ندوة نقد وتحلیل مشروع العقل الأخلاقی لمحمد عابد الجابري

ندوة نقد وتحلیل مشروع العقل الأخلاقی لمحمد عابد الجابري

الندوة الرابعة من سلسلة الندوات في الفكر الإسلامي المعاصر تحت عنوان «نقد وتحلیل مشروع العقل الأخلاقی لمحمد عابد الجابري» ألقاها المفكر المغربي الأستاذ إدريس هاني.

في إطار الاهتمام بعقد ندوات في الفكر الإسلامي المعاصر، یعقد المرکز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية التابع للعتبة العباسية الندوة الرابعة بعنوان  «نقد وتحلیل مشروع نقد العقل الأخلاقی لمحمد عابد الجابري» في تمام الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم الاثنين الموافق ل 14 ديسمبر / كانون الأول، وذلك في منزل المرحوم آية الله العظمى حائري يزدي (ره) بحضور المفكر المغربي والكاتب في مجال الفكر الإسلامي المعاصر الدكتور إدريس هاني.

بدأ الدكتور إدريس هاني محاضرته في تعريف كتاب "نقد العقل الأخلاقي" لجابري ومکانته في مشروع «نقد العقل العربي»، حیث ذكر أن جابري ومن خلال تقسیماته الأربعة بحث عن سیر تطور الفکر الذي يستطيع تعیین قدرات العقل العربي ومحدوديته.

كتاب "العقل الأخلاقی العربي" هو الجزء الرابع والأخير من هذا المشروع، وقد اتبع جابري، بعد هذا الكتاب، تحليل المفاهيم القرآنية في تقسیم رباعي.

أكد هاني أن نقد العقل الأخلاقي لجابري ما هو الا إدامة لنقده للعقل السياسي

وذلك لسببین:

جابري ينظر الی العقل العربي من وجهة نظر سياسية .

في الحقيقة إن کتابة كتاب العقل الأخلاقي العربي لجابري يرجع إلى تأملاته في العقل السياسي العربي؛ فهو عندما يتحدث عن منظومة القيم في العقل الأخلاقي، فإنه يتحدث عنها من وجهة نظر سياسية وبالتالي فإن العقل السیاسي عند جابري هو الحاکم علی الثقافة العربية.

لقد بین هاني العلاقة بين جابري والعروي، بحیث أن مشروع نقد العقل العربي لجابري کان مجرد ردة فعل لمشروع عبد الله العروي الفكري، بمعنی أن العروي هو الذي مهد الطريق لإنشاء المشروع الفكري لجابري.

جابري ينفي وجهة نظر العروي حول النفي المطلق للتراث الإسلامي، ویقول بأنه لیست بعض التقاليد والمواريث العربية قابلة للإستفادة وحسب بل ومن الضروري الإعتماد عليها، للدخول في الحداثة العربیة والعصرنة.

في العموم، کانت الصبغة السياسية هي البارزة على تقييمه للصراع بين العروي والجابري، وهذا يعني أن توجهاتهم السياسية هي التي كانت تؤثر مواقفهم الفكرية.

من وجهة نظر  ادريس هاني، يوجد ثلاثة تيارات معرفية نشطة في المغرب الا وهي:  "التيار الليبرالي" و "التيار السلفي الوطني" و  " التيار الصوفي" و بناء على هذا التقسيم فإن محمد عابد الجابري يُعتبر ممثلاً للسلفية الوطنية كما يعتبر العروي  ممثلاً للفكر " الليبرالي " بينما يعتبر طه عبد الرحمن ممثلا للتیار الصوفي.

وأوضح هاني أن أفكار المفكرين من قبیل العروي وجابري وعبد الرحمن قد نشأت من الحقول التاريخية والاجتماعية التي عاشوا فيها، وبناء على ذلك فإن هؤلاء المفكرين الثلاث قد اشترکوا في الهدف الذي لا يمكن الوصول اليه الا من خلال التخلص من التخلف الثقافي الموجود في العالم العربي والإسلامي.

وبالرغم من ذلك اختلف كلا منهمً في استخدام الأساليب والأدوات اللازمة بغية الوصول إلى هذا الهدف.

واما بالنسبة إلى  نسبة التيار السلفي الوطني الی الإستعمار، فقد أشار إلى أنه وبالرغم من كون السلفية الوطنية حاربت وناهضت الإستعمار إلا أنها لم تعطِ حلولاً للتخلص من هيمنته والتغلب عليه.

لقد بيّن الدكتور إدريس مضمون كتاب «العقل الأخلاقي العربي» وأن جابري قسم العقل الأخلاقي في هذا الكتاب إلى: " العقل الأخلاقي العربي الأصيل"، و "العقل الأخلاقي الفارسي" و"العقل الأخلاقي اليوناني".

أما بالنسبة إلى القيمة الحقيقية لكل عقل من هذه العقول الأخلاقية الثلاث، فقد بيّن أن جابري یعتقد بأن، القيمة الحقیقیة للعقل الفارسي يكمن في "الطاعة" والقيمة الحقیقیة  للعقل اليوناني یکمن في "السعادة" والقيمة الحقیقیة للعقل العربي یکمن في "المروة"، وهو في حد ذاته یتضمن عدة خصال وقيم أخرى.

کما وضح بأن جابري في بحث العقل الأخلاقي اليوناني مدح  ابن رشد في نقل العقل الأخلاقي والفكر اليوناني إلى العالم الإسلامي بصورة كاملة، حيث يعتقد بأنه نقطة الوصل بيننا وبين التراث اليوناني.

هذا وبين إدريس هاني تحليل جابري للعقل الأخلاقي الفارسي، فمن وجهة نظره أن العقل الفارسي لاقى رواجاً في نهاية العصر الأموي على يد ابن المقفع سنة 756 م ومنه انتقل إلى العقل العربي.

يعتقد الجابري أن العقل الأخلاقي الفارسى يقوم على مبدأ "الطاعة" في الجمع بين الدين والسياسة، حيث يعود جذور هذا الاعتقاد إلى أردشير وأنوشيرافان، باعتبارهما الحكيمان في المملكة الفارسية.

جابري هو أيضا ينقد التصوف والصوفيون بشدة، ويشن حملة على الغزالي بسبب نزعته الباطنية والأشعرية، ويعتبره بداية للانحطاط في الثقافة العربية السنية.

بالنسبة الى رأي جابري في العقل الإسلامي، يقول هاني من وجهة نظره أن العقل الإسلامي الأصيل موجود إلا أنه بالتأكيد أعمق من العقل البياني العربي الموجود في القبائل البدوية ومكمل له في الحقيقة وعندما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم «إنما بعثت لاتمم مکارم الاخلاق» لم يك في صدد إنشاء نظام أخلاقي جديد بل کان في صدد إكمال العقل الأخلاقي العربي.

الدكتور إدريس هاني، وفي سیاق انتقاده لنهج جابري الأيديولوجي، یقیم قدرة جابري الفلسفية وإدراكه للمیراث العقلي في العالم الإسلامي بأنه مازال في مرحلة الطفولة، حیث بيّن أن مشروعه وبدلا من ان یکون فلسفيا وخاضعا للمعرفة، فهو سیاسي ذات نزعة إيديولوجية.

هذا وقدم تقييمه النهائي لآراء جابري على الشكل التالي:

قرأ طريقة الجابري البنیوية في فهم العقل العربي وحصوله علی مباني العقل العربي، قراءة نقدية وقال: إذا کان الجابري بنفسه يدعي أن التراث والثقافة والعقل العربي قد نُسي بسبب دخول المصنفات والكتابات الأجنبية فیه، فكيف يمكن له الوصول الی التراث والعقل العربي من خلال تحليل هذه الأعمال الأجنبية ؟!

يستخدم جابري الطريقة البنيوية في تحليل المبادئ الأساسية للعقل العربي، وبما أنه لا يعتبر مفهوم الأخلاق خارج عن السياق الاجتماعي والتاريخي، فإنه يقول بتعدد المفاهيم والمعاني في أمور الأخلاق والعقل الأخلاقي.

لسوء الحظ لم يقبل جابري أبداً تعرض كتبه وآرائه لنقد العلماء والباحثين، ولم يعیر أي اهتمام لآرائهم بحیث أغلق باب الحديث مع منتقدیه. إن هذا النهج المغلق لجابري وصل إلى حد خطير بحيث أنه لم يعطِ أيه أهمية لنقد جورج طرابيشي الجاد على مشروع ( نقد نقد العقل العربي ) کما أنه کان يرفض الدفاع عن آراءه.

عندما یتعرض الجابري للعقل الشيعي الصوفي والباطني، يقول أنهم سبب الأزمة وأنهم السر في تخلف العالم العربي، وهذا الحكم لجابري ينبع في الحقيقة من عدم فهمه للتراث الفكري والعقل الشيعي.

النقطة الأخيرة هي أن الفصل بين الخطابات اليونانية والإيرانية والعربية الثلاثة من أهم الإشكالات الواردة على فكر الجابري لأنه لا يمكن العثور علی الخطاب الأصیل والخالص، في مجال العمل والواقع.