البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

October / 3 / 2020  |  1026أزمة الغرب عالمية، وهي تدخل في صميم اهتمامات علم الاستغراب

الحوار مع :أ. د. فرانك درويش
أزمة الغرب عالمية، وهي تدخل في صميم اهتمامات علم الاستغراب

اعتبر الباحث وأستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة البلمند في لبنان الدكتور فرانك درويش أنّ مصطلح الغرب إشكاليٌّ بامتيازٍ، لذا ينبغي تفكيكه لنرى مضمونه السياسي والفكري والحضاري. ويعتبر أنّ النزاع الجديد القائم والإرهاب الفكري المتفاقم المبنيّ على رفض الاختلاف وعلى التفهّم والفكر، يتطلّب القيام بتقييمٍ جديد للانقسام القائم بين الغرب والشرق.

ورأى أنّ ثمة حاجةً إلى إحياء التقليد الفكري العربي وإعطائه إمكانية إيجاد ديناميكيةٍ ومصطلحاتٍ جديدةٍ تجدّده باستمرارٍ.

في ما يلي ردوده على أسئلتنا حول الغرب وعلم الاستغراب.


* كيف تنظرون إلى مصطلح «الغرب» ومفهومه، وهل هو بالنسبة إليكم تحيُّزٌ جغرافيٌّ أم يتمظهر كأطروحةٍ حضاريةٍ وثقافيةٍ؟

 ـ  يعود بي مصطلح الغرب إلى (أوكسيدانت) من فعل (أوكسير) أي ما تم فصله عن الأمبراطورية الرومانية في عهدها الثاني، بعد تنظيمها الإداري الّذي قسَّمها إلى جزءٍ غربيٍّ وآخرَ شرقيٍّ كان يرأسه قسطنطين.

 الـ (أوكسير) حصل عند فصل الجزء الغربي عن الشرقي من قبَل الكنيسة الأرثوذكسية، ما يعيدنا إلى القرن الثاني عشر، وبالتحدِّيد إلى سنة 1054. وهو انفصالٌ مزّق الإنسانية وعلينا أن نجد تفكّرًا جديدا يربط بيننا، بالعودة إلى تاريخ الفكر. والغرب أصبح عنوان العقل الآخَر، متناسيًا أحيانًا مصدره في العقل الشرقي. أعنى أنّ العقل الغربي، منذ لايبنتس على الأقلّ، قد أضحى عقلًا حاسبًا، حوّل معظم الفكر إلى حسابٍ يقرّر قيمة الأشياء وعلّة وجودها، فغاب عنه العقل الّذي احتفظ به الشرق، والذي يربط الإنسان بوحدة الوجود وألوهيته ولا يحصر الفكر بالحساب والعقل الرياضي. إنّ الربط، بل الدمج الكامل بين الوضع الجغرافي للغرب ومسلّماته الفكرية، ليس بديهيًّا، ويعتمد على فصلٍ تامٍّ، بين غربٍ وشرقٍ، يتطلّب أشكلةً تكون أكثرَ دقّةً. يكفي النظر إلى الشعوب والأفكار المتوسّطية لكي نرى مدى صعوبة رسم خطٍّ يفصل بين الغرب والشرق.

* تاريخ الغرب من أين يبدأ؟ من المرحلة اليونانية والرومانية، أم من القرون الوسطى، أم ابتداءً من عصر الأنوار مرورًا بالحداثة؟

 ـ  يصعب تحديد ذلك بشكلٍ قاطعٍ. التأثير اليوناني كان كبيرًا في أوروبا وفي ما يسمّى بالشرق، فلا يمكن أن نضع خطًّا فاصلًا يعود إلى الإغريق وحدهم. لنبقَ مع العصور الوسطى ونجادلْ في ظهور مصطلح الغرب معتمدين على انفصالٍ حصل وتطوّر في نهايتها، أي في بدء النهضة الأوروبية.

* هل بالإمكان فهم الغرب كما هو، سياسيًّا وثقافيًّا وحضاريًّا من أجل تكوين رؤيةٍ استراتيجيةٍ ومعرفيةٍ حِياله؟

 ـ  بما أنّ مصطلح الغرب هو إشكاليٌّ بامتيازٍ، لا يمكننا اتّخاذه والتعامل معه ككتلةٍ جامدةٍ متجانسةٍ. علينا أن نفكّك هذا المفهوم لنرى محتوياته الفكرية والسياسية والحضارية، فنتعامل معه كآخرَ، هو في حوارٍ خارجيٍّ وداخليٍّ بل وباطنٍ معنا، ونكشف عن لزومه ولزومنا في تحديده وتحديدنا ومن ثمّ في الارتفاع معًا نحو مفهومٍ جديدٍ للجدال والتناسق والتوافق.

* كيف بنى الغرب حضارته الحديثة، وما هي الأسس والمباني المعرفية والفلسفية التي أخذ بها، وما الآثار المترتِّبة على ذلك لجهة طبيعة العلاقة مع الآخر الحضاري، ومع العالمين العربي والإسلامي خاصّةً؟

 ـ  أُسُسُ الغرب عديدةٌ وتعود إلى مصادرَ مختلفةٍ جدًّا لا يمكن حصرها بما يُسمّى الغرب الجغرافي. الغرب قد تناسى أصوله وفرض هذا التناسي على آخَره، أي ما يدعوه بالشرق في الاستشراق. لقد تناسى تركيبات فكره الّتي دخلته أو استوعبها، عن وعيٍ أو عن غير وعيٍ، من فضاءاتٍ فكريةٍ عديدةٍ سبقت اسمه ومصطلحه، وعلينا اليوم أن نُبيّنها، سواءً في العلوم أو الفلسفة أو علم الاجتماع أو اللاهوت أو غيرها.

* هل تجدون منفسَحًا لعقد حوارٍ متكافِئٍ مع الغرب؟ إذا كان الجوب «نعم» فما هي المسوِّغات التي تقدِّمونها، وإذا كان الجواب «لا» فما هي الأسباب الموجِبة إلى ذلك؟!

 ـ  أجل، هناك منفسَحٌ لحوارٍ مع الغرب. فهذا الحوار ضروريٌّ اليوم لأنّ الوضع العالمي يفرضه علينا جميعًا. هناك أوّلًا التواصل الشديد، كما لم يعرفه الإنسان من قبلُ، الذي يُجبر الأفرادَ والمجتمعاتِ على أخذ أفكار الآخر بعين الاعتبار بشكلٍ شبه يوميٍّ ولكن مع غياب العمق الفكري والديالكتيكي. وهناك ثانيًا النزاعُ الجديد القائم والإرهاب الفكري المتفاقم، المبني على رفض الاختلاف والتفهّم والفكر، وتفكيك معادلاته ومفاهيمه وتاريخها، والذي يتطلّب أن نقوم بتقييمٍ جديدٍ للانقسام القائم بين الغرب والشرق.

* في ضوء هذا الكلام، هل من عناصرَ مشتركةٍ بين العالم الإسلامي والعربي وبين الغرب؟ وإذا كان من نقدٍ لسلوك الغرب، فإلى أي حقلٍ يُوجَّه هذا النقدُ: «الشعوب» ـ «الحكومات» ـ أم المؤسسَّات صاحبة القرار؟

 ـ  هناك بالفعل عناصرُ مشترَكةٌ بين العالم الإسلامي والعربي والغرب، لنذكرْ بعضًا منها:

 ـ  الفكر الفلسفي اليوناني.

 ـ  الفكر والتاريخ الهلنستِيَّيْن.

 ـ  الدين الموحِّد الّذي ورثه الغرب عن الشرق بشكلٍ شبه كاملٍ.

 ـ  العلوم وتاريخها.

 ـ الآداب، حيث حصل الكثير من التلقيح.

 ـ التاريخ المشترك الطويل.

* هل تعتقدون أن الغرب يوشك على الانهيار كما توقّع شبنغلر قبل قرنٍ، في ظل الكلام الدائر اليوم عن أنه يعيش أزماتِه التاريخيةَ في الحقبة المعاصرة: (المعرفية، الثقافية، الاجتماعية، الاقتصادية)؟

 ـ لا أودّ أن أدخل في تلك التعليقات عن شبنغلر. أعتقد أنّ كتابه، كما عرفه الكثيرون منذ البداية، تغيب عنه الدقّة. على أي حالٍ، أعتقد أن الغرب في أزمةٍ بسبب إخفاق الفكر الكوني فيه، مع الإيدولوجيات الّتي انبثقت عنه، ومنها الماركسية بذاتها، كما بيّن فييرابند مثلًا. وهذه الأزمة ليست أزمة الغرب أو ما يُسمى بالغرب وحده، بل هي أزمةٌ عالميةٌ تحتاج إلى تمعّنٍ في تاريخ الفكر وإرث عصر التنوير، ونسيان ثم نسيان منبع الفكر الفلسفي والاجتماعي والفلسفي ـ  العلمي.

* هل ترون ضرورةً لتنظير فكرة السعي نحو تأسيس هندسةٍ معرفيةٍ لعلم الاستغراب، وما هي سُبُل تحقيق ذلك؟

 ـ  إنّ تأسيس علم الاستغراب ضروريٌّ إذا ما أردنا أن نتخطّى المفاهيمَ والتوجهاتِ الفكريّةَ الحاليةَ كما صاغتها فكرة الاستعمار وما بعد الاستعمار. وعلى هذا العلم أن يتميّز وأن يكون رائدًا في تبيين ما لم يَظهر أو يُظهَر في ما يسمّى بالفكر الغربي، منذ بداية الفلسفة وحتّى اليوم. علينا إذًا النظر إلى ما قد تمّ إسقاطه أو كتمه في داخل الفكر الغربي، ما يُلزمنا القيامَ بعملٍ مشابِهٍ في ما يخصّ منظوماتِنا الفكريةَ المحليّةَ.

* إلى أي مدًى يُسهم تأسيس هذا العلم بالاستنهاض الفكري في فضائنا الحضاري العربي والإسلامي؟

 ـ  إنّ لعلم الاستغراب رسالةً أساسيةً تعود إلى التخلّص من الانبهار بالغرب، ثمّ نقده ورفض مقولاته وعقله الحسابي والتقني والفرداني ـ التحرّري. على الفكر في فضائنا أن يُفهم الغرب كما لم يَفهم الغربُ نفسُه، فينير الغرب والشرق وينهض بنفسه نحو أفقٍ، فأسسٍ أكثرَ ديناميكيةً وديالكتيكيةً خلّاقةً.

* كيف يمكننا التمييز بين علم الاستغراب وعلم الاستشراق لجهة النظام المعرفي والتطبيقي لكلٍّ منهما، وما الإشكالاتُ المطروحةُ في هذا الصدد؟

 ـ  أعتقد أنّ الاستشراق يعتمد على مقولات أمثال فوكو، بينما على الاستغراب أن يبني نفسه من منطلَق تبيين ما لم يتبيّن، إن كان عمدًا أو بشكلٍ غير واعٍ، في تفكّر الغرب، لا فقط في علاقته بالشرق، بل بنفسه وبما كتمه تاريخه عن نفسه.

* هل يعني علم الاستغراب برأيكم الرؤية التي تصوغها النخب المشرقية للغرب لفهمه ونقد سلوكه حيال الشرق؟

 ـ  تنتشر بين النخب الشرقية نظرةٌ مُبهَمةٌ ومُلتبِسةٌ للغرب، يظهر فيها نوعٌ من الازدواج في الشخصيّة بين المفكّر المشرقي الذي ينتقده لأسبابٍ معظمها استعماريةٌ، والمشرقي الّذي يستمدّ جلّ أفكاره من الغرب: يسكن هذان المشرقيان في عقلٍ واحدٍ منفصِمٍ. من هنا الحاجة إلى علم الاستغراب وإلى تخطّيه العلومَ الحديثةَ المهتمّةَ بما بعد الاستعمار.

* ما هي برأيكم المهمات المركزية لعلم الاستغراب؟ وهل ترون أن عليه إجراء نقدٍ معمَّقٍ لذهنية الاستتباع الفكري من جانب النخب العربية والإسلامية للغرب؟

 ـ  نعم، بالطبع. من هنا الحاجة إلى كشف ما لدينا من إمكاناتٍ خامدةٍ أو قد تمّ إسكاتها. من هنا الحاجة إلى إحياء التقليد الفكري العربي وإعطائه إمكانية إيجاد ديناميكيةٍ ومصطلحاتٍ جديدةٍ تُجدّده باستمرارٍ.

* من تقترحون للمطالعة من المرجعيات الفكرية والفلسفية التي قاربت حقيقة الغرب بما فيها من إيجابياتٍ وسلبياتٍ؟

 ـ  طبعاً شبنغلر، ولكن أيضًا هايدغر ـ  الّذي لم يفهمه الكثيرون بعدُ في ما يخصّ إمكانيات التواصل بين الشرق والغرب ـ  وهيغل وسبينوزا وبعض المفكّرين الّذين تخلّى عنهم الغرب في كتبه المرجعية.

* ما هي الملاحظات والإشكالات التي تطرحونها حيال المساهمات التي قدَّمها المفكِّرون في حقل التأسيس لعلم الاستغراب؟

 ـ  ما زلت أنتظر قراءة مفكّرين كهؤلاء، أي من يتخطّى إشكال بل عقدة ما بعد الاستعمار، فنذهب نحو فكرٍ آخَرَ يفتح ما يُسمّى الغرب ويربطه بتاريخ وقدر العالم الفكري الكوني والمحلّي.

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف