فلسفة الدين عند ديفيد هيوم

فلسفة الدين عند ديفيد هيوم

تـاليف

محمد فتح علي خاني

تـرجمة

حيدر نجف

مقدمة المركز

باسمه تعالى

تتحدث فلسفة الدين – وهي البحث الفلسفي في مجال الدين – عما يتَعلّق بشؤون الدين : منشأ الدين ، ضرورة الدين ، حقيقة الدين ، اهداف الدين ، المعرفة الدينية ، واقعية القضايا الدينية ، الى غيرها من المباحث الفلسفية المتعلقة بفلسفة الدين والمائزة لها عن علم الكلام .

والبحث الفلسفي عن الدين وإن يضرب بجذوره الى عمق التاريخ ، لكنه بمعناه الجديد حديث الولادة لم يمض عليه الا بضعة قرون ، و بالضبط بعد عصر التنوير حيث تبلور في اتجاهين متعاكسين :

البحث والتحليل العقلاني للدين والمعتقدات الدينية بغية الوصول الى الحقيقة .

البحث والتحليل العقلاني التوصيفي من دون لحاظ الوصول الى الحقيقة بل ربما مع محاولة التشكيك في تلك الاسس والمبادئ .

وقد توسع نطاق مباحث فلسفة الدين وانتشرت بين الباحثين ولاقت اقبالا ورواجا بسبب التقَدّم العلمي والتقني وما أحدثه من تطورات معرفية وظهور مدارس ومكاتب فكرية متنوعة أظهرت القطيعة مع الماضي ، او حاولت عقلنته او قولبته بقوالب جديدة تواكب التقدم و التحضّر .

من الفلاسفة الذين أسهموا في هذا الجانب ، المفكر والفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم ( 1711 – 1776 ) حيث كان له تأثير سلبي شكي في فضاء الدين، اذ رام اثبات قضايا الدين من خلال الاستدلال العقلي التجريبي ، مما ادى الى وقوعه في فخ الشك وإنكار بعض الأدلة .

فمما تطرق اليه في مباحثه مسألة العلّية ، ومسألة الالهيات وادلة اثبات وجود الباري ، ومسألة الشرور وخلود النفس والمعاجز .

وقد انبرى الاستاذ الفاضل الدكتور محمد فتحعلي خاني- استاذ الفلسفة والكلام في معهد دراسات الحوزة والجامعة بمدينة قم – لتتبع مباحث ديفيد الهيوم المتعلقة بالدين ، والاجابة عن بعض شبهاته في مباحث العلَية وادلة اثبات وجود الباري تعالى و المعجزة و غيرها من المباحث المفيدة .

وقد آثرنا ترجمة هذا السفر القيم الى اللغة العربية تعميما للفائدة ، ورفدا للمكتبة العربية بالدراسات والابحاث الجادة ، ونحن إذ نقدم هذا الكتاب لقرائنا نتقدم بالشكروالامتنان للمؤلف الفاضل حيث وافق على ترجمة كتابه و كذلك المترجم الفاضل السيد حيدر نجف لما بذله من جهد في ترجمة الكتاب .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد واله الطاهرين .

النجف الأشرف  

مدير المركز    

ذو القعدة 1437هـ

المقدمة

التأمل الفلسفي حول الدين والعقائد الدينية قديم بقدم الدين نفسه إلى درجة يمكن القول معها إنه توأمٌ للدين. ظهرت المدارس الكلامية المختلفة في أحضان الأديان الإلهية الكبرى لتساعد المتدينين على استيعاب وفهم معارف أديانهم بنحو أعمق، وتسلحهم بأسلحة المنطق والفكر حيال معارضيهم.

وفي المقابل كان هناك دوماً من أشكل على العقائد الدينية، تارة بهدف معارضة الأديان المنافسة، وتارة بقصد البحث عن الحقيقة، وأحياناً بنية بث الشبهات ومحاربة الدين. وقد حثّ هؤلاء المتشككون المتدينين على مزيد من التفكير والتعمق، لكنهم للأسف نجحوا أحياناً في قطع الطريق النيّر للأديان السماوية، وحرموا عباد الله من موائد المعارف الدينية.

شهد الغرب في العصر الحديث، منذ ظهور رموزه الفلسفية الرائدة من قبيل فرانسيس بايكون[1] وديكارت[2] إلى يومنا هذا، شهد مساعي فكرية كبيرة، سواء باتجاه تسجيل الإشكالات والمؤاخذات على العقائد الدينية أو باتجاه التنوير والدفاع عن المعتقدات الإلهية. وفي المجتمعات الإسلامية كان ولا يزال هناك تراث قديم من الفكر الكلامي والفلسفي حول الدين، ساعد المتشوّقين دوماً على فهم عميق للمعارف الإسلامية التوحيدية السامية، وصان تدين المؤمنين وإيمانهم.

بإلقاء نظرة على ملف الأفكار اللاهوتية والفلسفية للغربيين في العصر الحديث، ومقارنتها بالتراث الفلسفي والكلامي الإسلامي، يتضح أن هناك فارقاً جلياً بين هاتين الثقافتين، مضافاً إلى وجود أوجه شبه بينهما.

طبعاً لم يسلك اللاهوت وفلسفة الدين في المجتمعات الغربية المسيحية مساراً واحداً، فبعض الموروثات الكلامية (اللاهوتية) الغربية الأكثر تجذراً، والتي تحمل في ثناياها مواداً ومحتوى من لاهوت القرون الوسطى، أقرب إلى الأجواء الفكرية للمتكلمين والمتألهين المسلمين. والمصدر الرئيسي لهذا التقارب هو الجذور المشتركة بين الإسلام والمسيحية الذين بدأ كلاهما بالوحي الإلهي ولهما أصولهما وقواعدهما في الإلهام الإلهي والتوحيد. بالإضافة إلى ذلك كانت لسوابق انتهال مفكري القرون الوسطى من آثار الفلاسفة المسلمين دورها هي الأخرى في هذا المجال، ولكن كلما ابتعدنا عن القرون الوسطى وورثتها المعاصرين نحو التيارات الفكرية الأحدث، قلّت مواطن الشبه والقرابة، وازدادت حالات التباعد وعدم التفاهم واللاتناغم.

الاطلاع على أوجه الاشتراك والافتراق بين هاتين الثقافتين يمكنه أن يمثل أرضية مناسبة لرفع مستوى الاستيعاب والتفهّم المتبادل بين الجانبين. كما أن التنبّه المتزامن للفوارق والتشابهات بين التراث العقلي الإسلامي والتعاليم الفلسفية الغربية، بوسعه إلى جانب ما فيه من دروس وعبر، أن يحول دون الوقوع في الأخطاء والالتباسات الفكرية.

من جهة ثانية، أدّت سيطرة الثقافة والحضارة والتقنية الغربية على العالم المعاصر إلى ظهور وتصاعد الأفكار المتناغمة مع هذه الثقافة في كل المجتمعات، وقد كان لهذه الأفكار حضورها وتواجدها وأحياناً هيمنتها على الأروقة العلمية والثقافية في المجتمعات المسلمة حسب درجات يقظة المفكرين والمثقفين في تلك المجتمعات. هذا التواجد الذي حصل في بعض الأحيان فيما يشبه الهجوم والغزو سبّب آفات وأضراراً للمتعلّمين و الخرّيجين في هذه المجتمعات مما حضّ بعض المفكرين على الردّ والتصدي.

يلوح أن المقدمة الضرورية لأية خطوة حيال هذا التواجد الضار ـ والمنطوي على دروس وعبر في الوقت نفسه ـ هي المعرفة العميقة لثقافة الجانب المقابل وأفكاره. تحصل هذه المعرفة العميقة عندما تُدرَك الجذور الفكرية واللغة الحضارية للثقافة الأجنبية، ويجري تشخيص الخلفية التاريخية والاجتماعية لظهور الأفكار الفلسفية لدى الطرف المنافس.

***

كان للعلوم التجربية دوراً محورياً في الثقافة الغربية الحديثة. من النقاط الجديرة بالذكر حول هذه العلوم أن المناهج التي سادتها منذ بداية تبلورها كانت مثار غبطة وموضع طموح ورغبة الحقول الفكرية المختلفة إلى درجة أن كثيراً من مفكري الميادين الخارجة عن نطاق العلوم التجربية يتمنون بكلّ جدّ التوصل إلى مناهج مماثلة لمناهج العلوم التجربية. ولا يزال فريق من باحثي العلوم الإنسانية والاجتماعية ـ العلوم التي تتداول وتدرس وتدرّس اليوم على نحو واسع في الأوساط الجامعية ـ يفكر في التقرب من نموذج العلوم الطبيعية التجربية. يعتقد هؤلاء أن أيّاً من العلوم الإنسانية والاجتماعية لا يكتب له الظفر والتوفيق إلاّ بمقدار نجاحه في الاقتراب من مناهج العلوم التجربية وأساليبها.

علم المناهج (أو المنهجية) كان مركز الثقل في تعمّق العلماء الغربيين لإقامة شتى حقول العلوم الإنسانية على ركائز نموذج العلوم الطبيعية. يلاحظ هذا التشديد على علم المناهج منذ بداية الفلسفة الحديثة، بل إن الاهتمام بقضية المنهج يعدّ إحدى الخصوصيات المهمّة التي تميّز العصر الحديث.

ديفيد هيوم[3] بدوره حاول إقامة وشرح منهجٍ يجعل العلوم الإنسانية، التي كان يسمّيها >الفلسفة الإنسانية<[4]، ممكنةً، ويجعل نتائجها بمستوى نتائج الميكانيك النيوتني، بحيث ترتفع درجات الاتفاق والتطابق بين علماء العلوم الإنسانية. من هنا، حاول إرساء أسسِ علمٍ أطلق عليه هو اسم علم الطبيعة الإنسانية. كتاب هيوم الأساسي المهم >رسالة في الطبيعة البشرية<، وعنوانه الفرعي >محاولة لاستخدام منهج البرهنة التجربي في الموضوعات الإنسانية<، وكما يظهر من هذا العنوان الفرعي فإن قضية المنهج هي بؤرة اهتمام هيوم.

قرّر هيوم في عرضه لمنهج الاستدلال (البرهنة)[5] التجربي المناسب للعلوم الإنسانية، قرّر لنفسه التزامات وقيوداً معينة. وقد بدأ مشروعه بالالتزام بأصالة التجربة، وحاول الحفاظ على إنجازات أسلافه التجريبيين، أي جون لوك وباركلي، وتطويرها ورفع مستواها. وبسبب هذا الالتزام التجربي طرأت على فلسفته نقاط ضعف جعلت منظومته الفلسفية منظومة غير متناسقة تقبل كثيراً من التفسيرات.

العليّة والعلاقة بين العلة والمعلول أهم تعليمة استخدمت في تأسيس علم المناهج لدى هيوم. التسليم بمبدأ العلية كقانون يسود الإنسان وعالم الطبيعة يعتبر نقطة البداية والانطلاق في العلم التجربي، ولا يمكن من دونه متابعة أهداف العلم التجربي. الكلام عن ترقب الأحداث وتخمينها وتبيينها غير متاح إلاّ إذا ساد الطبيعة قانون معين، والقانون لن يكون له وجود خارجي من دون نظام علّي.

يتبنّى هيوم سيادة النظام والقانون على الطبيعة والإنسان، ليتجّه صوب تعيين قدرات الإنسان المعرفية لمعرفة هذه القوانين، والتمييز بين العلم الحقيقي الأصيل وشبه العلم. العلم الأصيل علم يستحصل بالاعتماد على القدرات الحقيقية لجهاز المعرفة عند الإنسان، ولا يقفز إلى خارج نطاق المعرفة الممكنة.

لتعيين حدود المعرفة البشرية ومدياتها يقسّم هيوم القضايا (أو متعلقات المعرفة التصديقية للإنسان) إلى فئتين: الأولى فئة القضايا المتعلقة بالتعبير عن العلاقات بين التصورات، والفئة الثانية هي القضايا المعبّرة عن الأمور الواقعية.

وهو يعتبر البحث والتحقيق حول الفئة الأولى في غنى عن مراجعة العالم الخارجي، فتصديقها وتكذيبها لا يتوقّف إلاّ على معرفة معنى الموضوعات والمحمولات ومقدماتها وتواليها. معرفتنا بهذا النوع من القضايا معرفة يقينية، ونعتمد في التوصّل إلى هذه المعرفة اليقينية على مبدأ امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما. بيد أن هذه القضايا لا تضيف شيئاً إلى معرفتنا بالعالم الخارجي.

أمّا الحكم حول القضايا الخاصة بالواقع فهو غير ميسور من دون مراجعة العالم الخارجي ومشاهدة الظواهر الواقعية والعلاقات فيما بينها. والنتيجة هي أن أيّاً من القضايا المختصّة بالواقع لا يمكن تصديقها أو تكذيبها بواسطة استدلالات قبْلية.

واستدلالاتنا وبراهيننا تبعاً لنوع القضايا، على شكلين: نسمّي قسماً من الاستدلالات استدلالات برهانية، وهي المختصة بالعلاقات فيما بين التصورات، وهي استدلالات تحصل بصورة قبلية ودون حاجة إلى التجربة، وتفيد معرفة يقينية. والقسم الثاني من الاستدلالات هو الاستدلالات التجربية البعدية، أي تلك المرتبطة بالأمور الواقعية والتي تحصل بمراجعة العالم الخارجي. الاستدلالات التجربية محاولة لمعرفة واقع العالم، العالم المقونن الذي تحكمه قوانين دقيقة. القوانين التي تسود العالم قوانين عِليّة، أي قوانين تفصح عن العلاقات العليّة بين الظواهر. وعليه فالاستدلال التجربي يروم معرفة العالم الخارجي عن طريق معرفة القوانين العلية التي تسوده. وهكذا فإن مفاهيم مثل العلة والمعلول، والضرورة العلية، وما إلى ذلك، تتمتع بأهمية خاصة في الاستدلالات البعدية. الاستدلالات البعدية أو التجربية تتوكّأ أحياناً على قوانين لا نشكّ فيها أبداً، لذلك تفضي إلى نتائج قطعية حاسمة، وتعتمد أحياناً على قوانين ظنية.

الاستدلالات التجربية وبحكم ماهيتها لا تنطوي أبداً على نتائج ضرورية حاسمة، وهي بذلك بخلاف الاستدلالات البرهانية. في الاستدلالات البرهانية يحصل اليقين المنطقي والحسم السايكولوجي كلاهما، بينما في نتائج الاستدلالات التجربية قد يحصل الحسم السايكولوجي، لكن اليقين المنطقي لا يحصل على الإطلاق. منشأ هذا الفرق هو إمكانية تصوّر نقيض أي واحدة من القضايا المختصة بالواقع، من دون أن يستلزم ذلك تناقضاً. بينما لا يمكن تصور نقيض أية قضية صادقة تتحدث عن العلاقة بين التصورات، لأن نقيضها سيكون إما قضية متناقضة أو يستلزم قضية متناقضة.

غاية البحث في العلوم التجربية هي معرفة العلاقات العلية بين الظواهر وتطوير وزيادة العلم البشري بالعالم الواقعي عن طريق الاستدلالات التجربية. وعليه، ينبغي على هيوم أن يحافظ على التزاماته التجربية ويجد إلى جانب ذلك طريقاً يكشف عن العلاقات العلية بين الظواهر بواسطة القوى الحسية والتجربية. ولأجل رسم هذا الطريق ينبغي أولاً عرض صورة تجربية للعلاقة بين العلة والمعلول. لذلك نراه في مقام تعريف العلة وتصوير العلية لا يستفيد إلاّ من الأمور القابلة للمشاهدة والفحص والاختبار. من وجهة نظره، لأجل اكتشاف العلاقات العلية، ومعرفة علل الظواهر، وبيان القوانين العليّة، ينبغي الاكتفاء بمجرد مشاهدة التلازم والتقارن والتوالي بين الظواهر.

يمكن عن طريق معرفة الاقترانات تشخيص العلل والمعلولات. وبدون المشاهدة لا يمكن التوصل إلى أية معرفة للعلاقات العلية، لأن الاستدلال البرهاني لا يفضي إلى معرفة أية علاقة علية معينة. يمكن تصور أية علة من دون معلولها من دون أن يستدعي ذلك تناقضاً. هذا طبعاً إذا استطعنا معرفة العلة الحقيقية الواقعية للشيء، إذن، لو لم نعرف العلة الواقعية للظاهرة، وكنا في صدد اكتشافها، فلن نستطيع من باب أولى التوصّل لها عن طريق الاستدلال القبلي. لأن تصور العلة ـ حسب تعبير كانط ـ غير كامن في تصور المعلول، أو إن تصور المعلول لا يستبطن تصور علته الخاصة، حتى يمكن عن طريق تحليل تصوّر ذلك المعلول التوصل إلى علته. أو على العكس، تصوّر أي شيء لا يكمن فيه تصور معلوله حتى يمكن عن طريق تحليل تصور ذلك الشيء الوصول إلى معلوله.

وبهذا، عندما نجد أي شيئين متقارنين دائماً فإن هذا الاقتران يرشدنا إلى اعتبارهما علة ومعلولاً، بيد أن هذا الاقتران أو التوالي لا يشي بحد ذاته بعلاقة ضرورية بين هاتين الظاهرتين، فما الذي يجعلنا ندّعي العلاقة الضرورية بينهما؟ إذا كان تصور أحدهما من دون تصور الآخر يؤدي إلى التناقض كانت العلاقة بينهما ضرورية، لكن الحال ليس كذلك الآن، فمن أين نأتي بالقول إن هذه الآصرة آصرة ضرورية أو علاقة علية؟

يرى هيوم الحلّ في نقل الضرورة إلى مضمار الذهن، فيقول: متى ما كان الشيئان المتقارنان أو المتواليان بحيث ينتقل الذهن من تصور أحدهما بشكل حتمي إلى تصور الآخر فإن العلاقة بينهما علاقة علية. يوجد هنا ادعاء مهم يحتاج إلى دراسة وتحليل.

إذا لم تكن العلية سوى انتقال ضروري للذهن من تصور أو انطباع شيء إلى تصور الشيء الآخر، فلن توجد أية علاقة من العلاقات العلية المكتشفة في الذهن تخبرنا بشيء عن العالم الواقعي سوى أنهم يقولون إن اقتران ظاهرتين كثير ودائم ومتكرر بحيث يستدعي إقامة علاقة تداعي وتلازم في أذهاننا، وهذا التداعي الضروري ليس فيه دلالة منطقية على وجود علاقة علية ضرورية بين الواقع الخارجي للمتداعيين. إذن، لا يمكن ربط وجود التداعي الذهني بين تصورات الأشياء والعالم الخارجي إلاّ إذا قلنا بوجود تناظر بين الرابطة الضرورية الذهنية والعلاقات الواقعية الخارجية. وواضح أنه لا يمكن أبداً التوصل إلى مثل هذا التناظر توكّؤاً على أية مشاهدة من المشاهدات. بل ولا يوجد أي استدلال برهاني يثبت هذا التناظر. لكن هيوم ومن دون أن يطيل الحديث حول هذا التناظر، يستند إلى وجود هذا التناظر، ويسمح له بالدخول إلى فكره كمجرد افتراض ميتافيزيقي مهم[6]. لكنه لا يغفل أبداً عن ضعف التجربة في تشخيص المصاديق الواقعية للعلاقة العلية، وبالتالي لا يحكم بسذاجةٍ حكماً قاطعاً على العلاقات الضرورية نفس الأمرية بين كل الظواهر التي تكون تصوراتها متداعية، ويرى فقط أن الاقترانات الدائمية، والتي لا استثناء فيها، دليل حاسم على العلاقة العلية.

إذن، الاقترانات والتواليات الممكنة التجربة هي الوثيقة الوحيدة بيد البحث العلمي لاكتشاف العلاقات العلية. هذه الاقترانات والتعاقبات ليست دائمة وبلا استثناء في كل الحالات. إذن، في كثير من الحالات لا يمكن الحكم على نحو حاسم بوجود علاقة علية بين الأشياء، ولا مفرّ من الاكتفاء بالاحتمال. ولأجل أن يكون علمنا الظني والاحتمالي دقيقاً مضبوطاً، ولكي تكون مديات الثقة بالنتائج والمعلومات الاحتمالية معلومة ومميزة بعضها عن بعض، لا بدّ من مراجعة حساب الاحتمالات.

إلى هذا الحد نسبنا إلى ديفيد هيوم الأمور والنقاط التالية:

1 ـ العالم يُدار بقوانين عليّة واقعية، قوانين تفصح عن علاقة علية واقعية ضرورية لا تتخلف بين الظواهر.

2 ـ اكتشاف العلاقات العلية الخاصة غير متاح عن طريق الاستدلال البرهاني.

3 ـ يمكن اكتشاف العلاقات العلية الخاصة عن طريق التجربة وبالتوكّؤ على مشاهدة الاقترانات والتعاقبات.

4 ـ الاقتران والتعاقب يساعد على اكتشاف فحواه أن هذا التعاقب يفضي إلى التداعي الضروري بين تصورات الأشياء.

سبق أن قلنا ـ ونؤكد الآن ـ أن هيوم لا يرى أيّ دليل عقلي أو تجربي على التطابق والتناظر بين الضرورات الذهنية للإنسان والضرورات العينية العلية بين الظواهر. إذن، كيف يعتمد هيوم على مثل هذا التناظر؟ الشيء الذي يستند عليه هيوم هو الطبيعة. ينحني هيوم أمام عتبة الطبيعة ويرى حكم الطبيعة غير قابل للخلاف والتعثر. إنه يقول إن الطبيعة خلقتنا بحيث نعتبر العالم خاضعاً لمبدأ العلية. الطبيعة خلقتنا بحيث ننتقل من مشاهدة التقارنات إلى التداعيات، ومن التداعيات إلى الأحكام العلية. أحكامنا العلية بخصوص العلاقات بين الظواهر الخاصة ليست ثمرة استنتاجات منطقية، إنما هو بمقتضى طبيعتنا، ولا مفرّ لنا حيال حكم الطبيعة سوى الرضا والتسليم.

كلّ من يريد التمرّد على حكم الطبيعة يكون قد بادر إلى عملية عبثية، لأنه حتى لو فعل ذلك على المستوى النظري سيبقى على المستوى العملي مطيعاً للطبيعة. والمثال على ذلك هو المشككون الذين يعتبرون العالم كله على المستوى النظري عبثاً في عبث، وعدماً في عدم، لكنهم على الصعيد العملي يعتمدون ويثقون بحسّهم وعقلهم.

الشيء الوحيد الذي يستطيع الإنسان فعله هو تميز المقتضيات الحتمية للطبيعة عن المعتقدات غير الحتمية، ولا يقفز من العقيدة غير الحتمية إلى الفئة الأولى (المقتضيات الحتمية للطبيعة)، ويلتزم جانب الحيطة والحذر بخصوص الفئة الثانية (المعتقدات غير الحتمية)، ويعمل ويفحص بطريقة الاحتمالات. الاستنتاج العلي منهج للتمييز بين هاتين الفئتين. إذا تمت معرفة ومراعاة ضوابط الاستدلالات التجربية لمعرفة العلاقات العلية ستكون نتائجها معتقداتٍ، يعدّ الإيمانُ بها هو مقتضى طبيعتنا. هذه المعتقدات ليست بمستوى الاستدلالات البرهانية لذلك لا نسمّيها >علماً<[7]، لكنها تأتّت للإنسان بإرشاد من الطبيعة، واتباعها بمنزلة اتباع العلم. الاستنتاج أو الاستدلال العلّي هو نفسه الاستدلال التجربي، تمت فيه مراعاة الضوابط المناسبة لتشخيص المعتقدات العلية المعتمدة على المعتقدات الطبيعية. ينبغي الاستناد إلى منهج الاستنتاج العلّي في كل مجالات العلم المختص بالأمور الواقعية.

***

المعتقدات الدينية يمكن تقييمها كباقي المعتقدات، فإذا كانت وليدة استدلال برهاني قُبلتْ كمعرفة يقينية، أمّا إذا كانت ثمرة استدلال تجربي فُحِصتْ قوةُ استدلالها في ضوء معايير منهج الاستدلال العلّي، وقُبِلتْ بما يتلاءم مع قوة الدليل.

يعتقد هيوم أن المعتقدات الدينية مثل الإيمان بوجود إله واحد للعالم قادر وخيّر مطلق، هي معتقدات حول أمور واقعية. من هنا فإن الحكم عليها مثل الحكم حول باقي الأمور الواقعية يجب أن يتم عن طريق الاستدلال التجربي وبمنهج الاستنتاج العِلّي. وبهذا لا يوجد أي استدلال قبلي ينفع في إثبات العقائد الدينية حسب رأي هيوم، بل إن ذلك يعدّ مخالفةً للمنهج الصحيح في الحكم والتقييم. ولكن يجب دراسة الأدلة المقامة بأسلوب الاستنتاج العلي ومعرفة درجة إلتزامها بضوابط الاستنتاج العلي.

يذهب هيوم إلى أن دراسة المعتقدات الدينية ممكنة بطريقين: أولاً عن طريق البحث عن عللها، وثانياً عن طريق دراسة الأدلة المقامة عليها. بتعبير آخر، في الدراسات المتعلقة بالدين تنحو بعض البحوث نحو تبيين المعتقدات الدينية ومعرفة عللها، أي دراسة السبب أو العامل الذي دفع البشر للاعتقاد بهذا المعتقد، بينما هناك دراسات أخرى تروم إقامة الأدلة على صحة المعتقدات الدينية. ومن بين أصحاب هذه الفئة الثانية من الدراسات هناك من استعان بالاستدلالات القبلية، وثمة من لجأ للاستدلالات التجربية.

من وجهة نظر هيوم، إذا استفادت الدراسات التي تبحث عن علل الدين من منهج الاستنتاج العلي، فستكون لها نتائج مفيدة. وقد عمد هو نفسه في >التاريخ الطبيعي للدين< إلى معرفة العلل بواسطة هذا المنهج. ومن بين الدراسات المختصة بأدلة الدين، يرى هيوم أن تلك التي اعتمدت على الاستدلالات القبلية بقيت عقيمة غير مجدية. ويشمل حكم هيوم هذا استدلالات من قبيل البرهان الوجودي وبرهان الوجوب والإمكان، فهي استدلالات غير مجدية. أما الدراسات المختصة بالأدلة (الدلائلية) من النوع الثاني ـ التي تستند إلى الاستدلالات التجربية ـ فيجب النظر فيها وفحصها، ولا يمكن الحكم مسبقاً بإخفاقها. ترنو هذه الدراسات أحياناً إلى إثبات إله الأديان أو الإله المتطابق مع الفهم المسيحي، وتحاول في أحيان أخرى إثبات أحقية دين معين. الفئة الأولى تشكل الدين الطبيعي، والفئة الثانية تدافع عن الدين الوحياني عن طريق الاستدلال العقلي.

البحوث المطروحة في باب برهان النظام تدّعي كلها الالتزام بضوابط الاستنتاج العلي. بيد أن هيوم الذي يحاول أولاً معرفة هذه الضوابط يدّعي أن برهان النظام يعجز عن تلبية ضوابط الاستنتاج العلي والالتزام بها، وأقصى ما يدل عليه هو أن العالم حصيلة موجود من المحتمل أن يكون له قليل من الشبه بذهن الإنسان وذكائه، وهذا يختلف ببون هائل عن الاعتقاد بإله حسب ما تقوله الأديان الإبراهيمية. وحتى هذا المقدار ما هو إلاّ معتقد طبيعي يمثل في الواقع ثمرة طبيعة الإنسان، لا عقله واستدلاله.

والاستدلالات التي تقام على وقوع المعاجز ترتكز على أخبار تنبّئ عن المعاجز، ولأن تقبل الأخبار يعتمد على استدلالات تجربية واستنتاجات علية فإن درجة الثقة بهذه الأخبار منوطة بدرجة مراعاة ضوابط الاستنتاج العلي في تلك الاستدلالات. يعتقد هيوم أن رصانة الاستدلال العلي المقام على أخبار المعاجز ليست بالدرجة التي يجعلها تصمد أمام الاستدلالات العلية المعارضة لأخبار المعاجز. لذلك فإن قبول أخبار المعاجز عملية غير معقولة وتخلف عن معايير الاستنتاج العلي.

***

ما قيل لحد الآن صورة كلية لتصوّر كاتب السطور عن أفكار هيوم حاولنا عرضها بدون تكلف، وبعيداً عن استخدام مصطلحات هيوم الخاصة، لتكون عوناً على تشخيص مكانة كل واحد من الفصول في البنية العامة للكتاب. وفيما يلي نعرض باختصار التقييم الكلي لكاتب السطور، والقائم على نفس هذا التصور، حتى يتضح موقع النقود الواردة في هذا البحث.

يبدو أن هيوم حاول بذهنية طافحة بالعقائد غير التجربية إقامة المعرفة على التجربة بنحو منسجم مع نفس تلك العقائد غير التجربية، بمعنى أنه أراد استخراج كل ما يؤمن به من داخل التجربة. وقد تابع إرادته هذه في بداية المطاف بدوافع قويّة، لكنه اكتشف تدريجياً أن التجربة البشرية لا تستقيم من دون معرفة الأحكام العقلية فوق التجربية، ولا يمكن تسويغ المعرفة التجربية من دون دعامة فئة من الأحكام البديهية. ولكن حيث أنه لم يكن يستسيغ منهج العقليين الذين عاصرهم، فقد لجأ إلى الطبيعة، وبدل أن يعتبر العقل المصدر الأول لتلك الأحكام الجذرية التي تسمّى بديهية، جعل الطبيعة منبتها وسندها.

بكلمة أخرى، اكتشف هيوم أن مشروعه لإقامة المعرفة كلها على التجربة مهزوز من الأساس. النزعة التجربية تقتضي أن تكون التجربة المعيار الوحيد لصحة المعتقدات، والتجربيون يؤمنون بحكمهم هذا إيماناً راسخاً، غير متنبّهين إلى أنه يمكن السؤال: من أية تجربة استنتجوا نفس هذا الحكم؟ أية مشاهدة أوصلتهم إلى مثل هذا الجزم القائل إن كلّ الأحكام يجب أن تؤيدها التجربة؟ إذا أصروا على صحة هذا الحكم سقط حكمهم عن الاعتبار بسبب أنه غير تجربي. إذن، الإيمان بالتجربة يستلزم إنكار الإيمان بالتجربة[8]. نفس هذا البيان المجمل والواضح حول هشاشة الإيمان بالتجربة اتضح لهيوم بالتدريج والتفصيل وبنحو متكرر في مسيرته نحو رسم خارطة المعرفة على أساس التجربة، مما أفضى إلى ميوله نحو الطبيعة.

ويظهر أن طريقة استعانة هيوم بالنزعة الطبيعية تعجز هي الأخرى عن معالجة مشكلته، لأنه يقبل الالتزام بنتائج الاستدلالات العلية في النهاية بسبب أن إجبار الطبيعة يؤيدها، أي إنه تقول: الاعتقاد بالأحكام الناتجة عن الاستنتاج العلي مسوّغ لأن الطبيعة تفرض علينا إقامة أواصر علية بين الظواهر بعد مشاهدة التقارنات والتعاقبات. هنا يمكن القول أمام هيوم إذا كانت الطبيعة قد قررت مثل هذا الانتقال الحتمي الضروري في ذهن الإنسان من تصور إلى آخر، فمن الواضح أن حصيلة الاستنتاج العلي متوفر للجميع، ولن تعود ثمة حاجة إلى تنسيق منهج للتوصل إلى هذه الثمرة، وإذا لم يحصل هذا الانتقال الطبيعي، وأراد الاستنتاج العلي إقامة هذا التداعي والانتقال، فلن تعود الطبيعة سنداً ودعامة للمعتقدات الناجمة عن الاستنتاجات العلية.

النقطة الأخرى هي أنه فضلاً عن الجوانب الغامضة في منهج الاستنتاج العلي وتسويغه، فإن هيوم يتسامح حتى في تطبيقه تطبيقاً متناغماً مع الضوابط التي يؤمن بها، بل يتملّص من اللوازم التي يقتضيها هذا المنهج. وبحوثه حول برهان النظام وأخبار المعجزة شاهد صدق على أنه لا يعمل بطريقة ملتزمة منضبطة في تطبيقه لمنهج الاستنتاج العلي. بعض مخالفات هيوم هذه لها جذورها في الالتباسات والمعضلات الأساسية الكامنة في منهج الاستنتاج العلي كما يصوغه هيوم نفسه.

يتبع هيوم أحياناً معتقداته غير التجربية الخفية غير المكتوبة ويخالف المنهج الذي يتبناه، لأن عدم نهوض أو عدم كفاءة المنهج التجربي المحض لا يدع مفراً له سوى هذا. وقد كانت مخالفاته أحياناً ثمرة خروجه عن نطاق الإنصاف في التقييم والحكم. في مثل هذه الحالات يبرز منحاه المناهض للدين. أهم ما ورد في هذا الكتاب من مناقشة لآراء هيوم حول برهان النظام وأخبار المعجزة يتعلق بالنقد الداخلي لمشروعه ليكشف النقاب عن هذه المخالفات وعدم انسجام أفكار هيوم داخلياً.

***

يتكوّن الكتاب من ثلاثة أقسام: يختصّ القسم الأول بالبحوث العامة للاستنتاج العلّي حيث يجري طرح هذه البحوث ودراستها ونقدها، وإيضاح كيف أن ثغرات المنحى التجربي لهيوم يؤدي إلى الاستعانة بحساب الاحتمالات والنزعة الطبيعية. ويتعلق القسمان الثاني والثالث عموماً بأدلة هيوم في مضمار فلسفة الدين، وفي نهاية القسم الثاني هناك بحث لاستعراض بحوثه في العلة ونقدها.

***

أرجو أن يكون إنتاج هذا الكتاب عملاً مفيداً، ومرضياً عند الله تعالى، ونافعاً للقارئ الكريم. وأتقدم بالشكر مسبقاً للمثقفين الذين سينبّهون كاتب السطور لزلاته، وأسأل الله المنان لهم الأجر على ذلك.

***

كان هناك العديد من الأشخاص المؤثرين في إنجاز هذه الدراسة، وأرى من واجبي وفي حدود ما تسعفني به الذاكرة أن أنوّه من باب الشكر بالأساتذة والعلماء الذين مدّوا لي يد العون في وضع هذا الكتاب:

ـ الأساتذة الأجلاء السادة الدكتور محسن جهانگيري، والدكتور غلام علي حداد عادل، والدكتور محمد حكّاك، والدكتور علي شيرواني هرندي، والدكتور حسين غفاري، وحجة الإسلام والمسلمين غلام رضا فياضي.

ـ العاملون في مركز بحوث الحوزة والجامعة: حضرة الدكتور محمود نوذري وحضرة الدكتور هادي عربي اللذان وفّر كل واحد منهما كل دعم مخلص خلال فترة توليه المعاونية البحثية للمركز. والأعزاء والزملاء الذين انتفعت من دعمهم وتعاونهم في توفير الإمكانيات والمصادر: الإخوة الأجلاء السادة أبو الفضل أحمدي (المدير المحترم لمكتبة المركز)، وأبو الفضل ساجدي، وداود أصغر پور (أمينا المكتبة)، وعلي طوسي (الذي كان له السهم الأوفى في تنضيد هذا العمل)، والأخ العزيز سماحة حجة الإسلام محمد عاشوري.

ختاماً أرى لزاماً عليّ أن أتقدم بالشكر الخاص للأخ العزيز والصديق الشفيق حضرة الدكتور حسين علي شيدان شيد الذي انتفعت من علمه ودقته طوال فترة البحث والتحقيق والتدوين، وبذل في النهاية جهداً جمّاً للتقليل من الزلات العلمية والإنشائية في هذا الكتاب، وأسأل الله المنان له ولباقي الأعزاء التوفيق وحسن العاقبة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

محمد فتح علي خاني

عضو الهيئة العلمية في قسم الفلسفة وعلم الكلام بمركز بحوث الحوزة والجامعة

----------------------------------------

[1] - Franeis Bacon (1561 - 1626).

[2] - Rene Descartes (1596 - 1650).

[3] - David Hume (1711 - 1776).

[4] - Moral Philosophy.

1 ـ آثرنا في ترجمة هذا الكتاب الإبقاء على كلمة >استدلال< و عدم ترجمتها إلى برهان أو دليل، لأن المؤلف قصد منها في الغالب عملية الاستدلال و البرهنة و ليس البرهان أو الدليل نفسه. المترجم

[6] ـ حول العلية عند هيوم طرح شرّاحه ثلاثة تفاسير: التفسير المشهور للعلية الهيومية تفسير لاواقعي (antirealist). العلية في هذا التفسير مجرد علاقة ذهنية لا شأن لها بالواقع. والتفسير الثاني تفسير واقعي (realist). طبقاً لهذا التفسير يرى هيوم أن العلاقات الذهنية الحاصلة عن مشاهدة التقارن والتعاقب بين الظواهر شاهد على علاقة بين الظواهر الخارجية. والتفسير الثالث يسمونه التفسير شبه الواقعي (quasirealist). تنصب المحاولة في هذا التفسير على اعتبار العلاقة العلية علاقة ذهنية إلى جانب إيضاح صدق أو كذب القضايا العلية الخاصة بطريقة تكون فيها نسبة الصدق والكذب لتلك القضايا نسبةً حقيقية. التفسير اللاواقعي الشهير له الكثير من الأنصار ومنهم الفيلسوف البريطاني آير (A.J.Ayer). وفي بلادنا يمكن القول إن هذا التفسير أشهر من التفسيرين الآخرين. طرح التفسير الثاني من قبل بعض الفلاسفة المعاصرين مثل غالن استرواسن (Galen Strawson)، بينما تبنى التفسير الثالث فلاسفة منهم سايمون بلكبورن (Simon Blackburn) صاحب قاموس أكسفورد الفلسفي (Oxford Dictionary of  Philosophy). ويميل كاتب السطور إلى التفسير الثاني (الواقعي)، محاولاً تقديم تقرير خاص له، لذلك يرجو من القارئ المطلع العارف بالتفسير اللاواقعي المشهور قليلاً من التريث والصبر لنقدم له تالياً الشواهد على التفسير الواقعي.

[7] - Knowledge.

[8] ـ أضف إلى ذلك أن النزعة التجربية كما يقول توماس ريد المعاصر لهيوم لا تستطيع تبرير وتفسير الأحكام الأصلية والطبيعية مثل وجود العالم الخارجي ومبدأ العلية. كذلك إذا اعتبرنا النزعة التجربية تشمل بالإضافة إلى التجربية في التصديقات والمعتقدات التجربية في التصورات والمفاهيم أيضاً ـ وهذا ما يصرح هيوم بالتزامه به ـ سيكون الإشكال القائل بأن النزعة التجربية تبقى قاصرة عن تفسير وتبرير بعض التصورات مثل تصور العلية، وتحتاج لأجل تفسيرها وإيضاحها إلى ركائز غير تجربية، سيكون إشكالاً وارداً.