خلافة محمد

خلافة محمد
بحث حول الخلافة في وقت مبكر

تـاليف

ولفرد مادلونج

عرض ونقد

السيد هاشم الميلاني

فهرس المحتويات

في البدء 5

تمهيد  7

مقدمة المؤلف  9

حقوق القرابة وأسرة الأنبياء في القرآن  14

أبو بكر خليفة رسول الله (ص) والخلافة القرشية  37

عمر: الكفاءات الإسلامية، الشورى والامبراطورية العربية  69

عثمان.. بداية حكم بني عبد شمس  89

الإمام علي (ع)  وردة فعل بني هاشم تجاه خلافة قريش   99

فتنة الخوارج  113

ابن عباس وأموال البصرة  119

الخاتمة: الإمام الحسن (ع)  129

معاوية  133

المصادر والمراجع  139

في البدء

يُعدّ مادلونج من أكبر المستشرقين المعاصرين، وله مساهمات علمية كثيرة في دراسة الفكر الإسلامي عموماً والشيعي خصوصاً، وتخرَّج على يده كثير من المستشرقين.

ولد مادلونج عام 1930م في مدينة شتوتغارت الألمانية ودرس المقدمات هناك، ثم انتقل مع أسرته بعد الحرب العالمية الثانية إلى أمريكا وأكمل دراسته في جامعة جورج تاون، وبعدها في عام 1951م ذهب إلى مصر ودرس في جامعة القاهرة لمدة ثلاث سنوات وتخرّج منها في مادة الأدب العربي والتاريخ الإسلامي، وكان تلميذاً للعالم المصري محمد كامل حسين، وأخذ شهادة الدكتوراه عام 1957م من جامعة هامبورغ الألمانية.

كان مادلونج لفترة قصيرة (1958ــ1960) مدير الملحقية  الثقافية الألمانية في بغداد. واستمر في عطائه العلمي في جامعات مختلفة إلى أن أخذ تقاعده وأصبح عضواً في مؤسسة الدراسات الاسماعيلية بلندن عام 1999م وإلى يومنا هذا.

آثاره:

تأليف أو تصحيح أكثر من 15 كتاباً، 60 دراسة في مجلات مختلفة، 130 دراسة أيضاً في دوائر المعارف المختلفة، 160 دراسة نقدية لدراسات الآخرين فيما يخص التاريخ الإسلامي.

تمهيد

يهدف المؤلّف الى دراسة جذور الخلافة الإسلامية منذ نشأتها الأولى بعد رحيل رسول الله (ص)  وتقسيم المسلمين الى شيعة وسنـة، ويـذهب الى أنّ رسول الله (ص)  لم ينصّ على أحد بالخلافة، لكنه وبالاستناد إلى آيات قرآنية كثيرة يستنتج أنّ المفهوم من هذه الآيات الدالّة على توارث النبوّة والخلافة في الأنبياء السابقين، لزوم تولّي عليّ للخلافة، ولكن رسول الله (ص)  لم يمهله الأجل لإعلان ذلك، وعليه يخالف الرأي السائد عند المستشرقين من أنّ انتخاب أبي بكر للخلافة كان هو الانتخاب الطبيعي للمسلمين.

ثم يسلّط الضوء في عدّة فصول على حياة كلّ خليفة، وينتهي الى تأسيس الملوكية الجائرة من قبل معاوية، ويُلحق في نهاية الكتاب مجموعة ملاحق تخصّ التاريخ الإسلامي في الصدر الأول، من قبيل دفن رسول الله (ص) وإرثه، ومسألة أولاد وأزواج الإمام الحسن(ع)، وكذلك عثمان، وغيرها من الملاحق المفيدة.

ونحن هنا نسلّط الضوء على أبرز أفكار المؤلّف في كتابه القيّم هذا، مع الإشارة إلى بعض الثغرات الموجودة وإبداء الملاحظات المطلوبة.

مقدمة المؤلف

يفتتح المؤلّف كتابه بقوله: «لم يحدث في تاريخ الإسلام خلاف أعمق وأبقى من مسألة خلافة محمد (ص) ، حيث أصبح حق استخلاف النبي (ص) ، واستلام زمام أمور الأمة بعد رحيله، واحداً من أهم المسائل الدينية التي سبّبت افتراق المسلمين إلى شيعة وسنة حتى يومنا الحاضر..

إنّ مسألة الحق والباطل كانت من الأمور التي سكنت في خلد المسلمين منذ قرون، فكان أبو بكر ـ أي الخليفة الأول ـ عند أهل السنة، هو الخليفة الحق؛ لأنّه أفضل الناس بعد رسول الله (ص)، والرسول وإن لم ينصبه بالصراحة خليفة له، ولكن انتخابه لإمامة الصلاة في آخر مرضٍ للنبي (ص)، يدلّ على أولويته، مضافاً إلى أنّ إجماع المسلمين عليه كان كاشفاً عن رضى الله تعالى بذلك.

ولكن عند الشيعة فإنّ عليّاً (ع)  ـ ابن عم النبي (ص)  وصهره ـ هو المعيّن للخلافة من قبل النبي (ص)  لقرابته ولسوابقه في الإسلام، وعليه فإنّ أبا بكر غصب حقّه مستعيناً بأكثر الصحابة.

ورغم خطورة هذا الخلاف في تاريخ الإسلام، نرى قلّة من اهتمّ من المؤرخين المعاصرين بدراسته كمّاً وكيفاً، ودراسة الملابسات التي حدثت حوله، ويبدو ابتناء عدم الاهتمام هذا على أساس النظرية القائلة بأنّ الخلاف بين الشيعة والسنة وإن كان مداره الخلافة، لكنّه أمر طرأ فيما بعد، وهذا ما يُؤَيّد من قبل المؤرّخين المغرضين القدامى من أهل السنة أمثال سيف بن عمر (ت 180)، حيث روى أنّ علياً بعد ما علم بانتخاب أبي بكر (خرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء عجلاً كراهية أن يبطئ عنها حتى بايعه، ثم جلس إليه وبعث إلى ثوبه فأتاه، فتخلّله ولزم مجلسه)( ).

وكان هذا إلى أن أظهر عبد الله بن سبأ ـ اليهودي الذي أسلم وكان من أهل صنعـا ـ الخلاف على عثمان ـ الخليفة الثالث ــ، وبعد مقتلـه أشاع عقائـد غاليـة في علي (ع) ، بأنّ لكل نبي وصياً، وأنّ علياً وصي محمد.

وهكذا أصبح ابن سبأ مؤسّس تشيعٍ يرى أنّ علياً هو الخليفة الحق للنبي (ص)  وذلك لسوابقه وفضائله.

ثم إنّ عدد المؤرّخين المعاصرين الذين اعتقدوا بأسطورة سيف ابن عمر في عبدالله بن سبأ وإن كان قليلاً للغاية، ولكـن باتت نظرية : (كـون خلافة أبي بكر لمحمد (ص)  ـ عدا محاولة بعض أنصار المدينة للوصول الى الخلافة ـ لم تكن بذاتها مورداً للاختلاف، وكون هذا الخلاف ظهر من قبل الشيعة بعد مقتل علي (ع)  ومن دون أن يكون راضياً بذلك في حياته)، مورداً لقبول الجميع.

فإذا كان المسلمون على نسق واحد حتى خلافة عثمان، وكان الخلاف بين السنة والشيعة قد ظهر بعد خلافة علي (ع) ، فيبدو حينئذٍ أن لا داعي للاهتمام بعمق الحوادث ودراسة مسألة الاستخلاف وتأسيس الخلافة»( ).

ثم يشير المؤلّف الى نظريّتين متخالفتين عند المستشرقين، الأولى نظرية لامنس في دراسته بعنوان: (مثلث القوة: أبو بكر، عمر وأبوعبيدة) حيث يذهب الى أنّ ما تمّ تمهيده من قبلهم في زمن حياة النبي (ص)  سيما من خلال عائشة وحفصة، أقدرهم على تسلّم الخلافة فيما بعده وإقصاء بني هاشم، وهو وإن لم يتطرّق الى وجود مؤامرة، ولكنّه يشير إليها من طرف خفي.

والنظريّة الثانية نظريّة كايتاني المطروحة في موسوعته تاريخ الإسلام، حيث ذهب الى أنّ النبي (ص)  لو كان مستخلفاً لاستخلف أبا بكر، وأنّ انتخاب أبي بكر للخلافة كان الانتخاب الطبيعي للمسلمين، وأنّ خـلاف بني هاشم لـه كان ناتجاً من حب الجاه والحقد.

ثم إنّ مادلونج بعد ما يذكر أنّ هذه النظريّة أصبحت هي المتداولة عند أكثر المستشرقين، يتساءل ويقول:

«وهنا ربما يتساءل بصير ثاقب النظر ويقول: هل أنّ مسألة الخلافة كانت بهذه السذاجة؟!»( ).

ثم يشير إلى عرف العرب آنذاك من اعتماد مبدأ الوراثة السببية في تصدّي رئاسة القبيلة، ويعترف بأنّ مسألة خلافة النبي (ص)  لا يمكن أن تقاس بخلافة سلطان أو رئيس قبيلة، ولكن مع هذا وبالاستناد الى القرآن وما ورد في قصص الأنبياء السلف واهتمامهم بعشيرتهم وآلهم وتوريث الحكم والنبوة بينهم، وكذلك ما ورد من الاهتمام بقربى النبي (ص) ، يتوقّف عن قبول هذا الرأي السائد عند المستشرقين ويقول:

«لذا وفي الوهلة الأولى لنا دليل معتنى به يوجب التردّد في صحّة النظريّة المشتركة بين المستشرقين بالنسبة الى خلافة محمد (ص) ، يدعونا الى أن نلقي نظرة جديدة الى المصادر لمعرفة صحتها أو سقمها، يلزم علينا في البداية مراجعة القرآن لمعرفة رأي محمد (ص) حول الخلافة بشكل عام، ومعرفة رأي أصحابه حول الخطوط العريضة الاحتمالية لهداية الأمّة.

إنّ القرآن لم يكن فيه أيّ تنبّؤ أو حتى إشارة لمسألة خلافة محمد (ص) ، ولذا فإنّ المؤرّخين من غير المسلمين غضّوا طرفهم عنه في هذه المسألة تقريباً، ولكن هذا القرآن يشتمل على أوامر خاصة في حفظ أواصر القرابة والوراثة، وفيه قصص وحكايات عن خلافة الأنبياء السلف وأسرتهم، أمور لم تكن بمعزل عن مسألة خلافة محمد (ص)»( ).

أقول:

اتبع المؤلّف هنا النظريّة السائدة عند أهل السنة في عدم دلالة القرآن على مسألة الإمامة، ولذا نفى وجود حتى إشارات قرآنية عليها.

ولكن نحن الشيعة نستند في مسألة الإمامة وخلافة النبي (ص)  بالعقل والقرآن والسنة. صحيح أنّ القرآن لم يقل أنّ علياً (ع)  هو خليفة النبي (ص) المنصوص عليه كما لم يرد فيه أيضاً كثير من التفاصيل والجزئيات المهمّة الأخرى، بل اكتفى بالإشارات والاجمال.

يلزم على المؤلّف لمعرفة رأي القرآن حول الإمامة، أن يقف أولاً على لغة الخطاب القرآني من حيث الاجمال والتفصيل والايجاز والاطناب، ثم يحكم بأنّ القرآن لم يتطرّق الى مسألة الخلافة لا من قريب ولا من بعيد.

كيف وقد استدلّت الشيعة ـ وبالاعتماد على المصادر والأسانيد الموثوقة في شأن النزول ـ بعشرات الآيات الدالّة على إمامة علي (ع)  أو المؤوّلة فيه، ويكفينا قوله تعالى: (يا أَيـُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) (المائدة:67)، النازلة في الأمر بتبليغ إمامة علي (ع)  في حجة الوداع، وعندما تم التبليغ في غدير خم نزل قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً) (المائدة:3).

وليس هنا مجال سرد عشرات المصادر عند الشيعة والسنة الدالّة على نزول الآيتين بشأن أمر الإمامة، وهو أمر متروك الى مظانّه، ولكن المتوقّع من المؤلّف المحترم الذي ينتهج المنهج الأكاديمي في دراسته وأبحاثه ـ والذي يعتمد على دراسة ومتابعة الجزئيات وإعطائها الأهميّة القصوى في التحليل والفحص، إذ ربما تكون صحيحة وقد غُيِّبَت آنذاك لمصالح وظروف خفيت علينا ـ أن يلقي نظرة جادة إلى هذه التفاصيل الكثيرة الموجودة في كتب الفريقين، ويتعرّف على المنهج الصحيح في فهم القرآن بالرجوع الى الروايات الصحيحة والمتواترة المفسّرة له.