جمع القرآن الكريم عند المستشرقين، جون جلكريست "أنموذجاً"

جمع القرآن الكريم عند المستشرقين، جون جلكريست "أنموذجاً"

تـاليف

رباح صعصع عنان الشمري

فهرس الكتاب

مقدمة  5

بين يدي البحث  13

أولاً ـ أهم مصطلحات البحث  15

     الاستشراق  15

     المستشرق  15

     جمع القرآن لغةً واصطلاحاً  16

     التدوين لغةً واصطلاحاً  17

     الترتيب لغةً واصطلاحاً  17

ثانياً ـ محاكاة الضمير الاستشراقي جون جلكريست ـ انموذجاً ـ  17

ثالثاً ـ منهج البحث  25

رابعاً ـ كتاب (جمع القرآن) للمستشرق جون جلكريست  27

الفصل الأول

الرؤية الإسلامية حول جمع القرآن الكريم

توطئة  31

المبحث الأول: الاتجاه القائل بجمع القرآن بعد الرسول (ص) 32

المطلب الأول: في عهد الخليفة الأول أبي بكر  32

المطلب الثاني: في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب  44

المطلب الثالث: في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان  49

المبحث الثاني: الاتجاه القائل بجمع القرآن في عهد الرسول الأكرم (ص) 59

أدلة هذا الاتجاه: أولاً ـ الروايات  62

ثانياً ـ جُمّاع القرآن  66

ثالثاً ـ كلام السيد المرتضى  71

رابعاً ـ دلالة ترتيب الآيات    73

خامساً ـ قراءة القرآن وختمه وكتابته  76

سادساً ـ عليٌ وجمع القرآن  80

سابعاً ـ روايات حديث الثقلين  84

الفصل الثاني

جمع القرآن الكريم في المنظور الاستشراقي

المبحث الأول: مصادر المستشرقين في جمع القرآن  89

المطلب الأول: المستشرقون والتراث الحديثي الإسلامي  90

     1 ـ نظرة عامة في واقع المصادر الإسلامية  90

     2 ـ  كيف تعامل المستشرقون مع المصادر الإسلامية؟  94

     3 ـ استغلال المستشرقين للروايات المكذوبة:  99

المطلب الثاني: طبيعة المستندات التي تفاعل المستشرقون معها  100

المبحث الثاني: آراء المستشرقين في تدوين القرآن الكريم  120

المطلب الأول: عرض آرائهم في التدوين  122

المطلب الثاني: مناقشة الآراء  133

     أولاً ـ المستشرقون القائلون بتدوين القرآن في عهد النبي  134

     ثانياً ـ عرض الأحاديث على القرآن  143

المبحث الثالث: آراء المستشرقين في جمع القرآن الكريم  150

     المطلب الأول: متى ومن جمع القرآن؟  151

       المحور الأول: إطلالة على مؤلفات المستشرقين حول جمع القرآن  151

       المحور الثاني: تضارب المستشرقين في شخص وزمن جمع القرآن  154

     المطلب الثاني: سبب جمع القرآن وعلته  160

خلاصة الأقوال  174

الفصل الثالث

كتاب جمع القرآن ـ جون جلكريست

المبحث الأول: نبذة عن حياة المؤلِّف  179

المطلب الأول: التعريف بالمؤلِف، اهتماماته، مؤلفاته   179

     أولاً ـ بلده وعمله    179

     ثانياً ـ مناظراته مع ديدات  183

     ثالثاً ـ مؤلفاته  185

المطلب الثاني: أهداف ودواعي تأليف الكتاب  187

المطلب الثالث: موارد الكتاب  194

المبحث الثاني: بحوث على هامش جمع القرآن  201

المطلب الأول: موضوع النسخ  202

     أولاً ـ ما تسمى بآية (طمع بني آدم)  205

     ثانياً ـ  ما تسمى (بآية الرجم)   209

خلاصة ونتيجة  215

المطلب الثاني: موضوع شبهة تحريف القرآن  216

     أولاً ـ إمكانية شهادة آيات القرآن على كمال القرآن  217

     ثانياً ـ مناقشة دعوى نقص القرآن وعدم كماله (تحريف القرآن)  220

     ثالثاً ـ مقدمتان وإستدلالان: ـ المقدمة الأولى  221

        1 ـ وقفة مع علم الله عزّ وجل وقدرته  221

        2 ـ علمه سبحانه بالاشياء قبل إيجادها  221

        3 ـ علمه سبحانه بالاشياء بعد إيجادها  222

        4 ـ قدرة الله عزّ وجل  223

     استدلال  223

     المقدمة الثانية والاستدلال الثاني  224

المطلب الثالث: آيات شاهدة بحفظ القرآن مقابل دعوى جلكريست  228

     الآية الأولى  228

     الآية الثانية  230

     الآية الثالثة  232

     الآية الرابعة  234

     الآية الخامسة  234

الفصل الرابع

مع المستشرق جون جلكريست في جمع القرآن

المبحث الأول: دراسة في المنهج  239

المطلب الأول: رؤية جلكريست حول المرحلة الأولى لجمع القرآن  239

     أولاً ـ القرآن في عهد النبي محمد (ص) 240

     ثانياً ـ الأسباب الداعية لعدم جمع القرآن  243

     ثالثاً ـ مناقشة الأسباب  244

     رابعاً ـ الجمع الأول للقرآن في عهد أبي بكر  248

     خامساً ـ تقييم جلكريست لمصادر جمع القرآن  250

المطلب الثاني: رؤية جلكريست للمرحلة الثانية لجمع القرآن  256

     أولاً ـ جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان  256

     ثانياً ـ مناقشة كلام المستشرق جلكريست  258

     ثالثاً ـ إحراق عثمان للمصاحف  262

     رابعاً ـ قرار إحراق المصاحف وتداعياته  268

المبحث الثاني: تعدد المصاحف  271

المطلب الأول: إشكالية اختلاف المصاحف   271

     أولاً ـ تحرير محل الاشكال  271

     ثانياً ـ بيان وحل الإشكالية  272

المطلب الثاني: توحيد المصاحف  279

     أولاً ـ مصحفي ابن مسعود وأُبي بن كعب  279

     ثانياً ـ (لجنة توحيد المصاحف)  283

     ثالثاً ـ خلاصة تحليلية ونتيجة  292

الفصل الخامس

حقائق جمع القرآن تجاه شبهات جلكريست

المبحث الأول: حقيقة مصطلح جمع القرآن ومصطلحات أخرى  299

     1 ـ مصطلح الجمع  299

     2 ـ الكتاب  304

     3 ـ المصحف  307

المبحث الثاني: حقيقة ارتباط النسخ بجمع القرآن  311

     أولاً ـ تحرير محل النزاع   312

     ثانياً ـ مناقشة الاستدلال بآية (ماننسخ من اية او ننسها نأت بخير منها)  313

     ثالثاً ـ مناقشة الاستدلال بآية  (وإذا بدلنا اية مكان اية)  316

المبحث الثالث: حقيقة روايات جمع القرآن  327

     المحور الأول ـ نتائج المستشرق جون جلكريست  327

     المحور الثاني ـ نقد الروايات   331

        الجهة الأولى: عدم اتصالها بالرسول   331

        الجهة الثانية: من جهة تناقض واختلاف أحاديث جمع القرآن  333

           1 ـ  الاختلاف في زمن جمع القرآن متى كان؟  333

           2 ـ  الاختلاف فيمن تصدى لجمع القرآن  333

           3 ـ  الاختلاف في التدوين الكامل  334

           4 ـ الاختلاف في المصدر الذي جُمع منه القرآن   335

           5 ـ الاختلاف في من كتب المصحف الإمام وأرسل منه نسخاً للبلاد  335

           6 ـ الاختلاف في الآيتين من سورة التوبة والأحزاب  336

        الجهة الثالثة: معارضة روايات الجمع بروايات أخرى   337

        الجهة الرابعة:  تعارض أحاديث الجمع مع القرآن الكريم  341

        الجهة الخامسة: مخالفة أحاديث الجمع لحكم العقل  343

        الجهة السادسة: مخالفة هذه الروايات لضرورة تواتر القرآن  344

خلاصة  346

        المحور الثالث: عليٌ (ع) الخيار الأوحد في جمع القرآن  347

الخاتمة  355

قائمة المصادر والمراجع  363

الفهرس  395

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على خير الأنام محمد وآله الطيبين الطاهرين ورضي عن صحبه المنتجبين..

أما بعد:

شيءٌ جدُّ مهم للإنسان عموماً والباحث العلمي بشكل خاص، أن يقرأ تراثه وعقائده بعين الآخر ولا يبقى منطوياً، منعزلاً في ما يفكر ويعتقد، لأنه سوف يفقد التجدد والحركية والديناميكية، وهذا التجدد والإصلاح الذي يتولد نتيجة المباراة مع الآخر، يجعل من دين الفرد ومعتقده على مرّ الزمن، حياً، غضاً، طرياً، لاتشوبه التخرصات ولا تعبث به الشبهات، وهذه الدراسة تتناول مسألة جمع القرآن من زاوية الطرف الآخر ورؤيته، وهي الرؤية الاستشراقية لهذا الموضوع، وتخصص البحث في مستشرق معين (جون جلكريست John Gilchrist) وهو مستشرقٌ معاصر من جنوب أفريقيا، كتب عن جمع القرآن وما يرتبط به، تارةً بشكل متناثر في مؤلفاته، وأخرى مستقل، تمثل بكتابه:

«JAM' AL-QUR'AN THE CODIFICATION OF THE QUR'AN TE»

«جمع القرآن ـ تدوين نص القرآن».

وقد تناول الباحث تحليل موقف المستشرقين وشبهاتهم حول جمع القرآن وتدوينه وكتابته، التي كانت مادتها الأولى، هي المصادر الإسلامية، ثم القيام بمناقشة آرائهم مناقشة علمية، بعيدة عن التهجم والشتم وتراشق الكلام، بعد بسط آرائهم وعرضها عرضاً وافياً ثم مقارنتها مع ما جاء به المستشرق جون جلكريست من استدلالات وتساؤلات يقول عنها: بأنه لا يستطيع أحد من المسلمين الرد عليها، فسيعمد الباحث لدراستها ونقدها وتحليلها بدقة وبإنعام النظر.

وعن أهمية الموضوع وصلته بالمنظومة القرآنية، فلا يخفى على المتتبع، أن مسألة جمع القرآن تحتل أهمية كبرى على مستوى البحث القرآني، وإن كانت هي من مفردات تاريخ القرآن، إلا أنه لا يخفى أيضاً، أن هناك تداخل وثيق بين علوم القرآن وتأريخه.

فاستمد هذا الموضوع أهميته لتعلقه بتاريخ النص القرآني وإثبات تماميته ودفع الشبهات التي تتجه صوب حجية هذا التاريخ وحقيقته، فضلاً عمّا تمثله من خطورة في الاجواء والمناخات التي تحيط بعملية حفظ القرآن الكريم وصونه، وذلك ان قضية جمع القرآن إذا لم يتم اثباتها بالدقة المتوخاة والطريقة المثالية الصحيحة، التي تليق بالكتاب السماوي العظيم، فسوف يواجه البحث العلمي، مشاكل كبيرة وخطيرة بحدّ ذاتها، وعلى رأسها فسح المجال أمام شبهة تحريف القرآن، وسيتجه البحث نحو سالبية القضية بانتفاء موضوعها، فلا تبقى موثوقية  بصدور النص القرآني وقدسيته أصلاً؛ فمن ذلك اكتسب البحث أهميته.

أما إشكالية البحث فتتعلق بولوج المستشرقين في نفق عملية جمع القرآن لاستحداث الشبهات حول صحة وكمال النص القرآني، وتلخصت تلك الإثارات والتساؤلات على يد المستشرق جون جلكريست وإثارة شبهة التحريف ووقوع الزيادة والنقصان فى سوره وآياته، محتجين لإثبات ـ وهذه مشكلة البحث الثانية ـ  ذلك بما جاء بكتب الحديث والصحاح والسيرة وكتب التاريخ والتفسير حول قضية جمع القرآن وترتيبه بعد العصر النبوى.

والغريب في موقف بعض علماء المسلمين إلى الآن، أنهم يعمدون إلى تأكيد صحة هذه الروايات؛ لأنها واردة بكتب الصحاح، متناسين أن ما جاء بكتب الصحاح لا يعني إلا صحة السند، وصحة السند لا تعني صحة المتن أو صحة الحديث. وغافلين عن لوازم هذا الموقف، وأهمها ما يمكن أن يبنى على ظواهر متون تلك الروايات والنصوص من شبهات في فهم الحقائق الإسلامية.

وهذا الأمر قد زاد من موقف المستشرقين المشككيين في سلامة القرآن وحفظه من التحريف، صلابةً وقوة؛ لأن إقرار هؤلاء العلماء ورجال الدين بصحة هذه الروايات ـ التى ليس للمشككين حجة سواها للنيل من القرآن ـ شكّل ركيزة أساسية وحجة قوية لهم ظاهراً للتأكيد على عدم حفظ القرآن ووقوع التحريف فيه، فليس هناك حجةً أقوى من شهادة شاهد من أهلها .وهكذا أقاموا منظومة شبهاتهم، إنطلاقاً من قاعدة ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم .

فما هى حقيقة هذا الجمع؟ وهل توفي النبى (ص) ولم يقم بجمع وترتيب القرآن فى مصحفٍ إمام ويسلمه للأمة كما تقول بعض الروايات؟ وهل تمت فعلاً عملية جمع وتدوين للقرآن فى عهد أبى بكر وعمر؟ وما هي حقيقة عملية الجمع أو توحيد المصاحف التى تمت فى عهد عثمان؟ وهل هناك من أدلة تدفع تلك الشبهات وتثبت سلامة وصيانة القرآن؟

وفرضية حلّ إشكالية البحث المتصورة كما يلي: بدايةً، أن يتم التحقيق في معرفة الأساس الذي بنى وشيّد عليه المستشرقون تشكيكهم حول القرآن، هل كان على أساس الرأي القائل بجمع القرآن في عهد النبي الكريم (ص) وبعناية إلهية وتحت إشراف جبريل (ع)، وإنه لم يترك الأمة سدى، بل ترك لها كتاباً كاملاً يعصم من تمسك به من الضلال، إذ قال: (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي...)، أم اْنهم بنوا تشكيكهم ذلك على الأساس الذي يُصرّ بأن القرآن تركه النبي (ص) حتّى توفّاه الله عزّ وجلّ مفرقاً بين الرقاع واللخاف والعسب وأكتاف الإبل وصدور الرجال، إلى أن أعوزتهم الحاجة بعد سنة كاملة في معركة اليمامة فجُمع على إثرها.

الأمر الآخر: بعد معرفة الأساس الذي اعتمده المستشرقون، يتم التحقيق في الموارد التي استورد منها المستشرقون أدلتهم وحججهم، عبر ذلك الأساس الذي اعتمدوه في بناء رؤيتهم، والوقوف على تلك الاستدلالات إن كانت ناهضة، معتبرة، تصمد أمام النقد العلمي أو لا. فكل ما تقدم ذكره، مع اْنه كان عرضاً لموضوع البحث وإشكاليته وإستفهامات تخص ذلك، وفرضيات للحلول، تعد من جانب آخر، أسباباً حفّزت الباحث إلى الدخول في هذه الحلبة البحثية لخوض غمار الفكر والعلم فيها (وإنا او اياكم لعلى هدى او في ضلل مبين).

وهناك أسباب أُخرى لهذه الدراسة:

السبب الأول: يعدّ على رأس كل الأسباب بل وأهمها، وهو أنّ المستشرق جون جلكريست، مستشرق معاصر، ومعاصرته الآن، تعني الشيء الكثير والمهم، ولاسيما إذا تأكد أنه نقل واجتر أغلب آراء من سبقه من المستشرقين، وأهمهم نولدكه (1836م ـ 1930م) الذي يُعد من أشهر المستشرقين وأوائل من تناولوا موضوع جمع وترتيب القرآن، وكما سيتضح أن كل من أتى بعده كان يعتمد كثيراً على كتابه (تاريخ القرآن ) ومنهم جلكريست.

ويُذكر أن نولدكه قد نشر كتابه عام 1860 ميلادية، ومعنى ذلك، أن تلك الشبهات والإجتهادات التي أثارها نولدكه ومن تبعه، مرّ عليها ما يقارب قرناً ونصف من الزمن، وقد يتصور كثيرٌ من المتابعين لهذا الشأن، أنها من الشبهات والآراء التي عفا الدهر عليها ونسيها، وأصبحت من الآراء القديمة، لكن هذا الشيء (معاصرة المستشرق جلكريست الآن) يفسر تفسيراً مغايراً من ذلك، وهو لا يعني سوى أن تلك الآراء والشبهات، ما زالت حيّة، غضة، طرية، تعيش في الأوساط العلمية ولسان حالها يقول: أنا الحقيقة الباقية التي يجب أن تصدقوا وتسلّموا بها.

فالمستشرق جلكريست عمد إلى صياغة تلك الآراء صياغة جديدة، وتأطيرها بإطار ملون بألوان المنهجية والعلمية الحديثة، التي قد تستهوي المتلقي بسهولة؛ ومن هنا كان هذا السبب، أهم الأسباب.

السبب الثاني: عدم وجود الدراسات الكافية والمستفيضة التي من شأنها إغناء البحث واشباعه، مما يختص برؤى المستشرقين لجمع القرآن، ولا سيّما لمناقشة مستشرق اختص بالكتابة عن جمع القرآن، نعم هناك بعض الدراسات بهذا الشأن، إلا أن مناقشاتها وردودها من قبل بعض المهتمين بهذا الشأن، هي نفسها تشكّل منطلقا وتأييداً لشبهة المستشرق وتأتي بمثابة التأكيد والدعم لكلام الآخر.

قد يعترض معترض على هذا ويقول: إن موضوع جمع القرآن قد اُشْبِعَ بحثاً وتفصيلاً من علماء الفريقين. فجوابه: لو أن شخصاً معاصِراً ـ والمعاصَرة هي المهمة هنا، وهذا الشخص مسموع الكلمة عند الجيل القارئ ـ ألّف كتاباً يُشكلُ فيه على نبوة النبي ، وعدم اهتمامه بجمع القرآن، فهل يكفي أن يُقال له في معرض الرد على إشكالاته: إذهب فدونك موسوعة الكتب القرآنية الكثر التي ردت على إشكالات شبيهة بإشكالاتك، ستجد فيها أقوى الحجج التي يمكن أن نحتج عليك بها. بالبداهة هذا جواب ليس بصحيح ولا مُقنع، بل الصحيح تناول مفردات هذا المُشْكِل، مفردة مفردة، وإشكالاته واحداً تلو الآخر، وطريقته في الاستدلال وغيرها، وهكذا كي يُجاب عليه من خلال حيثية وطبيعة الإشكال الذي يطرحه.

وبناءً على ما تقدم ذكره تم تقسيم الكتاب بعد المقدمة والتمهيد إلى خمسة فصول واُردفت بخاتمة وقائمة بالمصادر. تكفّل الفصل الأول بحسب عنوانه (الرؤية الإسلامية حول جمع القرآن الكريم) بعرض الروايات المهمة التي ضمنتها كتب التاريخ والمصادر الحديثية، والتي بُنيت على أساسها آراء مختلف طوائف المسلمين، فكانت ضرورة هذا الفصل أن يكون الأول؛ للتعرف في البدء على جمع القرآن من خلال ما أقره المسلمون أنفسهم، قبل الوثوب إلى رؤى المستشرقين.

الفصل الثاني، كان عنوانه: (الرؤية الإستشراقية حول جمع القرآن الكريم) فقد اعتنى هذا الفصل، بما استنتجه المستشرقون من مادة الفصل الأول (الروايات الإسلامية الخاصة بالجمع)، وكيفية انتهاج المستشرقين في تعاملهم معها، وأي منحى من المصادر اتخذوا ليستخرجوا نتائجهم. ثم تناول عرض لأكثر من خمسين مستشرقاً، تناولوا جمع القرآن وتدوينه في مؤلفاتهم، وتمت مناقشة تلك العروض ونقدها وتحليلها.

ثم يأتي الفصل الثالث، كالانتقال من الكلي إلى الجزئي، إذ ضيّق الدائرة بعد أن كانت في ثُلة من المستشرقين، فأصبحت مسلطة ضمن مستشرق معين وهو جون جلكريست، فبعد أن تسلط الضوء على بعض من ترجمة حياته واهتماته ومؤلفاته ومناظراته العلنية المتلفزة مع علماء المسلمين، كانت هناك حزمة كبيرة من هذا الضوء على أسباب وأهداف تأليفه لكتابه (جمع القرآن) وكيف كان هذا الكتاب يمثل ردة فعل إنفعالية من قبله ـ مع أنه حاول أن يخفي الإنفعالية ـ على منشورات صادرة من قبل ثلاثة من علماء المسلمين.

وكُرّس الفصل الرابع الذي كان عنوانه: (مع المستشرق جون جلكريست في جمع القرآن) لدراسة منهجيته في تعاطيه مع الروايات والنظرة الإسلامية في تقسيم الجمع إلى مراحل ما بعد النبي وإغفال أي احتمال لجمعه في أثناء حياة النبي (ص).

وفي الفصل الخامس سار البحث صوب النهاية ؛ ليبين حقائق أسهمت في إذكاء فتيل الشبهات، بسبب الخلط والإرباك الحاصل من جراء تداخل المصطلحات؛ لذا كان عنوانه: (حقائق جمع القرآن) منها مصطلح الجمع، الكتاب والمصحف، القراءة والإقراء، وحقيقة أخرى تناولها لها الخطورة الواضحة في هذا المجال، وهي النسخ وحقيقة ارتباطه بالجمع، وأخيراً حقيقة تعود بالبحث من حيث بدأ في الفصل الأول، وهي حقيقة روايات جمع القرآن، لماذا كان لها هذا الصدى وحامت حولها كتابات المستشرقين.

تبقى المصادر التي أغنت البحث، كانت مجموعة من المصادر المتنوعة العربية والاجنبية التي اختصت بموضوع الاستشراق والدراسات القرآنية، فاحتلت كتب المستشرقين الصدارة، وعلى قمتها مؤلفات جون جلكريست وهي كثر، فبالإضافة إلى كتابه (جمع القرآن) الذي شغل المساحة الأكبر.

وبحوث الاستشراق لا يمكن إلا أن تمر عبر كتاب (تاريخ القرآن) لشيخ المستشرقين نولدكه، وكتب أخرى كثيرة أهمها: (جمع القرآن ـ جون بريتون) و(أدوات تاريخ النص القرآني ـ  Arthur Jeffery) و(تدوين القرآن ـ كانون سل) و(حياة محمد ـ وليام موير) وبعنوان (مقدمة في القرآن) ريتشارد بل، وبلاشير، ومونتجمري وات.

واستُفيد من المصادر الإسلامية العربية لإثراء البحث، منها كتب الحديث وعلى رأسها كتب الصحاح الستة، وكتب التاريخ والسير، كتاريخ الطبري، وكتب التفاسير، كتفسير الميزان للعلامة الطباطبائي، والأمثل لناصر مكارم الشيرازي، وتفسير الكبير للفخر الرازي، ومؤلفات أخرى في القرآن، كان لها الأثر المهم، مثل كتاب المصاحف لابن أبي داود و( البيان في تفسير القرآن) للسيد الخوئي، وكتاب السيد مرتضى العسكري (القرآن الكريم وروايات المدرستين).

فهذه الدراسة ستكون بمنزلة المختبر لعرض وتحليل ونقد موضوعي لآراء المستشرقين، وستكون دراسة مقارنة بين ما توصل إليه المستشرقون من نتائج وبين أصل النصوص التراثية الإسلامية وكيف فهموا مسألة جمع القرآن، ومن ثم توصلهم إلى تلك النتائج، ونقد هذا الفكر ومدى استيعابه لها .

وأخيراً، أستميحكم والتمسكم العذر بعد العذر لهفوات القلم وأخطائه، وأتمنى على القارئ المتتبع أن ينظر لهذه الدراسة بعين العناية والرضا؛ لأنّ عين الرضا عن كلّ عيبٍ كليلة، في الحين ذاته ألاّ يبخل علينا بملاحظاته وتقويماته السديدة، لأنها ستكون محطّ نظر واهتمام، والله ولي التوفيق.

اني توكلت على الله ربي وربكم

رباح صعصع الشمري