البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المسار التاريخي لحقوق الانسان في الاسلام وفي الغرب

الباحث :  أحمد عمران الزَّاوي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  11
السنة :  السنة الثالثة خريف 1419 هجـ 1998 م
تاريخ إضافة البحث :  January / 22 / 2015
عدد زيارات البحث :  265
المسار التاريخي لحقوق الإنسان‏ في الإسلام وفي الغرب‏

أحمد عمران الزَّاوي‏ (*)

عرف العالم الغربي حقوق الإنسان، لأوَّل مرة، عام 1789م، من خلال الوثيقة التي صدرت عن قيادة الثَّورة الفرنسيَّة. ثم أخذت هذه الحقوق وجهها العالمي في الوثيقة الصَّادرة عن الجمعية العامة للأُمم المتحدة في 10/2/1948م. وكان من الطبيعي أن تأتي الوثيقة الثَّانية، أكثر شمولاً وعمقاً من الأولى، لأن عوامل التطوّر كانت قد فعلت فعلها في سيرورة المجتمعات إبَّان المدّة الفاصلة بين صدور الوثيقتين.
ففي ظلِّ الوثيقة الأولى، قالت مدام رولان، وهي في طريقها إلى المقصلة، أيّتها الحرية كم من الجرائم ترتكب باسمك! كما عبَّر روبسپيير عن أسلوب الحصول عليها في مقالتيه الشهيرتين: «الحرية تُسْقَى بالدماء» و «الحرّية هي الاستبداد ضدّ الطغيان».
أمَّا في الوثيقة الثَّانية، وكان التَّطور قد بدأ يبدِّد ظلام الكون وفساد الهواء، فقد جاء النَّص على أن تلك الحقوق لم تعد كتلة من العطايا تتصدَّق بها على الشعب نُظُمٌ ثورية، بل أصبحت من أوّليات حقوق المواطن وأوّليات واجب الدولة.
لقد صدرت عن الكنيسة أوَّل صيحة في العالم الغربي لمكافحة الظلم.
نعم من الكنيسة، ولكنها كانت، في الحقيقة، احتجاجاً، وردَّة فعل، على مبدأ إبعاد الكنيسة عن السياسة. ذلك المبدأ الذي كان قد بدأ يتعمَّق في حياة الشعوب الأوروبية. وطفق يفكِّك أصابع الكنيسة الفولاذية عن عنق الحياة. وبدأت سلطتها تتراخى عن عنان المجتمعات التي ظلت تتحكّم به طوال خمسة عشر قرناً.
________________________________________
(*)محامي وناقد من سوريا.

[الصفحة - 216]


كانت «الصيحة» أنيناً صدر عن الكنيسة بصوت مرتفع، على شكل نداء شهير، عرف باسمها في ما بعد، وهو: الحقُّ لكل مظلوم في أن يكافح الظلم. ولكن فلاسفة القرن الثامن عشر وثواره لم يلبثوا أن فطنوا إلى خلفيات هذا النداء، فأسرعوا إلى تفريغه من معناه الديني، وتبنَّوه بلفظه بعد أن داروا به دورة كاملة، ووضعوا له أسباباً موجبة تتلخَّص في أن للفرد حقوقاً طبيعية سابقة لنشوء المجتمع لا يمكن أن يُقبَلَ النقاشُ فيها، وهي: حق الحياة والأمن، والملكية، وحرية التعبير، والعمل، وتكوين الأسرة، والمساواة، وهي جميعها ترزح تحت سلطة الأقوياء وظلمهم. لذلك كان من حقِّ الفرد أن يكافح ضد أي ظلم أو اعتداء وقع عليه أيّاً كان مصدره. وتلك المفردات، بمقدار ما هي حقوق للفرد، واجبات على الدولة التي هي في الأصل مفوَّضة من الشعب لإدارة شؤون أفراده وحماية حقوقهم. وهذا التفويض يسقط حكماً إن هي أهملت هذا الواجب، أو تنكّرت له أو اعتدت عليه.
إن حقوق الإنسان هي ذاتها في كل مكان. وفي كل زمان، ولكنها كانت تصادر، كلاَّ أو جزءاً، في بعض الظروف، لمصلحة فرد أو أفراد أو جماعة. لذلك يمكن القول: إن مفرداتها التي جاءت في وثائق الغرب، لم تبتكرها تلك الوثائق بل هي موجودة منذ أن وجد الإنسان. والاختلاف، في النظرة إليها بين الغرب والإسلام، انحصر في الوسائل الكفيلة بصيانتها وحفظها من الاختراق. وما دمنا قد تتبَّعنا مسيرتها التاريخية في الغرب، ينبغي أن نتعرف إلى تاريخها في الإسلام.
إنَّ أيَّ مؤرخ لتلك الحقوق لن يكون منصفاً إن أغفل، أو تجاهل، «وثيقة المدينة» التي وضعها النبيُ (صلي الله عليه و آله و سلم) حينما نزل في يثرب مهاجراً من مكة. فتلك الوثيقة تعدّ أوّل دستور جمع الناس جمعاً سياسياً، على أساس المواطنيَّة من دون تفريق في «الجنس» أو «الدين» أو «اللغة» أو «اللون»؛ إذ جاء فيها:
«بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏
هذا كتاب من محمَّد النبي، رسول اللَّه، بين المؤمنين والمسلمين، من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم: أنهم أمَّة واحدة من دون الناس،
________________________________________

[الصفحة - 217]


وأن يثرب حرام وجوفها لأهل هذه الصحيفة، وأنه ما كان بين أهل هذه الصَّحيفة من حدث أو أمر يخشى فساده، فإن مردَّه إلى اللَّه وإلى محمد رسول اللَّه».
وقد ذكر «محمد حميد اللَّه»، في كتابه «الوثائق السياسية في عهد النبي»، نقلاً عن «تاريخ المدينة» للمطري، أن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) أرسل بعض أصحابه ليبنوا أعلاماً على حدود المدينة شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً.
تلك الوثيقة، وما ورد في القرآن، وفي خطب النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وبخاصَّةٍ في حجَّة الوداع، وما ثبت عن الخلفاء الراشدين أدلَّة على أن الفكر الليبرالي الذي أطلقه الفيلسوف الإنكليزي «جون لوك» (1) والفيلسوف الفرنسي «جان جاك روسو» في العقد الاجتماعي‏ (2) لم يكن أكثر مما جاء به الإسلام.
فقد تحدَّث هذان المفكران عن حقوق الإنسان، بما كان الإسلام قد طبّقه في الحياة، على نطاق أوسع وبضمانات أخلاقية واجتماعية أشدّ وأمتن. فالحرص على كرامة الإنسان، والمساواة بين أفراد الجنس البشري، والقدرة على احتواء التعددية في المجتمع الإسلامي، ووضع ضوابط الحرية ووسائل حمايتها، ذلك كله يمثل أبجدية النظام في الإسلام.
ويمكن للباحث أن يلاحظ ما يلي: إن بريطانيا لم تقرر التسامح مع الكاثوليك إلاّ في عام 1829م، ومع اليهود إلاّ في عام 1842م، ومع الملحدين إلاّ في عام 1878م. وأن الجمعيَّة التأسيسية الفرنسية التي أعلنت حقوق الإنسان، في كل مكان، لم تقرر فصل الدِّين عن الدَّولة، بل اكتفت بإبعاد الكنيسة عن السياسة وتحرير كنيسة فرنسا من سلطة البابا. وأن «فولتير» ألحَّ على أن تكون الكاثوليكية ديناً رسمياً يجب أن ينتمي إليه جميع المواطنين. وأن روسو، اختتم «العقد الاجتماعي» بضرورة النص على الهوية الدينية للدولة ومعاقبة الخارجين عليه بالإعدام. ويخلص إلى القول:
في حين أنَّ «حقوق الإنسان» طرحت إلى الاستهلاك في العالم الغربي مع هذه العيوب التي تعتورها، فإن الإنسان في الإسلام تمتَّع بأوسع منها. ولم يفرض عليه من القيود إلا القليل، خدمة لصالحه وصالح غيره من أبناء المجتمع. وفي ما يأتي مقارنة مختصرة:
________________________________________
(1)جون لوك: هو فيلسوف إنكليزي عاش بين 1632 و1704م. بالرغم من دعوته الشديدة إلى فصل الزمني عن الروحي، فإنَّه لم يطلب علمانية الدولة، ولم يتسامح مع الملحدين والكاثوليك. أهم مؤلفاته هو «محاولة في الفهم البشري» الذي انتهج فيه أسلوب البحث الاستباقي عن إمكانيات العقل البشري. وقد عُدَّ هذا الكتاب من أهم المؤلفات في تاريخ الفلسفة. ويُعَدُّ فكر جون لوك، في هذا الكتاب وسواه، من أهم مصادر الإشراق الفكري الفرنسي في القرن الثامن عشر.
(2)جان جاك روسو: ولد في جنيف وعاش بين 1712 - 1778م. وقضى أكثر عمره في فرنسا حيث مات فيها.. نشر في عام 1761م، كتاب «جوليا أو إيلونيز الجديدة» وفي نيسان 1762م، نشر كتاب العقد الاجتماعي. وفي أواخر أيار من عام 1762م، نشر كتاب «إميل».

[الصفحة - 218]


أـ إنَّ المساواة، في الإنسانية، هي أول الأولويات في النصوص، ففي «القرآن» الكريم و «خطب النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)» و «سِيَر الراشدين» أمثلة ساطعة على أن التفاضل بين الناس لم يُبن على حسب أو مركز بل بني على التقوى. وهي حق إلهي قرَّره اللَّه للعباد وأوجب على السلطان حمايته.
هذا الحق الذي سبق فيه الإسلام «صيحة روسو» (3) بعشرة قرون، لم يقتصر السبق فيه على الزمن فحسب، بل سبقهما، في العمق والمساحة. وتفصيل ذلك كالآتي:
ـ صيحة روسّو، اكتفت بعرض مأساة الإنسان، في حين أن مبدأ الحرية عند الإسلام هو مبدأ تقريري جاء على شكل قانون أبدي:
{ يا أَيُّها النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم من ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وقَبَائِلَ لتَعَارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُم عند اللَّه أتقاكُمْ }{الحجرات/13} .
«أيّها الناس، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض، ولا لأبيض على أحمر إلا بالتَّقوى». (من خطبة حجة الوداع)
ـ وفي حين أن روسّو طالب بالإعدام لمن يخالف دين الدولة أطلق القرآن الحرية للعقائد كافة، فجاء فيه: { لا إِكْرَاه في الدِّين.. } {البقرة/256} { وقُلِ الحَقُّ من ربِّكُم فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ ومَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرُ }{الكهف/28 و29} .
وجاء في الوثائق الإسلاميّة: «لنجران وحاشيتها عهد اللَّه وذمة رسول اللَّه في أموالهم وأنفسهم ومقدساتهم. لا يغيَّر أسقف عن أسقفيَّته ولا راهب عن رهبانيَّته، ولا يحجرون ولا يعشرون ولا يطأ أرضهم جيش» (من وثيقة العهد مع نصارى نجران)
ـ وإن كان كلٌّ من فولتير وروسو أوجب حماية الكاثوليكية، بوصفها ديناً رسمياً لا يقبل التعدُّد في المجتمع، نصّ القرآن على أن الجدل مع أهل الكتاب ينبغي أن يكون بالحسنى، بعيداً عن العنف والفوقية { وجَادِلْهُمْ بالتي هي أَحْسَن } {النحل/125} .
ب ـ وفي الحدود التي يجب على السلطة ألاَّ تتعدَّاها، نجد الاختلاف الكبير بين الإسلام والغرب.
________________________________________
(3)صيحة روسو وردت في مقدمة «العقد الاجتماعي»، وهي: «ولد الإنسان حراً وهو في كل مكان مكبل بالأغلال».

[الصفحة - 219]


ـ فأبو بكر (رحمه الله) قال: أيُّها الناس، وُلِّيت عليكم، ولست بخيركم، أطيعوني ما أطعت اللَّه فيكم، فإن عصيته، فلا طاعة لي عليكم». وعمر (رحمه الله) كان يقول: «أيها النَّاس من رأى فيَّ اعوجاجاً فليقوِّمه».
أمّا إمبراطور ألمانيا، في سنة 1897، أي بعد مئة عام على وثيقة الثورة الفرنسية، فكان يعلن للشعب: «إنني مفوض من اللَّه، لذلك أرفض مراقبة أحدٍ من مخلوقات اللَّه».
جـ ـ وفي حين أصرَّ فلاسفة الثورة على عدم التَّعدُّدية في المجتمع، كان المجتمع الإسلامي يضم مختلف الطوائف التي حظيت جميعها بالحقوق التي حظيت بها الفئة المسلمة، حتى إن عمر بن عبد العزيز (رحمه الله) كتب إلى ولاته في جميع الأمصار، لحماية الحرية الدينية في الكنيس والكنيسة وبيت النار. وكان يزور الأديرة والمعابد، ويردِّد على الدَّوام كلمته المشهورة: «إن اللَّه بعث محمداً هادياً لا جابياً».
د ـ أمَّا حرية التعبير، وهي، من الناحية العلمية، حرية مراقبة تصرفات المسؤول التي يُقابلها ويُوازيها قبول المسؤول لمبدأ المراقبة، فلن يجد المدقِّق في تاريخ الأمم فوق ما رآه وسمعه من الخليفة الأول الذي خاطب الناس قائلاً: «أطيعوني ما أطعت اللَّه فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم». أو ارتياح الخليفة الثاني، لجرأة ذلك الأعرابي الذي خاطبه بجهارة: «واللَّه لو رأينا فيك اعوجاجاً لقوَّمناه بحدِّ سيوفنا».
هـ ـ والأسرة التي لم تعرف طعم الاستقرار في الغرب، حتى الآن، أضفى عليها الإسلام ثوب القداسة؛ إذ اعتبرها آية من آيات اللَّه. { وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ من أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إليْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً ورَحْمَةً } {الرّوم/21} .
وحضَّ على التراحم بين الأبناء والآباء بصيغةٍ لم يعرف لها التاريخ مثيلاً حتى الآن. ففي سورة لقمان، أوجب الشكر للوالدين، بعد الشكر للَّه ومعه، على نعمة الحياة والتَّربية. { وَوَصَّيْنا الإنسانَ بوَالِدَيْهِ حَمَلَتْه أُمُّه وَهْناً على وَهْنٍ وفِصَالُه في عامَين أن اشْكُر لي ولِوَالِدَيْكَ إليَّ المصير } {لقمان/14} وفي سورة الإسراء، أوجب
________________________________________

[الصفحة - 220]


على الابن مراعاة الأبوين، واحتمال الأذى والذل منهما أو بسببهما. فذلك يعتبره اللَّه رحمة وتراحماً منه. { وَقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاه وبِالوَالِدَيْنِ إحْسَاناً. إمَّا يَبْلُغَنَّ عنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهِمَا فلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَريماً. واخفِضْ لهما جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَة وقُلْ ربِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّياني صغيراً } {الإسراء/23 و24} .
و ـ العمل الذي عدّه الإسلام واجباً دينياً، حضَّ عليه، مثلما حضَّ على الفرائض ولم يقدم، من الواجبات عليه، غير الصلاة: { فإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأَرْضِ وابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّه }{الجمعة/10} .
وفي الحديث: «ما أكل أحدُكُم طعاماً خيراً من عمل يده».
وفي أقوال الإمام علي (عليه السلام): «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً».
ز ـ أمَّا الظُّلم فقد كافحه الإسلام أينما كان، ومن أي جانب صدر. وجعل محاربته واجباً دينياً على الحاكم، والتصدي له حقاً دينياً للمظلوم كما اعتبره كفراً صريحاً وتوعد الظالمين بالعذاب الأليم.
{ ولا تَحْسَبَنَّ اللَّه غَافِلاً عَمَّا يَفْعَلُ الظَّالِمُون } {ابراهيم/42} .
{ إنَّ الَّذين يأكُلُونَ أَمْوَال اليتامى ظلماً إنَّما يأكُلُون في بطونهم ناراً } {النساء/10} .
وقال الإمام علي (عليه السلام): «ما جاع فقير إلا بما مُتِّع به غني، وما رأيت نعمة موفورة إلا وإلى جانبها حقٌّ مضيَّع». وكان قد بلغه أن أحد عماله يعبث بالأموال العامة، ويحوّل بعضها إلى مصلحته، فكتب إليه: «فاتَّق اللَّه، واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم، فإنك إن لم تفعل، ثم مكَّنني اللَّه منك، لأُعْذرَنَّ إلى اللَّه فيك. واللَّه لو أن الحسن والحسين فعلاً مثل الذي فعلت ما كان لهما عندي هوادة ولا ظفرا مني بإرادة حتى آخذ الحق منهما وأزيل الباطل من مظلمتهما».
ح ـ ولم يضاهِ العمل في الإسلام غير العلم. فقد اعتبر السعي إليه فريضة مهما بعدت مواطنه. ومنزلة العلماء في القرآن جاءت بعد الملائكة: { شَهِد اللَّه أنَّه لا }
________________________________________

[الصفحة – 221]


{ إله إلاّ هو والملائكةُ وأُوْلو العِلم قَائماً بالقِسْط } {آل عمران/18} { إنَّما يَخْشَى اللَّه من عِبادِهِ العلماءُ }{فاطر/23} . وفي الحديث: «تفكير سَاعَةٍ واحدة خير من عبادة سنة»، «اطلبوا العلم ولو في الصين».
وعن الإمام علي (عليه السلام): «قيمة كل امرى‏ء ما يحسنه، وأقلُّ الناس قيمة أقلُّهم علماً».
تلك الفقرات الثماني، قدَّمتها أمثلة، وحمَّلتها غايتين:
الأولى: لتقديم الدليل على أن ما جاء في «ليبرالية ـ لوك» و «فلسفة روسو» و «وثيقتي حقوق الإنسان»، وهو ما يزداد به الغرب زهواً، إنما كان نقلات إنسانية حضارية سبقها الإسلام بقرون عديدة، حينما جعل من حقوق الإنسان خبز الحياة اليومي، وقرَّر أنها تسير موازية لواجب الدولة بحمايتها.
ولم يكن السَّبق زمانياً فحسب، بل إنه سبق في حجم الحقوق ومساحتها، حيث شملت في الإسلام جميع نواحي الحياة الخاصة ونواحي الحياة الاجتماعية.
الثانية: لكي أثبت أن أمَّتنا لن تأخذ دورها الحضاري، بالتقليد الحرفي للغرب، والاحتباء تحت موائده الدستورية والقانونية بل يتم لها ذلك بأمور منها:
ـ التَّحديق جيِّداً في ما آلت إليه حالنا.
ـ والبحث عن العلاج الذي يتَّفق مع خصائصنا، مبتدئين بالتُّراث الذي نجد فيه كيف تحول «التَّفتُّت إلى وحدة» و «الجهل إلى علم» و «التبعية إلى أمة حضارية ظلت تضخ أنوار المعارف إلى أبناء الإنسانية ثمانية قرون».
ـ وما دام أنَّ أمَّتنا عرفت حقوق الإنسان ونشرتها في العالم الإسلامي وسواه قبل أن يعرف العالم شيئاً من هذه الحقوق، فإن الالتفات عن هذا التاريخ والافتتان بما أخذه الغرب منه وعنه، هو من باب «العبث والاستهتار بالتاريخ وبالذات».
وإذ يقولون: إن فكرة العقد الاجتماعي هي من إبداعهم، ليس لها قبلهم سابقة. نستطيع أن نقول: بما أن فكرة العقد تقوم على افتراض وجود اتفاق ضمني تلتزم الدولة فيه، بوصفهاالفريق الأول، بتأمين حق الحياة والحرية للفرد الذي هو الفريق الثاني. ويلتزم الفرد في المقابل بإطاعة القوانين والأنظمة، فإنَّ البيعة التي
________________________________________

[الصفحة - 222]


عرفها الإسلام، قبل أربعة عشر قرناً، دون سابقة لها في تاريخ الأمم، هي فكما قال السنهوري ـ : «عقدٌ مستوفٍ لأركانه»: «مبناه الرضا» و «أطرافه الإمام والأمة». و «موضوعه توكيل الإمام ونيابته عن الأمة في تصريف أمورها»، كذلك قال ابن خلدون قبل السنهوري بأكثر من ستة قرون في مقدمته:
«وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده، جعلوا أيديهم في يده تأكيداً للعهد فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري». هنا ملاحظة لا بد من لفت النظر إليها، وهي: الرجاء ألا يحتمل كلامي على أنه دعوة إلى إحياء النظم السابقة، إحياءً حرفياً، بعد مرور هذا الزمن، وبعد تراكم هذه المستجدات في حياتنا، ولكنني ـ وأبواب القرن القادم تفتحت على مصاريعها، وهي لن تستقبل بالتكريم، غير من تحصَّن بالأخلاق وتسلَّح بالعلم ـ أردت أن أنبِّه إلى ضرورة عدم نبذ التراث، وعدم الأخذ بحرفيته في وقت واحد. والاستعاضة عمّا تقدم بإحياء صوره، لكي يكون حافزاً، وعمقاً استراتيجياً، لفكرنا وخصائصنا في معركتنا الحضارية القادمة.
والآن، هل تستطيع الحقوق التي أقرَّها الإسلام أن تتعايش مع ثوابت العصر الحديث أو أنها تحتاج إلى تبديل أو تعديل؟
إن ما وصفه السؤال ب «ثوابت العصر الحديث» هو مجموعة النظم الدينية والأخلاقية التي تعتمدها المجتمعات الغربية أساساً للحياة، كما تعدُّها رسالة اجتماعية تكلَّفت بنشرها بين الأمم.
ومع أن تقويم مدى ما استطاعت امتصاصه تلك النظم من مشكلات المواطن الغربي هو من اختصاص ذلك المواطن ومن مصلحته الذاتية، فإننا، في المطلق، نرفض أن تكون النُّظم المذكورة «ثوابت» بالنسبة إلينا.
نحن نؤمن بأن اللَّه خلق الإنسان وأودع فيه حاجته إلى التطور وقدرته على التأقلم مع ظروف الحياة المتحرِّكة إلى الأمام دوماً.
ومنذ أن خلق اللَّه البشر، أمماً وشعوباً، خلق في كل أمةٍ خصائص لا يشاركها فيها سواها. وبالتالي لا تستطيع أية أمة أن تتطور بخصائص أمة أخرى وأن تحذو خطاها حذواً دقيقاً.
________________________________________

[الصفحة - 223]


هذه الحقيقة، التي هي ناموس كوني، يريد الغرب شطبها من حياة الشعوب وإلزامها بالتزام نهجه.
فهو لم يكفه أن استلم قيادة المادة، من مكتشفات ومخترعات، بل تطلَّعت عيناه إلى القيم والأخلاق لكي يفرض ما عنده على الشعوب، معتبراً أن غير ما لديه هو تخلف وظلام، مهما كان مصدره، جاهلاً أو متجاهلاً أن ما يصحُّ غرسه في تربة قد لا يصحُّ في تربةٍ أخرى.
وبعد، كيف ينظر الغرب إلينا؟ وكيف يتعامل معنا؟ وبأي ميزان يقوِّمنا؟ وتلك المائدة التي يقدِّمها إلينا طافحة بالهدى والإرشاد المادي والأدبي هل خلت أصنافها من الاحتيال والاستغلال، وقُدِّمَتْ خالصةً لوجه الإنسانية والحضارة.
إن أبلغ الأجوبة وأعمقها، وأبعدها في فهم نوايا الغرب، وجدتُها في فقرة من خطاب، كان قد وجّهه واحد من قادة شعوب العالم الثالث إلى طلاب المدارس الدينية وجاء فيها:
«إذا لم تلتفتوا إلى السياسات التي يسوِّقُها الإمبرياليون، وظللتم عند فكرة: أن الإسلام ليس أكثر من الموضوعات القليلة التي تدرسونها ولا تتجاوزونها، فإن الإمبرياليين سيتركونكم وشأنكم، أقيموا الصلاة ما شئتم. إنَّ الذي يريدونه هو بترو لكم، لا شي‏ء يقلقهم في صلواتكم وأدعيتكم إنهم يريدون معادننا ويريدون تحويل بلدنا إلى سوق لبضائعهم. ولهذا السبب تقوم الحكومات العميلة التي نصَّبوها بمنعنا من التَّصنيع ولا تنشى‏ء عوضاً عن ذلك إلا مصانع تجميع وصناعات معتمدة على العون الخارجي».
هذا القول الواضح، العميق الثورية، لم يصدر عن قائد الثورة الكوبية، ولا عن قائد الفاتح من أيلول، ولا عن قائد الثالث والعشرين من تموز، بل صدر عن قائد إسلامي معمَّم، هو آية اللَّه الخميني.
لقد تكلَّم هذا القائد الفقيه العالم بألسنة مئات الملايين التي يتشكَّل منها ما سموه بـ «العالم الثالث»، فنقل بعباراته الواضحة حقيقة نوايا الغرب تجاهنا وأسلوبه في التعامل معنا.
________________________________________

[الصفحة - 224]


أسلوب ينطلق من مصالحه ليصبَّ في مصالحه.
فالاستعمار يريد من الشعوب الإسلامية أن تبقى ملتصقة بمواقعها السلفيَّة الحَرْفيَّة، التي لم تعد قادرة على المشاركة في صنع أحداث الحياة، ويلقي بكل قواه ووسائله لكي تبقى في حالة التجمد والشلل، لتستمر الوصاية من جانبه ونقصان الأهلية من جانبنا.
لذلك نراه يدعم، بالمال والسلاح والإعلام، جميع الحركات الرجعية التي تعود بالإسلام إلى الوراء مئات السنين. ويدفعها دفعاً على دروب التخلف، ويستحسن بالتَّصفيق والتأييد حمَّامات الدم التي تدفقت في البلدان الإسلامية باسم الدين، والدين بري‏ء منها.
الإسلام دينٌ عالمي، ما زال منذ أربعة عشر قرناً يعيش في مجتمعات وحضارات وثقافات مختلفة ومتنوعة، بل وبعضها يتعارض مع بعضها الآخر، ولا يزال حتى الآن يملأ رؤوس أكثر من مليار من البشر اختلفت لغاتهم وأجناسهم وألوانهم وأنسابهم وثقافاتهم وأصول الحكم عندهم.
وفي هذا دليل قاطع على مرونته وقدرته على الحركة مع الحياة، وجواب حاسم على أنه يستطيع أن يعيش متطلبات العصر الحديث وتكاليفه، من دون أن يهجر أخلاقياته هجراناً مطلقاً.
بل وأكثر من ذلك، فهو يستطيع أن يحقق فضائل العلمانية كافة ـ دون هجران مثله ـ وفي طليعة تلك الفضائل ديموقراطية الحكم واحترام حقوق الإنسان. لأنها في مجملها ـ تعبّر عن احترام الإنسان وتكريمه، وهي الغاية التي اعتبرها الإسلام من حقوق العباد التي بها يقوَّم صدق العلاقة مع اللَّه. وكل مجتمع يخلو من هذه الفضائل، أو يتنكَّر لها، هو مجتمع مرفوض من الإسلام رفضاً قاطعاً.
ثمة أمرٌ هام يجب عدم إغفاله، وهو: إن العلمانية، بصورها المتعدِّدة، لاتُستنسَخ من بلدٍ إلى بلد مثلما صار استنساخ «دوللِّي»، أي لا تطبَّق في جميع البلدان، وفق ثوابت واحدة من القوانين والأنظمة، فلم يسبق أن كانت أسلوباً
________________________________________

[الصفحة - 225]


واحداً، وهي لن تكون كذلك، لأنها فكأيَّة نظرية فلسفية أو اجتماعية فحينما تنتقل من مكان إلى مكان وتتحرك من زمان إلى زمان يختلف وضعها الثاني عن وضعها الأوَّل في الشكل والمضمون. وهي على الدوام، تطرد مُعَاكِسها الاجتماعي القائم والذي يكون قد تكوَّن من تراكمات اجتماعية تختلف من بلد إلى آخر. أما ملامحها الأساسية فتكادُ تكون متشابهة.
ـ تقوم مبدئياً على فكرة استيعاب الجميع في إطار المواطنيَّة من دون تمييز أو انحياز، بينما كانت مصلحة الفئة، أو الطبقة، هي الوجه البارز المتحكم في المعاكس الاجتماعي.
ـ وفي الأنظمة الحديثة التحديث، ذات التجربة المحدودة، تتخذ العلمانية ذاتية الدولة، التي تمثل في الغالب فئة أو طبقة مخصوصة، فتفرج عن بعض حقوق الإنسان المتعلِّقة في مجال العبادات والملكية وغيرها، بالمقدار الذي لا يهدد امتيازاتها، ولا يؤدي إلى زعزعة يدها عن الزِّمام.
في حين أن الأنظمة العلمانية، ذات الصلة الوثيقة بحقوق الإنسان، تنهج نهج التعددية المحمية من النظام، في الدين والتعليم والأسرة والتعبير وسواها.
ـ ثم ـ وهذا مهم ـ: في الأنظمة الحديثة التحديث تمر محدلة الحكم على جسد المجتمع لتلغي منه جميع تضاريس المعارضة، راسمة للتجانس صورة تتفق مع دولاب المحدلة العريض الثقيل.
هنا ـ بكل أسف ـ لا بد من الإشارة إلى أن إخماد المعارضة يُشكِّل هدفاً أساسياً حتى في البلدان الحديثة جداً. والاختلاف يكون بأسلوب التصرف.
ففي الأنظمة الأولى التي غالباً ما يكون استلامها للقيادة بالقوة يظل الهدف الماثل دوماً، هو إقصاء المعارضة، بالوسائل المناسبة المتنوعة، وذلك لكي يبقى النظام مطمئناً من حدوث التشقُّقات في الهرم السلطوي.
وفي النظام الحديث جداً تختفي الأسماء لكي يتم التصرف لصالح نظرية اجتماعية أو اقتصادية، فتتخذ جميع الإجراءات القانونية والتنظيمية لمنع أية فكر أو نظرية معاكسة من الحياة في المجتمع.
________________________________________

[الصفحة - 226]


وللمثال، فقط، أسوق تحليلاً عما يجري في البلدان التي تقول عن نفسها إنها أعرق البلدان في الديموقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان.
ـ أباحت الأنظمة الغربية حرية التعبير، من دون قيد أو مراقبة، ولكنها لم تتخذ أية وسيلة لتكفل تلك الحرية وممارستها من قبل أصحاب الحق فيها. كما أنها بالمقابل منحت وسائل الإعلام المقروءة منها والمسموعة والمرئيَّة حرية مطلقة في نشر ما تشاء والامتناع عن نشر ما تشاء.
وبما أن جميع وسائل الإعلام مرتبطة ببيوت المال الكبرى، إما مباشرة أو بالواسطة، وهي إما مملوكة لتلك البيوت أو مموَّلة منها. وبما أن بيوت المال لا يهمها غير مصلحتها، لذلك لن تنشر، ولن تسمح بنشر، أي شي‏ء يمس مصالحها السياسية أو الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة، وبذلك: تقوم ثنائية لا مجال إلى إلغائها أو فرض المصالحة بينها:
«أنت حر في التعبير عن رأيك، حول السياسة الداخلية والخارجية وحول الاقتصاد والإعلام وتصرُّف المسؤولين وسيطرة رأس المال. ووسائل الإعلام المملوكة جميعها من بيوت المال، حرة في أن تنشر آراءك أو لا تنشرها. وهي ـ دوماً ـ لا تنشر ما يضر بمصلحتها السياسية والاقتصادية. وهي في تصرفها تسير تحت مظلة النظام الحر».
وبالتالي، يبقى تعبيرك مسجوناً لا يتجاوز شخصك، ويبقى النص على «عموم حرية التعبير» عبثاً لفظيّاً، ليس له غطاء تنفيذي.
ـ كذلك تنص أنظمة الغرب، الشديد التحديث، على حرية العمل. وما على العامل إلا أن يقرأ ويفرح لأن النصوص سمحت له بأن يختار بحرية: «أن يعمل» و «أن لا يعمل». ولكن المفاجأة تذهله، وهو يقرأ الصفحة الثانية من تلك الأنظمة التي منحت الحرية الكاملة لصاحب العمل في الاستخدام ورفضه من دون مراقبة أو محاسبة.
لذلك تقوم الثنائية المتعارضة من جديد. العامل محتاج إلى العمل اليومي، لأن عمله مصدر رزقه الوحيد، ورب العمل لا يستخدمه إلا ضمن شروط تحقق له
________________________________________

[الصفحة - 227]


أقصى الربح لقاء أدنى الأجور، فلا تلبث الكفة أن تميل لصالح رب العالم؛ حيث يتنازل العامل عما يملكه من الحرية، تحت ضغط الحاجة التي سحقته، فيرضى بالشروط المذلة التي يفرضها التعاقد.
وبذلك تبقى «حرية العمل» مثل سواها، «حشيشاً فكرياً لا يُسمن ولا يغني من جوع».
ومثلما أفرغ رأس المال «حرية التعبير» و«حرية العمل» من مضمونهما واستدار بهما دورة كاملة، كذلك فعل ويفعل في جميع الحقوق الأخرى. هذه الديموقراطية هي كلام مرسل، عاجز عن أن يثبت وجوده في الواقع.
طبعاً لن نستطيع أن ننسى أن أنظمة الحكم الغربية هي أنظمة القوانين والمؤسَّسات ومجالس التشريع والصحف والأحزاب السياسية والقيادات الفكرية التي تهب من كل صوب.
ونحن في ما قدَّمناه، لا ندافع عن الضَّياع الحضاري الذي يكتنف أمَّتنا، ولا نسعى إلى تفضيله بحرفيته الواقعية على أنظمة القانون والمؤسسات.
ولكننا سقنا الأمثلة: لكي نسوِّغ بها الدعوة إلى عدم الافتتان بالأنظمة الغربية، وإلى أن استنساخنا صورة عنها لن يحقق لنا ما نصبو إليه من تقدم.
بقي أن نبحث، بشي‏ء من التعمق عن أسباب الأخدود الفاصل بين النصوص الديموقراطية وبين عدم تنفيذها .
سوف نحاول، في ما يأتي، أن نقف على الأسباب مؤكدين سلفاً أنه اجتهاد قد تعترضه اجتهادات. وقد تحمل من الصواب أكثر مما تحمله هذه، ومع ذلك فإن في تعدد وجوه الاجتهاد مصلحة حقيقية للفكر.
قامت ديموقراطية الغرب على الأفكار التي كان قد طرحها الدكتور «مارتن لوثر» بين الناس في أوائل القرن السادس عشر.
لقد بحث هذا الراهب طويلاً في ما تركه السيد المسيح والآباء الأجلاء من بعده، فلم يجد في جميع ذلك ما يسوِّغ تسلط الكنيسة على نفوس الناس وأموالهم.
________________________________________

[الصفحة - 228]


كانت دوافعه الأولى إبعاد الكنيسة عن الحياة السياسية، متذرِّعاً عن يقين بأن مملكة اللَّه ليست من هذا العالم، والحرية التي دعا إليها المسيح هي حرية الروح من أغلال الدنيا ومفاتنها، والخلوص الكامل للَّه. لذلك قال قولته الشهيرة: «اتركوا مالقيصر لقيصر وما للَّه للَّه».
وبمقتضاها ينبغي لمن يريد الخلاص أن يحمل صليبه، ويترك الدنيا لأبنائها، فذلك وحده يحق له نعمة الدخول إلى الحياة الأبدية وملكوت اللَّه مع الابن والقديسين.
هذه الأفكار: انتشرت بين الناس انتشاراً سريعاً، وبخاصَّة بين البرجوازيين الذين كانوا ينوؤون تحت ثقل طلبات الكنيسة التي لا تنتهي، فسرعان ما دفعوا أفكار لوثر فوق الرؤوس، واعتمدوا عليها في قيادة الحكم والعلم والاقتصاد، من دون أن يقابلوا من اللوثرية بأي اعتراض.
فالديموقراطية الغربية، أي العلمانية التي قامت، كما زعموا، على فهمٍ عميق لمقالة السيد المسيح، التي قضت بإقصاء الدين عن حركة الحياة، لم تعمل (على إيجابية الإقصاء) على إيجاد غطاء أخلاقي ينبعث من النفس‏ (4) مكتفية بإقامة سياجٍ من القوانين والأنظمة لحماية الديموقراطية المادية الجديدة.
أمَّا تلك الأنظمة فلم تكن محصَّنة بما يكفي، فلا تزال الحوادث تثبت، من كل يوم، أنها قابلة للاختراق من أصحاب الذكاء الاحتيالي الذين هم على يقين عقائدي أن اختراقهم هذا لا يمس قواعد الدين والإيمان لأن المسيح، قسم التركة قسمة نهائية ففصَلَ بموجبها بين ما للَّه وما للإنسان، من دون طغيان من أحدهما على الآخر.
فخلوُّ هذه الديموقراطية من الرَّادع الديني جعلها تفتقر إلى عنصر القناعة الذي كان يتركز في الصدور قبل أن يطرد منها. وبالتالي جعلها تستعيض عن الرادع الأخلاقي بالرادع القانوني.
نعود، بعد هذا، لنلقي نظرة على الرصيف الثاني؛ حيث يقف فَهْمُ الإسلام للديموقراطية ـ لنجد الثابتة التالية:
________________________________________
(4)نتحدث عن وقائع ولا ندافع عن الكنيسة.

[الصفحة - 229]


إنَّ الحرِّيات التي مارسها الفرد في النظام المذكور: حرية الاعتقاد، والتعبير والعمل، والملكية، والعلم، والأسرة، والمساواة في الإنسانية، وغيرها قامت على نصوص إلهية قاطعة في الدلالة على أنها حق إلهي للإنسان الذي كرمه اللَّه، وواجب ديني على الدولة. فالمطالبة بها من قبل صاحبها عمل أخلاقي. وكلٌّ من منحها وحمايتها عمل أخلاقي أيضاً، وكلاهما يجد الأساس الثابت في الكتاب والسنّة.
لذلك يمكن القول:
قامت فلسفة الديموقراطية في الإسلام على أوامر إلهية بتوفير الأمن والسعادة للمواطن أيّاً كان موقعه الاجتماعي وجنسه ولونه ولغته، وهي فلسفة مورست عملياً في حكومة المدينة والراشدين. ولم يمنعها من أخذِ أبعادها الكاملة أنَّ المجتمع الذي طرحت فيه كان مجتمعاً قبلياً، تمزقه الخلافات والأحقاد والغزو والثأر. وقد استطاعت أن تنجب العظماء، على مستوى العلم والحكم والزهد والأخلاق ولن يضير البحث تذكير القارى‏ء بما قاله رسول قيصر الروم إلى عمر(ر) حينما وجده نائماً على الرمال من دون أي سقف يقيه حرارة الشمس المحرقة، وقد وضع الذُّرَّة تحت رأسه والعرق يتصبب من جبينه: «عدلت يا عمر، فأمنت فنمت، وملكنا جار فامتنع النوم عن عينيه».
وعلى المستوى الشعبي، حيث لا شي‏ء يعوق تفتح المواهب ونمو الشخصية، عرف التاريخ الكثيرين من تلك النجوم التي ظلت تسطع قروناً عديدة، وروي الكثير عن ذلك الكثير، وما على طالب المزيد إلا أن يعود إلى المدونات الموثوقة ليقرأ فيها صور التفوق الذي أذهل العالم وملك عليه أنفاسه.
لذلك، استنكرنا مع المستنكرين أن نلبس رداءً مستنسخاً، ورفضنا مع الرافضين إصرار الغرب علينا أن نكون الصدى لصوته والظل لأنظمته. فأنظمته أفرزتها ظروفه الاجتماعية التي قضت بأن تكون النُّظُم على مقاساته الاجتماعية والأخلاقية طولاً وعرضاً، وهي مقاسات تختلف عن مقاساتنا اختلافاً جذرياً، ما جعل عملية الاستنساخ محكوماً عليها بالفشل.
وإننا، في ختام هذه الفقرة، نشد انتباه القارى‏ء إلى صورتين:
________________________________________

[الصفحة - 230]


الأولى: هي صورة محزنة لما يجري في الجزائر وفي أفغانستان وغيرهما من الدول الإسلامية، ترسمها وتعيد رسمها، في كل يوم، بمداد من دماء الأبرياء، جماعةٌ فهمت أوامر الدين ونواهيه فهماً خاطئاً، فقادها الخطأ إلى الارتكاب الذي وصل بها إلى مواضع الكفر.
الثانية: هي ما جرى ويجري في إيرلندة؛ حيث بلغ العنف الدموي بين البروتستانت والكاثوليك إلى نقطة اللارجوع.
كذلك ما جرى ويجري في «كوسوفو» وما جرى ويجري في البوسنة. من القتل والتدمير والتهجير واغتيال الحقوق الإنسانية الأساسية اغتيالاً ينتمي إلى أخلاق الوحوش.
ففي الصورتين:
ـ تماثل في ارتكاب العنف اللامحدود، الذي تمرَّد على جميع الرَّوادع الأخلاقية من دينية ومدنية.
ـ وتعارض في المفاهيم التبريرية:
ففي الأولى، فقد الرادع الأخلاقي، لأن منابعه الإيمانية جفت، بعد أن صار تحديد الحلال والحرام أو المسموح به والممنوع من مهمات القوانين البشرية.
وفي الثانية، تورَّمت المشاعر الدينية، على طريقة التكاثر السرطاني، ملتهمة جميع العواطف الإنسانية الأخرى، فلم يعد من فرق في المحصّلة الأخلاقية بين الأولى والثانية.
________________________________________

[الصفحة - 231]