البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

February / 21 / 2018  |  485ما ينبغي أن تفعله أميركا لاحقاً في الشرق الأوسط

مايكل دوران / بيتر راو موزييك ماجازين - mosaic magazine 5 أيلول 2017 - September 5, 2017
ما ينبغي أن تفعله أميركا لاحقاً في الشرق الأوسط

التحرير: ينجح هذا البحث في طرح كل الهواجس الصهيونية من تنامي القوة الروسية _ الإيرانية في الشرق الأوسط عموماً وسوريا خصوصاً، ويعتبر من الدراسات الاستراتيجية المعمقة، ولكنه يفضي في النهاية إلى طلب أمور من الإدارة الأميركية يدرك الكاتبان أنها صعبة التحقق ولذلك يطلبون الحرب إذا فشلت الإجراءات والاقتراحات، بعض ما قرأناه هنا يجري تطبيقه فعلاً في شرق سوريا ولكن ليس بالقوة التي يأملها الكاتبان، في النهاية صوت ترامب من المنظار الصهيوني أعلى بكثير من أفعاله.


لقد قادت سياسات إدارة أوباما إلى مذبحة في سوريا، وفوضى إقليمية، وصعود إيران وتحالفها مع روسيا. هل يمكن لتسارع الأحداث أن يعكس ـ بدون الذهاب إلى الحرب؟

لقد وعد دونالد ترامب خلال الحملة الرئاسية العام الماضي أن يفعل أكثر بكثير في الشرق الأوسط ممن سبقه ولكن بكلفة أقل. وهذا يعني أنه سينجز أكثر بكثير من باراك أوباما بخسائر أقل بكثير في الدماء والأموال مقارنة بعهد جورج بوش الابن. وأنه سينجز هذا بتحديد المصالح الأميركية بوضوح وبمتابعتها بجرأة إن لم نقل بدون رحمة. النتيجة ستكون استعادة عالمية للمصداقية الأميركية ولتجدد الاحترام العالمي، كما لم يتوقف ترامب عن تذكير جمهوره باحترام دولي متجدد.

كإشارة سياسية، تعتبر رسالة ترامب الفظة رسالة حاذقة. كان  العديــد من الأميركيّين ولاسيما قاعــدته من الموالين تنظر إلى أوبامــا على أنّه جبان وضعيف وأكثر مراعاة لشعور الأعداء من الأصدقاء. وكانوا يعتقدون أنّ بوش كان قوّيًا نوعاً ما ولكنّه كان ميّالاً للمغامرات الدونكيشوتيّه مثل بناء الديمقراطيّة في الشرق الأوسط، خطيئة يعتقد أنّ أوباما كان بريئًا  منها. لقد قدّم ترامب بديلاً جذّابًا: مقاربة هجينة تُزاوج ما بين الخصال الفضلى للذين سبقوه في موقع الرئاسة مع التخلّص من ميولهم السيّئة. كانت «أميركا أوّلاً» تعني الإقرار بأسلوب بوش  في الجهوزيّة لاستعمال القوّة العسكريّة مع أجندة أوباما التي نقضت تعزيز الديمقراطيّة. ترامب سيقاوم المشاريع العقيمة لبناء الأمة بخلاف بوش؛ وبخلاف أوباما، سيكافىء الأصدقاء ويعاقب الأعداء.

إنّ الأسلوب الذي اعتمده ترامب ليترجم هذا الإطار تحديداً إلى سياسة ملموسة بدأ يظهر بوضوح بعد الانتخابات. وعندما عيّن فريقه في الأمن القوميّ، ظهرت أربعة أهداف سياسيّة رئيسيّة في دائرة التركيز. أوّلها كان الهزيمة السريعة لداعش. ثانيًا، تحسين العلاقات مع حلفاء أميركا التقليديّين في المنطقة، ولاسيّما إسرائيل، التي شعرت أنّها مهجورة من قبل أوباما. ثالثًا، الدفع بجرأة ضدّ طموحات الهيمنة الإقليميّة لإيران مع محاولة إعادة التفاوض في شأن الاتّفاق النوويّ. وفي النهاية، كان ترامب شخصيّاً متشوّقًا لأن يستكشف إمكانيّة التسوية الإستراتيجيّة مع روسيا، خصوصاًً في سوريا.

هذه الأهداف لم تكن على ما يبدو متطابقة بعضها مع بعض. لقد برز التناقض الأعظم بين رغبة ترامب في هزيمة داعش بأقلّ قدر ممكن من القوّات البرّية الأميركيّة من جهة وبين عزمه على احتواء إيران من جهة أخرى. في المشهد كما سنرى أنّ الإدارة اختارت أن تجعل من هزيمة داعش أوْلويّة. وعند قيامها بذلك، تبنت الكثير من الإستراتيجيّة التي طوّرها فريق أوباما في سنواته الأخيرة، وهي الاستراتيجيّة التي سهّلت صعود إيران عن إدراكٍ، وجعلت سياسات الولايات المتّحدة متّفقة مع ذلك الصعود. هذا التطابق وصل الى مستوى متقدّم للغاية، بحيث أصبح أيّ جهد جدّي لاحتواء أو دفع القوّة الإيرانيّة إلى الوراء  يتطلّب جهدًا كبيراً لإعادة التفكير بالمصالح الأميركيّة وإعادة ترتيب السياسة الأميركيّة. هكذا جهد سوف يتطلّب انتباهًا رئاسيّاً مستمرّاً، وتكريس موارد جديدة، وبشكلٍ حتميٍّ تعطيل علاقات راسخة مع حلفاء أساسيّين. وسوف يجلب كذلك لترامب نقدًا أكثر من الذي سبق أن لقيه من المثقّفين، والأمم الحليفة، وبيروقراطيّيه في الأمن القوميّ، وفي عددٍ لا بأس به من القضايا الرئيسيّة من الموالين له من السياسيّين.

في المدى القصير، كان مسار الحدّ الأدنى هو القبول بشروط أوباما وتحقيق بعض النجاح على ذلك الأساس. ولكن في النهاية، من المؤكّد أنّ نتيجة مسار كهذا من العمل قاتلة ـ لا لأجندة ترامب وحسب ولكن للمصالح وللأمن القوميّ للولايات المتّحدة أيضاً.

العودة العظيمة إلى الوضع الأول

القيود الملزمة التي فرضها الاتّفاق النوويّ عام 2015، والذي هو مبادرة السياسة الخارجيّة لأوباما كرئيس هي في صلب معضلة ترامب. ولكنّ الاتّفاق النوويّ نفسه كان تفرّعاً مباشراً لقرارٍ سابقٍ في السياسة الخارجيّة، قرار كان أوباما قد توصّل إليه قبل سنوات. حتّى قبل أن يجتمع مع مجلس الأمن القوميّ، أو أن يستشير حليف، أو يتلقّى تقريرًا مخابراتيّاً ـ بالحقيقة قبل أن تطأ قدمه المكتب البيضاويّ في كانون الثاني عام 2009 ـ قرّر أوباما أن يدخل التاريخ بصفته الرئيس الذي وضع حدّاً لحروب بوش وأنّه هو الذي أعاد هيكلة العلاقات مع الشرق الأوسط.

لقد عبّر أوباما على مدى حملته الرئاسيّة الأولى عن رؤيته. فكان  يعِد في كلّ حفلٍ جماهيريّ أنّه سوف يتجنّب المغامرات الكارثيّة الفاشلة للماضي، ولا سيّما المتمثّلة بحرب العراق. ومن أجل تحقيق هذا الوعد، كانت أولويّة أوباما في منصبّة على أن يعيد الجيش من ذلك البلد إلى الوطن.

ولكن كيف للجيش أن ينسحب من  دون تحويل العراق إلى فلك إيران؟ لقد رفض أوباما التفكير بأمور كهذه. وحافظ بدلاً من ذلك، على تيارٍ فكريٍّ ثمّ نشْره وتعميمه في دوائر الأمن القوميّ، كان يؤمن بأنّ الشرق الأوسط عموماً لم يعد مهمّاً للولايات المتّحدة كما كان من قبل؛ وفوق ذلك، فإنّ المصالح الأساسيّة للولايات المتّحدة تتطابق مع مصالح إيران (هذا إن لم نذكر روسيا). وفي حالة العراق، الذي يُعتبر استقراره حيويّاً لكلٍّ من طهران وواشنطن، كانت المصالح خصوصاً متماهية تمامًا. لذلك فإنّ الولايات المتّحدة تسامحت بتخفيض نفوذها وسمحت بتنازل من قِبل بغداد باتّجاه طهران.

هذه الحسابات الإستراتيجيّة  جعلت انسحاب الجيش الأميركيّ من العراق أمراً سهلاً عام 2011، وخفّفت التدهور السياسيّ السريع في البلاد الذي تلا انسحابنا. وحسابات مشابهة جدّاً شكّلت سياسته تجاه سوريا لأنّ ذلك البلد بدوره انزلق إلى حربٍ أهليّة في عام 2012.

عندما دعا بعض مستشاري وحلفاء أوباما  لدعم المتمرّدين ضدّ بشّار الأسد، صرف الرئيس النظر عن مشورتهم بثقةٍ. فالعمليّات العسكريّة في سوريا لم تكن مضمونة النجاح كما اعتقد وكان يمكن لها أن تتسبّب بالوقوع في مستنقع. إضافة إلى ذلك، كانت سوف تزعزع برنامج السلام الذي كان أوباما نفسه يطلق الحملات بناء عليه سلفًا من أجل إعادة انتخابه. فوق كلّ ذلك، أيّ تدخّل أميركيّ في سوريا على جانبٍ من الأهميّة سوف يخرِّب العلاقات مع إيران وروسيا، وهما الراعيان الأساسيّان لنظام الأسد الذي كان أوباما يحتاج إلى إرادتهما الطيّبة لا ليستقر العراق وحسب ولكن لكي يغطي انسحاب أميركا الأكبر من الشرق الأوسط عموماً.

الآن فعلاً، ذهبت رؤية أوباما إلى أبعد من العراق وسوريا. إنّه كان يحلم بنظامٍ شرق أوسطيٍّ جديدٍ كليّاً. فبدلاً من الأولويّة الأميركيّة التي أدّت إلى التدخّلات العقيمة، كان يريد أن يعوّض عن ذلك بنظامٍ متّفق عليه: وهو نادٍ من القوى، بما فيها روسيا وإيران، بحيث إنّهما معًا كانا سيقومان بإدارة الفوضى في المنطقة من أجل المنفعة المتبادلة.

وللتأكيد فإنّ استحداث هذا النادي سوف يتطلّب إيقاف النزاع المتصاعد حول برنامج إيران النوويّ جانبًا: وهو المعوِّق الأعظم الوحيد لتوافقٍ استراتيجيٍّ مع طهران. كما أنّ الأمر تطلّب الاعتراف بسوريا نطاقًا لنفوذٍ إيرانيٍّ وروسيٍّ. في السنوات القادمة، هذان العاملان ـ النوويّ والإقليميّ ـ سيكونان متشابكين بعمقٍ في تفكير أوباما. وكما رأينا الأمر، التنافس الفاعل مع روسيا وإيران حول سوريا سوف يُدمّر فرص إنجاز اتّفاق نوويّ مع طهران، كما أنّ  الفشل في إنجاز اتّفاق نوويّ سوف يعوِّق قضية التعاون الإقليميّ.

في سوريا، تسبّب مفهوم أوباما العظيم بدوامة متصاعدة من العنف والموت بشكلٍ شنيع. لقد فهمت روسيا وإيران ووكيلهما الأسد أنّ بإمكانهما أن يعاملا الشعب السوريّ بوحشيّةٍ من دون الخوف من ردود فعل اميركا. وبدلاً من إعادة التفكير، أو مواجهة الاعتداء الروسيّ والإيرانيّ، أضحى أوباما عنيداً بشكلٍ متزايدٍ وكارهًا للنقّاد الذين لم يقدِّروا نظامه، «استراتيجيّة الصبر» الخاصّة به. أمّا من جهتهما، فإنّ روسيا وإيران اقتنصتا الفرصة وأكملتا المسير لتؤسِّسا لنفسيهما موقع المتحكّم الرئيسيّ بقَدَر سوريا، عن طريق سحق المعارضة السنّيّة للأسد وزرع الخلاف بين حلفاء الولايات المتّحدة في المنطقة. عندما شعر الحلفاء بأنّهم متروكون،  أضحوا بدورهم أكثر خوفًا بكثيرٍ من موسكو وطهران  بعد أن كانوا يمنّون النفس بوضع مختلف.

إيران

لقد افتُتِحت المفاوضات مع إيران حول برنامجها النوويّ في عام 2013 ووصلت إلى الذروة بعد عامين في «خطّة العمل الشاملة المشتركة»، بين إيران والإعضاء الدائمين الخمسة في مجلس الأمن (الصين، فرنسا، روسيا، المملكة المتّحدة، والولايات المتّحدة)، إضافة إلى ألمانيا.

مع تحريف حقيقة الاتّفاق للشعب الأميركيّّ غطّى أوباما الاتّفاق على أنّه تطبيق للدبلوماسيّة القسريّة؛ في الحقيقة، هي كانت تمثِّل انهيارًا للقوّة الأميركيّة. إنّ هدفا إيران في المفاوضات كانا أن تنتهي أيّ قيود قانونيّة على برنامج البلاد النوويّ ضمن إطار زمنيّ مُحدّد وأن تؤمِّن اعترافًا دوليًا بحقّ إيران بتخصيب اليورانيوم. لقد قدّم أوباما كلا الأمرين هديّةً بلا مقابل حتّى قبل بدء المفاوضات. هذا التذلّل الأميركيّ حدّد اللهجة لجميع المراحل اللاحقة من المفاوضات، التي جرى دفعها إلى الأمام عن طريق تنازلات إضافيّة.

على مدى عامين، هدم أوباما البناء الهندسيّ الذي بُني حجرًا فوق حجرٍ على مدى العقدين السابقين، والذي كان قد صُمِّم لاحتواء طموحات إيران النوويّة. وأنهى جميع الجهود الأميركيّة السرّيّة لتعطيل البرنامج الإيرانيّ، كما أجبر إسرائيل على أن تُنهي جهودها كذلك. لقد أغلق التحقيقات في الشبكات الإيرانيّة المكرّسة للشراء غير القانونيّ للتكنولوجيا النوويّة. كما سلّم للحكومة الإيرانيّة الكثير من بلايين الدولارات نقدًا في لحْظةٍ  كانت فيها إيران تتلهّف للأموال. أسوأ من كلّ هذا، قام بتفكيك نظام العقوبات الدوليّة: أحسن أداة، دون العمل العسكريّ، لمعاقبة الخروقات الإيرانيّة لأيّ اتّفاق مرتقب.

بحسب أوباما، فإنّ الاتّفاق الذي أُبرم في النهاية في شهر تموز عام 2015 كان سيمنع جميع مسارات إيران التي توصل إلى سلاح نوويّ؛ في الواقع، وضع الاتّفاق إيران على مسار هبوط آمن للحصول على قنبلة. صحيح، الاتّفاق يحُدُّ من كميّة المادّة الانشطاريّة التي يمكن للإيرانيّين أن يخزِّنوها مُوفّرًا في الوقت نفسه القدرة  للمجتمع الدوليّ على مراقبة الإنتاج الإيرانيّ. ولكنّ هذه القيود تتوازى مع حقيقة أنّ الاتّفاق مؤقّت. بعد حوالى عقد من عام 2015، تنتهي فترة التجربة وسيتعامل القانون الدوليّ مع إيران كدولة لاعبة طبيعيّة، غير خطرة مثل كأنّها بلجيكا.

يكاد هذا يكون كلّ شيء حتّى خلال هذه الفترة من غضّ الطرف الدوليّ، سيسمح الاتّفاق في النهاية لإيران أن تُحدِّث قدرتها بشكلٍ كبيرٍ بتركيبها لأجهزة طرد مركزيّ أكثر تطوّرًا تزيد القدرة المعرفيّة والإمكانيّة الإنتاجيّة وبالدرجة نفسها من السوء، خفّف الاتّفاق من قيود الأمم المتّحدة على برنامج إيران الصاروخيّ الباليستيّ، ممّا صعب على الأمم المتّحدة أن تعاقب إيران عند تعديلها نظام التدمير الرئيسيّ للسلاح النوويّ.

الاتّفاق بكــلامٍ آخـــر يُلزم الولايــات المتّحدة بأن تغطي برنامج إيران النوويّ حتّى تصبح كبيرة وفتّاكة بما يكفي لأن تردع العالم الخارجيّ عن الإضرار بها. وذلك يمكن أن يحصل أسرع ممّا هو متوقّع.

قبل الاتّفاق، كانت أداة الضغط الإيرانيّة الأكثر فاعليّة على الغرب هي حجم مخزون اليورانيوم المخصّب الموجود . في شهر تشرين الثاني من عام 2013، عندما أُعلِنت المفاوضات، قدّرت الوكالة الدوليّة للطاقة الذرّيّة أنّ طهران كان لديها ثلاثة أشهر»كفترة للهروب»: وهو الوقت المطلوب لإنتاج يورانيوم يكفي لسلاح نوويّ واحد. الإنجاز الرئيسيّ للاتّفاق النوويّ كان تمديد الإطار الزمنيّ ذاك من ثلاثة أشهر إلى اثني عشر شهراً على الأكثر.

لكن لم تخفّض الأشهر التسعة الإضافيّة نفوذ إيران على الولايات المتّحدة إلا قليلاً. صرّح صالحي رئيس منظّمة الطاقة الذرّية في إيران، في ردّ فعلٍ على تهديد ترامب مؤخّرًا بأنّه سيخرج من الاتّفاق، أو أنّه سيعيد التفاوض حول الاتّفاق ، بأنّ بلاده تحتاج إلى خمسة أيّام فقط لكي تبدأ بتخصيب اليورانيوم إلى مستوى 20 %، وهو مستوى أقرب للاستعمال في السلاح النوويّ من مستوى الـ 5 % المُوصى به وجوبًا. بتعبير آخر، لو تخلّت الولايات المتّحدة عن الاتّفاق، فإنّ إيران يمكنها أن تستعيد بسرعة كلّ مخزونها الذي كانت تتمتع به عندما بدأت المفاوضات.

هل واشنطن أضحت مُطوّقة كليّاً، أم من الممكن لترامب أن يفعل أيّ شيء لاقتناص الفرصة؟ في الحقيقة، هناك القليل لفعل أيّ شيء. على افتراض أنّه سينسحــب من الاتّــفاق، وأن الإيــرانيّين ســيردّون بالتخصيب لمستوى 20 %. الخطوة التالية الواضحة ستكون فرض عقوبات اقتصاديّة. لن يكون لخطوة كهذه تأثير مباشر في إيران، وفي هذه الأثناء، سيضع التخزين المتنامي لليورانيوم بشكلٍ ثابت واشنطن في موقفٍ عدم فعل أيّ شيء أو التهديد بالعمل العسكريّ لمنع إيران من إغلاق نافذة تحرّرها.

لن يكون الخيار الأخير  ناجحاً تماماً مع لاعبين رئيسيّين في المشهد الدوليّ، بما فيهم حلفاء أميركا الأساسيّين في أوروبا الذين يعتبرون قرار ترامب بتركه الاتّفاق وبفرض عقوبات خرقًا من قبل الولايات المتّحدة لاتفّاقٍ دوليٍّ واعدٍ. بالنتيجة، ستكون حجّتهم أنّ إيران كانت مُتجاوبة؛ فترامب من أسقط الاتّفاق. الأوروبيّون الساخطون سوف يشكّلون قضيّة مشتركة مع نقّاد ترامب الأميركيّين، بمن فيهم من يدعم الاتّفاق مع إيران في جهاز الأمن القوميّ. إنّ حملة سياسيّة صاخبة عابرة للأطلنطيّ سوف تصف ترامب بأنّه داعية للحروب، حتّى مع استمرار تخصيب إيران إلى مستوى الأسلحة بخُطى سريعة. مع ظهور طهران بالصورة الحقّة للنزاهة الدوليّة، سوف تتدخّل روسيا والصين إلى جانبها في الأمم المتّحدة مانعةً أيّ جهدٍ من قبل الولايات المتّحدة لإعادة فتح الملفّ النوويّ.

بالتالي، بتفكيك نظام العقوبات، هل خلق أوباما قوّة ضغط دوليّة لمصلحة السياسة الجديدة من احتضان برنامج إيران النوويّ. يرى حلفاء أميركا الأوروبيّون أنّ خروقات إيران للاتّفاق هي ثانويّة جدّاً، مجرّد مضايقات عندما تقارن بالخيارات الاقتصاديّة الإيجابيّة، وخلافها التي فتحها الاتّفاق فعلاً، يرى العديد من الدبلوماسيّين الأوروبيّين الاتّفاق النوويّ كأداة ناجحة لتمكين المعتدلين الإيرانيّين الموالين للغرب، جماعة يقال إنّها تتمثّل بالرئيس حسن روحاني، بعد إعادة انتخابه مؤخّرًا. هذا الاختلاف في التفكير المغرور لإدارة أوباما بأنّ الدبلوماسيّة الأميركيّة سوف تولِّد معتدلين في طهران يرقى إلى درجة الإكثار من التفكير الواهم، ولكنّه ساحر إلى درجة كبيرة لأنّ الرأي البديل يُجبر الولايات المتّحدة بأن تقوم بأعمال صعبة وغير محبوبة ونتائجها غير مؤكّدة.

في الخلاصة، ترامب يواجه خيارًا بشعًا: لو بقي مع الاتّفاق النوويّ، فإنّ إيران ستكون في طريقها إلى قنبلة.أمّا إذا تخلَّى عنه، فإنّه سوف يُطلق أزمة من دون أيّ ضمانة بأنّه سوف يستعيد فعلاً النفوذ الذي توقف على يد أوباما. من الواضح أنّ ترامب يستاء من هذه الأحجية النوويّة، التي تظهر رأسها كلّ 90 يوماً عندما يكون على الرئيس بحسب القانون أن يُعْلم الكونغرس ما إذا كانت إيران تفي بالتزاماتها وفق الشروط الواردة في الاتّفاق.

مرّتين، نزولاً عند الحثّ القويّ لحلفائنا الأوروبيّين، صدّق ترامب بأنّ إيران مُتقيِّدة بالاتّفاق. ومرّتين حتّى الآن أظهر ترامب امتعاضًا لأنّه قام بذلك، مُدليًا بحجّة لـ «وول ستريت جورنال»  مؤخّرًا بأنّ «العمل خاطئ. إنّهم لا يمتثلون». ومع ذلك عند التعرّض لاحتمال إطلاق أزمة دوليّة رئيسيّة، قام ترامب مرّتين بالسماح للإيرانيّين بأن يفوزوا بالثقة.

داعش

إنّ القدرة على إدراك الرابط بين صعود التحالف الروسيّ ـ الإيرانيّ في سوريا والاتّفاق النوويّ مع إيران هو أمر هامّ بشكلٍ جوهريٍّ، ليس لفهم الماضي وحسب ولكن لفهم تحدّيات الحاضر. إنّ قرارت أوباما في عام 2013 تشكّل خيارات ترامب اليوم، وليس أقلّها ما يخُصُّ داعش. إنّ الغاية من تحوّل إيران وروسيا إلى شركاء في حفظ الأمن الإقليميّ طبعت علامة لا تمحى على استراتيجيّة مواجهة داعش ـ الإستراتيجيّة عينها التي أورثها لترامب.

إنّ سقوط الموصل  المدينة العراقيّة الرئيسيّة بيد داعش في حزيران عام 2014 أحرجت أوباما بشكلٍ شديد. لقد كان تبجّح خلال انتخابات 2012 قائلاً: «قلت إنّي سأنهي الحرب في العراق، وقد أنهيتها». إنّ صعود داعش أثبت أنّه كان على خطأ، وأجبره على أن يقوم بأمرين معًا ذلك أنّه كان قد قرّر أن يتجنّب: عودة القوّات العسكريّة إلى العراق، وبعد ذلك بوقت قصير أن تتوسّع تلك القوات بمهمتها في داخل سوريا.

ربّما قرأ أوباما صعود داعش على أنّه برهان ساطع بأنّ موسكو وطهران كانتا غير قادرتين على ملء الفراغ الذي خلّفته الولايات المتّحدة، وأنّه بناء عليه فإنّ رؤيته لنظام تنسيقي معهم كانت غير عمليّة. ولكنّه لم يتوصّل لاستنتاج كهذا. بدلاً من ذلك، قام بالردّ على صعود داعش بتعليمات لفريقه في الأمن القوميّ ذات نتائج وخيمة: مع أنّ هزيمة داعش ينبغي أن تكون الغاية الاستراتيجيّة الرئيسيّة للولايات المتّحدة، فإنّ عدد أفراد الجيش الأميركيّ على الأرض ينبغي أن يكون محدّدًا إلى أصغر قدر ممكن.

في النتيجة، سلّم الرئيس مستشاريه مهمّة إنجاز نصر عسكريّ شامل ـ ضدّ من ندعوه خصمًا ـ مع بذل أقلّ جهد نسبيّاً.

ويعني ذلك الاعتماد، حيثما أمكن، على القوّة الجوّيّة التي تزيدها القوّات الخاصّة على الأرض. كما كان يعني إيجاد الوكلاء الذين كانوا على استعداد لمحاربة داعش حتّى لا تضطرّ الولايات المتّحدة إلى القيام بالعمل نفسه.

وفي الوقت نفسه، أمر أوباما فريقه بعدم تقويض مؤسّسات الدولة في العراق أو سوريا. وقد علمت حرب العراق أوباما أنّ القوّة الأمريكيّة يجب أن تستخدم لتعزيز الهياكل القائمة، لا لإسقاطها أو إصلاحها.

ما كان غائبًا عن تلك التعليمات بشكلٍ ملحوظٍ هو الاقتراح بأنّ نظام ما بعد داعش ينبغي أن يعمل لمصلحة حلفاء أميركا التقليديّين أو ينبغي في أيّ حال أن يحتوي إيران، التي هي في كلّ المقاييس خصم أكثر هوْلاً بكثير، إضافة إلى روسيا بطبيعة الحال. على العكس: في الوقت الذي كان أوباما يُصدر تلك التعليمات، كان لا يزال يسير بالمفاوضات النوويّة نحو خواتيمها؛ في نظره، أنّ استراتيجيّة مواجهة داعش كانت فرصة أخرى لكي يُظْهر لإيران إمكانيّة العمل المشترك.

في العراق، كان هذا يعني أنّ عمليّات الولايات المتّحدة سقطت بسرعة بتناغمٍ مع إيران التي كانت قد اخترقت القطاع الأمنيّ لنظام بغداد بقوّة. في القتال ضدّ داعش، عمل الجيش العراقيّ ولا زال يعمل كمنطقة عازلة بين إيران والولايات المتّحدة بنشر بعض الوحدات تحت سيطرة الأولى ووحدات أخرى قريبة من الأخيرة.   هذا الترتيب سمح للقوّات الأميركيّة حتّى الآن أن تتجنّب التنسيق مع طهران مباشرةً لكنّها ما زالت تقاتل من أجل إنجاز هدفٍ عسكريٍّ مشترك.

العقبة هي أنّ الأميركيّين كانوا وما زالوا في الجوّ بشكلٍ رئيسيّ والقوّات المدعومة من قبل إيران على الأرض، الأمر الذي يعطي إيران الكلمة العليا في تشكيل النظام السياسيّ فيما بعد المعركة. في أيّ حال، كان الأميركيّون وما زالوا متشوّقين لأن يتركوا مباشرة مع تحطيم داعش، بينما تصرِّح إيران جهارًا أنّها جاهزة للقتال  من أجل وجودٍ دائمٍ لها. إذًا في الإجمال،  من غير المبالغ به القول إنّه في عهد أوباما أصبح الجيش الأميركيّ هو القوّة الجوّية لفيلق حرس الثورة للجمهوريّة الإسلاميّة، وهو مستمرّ بأداء هذا الدور حتّى اليوم.

عندما تسلّم ترامب منصبه في كانون الثاني من هذا العام، كانت عمليّة استرجاع مدينة الموصل قيد التنفيذ . لقد كان يواجه خيارًا غير محبّب من تدمير معقل رئيسيّ  لداعش بسرعة أو إيقاف العمليّة حتّى يتسنّى له تطوير استراتيجيّة جديدة لا تخدم مباشرة مصلحة إيران. على ما يبدو، على قاعدة  أنّ نصف رغيف كان أفضل من عدم الحصول على أيّ خبز على الإطلاق؛ استمرّ ترامب بالخطّة التي ورثها من أوباما. في معركة العراق، و اختار أن يُحيِّد تهديد داعش ـ في العمليّة التي تُمهّد الطريق لإيران.

لقد كان الخيار موضع تفهّم وربما في تلك الظروف كان حكيمًا. ربّما فسّر ترامب الأمر لنفسه على أنّ احتواء إيران سيكون بعد داعش  حيث يجري التعاون فترة قصيرة. ولكنّ الوقت لتحديد هكذا تصحيح هو الوقت الحاضر والمكان لتنفيذ ذلك هو سوريا.

الخيارات في سوريا والعراق

لدى الولايات المتّحدة ثلاثة خيارات أساسيّة لكي تستقرّ كلّ من سوريا والعراق. يمكن للجيش الأميركيّ القيام بالعمل بنفسه؛ أو يمكنه أن يتعهّد بالعمل لخصومه أي روسيا و إيران؛ أو أن يعهد بالعمل لحلفاء ما.

بـعـد عقـودٍ من التدخّــل العسكريّ في الشــرق الأوسـط، أضحى الشعب الأميركيّ مشكّكًا بالحلول الأحاديّة. وتجسيدًا لهذا التشكيك، رفض أوباما الخيارين الأوّل والثالث في العراق، وكما رأينا فضّل وضع أمواله على بناء نظام تنسيقيّ مع خصومٍ. في حين يشارك ترامب أوباما في شكوكه حول نشر قوات عسكريّة  أميركيّة على نطاق كبير، يبدو أنّ مشاعره الداخليّة كانت بقوّة ضدّ إِشراك إيران وكان يفضل العمل مع حلفاء.

كان هذا الشعور الداخليّ بالضبط ما قاده في رحلته الأولى إلى الخارج إلى العربيّة السعوديّة وإسرائيل ـ وكلاهما عدوّان علنيّان لإيران. في الرياض، شارك ترامب مضيفيه في رقصة السيف التقليديّة وأكّد على صورة شجب ناريّ لإيران قائلاً: «حتّى يصبح النظام الإيرانيّ مستعدّاً لأن يكون شريكًا من أجل السلام، يجب على جميع الأمم التي لديها ضمير أن تعمل معاً من أجل عزل إيران».

في رحلة السعوديّة، بدأ يظهر للعيان شيء من عقيدة ترامب ـــ وهي كانت تشبه عقيدة نيكسون القديمة. عندما أضحى الشعب الأميركيّ تعبًا من التورّط في فيتنام في بداية السبعينيّات، انسحب ريتشارد نيكسون وسعى لأن ينتدب قوى إقليميّة كانت متحيّزة للمصالح الأميركيّة لحفظ السلام. ولكنّ التحدّي في سوريا كما عرفه ترامب بسرعة غير قابل لحلٍّ بسيط على طريقة نيكسون.

إنّ حلفاء أميركا الثلاثة الأكثر قدرة عسكريّاً في الشرق الأوسط هم تركيا، العربيّة السعوديّة و إٍسرائيل. ولا تتشارك أولئك الدول بمصالحٍ متشابهة في سوريا. أكثر من ذلك، تجعل الفروقات السياسيّة والدينيّة من التعاون بينهم أمرًا صعبًا، وهو أقلّ ما يقال، وكلّ منهم يعاني قيوداً على قدراته لممارسة التأثير في الساحة  فترة زمنيّة مستدامة.

وهكذا عندما وصــل الأمــر إلى تدمير معقل داعش في مدينة الرقّة السوريّة وتنظيف وادي نهر الفرات الأوسط واجه ترامب نقطة تحوّل أخرى في صراعه مع إرث أوباما: هل من الأفضل أن يُقْدم على تمكين الميليشيا الكرديّة السوريّة المعروفة بـ «وحدات حماية الشعب» أم لا؟.

كان الحلّ الكرديّ مغرياً. فمن أفضل من الأكراد لطرد داعش من سوريا؟ الحليف الإقليميّ الوحيد الذي كان من الممكن لترامب أن يلجأ إليه كانت تركيا. ولكنّ جيشها لم يكن في وضعيّة لأن يقوم بالعمل، والعلاقات بين واشنطن وأنقرة متوتّرة. سيحتاج الأمر إلى عددٍ كبير من الأشهر وربّما سنوات من العمل الشاقّ لاستعادة التعاون الإستراتيجيّ الذي كان موجودًا من قبل بين العاصمتين. لذلك فإنّ البديل الآخر الممكن والوحيد كان التنفيذ المباشر للقوّة الأميركيّة: خيار كريه في أحسن الحالات وخيار يتطلّب ثمنًا مرتفعًا لترامب. بين الأكثر ولاءً في قاعدته، أصبحت فكرة نشر قوّات برّية أميركيّة في سوريا تقريبًا مرادفة لـ «عولمة تافهة»: من نوع بناء مشروع أمّة قادت بوش إلى الدخول في مرحلة فوضى في العراق.

مقارنة بتلك المسؤوليّة كان الخيار الكرديّ يبدو تقريبًا مجانيّاً. كان الأكراد مستعدّون للقيام بالعمل وجاء بدون تدمير للعلاقات مع إيران وحلفائها. إذًا بالنسبة لترامب، كان الخيار الكرديّ أمرًا لا يحتاج إلى تفكير.

ولكنّ الأكراد هم في أحسن الأحوال حلّ مؤقّت. عند التفكير في دور «وحدات حماية الشعب» ضمن نظام جديد، سيكون أسلم أن نفكّر بهم كمرتزقة، وبنادق للاستئجار أكثر ممّا هم حلفاء بعيدو الأمد. غايتهم الاستراتيجيّة هي اقتراض القوّة الأميركيّة لكي يقتطعوا «روجافا»[4]، وهي كانتون مستقلّ يأملون أن يكسب شرعــيّة وقوّة دولــيّة في طريقهـم إلى إنجــاز حلمهم.

وفقًا لاستراتيجيّة أوباما، بُعيْد تدمير داعش بوحدات حماية الشعب، تتراجع القوّات الأميركية إلى ما وراء الأفق. ولكن لحظة ترك القوّات الأميركيّة الخاصّة شرق سوريا، سوف تنجذب وحدات حماية الشعب بشكلٍ حتميّ إلى داخل معسكر روسيا ـ إيران ـ والأسد. إنّ رحيل وحدات حماية الشعب هو أكيد لأنّ «روجافا» لا يمكنها أن تقوم وحدها، ثمّ إنّ تركيا وهي أقوى جيرانهامن جهة، وعدوّتها الأبديّة من جهة أخرى ، ستعكف على إسقاطها. وبدون الأميركيّين لن يكون لدى وحدات حماية الشعب من بديل سوى التحوّل إلى روسيا وإيران ـ وبسبب رؤيتهم لهذا السيناريو بأعلى درجات الوضوح، اهتمّت ولا تزال قيادة وحدات حماية الشعب بالحفاظ حيثما أمكن على علاقات ودّيّة مع المعسكر الروسيّ ـ الإيرانيّ.

ولأنّ الروس والإيرانيّين يرون الواقع بوضوح متساوٍ، لم ينزعجوا حتّى الآن خصوصاً من مناورة أوباما المتعلّقة بوحدات حماية الشعب. عند تراجع الأميركيّين، سينقضّ الروس والإيرانيّون على وحدات حماية الشعب وينتشلوها كحليفٍ، ليصبحوا الحكّام الرئيسيّين للقضية الكرديّة ويمارسوا مزيداً من النفوذ على أنقره. بالنسبة للأتراك، سيشكّل صعود «روجافا» تهديداً أجنبيّاً ومحلّيّاً. الحاجة إلى إدارته من خلال موسكو وطهران سيضع ضغطًا شديدًا على الرئيس رجب طيّب آردوغان لكي يقترب إليهم أكثر ويبتعد أكثر عن شركاء تركيا في الناتو. في الحقيقة، ذلك التطوّر هو قيد المعالجة أصلاً فيما يدعى عمليّة الأستانة، وهي سلسلة من المبادرات الثلاثيّة من قبل موسكو وطهران وأنقرة بهدف تحقيق السلام في سوريا.

لذلك عند إمعان النظر، نجد أنّ خداع أوباما بالخيار الكرديّ يظهر أنّه يحمل في طيّاته أكلافًا خفيّةً. هو يعطي موسكو وطهران إسفينًا جديدًا وحادّاً لكي يدقّ بين تركيا وحلفائها من الناتو، كما أنّ الخيار يُنشىء ويُقوّي لاعبًا جديدًا، هو وحدات حماية الشعب، التي ستسلّم لموسكو وطهران.

ألم يكن ذلك سيّئًا للغاية، ويفشل خيار الكرد الذي عرّضوا  أنفسهم للخطر من أجله على المدى البعيد، عبر تحرير الرقّة وجميع الأراضي التي يشغلها داعش إلى جنوبها مع نشر مؤقت لأعدادٍ قليلة من القوات الأميركيّة. تلك الأراضي هي عربيّة من الناحية العرقيّة، وليست كرديّة. ربّما يتمكّن الأكراد من تنظيف الرقّة، ولكنّهم لن يتمكّنوا من أن يحكموها. ذلك هو العمل الذي أوكله أوباما لقوّات سوريا الديمقراطيّة وهي قوّة تحالف، تتألّف من مقاتلي وحدات حماية الشعب ورجال من قبائل عربيّة.

ولكنّ هذا التحالف متعدّد الأعراق والأديان فهو ليس كيانًا نابعًا من التراب السوريّ الذي ببساطة تعثّر به أوباما. بل كان وما زال منتجًا صناعيّاً لاستراتيجيّته، وتماسكه متوقّف كليّاً على عمل القوّة العسكريّة الأميركيّة. غيِّبْ استمرار الدعم الأميركيّ المباشر، فسيكون من المحتمل أن تنهار قوّات سوريا الديمقراطيّة . وفي حال عدم انهيارها، سوف تلتحق ببساطة هي ووحدات حماية الشعب بالمعسكر الإيرانيّ ـ الروسيّ.

هذه النتائج المحتملة تؤدّي إلى ثلاثة سيناريوهات لشمال سوريا وشرقها بعد سقوط داعش ورحيل الجيوش الأميركيّة. الأوّل هو شراكة عظيمة بين وحدات حماية الشعب والمحور الروسيّ ـ الإيرانيّ. 

 سيقوم الجانبان برسم مناطق سيطرة عسكريّة مباشرة، بينما يتوصّلان إلى سلسلة من الترتيبات السياسيّة والاقتصاديّة بين تلك المناطق، التي سوف تحتمي جميعها تحت دفاعات جوّيّة روسيّة.

أمّا السيناريو الثاني فإنّه ينبثق من الأوّل: سيقف المحور الروسيّ ـ الإيرانيّ إلى جانب وحدات حماية الشعب، ولكنّه سوف يستعمل الاصطفاف تلقائيّاً لكي يُهدّد ويُرغّب تركيا. كما سيضع جزءاً غير هامّ من «روجافا» تحت حمايته، ولكنّه في الوقت نفسه سيتخلّى عن أراضٍ في شمال سوريا لأنقره التي تخشى من أن تصبح «روجافا»  قاعدة خارجية للتمرّد الكرديّ داخل تركيا.

في السيناريو الثالث، سوف يغزو الرئيس التركيّ آردوغان ببساطة شمال سوريا ويقدّم لروسيا وطهران إنجازًا منتهيًا لا يتوقّعانه. هنا مرّة ثانية سوف تنتقل وحدات حماية الشعب إلى أحضان المحور الروسيّ ـ الإيرانيّ.

في السيناريوهات الثلاثة، سيبذل الإيرانيّون جهدًا كبيرًا باسم نظام الأسد للإمساك بقوّة بمدينة دير الزور ـ بسبب الثروة النفطيّة في محيط المحافظة وقربها من الحدود العراقيّة. ومع افتراض انهيار قوّات سوريا الديمقراطيّة بعد خروج الأميركيّين، ستعود المناطق العربيّة في وادي نهر الفرات الأوسط إلى حالة الفوضى، التي سوف يستغلّها ثانية المتطرّفون الإسلاميّون ـ لنقل إنّهم داعش رقم 2.

ما لم تبق القوّات الأميركيّة في وادي نهر الفرات الأوسط، فإنّه من المستحيل تصوّر المحور الروسيّ ـ الإيرانيّ وهو يفشل في تحوّله إلى حَكَمٍ رئيسيٍّ أو الحكم الرئيسيّ الوحيد في القضية الكرديّة في سوريا، وكيف للولايات المتّحدة أن تصبح أيّ شيء غير متفرّجٍ سيّء الحظّ. لذلك فإنّ جميع السيناريوهات المحتملة، تؤدّي لإضعاف كبير للروابط بين الناتو وتركيا ـ وهي غاية استراتيجيّة رئيسية لكلٍّ من موسكو وطهران.

المحور الروسي ــ الإيراني

  منذ أن كشف في عام 2003 عن أنّ الجمهوريّة الإسلاميّة كانت تخفي تخصيب اليورانيوم وأنشطة إعادة معالجته، وقد أثبتت حنكة في تنظيم تحدٍّ فعّال لا مثيل له لأميركا ـ تحدٍّ كانت الولايات المتّحدة تُقلّل من شأنه مع كلّ تحوّلٍ. إيران لم تُجبر المجتمع الدوليّ على منحها الشرعيّة لبرنامج بحجم صناعيّ لتخصيب اليورانيوم وإعادة معالجته، ولكن بفضل شبكة من الوكلاء «البطّاشين» ـ في سوريا، ولبنان، وغزّة، والعراق، والخليج الفارسيّ، واليمن، وأفغانستان ـ  طوّرت رادعًا حقيقيّاً لأيّ هجومٍ تقليديٍّ ضدّ بنيتها النوويّة. وبمساعدة بوتين روسيا ستكمل إيران بالتأكيد التوسع وتقوية هذه الشبكة في حين أنّها تعمل على تشكيل بزوغ  نظامٍ إقليميٍّ لمنفعتها وللإضرار بالولايات المتّحدة وحلفائها. كلّ من موسكو وطهران يركّزان جهودهما في سوريا، حيث دخلا في تحالف استراتيجيّ مخصّصٍ لدعم نظام الأسد. إنّ تقوية ذلك النظام وتوسّعه هو منفعة حيويّة لكلا الجانبين. ولتحقيقها تقاسم الاثنان العمل بالتساوي بينهما: روسيا توفّر الدعم الجوّيّ، وإيران تنشر القوّات على الأرض. ولا أيّ منهما يمكنه تحقيق هدفه الرئيسيّ بدون الآخر. إنّهما توأمان يتشاركان الغايات الحيويّة نفسها.

إنّ سبب استحالة نجاح استراتيجيّة أوباما هو أنّها كانت تقوم على فهم واهم لنوايا روسيا وإيران وقدراتها،  ذلك الفهم  الذي كان نتيجة آلة الدعاية للأخيرة التي تلقّفتها النخبة في السياسة الخارجيّة في الولايات المتّحدة وأوروبا بشغف. في هذه القراءة، تشاركت موسكو وطهران مصلحة حيويّة مع الغرب في دحْرِ داعش، وكانتا تحميان المسيحيّين في سوريا، ولبنان، والعراق ومثّلتا عموماً شرق أوسط أكثر تسامحًا وأكثر تعدّدية. بالنسبة لأوروبا خصوصاً، كان يُنظر إليهما كشريكين في حلّ أزمة اللاجئين التي تعكّر صفو القارّة.

كانت تلك الادّعاءات زائفة كلّيّاً. إنّ موسكو وطهران كانتا وما زالتا حليفتين تريان نفسيهما ملتزمتين بتنافس استراتيجيّ مع الولايات المتّحدة وحلفائها: صراع من أجل السيطرة الإقليميّة. التسبب بألمٍ لأميركا ليس بالضرورة الغاية الأولى لكلّ عملٍ رئيسيٍّ يتعهّدانه، ولكنّ الأمر ليس ببعيدٍ عن تفكيرهما.

بالنسبة للإيرانيّين، سوف يمكِّنهم تأسيس مراكز قوّة في شمال سوريا وشرقها من أن يكملوا ما يدعى «الطريق السريع» من طهران إلى بيروت. هم يريدون هذا الممرّ إلى البحر الأبيض المتوسّط ليس ليسهّلوا المواصلات، ولكن ليبنوا ممرّاً متواصلاً لسيطرة سياسيّة، تكون قاعدة يوسّعون انطلاقا منها نفوذهم الإقليميّ ويُحْكمون إضعاف الموقف الأميركيّ في شرق البحر الأبيض المتوسّط. الأمر نفسه بالنسبة للروس، وهم الآن مشغولون بتحديث، قاعدتهم البحرية في طرطوس على الشاطئ السوري وتوسيعها، وتقويتها وقاعدتهم الجوّيّة في اللاذقيّة على بعد 50 ميلاً شمالاً على الشاطئ.

حتّى لو أنّ الروس والإيرانيّين مخلصون برغبتهم في التعاون مع الغرب، ماذا لديهم لكي يقدّموه؟ فهم لا يمتلكون أيّ مصادر اقتصاديّة لكي يستقدموها إلى ساحة القتال. وفي السياسة هم دهاة ولكنّهم ليسوا مصقولين، وفي الشؤون العسكريّة هم دهاة بقدر هجوم غاز السيرين. للتعبير عن التزامهم المفترض للتناغم ما بين الأديان في سوريا والعراق، فهم لجأوا للمذابح الجماعية في المجتمعات السنّية. بالنسبة لهم، عبارة «مكافحة الإرهاب» تعني حرفيّاً دمار نصف مدينة رئيسيّة. أيّ شخصٍ يشكّ بهذا ينبغي أن ينظر إلى صور حمص، وحماه، وحلب، والموصل.

بالواقع دحر التطرّف السنّيّ الإسلاميّ لداعش والقاعدة بأنواعها سوف يتطلّب العمل مع لاعبين سنّة يشاركوننا مصالحنا. ولكن في سوريا، يحمل التحالف الروسيّ ـ الإيرانيّ، وهو قوّة مذهبيّة ظالمة، نصيب الأسد من المسؤوليّة لنزوح ما يقارب نصف سكّان البلاد.

في أوروبا اليوم، هناك أمل كبير بأنّ نصر التحالف الروسيّ ــ الإيرانيّ  في سوريا، بسبب جميع شروره، سوف يعيد اللاجئين السوريّين إلى سوريا برُقيةٍ سحرية بالحدّ الأدنى. يجب على الأوروبيّين أن يفكّروا ثانيةً. لأنّهما نظّفا المدن السورية من ملايين السنّة، فإنّ موسكو وطهران سوف تمتصّا بسرور أموال إعادة البناء الأوروبيّة، ولكن ليس لديهما مصلحة في حلِّ معضلةِ أوروبا. على العكس، هي تفيدهم في مجالات عديدة في الوقت نفسه. لذلك هم لن يسمحوا للنازحين السنّة بالعودة إلى وطنهم. إنّ «استقرار سوريا وإعادة بنائها» هو حمار عجوز هرم سيبيعه رعاته أي الأسد وروسيا للأوروبيّين مرّة تلو أخرى.

لقد كان الفشل في إدراك تلك الحقائق الأوّليّة قد أدّى بأوباما إلى أن يعتقد بأنّ روسيا وإيران بإمكانهما ملء الفراغ الذي تركته الولايات المتّحدة. إنّ نتائج ذلك الفشل تستمرّ ضائعة لدى عددٍ مذهلٍ من المراقبين رفيعي الخبرة اليوم. في السنوات الأخيرة، أصبحت النظرة المتداولة في المؤسّسة الأميركيّة للسياسة الخارجيّة ترى  أن روسيا وإيران هما مجرّد «حليفي مصلحة» في سوريا؛ وأنّ هناك توترات كبيرة بينهما؛ وبإعطائهما المجموعة المناسبة من الحوافز والعقوبات، فإنّ السياسة الأميركيّة يمكنها شقّ روسيا عن إيران، أو كبديلٍ، إقناع روسيا بأن تكبح السلوك الأسوأ للإيرانيّين (مثل تهديد إسرائيل بالفناء).

في تصريحاتهما العلنيّة، أوباما وترامب بديا ملتزمين بهذا الطرح بشكلٍ أو بآخر. خصوصاً يبدو ترامب أنّه يتشارك مع أوباما الإفتراض بأنّ روسيا والولايات المتّحدة لديهما مصالح مشتركة في سوريا وأنّ علاقة مفيدة متبادلة هي في متناول اليد. هكذا على هوامش مؤتمر قمّة الـعشرين الكبار في هامبرج، في إلمانيا في بداية شهر تموز، توافق ترامب والرئيس الروسيّ على وقف إطلاق النار في جنوب سوريا. وسرعان ما جاءت تغريدة بعد سريان مفعول الاتّفاق، فكتب ترامب: «لقد تفاوضنا حول وقف إطلاق النار في أجزاء في سوريا الأمر الذي سينقذ حياة الكثيرين. الآن حان الوقت لأن نسير قُدُمًا بالعمل بشكلٍ بنّاءٍ مع روسيا».

ربّما استحثّ التطابق نفسه في التفكير ترامب لأن يتبنّى أو يذعن لعناصر أخرى من استراتيجيّة أوباما. هو ربّما يؤمن على سبيل المثال بأنّ إيران هي الشريك الأصغر في العلاقة الروسيّة ـ الإيرانيّة، وأنّه من خلال مقاربة موزونة بدقّة يمكنه التوصل إلى توافق استراتيجيّ مع الشريك الأكبر ممّا سوف يأتي بالاستقرار إلى سوريا ويقيّد إيران. أو ربّما هو ليس أكيدًا ما إذا كان فلاديمير بوتين يقدر أن يلعب أو أنّه سيلعب دوراً كهذا، ولكنّه يضع في اعتباره بأنّ المسار الرشيد هو أن يختبر الرئيس الروسيّ قبل الاستنتاج  أنّه ما من أملٍ من التعاون.

في أيّ من الحالين، يجدر أن نذكر أنّ رئيس وزراء إسرائيل في هذا الجزء لم يشارك حماسة ترامب حول الاتّفاق الروسيّ ـ الأميركيّ حول وقف إطلاق النار في جنوب سوريا. لقد عارضت إسرائيل ذلك الاتّفاق، وأخبر بنيامين نيتنياهو المراسلين أنّه سوف يسمح للإيرانيّين الشريك الأصغر العنيد لروسيا بأن يؤسّس حضورًا طويل الأمد  على الحدود الشماليّة لإسرائيل. وقد زخرف هذه النقطة مسؤول إسرائيليّ رفيع المستوى. حيث قال المسؤول: «الإتفاق كما هو الآن،» لا يأخذ أيّ اعتبار لأمن إسرائيل في الحسْبان، كما أنّه يخلق واقعًا مزعجًا في جنوب سوريا. الاتّفاق لا يشمل أيّ كلمة واضحة حول إيران، حزب الله، أو الميليشيا الشيعيّة في سوريا.

على مدى أسابيع، استمرّ نيتنياهو بدقّ جرس التحذير فأرسل وفدًا إسرائيليّاً  إلى واشنطن لينشر قضيّته مباشرة في الصحافة. فصرّح أحد الموفدين الإسرائيليّين قائلاً: « لقد أسرعنا إلى هنا لنحذِّر من نشر قوّات حزب الله، وإيرانيّة وسوريّة ولكي نشرح بالضبط ما يجري». لم يكن واضحًا ما جرى تقريره في المحادثات، هذا لو كان هناك من قرار. فقد ادّعت بعض المصادر الإسرائيليّة أنّه جرى تعويمها بموقف إدارة ترامب؛ واشتكى آخرون من « نقص الوضوح في الموقف (الأميركيّ)». في غضون ذلك، سافر نيتنياهو بنفسه إلى موسكو لكي يعبّر عن مخاوفه مباشرة لبوتين ـ في اجتماع  رشح عنه أنّه لم يُنتج أيّ اتّفاق.

 حتّى لو أنّ موقف ترامب تجاه روسيا متفائل بشكلٍ مفرطٍ، ولكنّه يشير إلى تحسّنٍ كبيرٍ حول سياسة أوباما. مع إدراك أوباما أنّ سوريا هي حيّز روسيّ ـ إيرانيّ فإنّه ابتعد من فرض خطوطه الحمراء بشأن استعمال الأسد للأسلحة الكيميائيّة، كما تجنّب بدقّة متناهية أيّ هجمات على ممتلكات الحكومة السوريّة. فوق ذلك، في الوقت الذي كان يعمل فيه على إنجاز الاتّفاق النوويّ، كان فريقه يسعى للنيل من نيتنياهو شخصيّاً لكي يُبْطل الانتقادات الصادرة عن القدس. لذلك في عهد أوباما كانت موسكو وإيران تتوقّعان بثقة لا تجاهل الشكاوى الإسرائيلية وحسب، ولكن أن تساعدهم واشنطن بفاعليّة لردع إسرائيل عن التدخّل في سوريا.

بالعكس من ذلك، افتتح ترامب حواره مع بوتين حول سوريا بعرض القوّة الأميركيّة. في 6 نيسان، أمر الأسطول بإطلاق 59 صاروخاً على قاعدة استعملها الأسد لإطلاق هجوم كيميائيّ تسبّب بقتل 72 شخصاً.

لم يكن للعمليّة أيّ تأثير في قدرة الأسد في العمليّات الحربيّة كما أنّ ترامب كان قد حذّر الروس مُقدّمًا بشأن الهجوم، ولكنّ العمليّة كانت سياسيّاً عملاً ذا مغزى. كان ترامب يرسل رسالة: مع أنّ الإدارة الجديدة مستمرّة بالانفتاح على التعاون مع روسيا في سوريا، فإنّها لن تتردّد بأخذ خطوات عسكريّة حاسمة فيما لو تجاهلت موسكو مصالحها.

لقد ترافق هذا الموقف الأكثر حسمًا مع تغيّر في السياسة الأميركيّة باتجاه حلفاء تقليديّين، كانت إسرائيل الأولى بينهم. إنّ الدبلوماسيّة الأميركيّة في عهد ترامب سوف تكون أكثر استجابةً لحسابات نيتنياهو للردع وأكثر استعدادًا للمصادقة عليها. من الناحية النظريّة، الردع الإسرائيليّ والأميركيّ لروسيا وإيران هو الآن موضع دعم متبادل ـ ولكنّه تطوّر يمكنه أن ينضج فيما لو أنّ  كلا الطرفين يصوغان صورة موحّدة للعلاقة الروسيّة ـ الإيرانيّة، والتحدّيات والاحتمالات التي تطرحها. لو تحدّثنا بالعموم، الإسرائيليّون أقلّ ميلاً من الأميركيّين لأن ينهمكوا بأخذ قرارات تعتمد الخيال. بناء على فهمهم للاعتماد المتبادل العميق بين الروس والإيرانيّين، هم يشكّكون، وهم على صواب، باحتمال شقّ الاثنين فعلاً. المتفائلون من الإسرائيليّين يأملون أن تقوم روسيا بعملٍ لكبح إيران، ولكنّهم كذلك يعلمون أنّ الطريقة الوحيدة التي سيتعاون فيها بوتين معهم هي في حال تحمّله خسارة شيء ذي قيمة لتجاهله المصالح الإسرائيليّة ـ بما معناه، إذا أدرك أنّ إسرائيل سوف تقوم بعملٍ عسكريٍّ حاسمٍ لكي تحمي نفسها. ليس هناك من شكٍّ أنّه لهذا السبب قام وزير الدفاع الإسرائيليّ بإضافة صوته لهذه النتائج الاضطراريّة الواعدة فيما لو أطلقت يد إيران في سوريا. كما قال في 24 آب: تحاول إيران من خلال الحرس الثوريّ أن تخلق واقعًا جديدًا حولنا بقواعد جوّيّة وبحرّيّة إيرانيّة في سوريا، وبميليشيّات شيعيّة بألوف من المرتزقة وأسلحة دقيقة تُصنّع في الوقت الحاضر في لبنان. إنّ دولة إسرائيل لا تنوي أن تبقى متفرِّجة ولن تقبل بهذه المحاولات.

إن لم تفعل إدارة ترامب ذلك مسبقاً، فإنّها ستكون حكيمة لأن تُعمّق فهمها الخاصّ ومصداقيّتها بالمشاركة في السيناريو الإسرائيليّ، وأعني ما أقول.

ما الذي يجب القيام به؟

في الشرق الأوسط ليس هناك من شيء أكثر ديمومة من المؤقت. بتلقّيه مساوىء وظروف سيّئة خارج سيطرته من أوباما، قام ترامب  كما يبدو بصنع قرارت تكتيكيّة سيكون لها نتائج إستراتيجيّة طويلة ويمكن أن تكون دائمة. في أحسن الأحوال، سيكون من الصعب عكسها، ولكن إذا انتظر فترة أطول، فإنّ الجهد المطلوب سيصبح أكثر صعوبة. إذا لمْ ترسم إدارته استراتيجيّة واضحة للتنافس بشدّة مع طهران، هذا إذا لم نذكر موسكو، فإنّه يجازف باللحاق بسياسة أوباما لجهة تسهيل قيام تحالف روسيّ ـ إيرانيّ ـ في الوقت الذي ينوي أن يعكسه.

إنّ إنهاء  الاتفاق النوويّ واصطفاف أوباما مع إيران خلق انطباعًا شائعًا في أميركا وفي أوروبا بأنّ إيران كانت فعلاً تتعاون مع الولايات المتّحدة، في الوقت الذي هي في الحقيقة لم تتخلّ عن عدائها.

لذلك بمعنى ما، القضيّة الرئيسيّة أمام إدارة ترامب هي: ما هي الطريقة الأفضل لإقناع العالم بالطبيعة الشريرة لطموح إيران، والتهديدات التي تثيرها للولايات المتّحدة وحلفائها، وما هي الخطوات التي يجب أن تؤخذ لمحاربتها؟

مدرسة فكريّة تدعو لإعلان إيران دولة غير ملبّية للاتّفاق النوويّ وإعادة فرض العقوبات الاقتصاديّة عليها. ولكنّ هذه المقاربة تعاني حقيقة أنّه كما رأينا، فهناك لاعبون عديدون مؤثّرين بمن فيهم مؤسّسة الأمن القوميّ للولايات المتّحدة وحلفاء رئيسيّون لا يوافقون على أنّ إيران هي في وضع مخالفة خطيرة للاتفاق. إضافة إلى ذلك، تركز هذه المقاربة الانتباه على البرنامج النوويّ الإيرانيّ في حين أنّ التهديد الأعظم والأكثر مباشرة المطروح بدل ذلك هو التوسّع الإيرانيّ في الشرق الأوسط وأبعد من ذلك: دعمها للأرهاب، تخريب دولٍ مجاورة، تأسيس ميليشيّات إقليميّة، وتطوير تكنولوجيا الصواريخ.

اليوم مركز الجاذبيّة في صراع طهران من أجل السيادة الإقليميّة هو سوريا. لذلك فإنّ الأولويّة الأكثر خطورة للإدارة ينبغي أن تكون منع طموحات إيران من تصليب موقعها في تلك الدولة. هذا يُشكّل غاية يمكن لترامب أن ينظّم حولها تحالفًا دوليًا ـ تحالف يشمل لاعبين مستعدّين لتكريس مصادر كبيرة لإنجازه. فوق ذلك، إنّ إنزال الألم بإيران في سوريا وصدّ طموحاتها في تلك الدولة هما مهمّتين سوف تتطلّبان بذل جهدٍ بسيطٍ نسبيّاً.

ولكنّ تبنّي سوريا أوّلاً هو خطوة رقم (1) فقط في لائحة من عشر خطوات ينبغي للإدارة  اتّخاذها لانتشال استراتيجيّة أميركيّة من التيه الذي وجّهها أوباما إلى وسطه. ما يتبع هو خطوة رقم (2) حتّى رقم (10): أعمال يجب فعلها وأخرى يجب تجنّبها فيما لو جرى تبنّيها فإنّها ستطلق العمليّة الصعبة لاستعادة القوّة الأميركيّة في الشرق الأوسط.

بدءاً من المفهومي وانتقالاً إلى المُحدّد والعمليّ، هي كما يلي:

(2) لا تحدّدوا الغاية الإستراتيجيّة الأوليّة للولايات المتّحدة؛ وقف الحرب، إنقاذ سوريا. هذه غايات تستحقّ المديح فعلاً، ولكنّها لا تشمل إجماليّ المصلحة الأميركيّة. مع جعل أيّ منهما أولويّة، ستقع الولايات المتّحدة حتمًا في فخ أوباما لجهة المشاركة في صعود إيران (وروسيا).

(3) عوضًا عن ذلك، حدّدوا الغاية الاستراتيجيّة مثل بناء نظام مستقرٍّ في المنطقة ـ نظام سوف يمنع بالوقت ذاته إعادة إحياء داعش ويحتوي إيران. يجب على الولايات المتّحدة أن تشير بوضوح بأنّها لن تترك الأراضي السوريّة حتّى ترضى، لا بأن تكون داعش مهزومة بل إنّ الحكومة السوريّة فيما بعد النزاع لن تُشكّل أيّ تهديد للسلام والأمن، ولاسيّما مع تقديمها أراضيها كقاعدة للتوسّع الإيرانيّ. كذلك عليها أن تشير إلى عزمها إلى مواجهة النفوذ الإيرانيّ في كلّ مكان. يجب على الحكومات أن تعلم بشكلٍ أكيد أنّ علاقتها الدافئة مع إيران سوف تولّد علاقات باردة مع الولايات المتّحدة.

(4) لا تجعلوا من عدم المصادقة على فشل إيران بتلبية الاتّفاق النوويّ أولويّة مستعجلة. يجب على الولايات المتّحدة أن تستعيد النفوذ المفقود وتموضع نفسها لكي تعالج النتائج التي سوف تنتجها عدم المصادقة.

إنّ استعادة النفوذ يتطلّب أوّلاً وقبل أيّ شيء إعادة تأسيس قوّة ردع عسكريّة قويّة التي هي المكوّن الأكثر حيويّة لاستراتيجيّة إقليميّة ناجحة. لن يكون هناك أيّ غاية خطيرة تسعى أميركا وراءها بما فيها مراجعة الاتّفاق النوويّ حتّى تخاف طهران قوّتها العسكريّة بحقّ.

إضافة إلى إضعاف ردع أميركا، ضمّن أوباما الإمتيازات الأكثر ضررًا وأعظمها لإيران قبل نهاية اتّفاق 2015 وبعده. إنّ احترام ذلك الاتّفاق حتّى تكون واشنطن قد استرجعت نفوذها المفقود وإلى أن تصبح مستعدّة لأن تنقلب لن يضرّ بمصالح أميركا أكثر ممّا تعرّضت له من ضررٍ في السابق.

ولكنّ الرئيس ترامب ينبغي أن يشير بوضوح وافٍ في خطبةٍ رئيسيةٍ إلى أنّ الإتفاق ـ لأنّه يمنح إيران قدرة نوويّة في فترة زمنيّة نسبيّاً قصيرة ـ فمن الواضح أنّه ليس في مصلحة الأمن القوميّ للولايات المتّحدة  وحلفائها. عند القيام بهذا، يمكنه أن يوضح أكثر أنّه خلال المفاوضات حول الاتّفاق كان الخوف من نسف الإيرانيّين له في اللحظة الأخيرة، وكذلك بعد استكماله الخشية من إمكانيّة إلغائهم له بمفعول رجعيّ هو ما جعل إدارة أوباما يغضّ النظر بشكلٍ متكرّرٍ عن العدوان الإيرانيّ عبر الشرق الأوسط، الأمر الذي كان خطأً في التقدير حيث إنّ إدارة ترامب تهدف إلى تصحيحهِ في الحال.

(5) العمل مع الكونغرس لترويج دعم إيران للإرهاب وتطويرها للصواريخ الباليستيّة، ولمعاقبة تلك السلوكيّات، وأخرى مثلها شريرة عن طريق فرض عقوبات اقتصاديّة جديدة وكبيرة.

(6) التوقّف عن تعريف تقوية الأنظمة في دمشق وبغداد على أنّه مبدأ أساسيّ للسياسة الأميركيّة. إنّ دمشق تابعٌ مملوكٌ كلّيًا لإيران وروسيا، وكما رأينا دخلت طهران بشكلٍ عميقٍ إلى خدمات الأمن العراقيّة التي ليس بوسعِ بغداد أن تقوم بدورها كركيزة فعّالة ضدّها. ينبغي لواشنطن أن تبحث عن النفوذ على كلٍّ من الحكومتين العراقيّة والسوريّة بتنمية الروابط مع الميليشيّات ولاعبين مستقلّين آخرين على الأرض. في العراق، يمكن لهذه المقاربة أن تقتضي على سبيل المثال العمل على إعادة بناء العلاقات مع القبائل السنّيّة التي ازدهرت في ذروتها في «موجة» عام 2007. أو  يمكن أن تدعو لشراكة مع الحكومة التركيّة لتطوير علاقات مستقلّة أكثر مع الأكراد العراقيّين ـ علاقات تلتفّ على بغداد عوضًا عن أن تقوّيها. في سوريا، ستتطلّب المقاربة دورًا مباشرًا أكبر للولايات المتّحدة  في خلقِ وتسييرِ المجالس الحاكمة للبلدات في وادي نهر الفرات الأوسط المحرّر من داعش.

(7) السعي للحصول من الكونغرس على صلاحيات لاستعمال القوّة العسكريّة في سوريا ضدّ إيران وحلفائها، ومن أجل زيادة مستويات الوجود العسكريّ في تلك الدولة.

ستكون هذه الخطوة بالتأكيد صعبة التنفيذ جدّاً لأنّ استعمال القوّة في سوريا ليست مرغوبة على كلا الجانبين من الممرّ السياسيّ، ولأنّ قضيّة تعديل الصلاحيّات القائمة مشحونة سلفًا بالصراع. ولكن لأنّهم يعلمون بشكلٍ مؤكّدٍ أنّ واشنطن سوف تتصرّف بتحفّظ، كان الإيرانيّون وما زالوا يعرّضون أهدافاً أميركيّة حيويّة للخطر بأعدادٍ قليلة من جنود سيِّئي التدريب. إنّ صلاحيّة القوّة ضدّ إيران سوف ترسل رسالة لطهران وموسكو بأنّه ليس هناك من قفّازات، بذلك تُقدِّم على الأرجح نتيجة دبلوماسيّة مرضيةً.

(8) أخذ إجراء مباشر وجريء لحرمان نظام الأسد بقدر الإمكان من وادي نهر الفرات الأوسط ـ من الرقّة إلى البو كمال. السيطرة على هذه المنطقة لن يمنع الإيرانيّين من تأسيس ما يدعونه «الطريق السريع» من طهران إلى بيروت، ولكن كذلك سيؤدّي الى طرد الإيرانيّين والروس، من موقع الحكم الرئيسيّ  في القضيّة الكرديّة في سوريا. ممّا سيؤثّر بدوره في التوجّه المستقبليّ لتركيا.

إذاً تثبيت الولايات المتّحدة حكماً بدون منازع لوادي نهر الفرات الأوسط هو أمر جوهريّ للحفاظ على تركيا في الناتو، وهو حيويّ كذلك لمنع إعادة تأسيس داعش. إنّ اللاعبين القبليّين السياسيّين في ذلك الجزء من سوريا  ميّالون للتنامي بالفطرة. وأيّ إيحاءٍ بأنّ الولايات المتّحدة ليس لديها أيّ نيّة للبقاء حتّى إعادة تأسيس نظام مستقرٍّ سوف يطلق تنافسًا من أجل السيطرة بشكلٍ حتميٍّ ـ حرب بعد الحرب. لذلك ينبغي لواشنطن أن تفكّر ببناء قاعدة تشغيليّة متقدّمة في المنطقة والحفاظ عليها كإشارة للسكّان المحليّين، كذلك للقوى الإقليميّة، أنّها تنوي تمامًا جعل نفوذها محسوسًا في المنطقة كما هي الحال مع الإيرانيّين والروس.

(9) يجب أن ندعم بجرأة المطلب الإسرائيليّ لمنع الإيرانيّين وحزب الله من توسيع حضورهم أكثر في جنوب سوريا، وعلى طول الحدود الإسرائيليّة والأردنيّة، ومن تحصين أنفسهم في سوريا بشكلٍ أكبر، بما في ذلك بناء قواعد صاروخيّةٍ ومرفأً بحريٍّ.

(10) العمـل عـلى إقــنــاع الأوروبيّين أنّ احتواء إيران هو في مصلحتهم. ومواجهة  الاعتقاد الأوروبيّ بأنّ نهاية سريعة للقتال سوف يساعد على حلِّ أزمة اللاجئين. هذه التمنيّات بالخير تولِّد شغفًا في بعض الأروقة للبدء بتسليم مساعدة لنظام الأسد لمساعدته في إعادة بناء البلد. إنّ أوّل مبدأ لمقاربة أوروبيّة مشتركة ينبغي أن يكون توجيه المساعدة حصرًا إلى أجزاء من سوريا تكون تحت مظلة القوّة الأميركيّة. أمّا المساعدة للمناطق التي تحت سيطرة الأسد فينبغي أن تكون جائزة بناء على اتّفاقٍ روسيٍّ ـ أميركيٍّ بشأن حلٍّ سياسيٍّ في سوريا  وهو أمر في حال حصوله، على الأرجح لن يحدث قبل مرور وقتٍ طويلٍ.

لو تأخذ إدارة ترامب بجميع الخطوات أو بمعظمها، فإنّها سوف تساهم ببدء التنافس ضدّ إيران، ولكن إن لم تُنفّذ بجرأة، فعلى الأرجح سوف تقع تلك الحرب. ويكون الهدف ردع إيران ويمكن لإدارة ترامب أن تترك مجالاً للتشارك مع روسيا في الجهد لإيجاد حلٍّ بنّاءٍ للأزمة السوريّة، ولكن من موقع قوّةٍ أعظم بكثير. التغيير الرئيسيّ سيكون التالي: بالتوقّف عن مساعدة صعود التحالف الروسيّ ـ الإيرانيّ، ستتمكّن الولايات المتّحدة مع اكتمال الوقت من أن تشهد انحدار التحالف وموته من الإستنزاف وعوامل طبيعيّة أخرى ـ ولا تعود منغمسة، عن قصدٍ أو عرضيّاً، بالحسابات المغلوطة والقرارات القائمة على الوهم لصانعيّ السياسة الأميركيّة.

----------------------------------

موزييك ماجازين / mosaic magazine : موقع الكتروني يعنى بقضايا اليهود.

مايكل دوران / Michael Doran : أستاذ جامعيّ وخبير في السياسة العالميّة للشرق الأوسط عمل في مجلس الأمن القومي ونائب مساعد في وزارة الدفاع في عهد إدارة بوش. وهو زميل أول في معهد هادسون في الولايات المتحدة.

بيتر راو / Peter Rough : باحث وزميل أول في معهد هادسون في واشنطن دي. سي.

[4]- الاتّحاد الديمقراطيّ لشمال سوريا هو الأكثر شيوعاً المعروف باسم «روجافا»، وهي المنطقة التي نشأت في شمال سوريا والمناطق المحاذية مثل منطقة شهبا.