراب منهج في التعامل مع الغرب وليس علماً بمعنى العلم الصارم مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء، هو علم بمعنى المنهج، وهذا يعني أنّه ينبغي أن نؤسّس لمنهجٍ في التّعامل مع الغرب على تنوّعه واختلافه وتعدّده وتعدّد مستويات تفكيره. ومن دون منهجٍ في التّعامل مع الغرب واضح المعالم بيّن الخطوات لا نملك أن نفعل أي شيء، ولأجل ذلك يجب أن نفعل شيء في مواجهة هذا العالم الذي هو العالم الغربي الذي ما زال يمارس أشكالاً لا حدود لها من الهيمنة والاستئثار، لم ينته الاستعمار الغربي، هو ما زال قائماً بأشكال متنوّعة وهي أخطر بكثير الآن من مطلع القرن العشرين، أشكال الهيمنة، أبواب الهيمنة، طرق الهيمنة، دروب الهيمنة لا حدود لها، كل يوم يخترع هذا الغرب أشكالاً متنوّعة من الهيمنة لم نكن نتنبه لها أساسًا، وبالتالي أعتبر أنّ هناك مسار عمل في منهج الاستغراب يتبلور في الإحاطة وهذا ليس بمعجز، فلقد عرف أسلافنا الإغريق بقضّهم وقضيضهم بعد انهيار حضارتهم، أتوا بتراث الإغريق من خلال السريان وقرأوا الإغريق وأضافوا عليهم. الحضارة العربية الإسلاميّة في القرن الرابع الهجري هي وليدة أمرين:

الأول: إعادة تكوين الذات استنادًا إلى بؤرة الوحي، وقراءة التراث الغربي الوافد قراءة نقديّة، وإعادة تشغيله في فضاء ثقافي مختلف، لقد أسّسوا حضارة وصلت إلى النرويج والصين، وولّدوا تراثًا بقِيَ يعيش في الغرب الحديث حتى القرن التاسع عشر، وبالتالي ليس بأمر معجز أن نعيد التفكير في الغرب وفهمه واستيعابه واستيعاب دلالات فكره والإحاطة بمسارات هذا التفكير. هذه واحدة وهي ضروريّة جدًّا.

الثاني: إعادة تكوين هويتّنا الخاصة وهذه في تصوّري وفي اعتقادي هي الأساس ومن دونها لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ننجز شيئًا في محاولة فهمنا للغرب واستيعابه ومناقشة سياق حضارته وتفكيكه، تفكيكه واكتشاف اللامفكّر فيه والمحتجب والمخفي واللاواضح والذي تخفيه اللغة وأشكال السلوك وأنماط الأفكار والمفاهيم...إلى آخره.

وبناء الهويّة يتطلّب أمرين، الأول: معرفة الراهن بأن نكون شهداء على الحاضر، والثاني: استعادة التراث، ولكنّ استعادة التراث لا على طريقة محمد عبده وجمال الدين الأفغاني بل بإعادة تنزيله على الوقائع بأن نشغّله، فيما هو نافع منه، في إعادة ملامسة مشكلات راهننا وابتكار إجابات يتطلّبها الواقع المتدفق الحي وحراك التاريخ، لا يوجد شيء في التراث يموت، بعض الأشخاص يقول إنّ هذا تراث مضى وانقضى لكن لا يوجد شيء في التراث يموت، التراث ذاكرةٌ والذاكرة إذا قيست إلى المستقبل هي والمستقبل تحكمان الحاضر، لا يوجد حاضر بلا تاريخ، ولا يوجد حاضر بلا تراث.

وأريد أن أُعرّف بشيء وأُنهي، يوجد جهد استغرابي خارج سياق منظومة حسن حنفي، دكتور حسن حنفي في مقدّمة في علم الاستغراب حاول أن يؤصِّل على أسس لكنّه مسبوق، هناك جهد في الغرب نحن لا نعلم عنه إلا القليل، أو لا يوجد لدينا اطّلاع كاف عليه، أو لم نثمّنه، مثلًا: أكبر أحمد، المفكّر الباكستاني المعروف الذي يعيش في الولايات المتّحدة الأميركيّة، طلال أسد، المفكّر الإنكليزي المعروف وعالم الاجتماع الذي ساهم في تأسيس علم اجتماع الاسلام، وضع حصيلة جهده المنهجي في كتابه الشهير (أنتروبولوجيا الإسلام). أما أكبر أحمد فقد عالج بعمق فكرة ما بعد  الحداثة في علاقتها بالاسلام في كتابه: الإسلام وما بعد الحداثة، الذي هو حوار مع غيلنر أساسًا وكانت رودلج اتّفقت معهما على أن يتحاورا عن بُعد بأن يكتب كل واحد منهما وجهة نظره حول الدين وما بعد الحداثة، فكتب غلنر ما بعد الحداثة العقل والدين بحدود،  وأكبر أحمد عمل  الإسلام وما بعد الحداثة ونشرا بالإنكليزيّة كل على حدة مرات عديدة. على كل حال أصبحا موجودين في اللغة العربيّة ونستطيع أن نكتشف هذا المجهود في مقاربة الحداثة برمتّها، منذ بدأ عصر الأنوار يطغى على أوروبا ويندفع خارجها في فائض قوّة متوتّر حتّى أيامّنا، هذا جهد سبق حسن حنفي ويمكن أن نستفيد منه في تطوير هذا الجهد الكبير الذي نشكركم عليه فعلًا.