البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

February / 27 / 2018  |  278خطة بوتين في سوريا

ديمتري ترينين - Dmitri Trenin فورين أفيرز - Foreign Affairs 13 كانون الأول 2017 - 13 December 2017
خطة بوتين في سوريا

 التحرير: صوت أميركي بامتياز يحاول أن يقول إنه يفهم ما تريده موسكو، وتحديداً الرئيس بوتين في سوريا، لأنه مندوب مؤسسة كارنيغي في موسكو وحسب. في المحصلة هناك محاولة لإظهار التناقضات بين مصالح الحلفاء في سوريا الذين يتشاركون اليوم الانتصار على المعسكر الأميركي - السعودي. فالقوى الداعمة للإرهاب لم تعد فاعلة في الأحداث وما عليها إلا أن تتمنى خصومة الحلفاء.


بعد سبع سنوات تقريباً، يهدأ إعصار الحرب الأهلية السوريّة أخيراً، وتتطلّع القوى المختلفة في الشرق الأوسط إلى ما هو قادم. في 22 تشرين الثاني، التقى زعماء إيران وروسيا وتركيا في المنتجع الروسيّ في سوتشي لمناقشة مستقبل سوريا، وفي 28 تشرين الثاني بدأت الجولة الأخيرة من المحادثات التي ترعاها الولايات المتحدة بين ممثلي الرئيس السوري بشار الأسد والمعارضة في جنيف. ومن المقرر أن تبدأ جولة أخرى من المحادثات في سوتشي أوائل العام القادم.

من خلال التدخّل العسكريّ والمناورة السياسيّة، جعل الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين بلاده أحد الأطراف الأساسيّة في الصراع السوريّ. انخرطت روسيا في الصراع في أيلول 2015 لإلحاق الهزيمة بداعش ومنع أيّ محاولة لتغيير النظام من قبل القوى الخارجيّة كالولايات المتّحدة والسعوديّة. ولأكثر من عامين، تواصلت مشاركة موسكو العسكريّة. فنجا نظام الأسد وهُزمت داعش. لكنّ الحرب لم تنته، ويزداد التركيز في التسوية السياسيّة المستقبليّة. ولن تكون روسيا قادرة على فرض هذه التسوية وحدها، حتّى مع حلفائها، أي إيران وتركيا. بل هي ستنخرط في السلام السوري كما انخرطت في الحرب السورية.

شبكة معقدة

مصير الأسد من بين القضايا المطروحة الآن في سوريا. خلال الحرب، اعتبرته روسيا كبش فداء من أجل منع الفوضى. والآن يبدو أنّه المنتصر ويتصرّف وفقاً لذلك ومن المحتمل أن يخطر على باله أنّه ليس بحاجة إلى الروس كما كان من ذي قبل. وبازدراء ينظر الأسد إلى المعارضة ويريد أن يجعل حزب البعث المُهيمن مرّة أخرى. ولكنّ الكرملين يُدرك أنّ استعادة سيطرته على كلّ سوريا أمرٌ مستحيل حتّى غير مرغوب فيه لأنّ الجماعات، من المعارضة السنيّة إلى الأكراد، ترفض بشدّة تلك النتيجة. قد يبقى الأسد في السلطة في دمشق، لكنّ المشهد السياسيّ في البلاد تغيّر بلا رجعة. يبقى على موسكو التعامل مع الأسد المُتمرّد فيما تأخذ بعين الاعتبار النفوذ الذي تتمتّع به حليفته الأخرى، طهران.

حتّى من دون الفدراليّة الرسميّة، سوريا مُقسّمة بحكم الأمر الواقع إلى معاقل عدّة تُسيطر عليها قوى مختلفة: حكومة الأسد والمعارضة ضدّ الأسد والمليشيّات الموالية لتركيا والموالية لإيران والأكراد. تعمل روسيا مع أطراف كثيرة، سواء على الأرض في سوريا أو في أنحاء المنطقة، من أجل إقامة مناطق خفض التصعيد حيث توقّفت الأعمال القتاليّة وسُمح للمعارضة بالحفاظ على سيطرتها. ومن خلال مساعيها في أستانا وجنيف وسوتشي، تسعى موسكو إلى بناء أرضيّة مشتركة بين جميع الفئات المُتنافسة في البلاد، مُعبّدةً الطريق لأجل تشكيل نوع من الحكومة الائتلافيّة. يمتنع الأسد عن الموافقة على تقاسم حقيقيّ للسلطة، وإيران لها تحفّظاتها. بالتالي سيكون على موسكو بذل المزيد من الجهود والضغط أحياناً من أجل الوصول إلى غايتها المرجوّة. ولكن يعتقد الروس أنّ أيّ ترتيب للمشاركة الطائفيّة في السلطة على نحو ما هو سائد في لبنان قد يكون مُفيداً من أجل الاستقرار.

وتصرّ روسيا على وحدة أراضي سوريا. والموقف ذاته لموسكو بخصوص العراق، إذ رفضت مؤخّراً دعم استقلال إقليم كردستان العراق. ولكن في سوريا والعراق، تُفضّل روسيا حكماً ذاتيّاً يُمنح للأكراد. على مرّ العقود، كان لموسكو علاقة طويلة الأمد مع الجماعات الكرديّة في الشرق الأوسط، وكانت أحياناً تُقدّم لهم المساعدة على الصعيد السياسيّ والعسكريّ. وروسيا مُعتادة على موازنة علاقتها مع الأكراد وجيرانهم العرب والأتراك والإيرانيّين، وهي نفسها تحوي شتاتاً كرديّاً صغيراً يُسهّل العلاقات الروسيّة الكرديّة ويرعى المصالح الكرديّة. ولكن في النهاية، لروسيا مصلحة قوميّة في الحفاظ على العلاقات مع جميع الأطراف ذات العلاقة التي ستخرج منتصرة.

طبعاً، ليست روسيا القوّة الخارجيّة الوحيدة في سوريا. حتّى مع كلّ ما قدّمته موسكو من دعم لنظام الأسد في الجوّ، فإنّ إيران وميلشيّاتها كانوا يُقاتلون على الأرض. بعد الحرب، تريد طهران مأسسة وجودها على الأرض في سوريا بهدف التأثير في مستقبل تلك البلاد والحفاظ على تواصل مادّيّ بحزب الله الذي يُعدّ حليفها الإقليميّ الأساسيّ على حدّ سواء.

تدرك روسيا مصالح إيران من دون مشاركتها بها، لكنّها تتفهّم أيضاً مصالح إسرائيل وتسعى إلى إقامة توازن بـيـن الاثنتين. تعـي موسـكـو المخـاوف الأمنيّة لدى إسرائيل بشأن وجود الجماعات الشيعيّة المُسلّحة على مقربة من حدودها، وتأمل باستخدام الشتات الروسيّ في إســرائيل من أجل المنفعة الاقتصاديّـة والمالـيّة والتقنيّة. لكنّها لا تستطيع تجاهـل إيران، وهي القوّة الإقليميّة والجارّ الذي يوفّر أيضاً فرصاً في عدد من المجالات، بدءاً من بيع الأسلحة إلى الطاقة النوويّة. عليه، ستسعى روسيا إلى التوصّل إلى حلّ وسط بين إيران وإسرائيل يستند إلى المصالحة الشرعيّة لكلّ منهما. فقد يبقى الحلفاء الشيعة الإيرانيّون في سوريا، لكن سيبتعدون عن الحدود مع إسرائيل.

إنّ تفاعل روسيا مع الولايات المتّحدة في سوريا يتركز في نحو كبير على عدم الاحتكاك العسكريّ، الذي يهدف إلى منع وقوع حوادث بين القوّات المُسلّحة التابعة للبلدين. كما تتعاون موسكو وواشنطن من أجل إقامة مناطق خفض التصعيد، لكنّ التنسيق الدبلوماسيّ للكرملين مع الولايات المتّحدة خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب أقلّ حجماً بكثير ممّا كان عليه إبّان سلفه باراك أوباما. في عامي 2015 و2016، كان الروس يأملون مشاركة الأميركيّين بالتوصّل إلى حلّ دبلوماسيّ ومن ثمّ تطبيقه. لكن اليوم، والفضل في ذلك لتضاؤل المصلحة والافتقار إلى مشاركة واشنطن، ولذلك تعاونت موسكو بدلاً من ذلك مع الأتراك والإيرانيّين.

لا يزال الطريق طويلاً

تدرك روسيا أنّه مع انحسار عاصفة الحرب وظهور إعادة الاعمار في الأفق، سيبدأ الآخرون بتحسين العلاقات مع سوريا، بمن فيهم الصين وأوروبا واليابان. وستسعى موسكو إلى مشاركتهم لتأمين حصّة من مسعى إعادة الاعمار المُربح الذي ستموّله جهات مانحة دوليّة. وتكمن قدرة روسيا الأساسيّة في نفوذها في دمشق، حين لا تزال الضامن الأساسيّ لأمن نظام الأسد. وهذا النفوذ قد ينتهي مع مرور الوقت حين تصبح التهديدات المباشرة أقلّ. لكن الآن، تُعدّ روسيا الطرف الأساسيّ في البلاد لصوغ المستقبل المنظور.

إضافةً إلى ذلك، تسعى موسكو إلى تأمين مصالحها الأساسيّة في سوريا، بغضّ النظر عن ميزان القوّة السياسيّة في البلاد. ومن ضمن ذلك وجودها الجوّيّ والبحريّ الدائم في البلاد. ووفقاً للاتفاقيّات التي وُقّعت في عامي 2015 و2016 مع دمشق، ستبقى القاعدة الجويّة في حميميم والمنشأة البحريّة في طرطوس، التي تتحوّل إلى قاعدة بحريّة نظاميّة، لعقود بعد نهاية الحرب. وستستمرّ القوّات المسلّحة السوريّة في الاعتماد على الأسلحة والمعدّات الروسيّة، وسيواصل الخبراء العسكريّون الروس تقديم النصح لزملائهم السوريّين وتدريبهم. وهذا من شأنه أن يجعل سوريا موطئ القدم الجيوسياسيّ والعسكريّ لروسيا في الشرق الأوسط.

لن يكون جلب السلام إلى سوريا أقل صعوبة من الانتصار في الحرب هناك. فأمام روسيا مهمّة شاقّة أخرى، مهمّة تتميّز بأصول أقلّ إقناعاً ومنافسين لديهم موارد أكثر، مع سعي حلفائها الظرفيّين ـ في دمشق وطهران أنقرة ـ إلى تعزيز جدول أعمالهم، الذي سيتعارض أحياناً مع جدول أعمال موسكو. وسيكون النجاح في الجبهة الدبلوماسيّة أصعب من تحقيق النصر في ساحة المعركة.

--------------------------

ديمتري ترينين : مدير مركز كارنيغي في موسكو.