البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

ملامح النظرية الاجتماعية في تفسير الميزان

الباحث :  د زهير غزاوي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  10
السنة :  السنة الثالثة صيف 1419 هجـ 1998 م
تاريخ إضافة البحث :  January / 21 / 2015
عدد زيارات البحث :  361
ملامح النظرية الإجتماعية في تفسير الميزان
(قضية المرأة)
د. زهير غزّاوي‏ (*)
تمهيد
تُعَدُّ البحوث الاجتماعية علماً له أركانه وأساطينه، ويرى بعض الباحثين أنّ العرب كانوا روّاده عن طريق ابن خلدون، في مقدمته الشهيرة؛ لكن البحوث الأوروبية أسَّست لعلم كهذا، عبر مجموعة كبيرة من الباحثين كان أوغست كونت رائدهم‏ (1) .
يتشارك علم الاجتماع (السوسيولوجيا) مع المنظورات العلمية كافّةً في الافتراض القائل بوجود نظام من الطبيعة، ومن أن بالإمكان اكتشافه ووصفه وفهمه، فهي تهدف إلى اكتشاف النظام الذي يسم الحياة الاجتماعية للإنسان ووصفه وتفسيره.
«النظام، في هذا المجال، يعني أن الحوادث تقع في تتالٍ، أو النموذج منتظم بالإجمال، يمكننا أن نخرج معه بمقولة يمكن التحقق فيها تجريبياً من ارتباط حادثة ما مع غيرها في نقاط مفترضة في الزمن، وفي شروط محددة، وتتعامل السوسيولوجيا مع شتى هذه الأشكال من النظام والتي تختلف بشكل كبير في القياس لكن تشترك جوهرياً في الطباع نفسه..» (2) .
أمَّا مادَّة هذا العلم فهي حركة المجتمع وتشكّل الدول والأمم وفعل المجتمعات عبر ما يشكل الذرَّات الصَّغيرة من الوحدات الاجتماعية، بدءاً من الأسرة. والحقيقة أن البحث في الإنسان، بوصفه ذاتاً تتصاعد في تفاعلها
________________________________________
(*)أستاذ في جامعة دمشق.
(1)راجع: عبد الكريم اليافي، في كتابيه: علم الاجتماع وعلم السكان، إصدار جامعة دمشق عام 1958، وكذلك مقدمة ابن خلدون الشهيرة.
(2)اليكس انكليس، ما السوسيولوجيا؟ ترجمة عيسى سمعان، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، سوريا، 1996، ص 50.

[ الصفحة - 148]


الاجتماعي نحو الأمة وحركية التاريخ، ظلَّ مادة خلافية كبيرة بين باقي مجموعة متداخلة من العلوم: علم الإنسان (الانتروبولوجيا) علم التاريخ، وعلم الاجتماع، وعلم السكان. الإنسان محور جميع هذه العلوم، فهي إنتاجه وثورة اهتمامه ونبع الأيديولوجيا التي تسيّر حياته، وعندما تبزغ الأديان في علاقة جدلية متصاعدة وهابطة، من اللَّه إلى الأرض وبالعكس، يتحوَّل الإنسان إلى هدف لذاته، تماماً كما هو وسيلة للبحث عن هذه الذات من شخصيانيتها وجماعيتها، ويتحول التاريخ إلى علم حركة الإنسان وإبداعاته، كما يتحول علم الاجتماع إلى بحث في تاريخية المجتمعات التي كوّنها وتأثير الأيديولوجيا على ماهية هذه الحركة، ديناميكياً وستاتيكياً، بحيث يتحول الإنسان في كتب الباحثين إلى مجرّد رقم أو جداول رقمية تمنح أدلَّة علمية على مجتمعه، كمّاً وكيفاً، يُستنتج منها ما يحلو لمن شاء أن يستخلص، وصولاً إلى إصدار أحكام قيمة على تقدّم الإنسان في مجتمعه أو تخلُّفه سواءً بسواء.
ليس غريباً أن يصل علماء الاجتماع الغربيون إلى اعتبار المجتمع المرجع الوحيد لجميع الأفكار والايديولوجيات، تقديساً له، وصولاً به إلى رتبة الألوهة، كما نرى ذلك عند دروكهايم أو كونت، تماماً كما استخلص ماركس وانجلز وليفي برول أن في التاريخ ـ عبر دراسة الإنسان. ومجتمعه ـ حالة ماديةً محضة مليئة بالحتميات التي تفسر الحركة نحو مصير وحيد يحدِّده الاقتصاد، مستخلصين ما عرف بالأيديولوجيا الماركسيَّة، ومنها الشيوعية.
وبعيداً عن إصدار أحكام مستخلصة من النتائج التي آلت إليها تلك الأفكار فإن علم الاجتماع يتعامل مع نتائج التجارب على الأرض مثل جميع العلوم، محدّداً مصير الايديولوجيات الاجتماعية نجاحاً أو فشلاً. ومن هنا تأتي مشروعية البحث في الأيديولوجيا الإسلامية، في جانبها الاجتماعي الذي ساهم في تكوينها مفسرو القرآن الكريم، وظلّ من أبرزهم في هذا المجال السيد محمد حسين طباطبائي في كتابه الهام «الميزان في تفسير القرآن»، الذي اعتبره هو موسوعة بحثية أكثر منه مجرد تأويل لمضامين الآيات الكريمة، بحث عقد بحثاً مقارناً قدّم فيه الإسلام على أنّه المثال الأبرز على نجاح النظريَّة الاجتماعية في تشريعها الإلهي مطبقة على
________________________________________

[ الصفحة - 149]


الإنسان بما هو إنسان على الأرض في حركيته الاجتماعية، وكان أجمل ما في هذه النظرية كما استخلصها السيّد قضية مثيرة للجدل وتتسم بالحداثة والواقعية، أعني بها قضية المرأة.
الميزان في تفسير القرآن‏
يتألَّف هذا الكتاب من واحد وعشرين جزءاً، صدرت طبعة الثالثة عام 1973 عن مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان، بحاشية تحت العنوان تقول: «كتاب علمي، فني، فلسفي، أدبي، تاريخي، روائي، اجتماعي، حديث، يفسر القرآن بالقرآن».
توفي السيد محمد حسين طباطبائي في القرن الماضي، ومع ذلك فقد اتسمت موسوعته بالحداثة ومحاولة الإحاطة بالبحوث العلمية في العلوم الإنسانية التي سبقت عصره، بحيث لا يمكن لباحث أن يتوفر على مرجع علمي بهذه الشمولية في نوعية البحوث التي أوحتها موضوعات القرآن الكريم أو تخدم تفسير مضامينه.
لقد استخلص السيد طباطبائي نظريَّته الاجتماعية من القرآن، وقدَّمها عبر كتابه بحيث شكَّلت نظرية خاصة به في علم الاجتماع الإنساني، تماماً بالنسبة نفسها التي استخلص بها آخرون نظرياتهم التي وسمت التعددية في الاجتهاد عبر تأويل القرآن الكريم.
في مسار كتابه قدّم المؤلف مئات الدِّراسات التي أوحتها إشكاليات مطروحة في آيات قرآنية، وهو بذلك التزم بالتحليل الشامل للحياة عبر رموز عابرة في سور معينة، مدلِّلاً على شمولية معالجة القرآن الكريم من جهة، وعلى إمكانية إسقاط المضامين القديمة على ساحة الحداثة المتطورة، المتحركة أبداً، من جهة أخرى.
يقول الياس كلانتري، مؤلِّف دليل الميزان، وهو الجزء الحادي والعشرون: «إن إحدى ميزات الكتاب، بالإضافة إلى تفسير الآيات الإجمالي المتعارف، هو أنه يكتب بحوثاً علمية وفلسفية واجتماعية وتاريخية وكلامية معمقة ومفصلة ومهمة لمناسبتها مع بعض الآيات»، مقرراً أن هذا الأمر لا يوجد في أي كتاب من كتب التفسير الأخرى. أما عن كيفية اختيار المواضيع فيتم بناء على إيحاءات الآية
________________________________________

[ الصفحة - 150]


للمؤلف دون إمكانية متوفرة مسبقاً للقارى‏ء لكي ينبأ بالموضوع الذي سوف يعالج. مثلاً: لقد أوحتالآيات الكريمة (116-120)، من سورة المائدة، والتي تبدأ كما يلي: { وإذ قال اللَّه يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون اللَّه قال: سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته... } إلى آخر الآية، أوحت بموضوع طويل جداً في المجلد السادس من الكتاب بلغ ثمانين صفحة، حول بحث يتعلق بآداب الأنبياء أمام اللَّه تعالى، بما في ذلك بعض آداب رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) في تعامله مع اللَّه والبشر، علماً أن هذا الموضوع بحد ذاته يمس الآية مساً رقيقاً في مسألة خطاب النبي عيسى (عليه السلام) للَّه سبحانه عبر الحوار الدائر بينهما في الآية المشار إليها، ما أوحى للسيد طباطبائي بذلك البحث الهام. وهكذا تبدو خطة البحث، في تفسير الميزان، منسجمة مع غاية الكتاب الرئيسية؛ وهي تقديم كتاب بحثي بالدرجة الأولى، وليس مجرد تفسير لغوي للقرآن الكريم أو أسباب النزول التي كانت محور جهد المفسرين الرئيسي في كتب التفسير الأخرى.
يقدِّم المؤلّف، إذاً، حالة بحثية شمولية لمواضيع بالغة الغنى والتعدد تتعلق إجمالاً بالعلوم الإنسانية التي يقف علم الاجتماع الإنساني على قمتها. وهنا يجدر بالذكر أن إغفال ذكر مصادر بحوثه في الكتاب جاءت منسجمة مع المتعارف عليه في زمنه كما يبدو، علماً أن الكتب الأقدم ورد في مضامينها إشارات إلى مراجع أو رواة أو مصادر معلومات، وإن لم تكن بالكفاية العلمية البحثية اللازمة، أما في هذا الكتاب فلم نجد إشارة إلى أي مصدر، ما يؤشر إلى أن وثوقية الكاتب ورصانته كانتا كافيتين للثقة برصانة بحثه وصدق اقتباساته في ذاك الزمن، وهذا ما نلمسه لدى الباحثين شرقاً وغرباً، على أية حال، من دون حاجة إلى ذكر أسماء معينة.
قضية المرأة
ربما كان هذا العنوان على رأس العناوين المتعلّقة بالنظرية الاجتماعية، وتظل قضية حقوق المرأة أشدها إثارة للجدل عبر التاريخ، ففي العصر الراهن يقود الرجل العالم، ويبدو من خلال البحوث الاستقصائية التاريخية أنّه ظلّ يقود هذا العالم منذ فجر التاريخ، ما يعني أن المرأة احتلَّت في مسألة «القرار» المرتبة التالية، لكن
________________________________________

[ الصفحة - 151]


مدارس مختلفة، وبخاصة المادية منها، تحدثت عن العصر الأموي (نسبةً إلى أمّ) الذي اتسم بتولي النساء القيادة الاجتماعية في قبائل معينة، ويقول انغلز، في هذا الصدد: «إن الاقتصاد البيتي الذي كانت فيه جميع النساء، أو أغلبيتهن، ينتمين إلى العشيرة نفسها، بينما الرجال ينتمون إلى عشائر مختلفة، هو الأساس الفعلي لتلك الهيمنة التي كانت تتمتع بها المرأة في الأزمنة البدائية في كل مكان» (3) ، ولكن ذلك لم يَرْقَ إلى الحقيقة التاريخية المتسمة باليقين العلمي.
عملياً تحتل النساء الدرجة الثانية في سلم الترتيب الاجتماعي الإنساني، وهو ما دفع إلى نشوء حركات نسائية للمطالبة بالمساواة في الحقوق والواجبات، بحيث اعتبر القرن العشرين قرن المرأة. لقد طفا على سطح الصراع الاجتماعي الإنساني، ما سمي بالصراع بين الجنسين الذي حصلت المرأة بموجبه على تحررها وعلى كثير من الحقوق السياسية، بما في ذلك حق الانتخاب والوصول إلى سدّة السلطة وامتلاك تقرير مصير حياتها بنفسها من دون وصاية من الرجل. وأعلنت سنة 1975 السنة الدولية للمرأة من قبل الأمم المتحدة بحيث أنها، منذ ذلك التاريخ، صارت قضية مدرجة على جدول الأعمال، تلا ذلك إعلان ما سمي بعقد المرأة الممتد من عام 1976 إلى عام 1985، ليدفع باتجاه بذل جهد دولي لدراسة مركز المرأة وحقوقها وإشراكها في عملية صنع القرار على جميع المستويات، وفي العام 1976 اعتمدت الجمعية العامة اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي بدأ سريانها عام 1981، وتضمَّنت المعايير الدولية للمساواة بين الجنسين، ثم جاء انعقاد المؤتمر الدولي الرابع في بكين في أيلول 1995، وهو إحدى المحطات الرئيسية في حساب نتائج هذا الصراع.
ومع ذلك، فما زالت المشاركة الفعَّالة للمرأة، كما يعتقد بعضهم، بعيدة المنال في المجتمعات الإنسانية الحالية: «والفكرة القائلة إن الفردية بين أنشطة الرجال والنساء هي نتيجة لصيغة توزيع العمل على الجنسين المبنية على اعتبارات اجتماعية وليس على أية فروقات بيولوجية ثابتة، هي فكرة غير مقبولة في كثير من الأوساط الاجتماعية الدولية. كما أن المساواة بين الرجل والمرأة ما تزال بعيدة عن التحقق في حقول السياسة والاقتصاد والإدارة والتشريع والتربية والترفيه والأسرة
________________________________________
(3)فريدريك أنجلز، أصل العائلة والملكيَّة والدولة، دار التقدم، موسكو، ترجمة الياس شاهين، ص 50-61.

[ الصفحة - 152]


الخ.. وما زال التمييز ضدها يمارس في جميع المناسبات، بمبررات أو بدونها، فتتلقى العنف وتتحمل نتائج التوزيع غير المتوازن للعمل المأجور وغير المأجور، وتفرض عليها العزلة أو الاعتزال والتهميش، ويُتنكَّر لحقوقها، وتفتقر إلى الحصول على الخدمات والضمانات الاجتماعية الضرورية أو اللازمة، وتستبعد من عمليات صنع القرار والمشاركة في حياة مجتمعاتها..» (4) .
هذا التوصيف لواقع المرأة على أية حال دفع بعض الباحثين، أيضاً، إلى القول بأن ما سبق لا يطال المرأة وحدها فهو يطال الجنسين معاً في جميع المجتمعات الإنسانية، ويحيلون الأسباب إلى اقتصادية وسياسية، ودفع بعضهم كذلك إلى رفضه الحديث عن قضية «امرأة» بشكل مجرد، بعيداً عن الصراع الطبقي الاجتماعي والحرمان من الحقوق الذي ينصبّ على شرائح أو طبقات من المجتمع من دون تمييز في الجنس.
على أية حال، ورغم ما تبدو عليه صورة المرأة في دول الشمال المتقدم من حصول على حقوق أكبر مما حصلت عليه المرأة في دول الجنوب المتخلف، ومنها العالم الإسلامي، فإن تلك الصورة خادعة بشكل ما، فالمرأة حصلت على حقوق اقتصادية إيجابية ربما مقابل خسارتها لإنسانيتها سلباً، لدرجة أنها تحولت في العالم المتقدم إلى سلعة تسويقية، وأصبح جسدها هدفاً اقتصادياً، في الإعلان ومنظمات الدعارة، والثقافة الاستهلاكية السائدة في أوروبا وأمريكا.
في العالم العربي والإسلامي، تحديداً، يبدو شكل الصراع مختلفاً بالشكل، فمنظمات نسائية رئيسية تقرر أن لا مساواة حقيقية بين الرجل والمرأة في الأقطار العربية، وأن هناك دعوة شرسة لعودة المرأة إلى المنزل والتنازل عن حقها في العمل بترك المشاركة في تنمية المجتمع وزيادة الإنتاج‏(5) .
هنا يتمحور شكل الاحتجاج النسائي على الإسلام، بوصفه ايديولوجيا، وفي جانبها الاجتماعي، في دفع الرجل إلى هذا السلوك المعادي للمرأة، مع أن ذلك لم يرد في نصوص الاحتجاج صراحة. ويبدو جلياً أن المتهم الرئيسي لديهم في ما وصلت إليه أحوال المرأة العربية الإسلامية هو الاجتهاد الإسلامي في النصوص
________________________________________
(4)زهير حطب، مقاربة عصر المرأة، مجلة الفكر العربي، عدد 82، 1995.
(5)علي وطفة، الشواخص الاجتماعية لوضعية المرأة الاغترابية في الوطن العربي، مجلة الفكر العربي، عدد 82.

[ الصفحة - 153]


القرآنية المتعلقة بالمرأة، بالتوازن مع تفسير متعسِّف للسنَّة النبوية. وغالباً ما يشار إلى ذلك بالأفكار التقليدية المحافظة ودورها في تسويغ وضع المرأة المتخلِّف، لأن المرأة تعيش ضمن علاقات متخلفة (6) . لكن رموزاً نسائية أخرى أشارت إلى دور فهم بعضهم المغلوط للإسلام في قضية المرأة صراحة، معتبرةً أن الإسلام في جوهره أعطى المرأة حقوقاً مساوية للرجل، بما في ذلك حق «القيادة والقضاء»، وهي حقوق سياسية (7) .
من هنا جاءت أهمية بلورة نظرية إسلامية دقيقة حول المرأة، وبسبب ذلك برزت نظريات مختلفة تبعاً لتفسير النصوص وتأويلها، وفوق هذا وذاك ظهرت المسافة الواضحة بين النظريَّة والتطبيق في مسألة المرأة بخاصة، وتصاعدت آراء الحفاظ على الأسرة ودور المرأة فيها للأهميَّة المصيرية لهذا الدور، ما يجعل من اهتمامها بالمنزل وتربية الأولاد في قمة الاهتمام المجتمعي سابقاً الاقتصاد والسِّياسة، واشتد الصراع الفكري حول هذه المسألة، وصعد الاجتهاد الإسلامي فيها ليحل مكاناً بارزاً وبالغ الأهمية في مرحلة نهاية القرن العشرين.
قضية المرأة في «تفسير الميزان»
تكثَّفت النصوص القرآنية، المتعلقة بالمرأة في المجتمع الإسلامي، في سورتين كبيرتين هما: البقرة والنساء، ومنهما انطلق السيد طباطبائي في استنباط نظريته الاجتماعية وهما ما سنتَّخذه مدخلاً للتعامل مع هذه النظرية كما قدمها.
في الجزء الثاني من الكتاب وردت دراسة مقارنة حول المسألة يمكن لها أن تكون أساساً لنظرية، ذلك أنه من ملامح ما يمكن أن يعتبر نظرية اجتماعية هو الحالة المقارنة فيها، لذلك نرى، في استعراض المؤلف لأوضاع المرأة في المجتمعات ما قبل الإسلامية، وانتقاله إلى المقارنة الراهنة مع المجتمعات الغربية، استكمالاً لطرح نظرية وليس لإبداء وجهة نظر فحسب. وإذا تمعنا في مجمل كتاب الميزان بمختلف الأبحاث نكتشف ذلك بشكل أعمق، فالسيد الكاتب يقدم اجتماعياً نظرية تتسم بالاتساق والتكامل وانعدام التناقض بين أوجهها المختلفة مما لا يتسع المجال لطرحه هنا.
________________________________________
(6)سلوى قماش، المرأة العربية والمجتمع التقليدي المتخلف، دار الحقيقة، بيروت، 1981، ص 22.
(7)فاطمة البرنيسي، الحريم السياسي، دار الطليعة، بيروت، 1991.

[ الصفحة - 154]


يقدِّم السيد طباطبائي نظريته على الشكل التالي (ج‏2 ص 260): «من المعلوم أن الإسلام ـ والذي شرَّعه هو اللَّه عزَّ اسمه ـ لم يبن شرائعه على أصل التجارب كما بنيت عليه سائر القوانين، لكنا في قضاء العقل في شرائعه ربما احتجنا إلى التأمل في الأحكام والقوانين والرسوم الدائرة بين الأمم الحاضرة والقرون الخالية، ثم البحث عن السعادة الإنسانية وتطبيق النتيجة على المحصّل من مذاهبهم ومسالكهم حتى تزن به مكانته ومكانتها..».
فانطلاق النظرية، إذاً، ليس فرضياً قائماً على التجربة التي تؤكد مصداقية الفرضية، ذلك أن الإسلام تشريع إلهي، ولكنّ المقارنة هنا يقصد بها تقديم مسوِّغات تعزز المصداقية لترتقي إلى مستوى التجريب العلمي على أرض الواقع، وبخاصة في مجال التطبيق الذي يقدم الدعم لصلاحية النظرية للحياة والاستمرار.
1 - المرأة في أطوار تاريخية سابقة على الإسلام‏
أ ـ في الأمم الهمجية:
يلخص وضع المرأة في هذا الإطار ـ بالنسبة للرجل طبعاً ـ بأنَّها كانت تعيش كالحيوانات الأهلية من الأنعام وغيرها، وكانت تستخدم من الخدمة والرعاية كأنها ملك للرجل ولخدمته بالطريقة التي تتم بها عملية استخدام الحيوانات الداجنة. ويحدد الأماكن الجغرافية لتلك الأمم في أفريقيا وأوستراليا والجزر المأهولة وأمريكا القديمة. ويبدو أنَّ المؤلِّف استند إلى دراسات عديدة نشرت عن الوضع الراهن لتلك الأمم استقراءً لما كانت عليه في عصورها القديمة، باعتبار أنها لم تتغير كثيراً عما كانت عليه في تلك الأزمنة. لقد كان للدراسات المعاصرة عن القبائل المشار إليها، وبخاصة في استراليا وجزر تاهيتي والهنود الحمر، وبعض قبائل أفريقيا السوداء، أن تثير الجدل حقاً، واعتبر بعضهم أن أبحاث «اليفي برول» عالم الاجتماع المعروف على سبيل المثال فيها الكثير من التعسف واللاعلمية، ومع ذلك فإن بعض المصداقية يقر. كما يتبنى المؤلف أن المرأة فيها «ليس لها من حقوق الحياة إلا ما رآه الإنسان المالك لها حقاً لنفسه، فمن تعدى إليها لا يؤاخذ إلا لأنه تعدى إلى مالكها في ملكه، لا إلى الحيوان نفسه، كل ذلك لأن الإنسان يرى وجودها تبعاً لوجود نفسه وحياتها فرعاً لحياته ومكانتها مكانة الطفيلي..
________________________________________

[ الصفحة - 155]


كذلك كانت حياة النساء مخلوقة عندهم لأجل الرجال بقول مطلق. كانت النساء تابعة الوجود والحياة لهم من غير استقلال في حياة ولا في حق، فكان آباؤهنّ ما لم يُنكحن وبعولتهن بعد النكاح أولياء لهنّ على الإطلاق..».
هذه الملكية من الرجل للمرأة ـ بحسب الأبحاث التي استند عليها المؤلف ـ أباحت للرجل أن يبيع ويشتري ويقرض للفراش والاستيلاد والخدمة وصولاً إلى حقه في القتل. وفي المقابل على المرأة الطاعة المطلقة وأن تقوم بكل ما يطلب منها أياً كان، وعلى أية درجة.
ب ـ في الأمم المتمدِّنة (قبل الإسلام):
تندرج، تحت هذا العنوان، أمم حددها المؤلف بأن لم يكن عندها كتاب سماوي وإن كانت لها قوانين وعادات موروثة وتشريعات وضعية، كالصين والهند ومصر وإيران، وما بين النهرين، ولعلّ أبرز تشريع شهير عرف فيها ما أطلق عليه: شريعة حمورابي.
ويورد مثالاً من تلك الشريعة أن المرأة كانت تتبع زوجها من دون أي استقلال في الإدارة أو العمل، حتى أن الزوجة إن لم تطع زوجها في شي‏ء من أمور المعاشرة أو استقلت بشي‏ء من الفعل، كان للزوج أن يخرجها من بيته أو يتزوج عليها ويعاملها معاملة الجارية ملك اليمين وتفقد بذلك حريتها. ثم أنها لو أخطأت في تدبير البيت بإسراف أو تبذير كان له أن يرفع أمرها إلى القاضي ثم يغرقها في الماء بعد إثبات الجرم وقبل القضاء.
ظهر سنة 400، قبل الميلاد، ما عرف بالقانون الروماني، وهو يدرَّس اليوم في كليات الحقوق، بوصفه أقدم تشريع راق في المدنيَّة الإنسانية. ما يتعلق منه بالمرأة يمكن عرض بعض منه كما يلي: هو يعطي للأسرة شكلها الأبوي المعروف بما في ذلك استقلالية بارزة لرب الأسرة، هذه الاستقلالية كانت تتيح له حالة من حالات الربوبية إلى درجة أن يُعبد من قبل أهل بيته تماماً كعبادته هو لمن تقدَّم من آبائه. يمنح القانون الروماني لرب الأسرة مشيئه نافذة صارمة على أهل بيته: زوجة وأبناء حتى درجة السماح له بإيقاع عقوبة القتل على أي من أفراد أسرته.
________________________________________

[ الصفحة - 156]


المرأة، في أسرة كهذه، لم يكن مسموحاً لها بالاستقلال في أمورها على أية صفة كانت، فهي مجرد تابع؛ القرابة والتوارث يختص بها الرجال، فالمرأة لا ترث تبعاً لصلات القربى بين أفراد الأسرة الواحدة، وفي ظروف كهذه كان مسموحاً أن تتمّ علاقات جنسية بين المحارم تحت ولاية رب البيت.
المرأة، في ظل القانون الروماني، مجرد طفيلية تابعة، زمام حيلتها وإرادتها بيد رب الأسرة يفعل بها ما يريد، بيعاً وهبةً، وإقراضاً للتَّمتُّع، وسداد دين، وله الحق في قتلها، وله ما تكسبه من أموال بأية وسيلة تمكنت من ذلك، ويستطيع تزويجها ممن يشاء.
هذه الحالة الأبوية في الأسرة تنسحب على المجتمع برمته ليتحول إلى مجتمع ذكوري تتوارى فيه المرأة إلى الهامش، عليها واجبات وليس لها أية حقوق، فهي مجرد حاجة للمتعة والنسل.. المواطن الحقيقي فيه هو الذكر، وهذا ما أدى إلى استشراء عادة التبني والإلحاق بالنسب للذكور برب الأسرة في سبيل استمرار بقاء الأسرة وحمايتها من الانقراض.
يذكر، في هذا المجال، أن أمَّةً بلغت حداً عالياً من الرقي الثقافي كدولة اليونان لم تكن تختلف كثيراً عما ذكر عن الأمم السالفة، فقد ساد فيها، إلى جانب ذلك، تقليد تعدد الزوجات وهو ما لم يكن معروفاً عند أمم أخرى، لكن الزوجة الأولى كانت تعتبر رسمية حسب القانون، بينما اعتبرت الأخريات غير رسميات. ومن الجدير ذكره أن اليونان انتجت الثلاثي الأشهر: سقراط وأفلاطون وأرسطو وفلسفة بلغت حداً رائعاً من السمو، وهو ما لم يمنع من اضطهاد المرأة إلى الحد الذي ذكرنا.
ج ـ عرب الجاهلية:
أصبح مشهوراً أنّ الظروف الاجتماعية القاسية التي سادت الجزيرة العربية قبل الإسلام عالجها القرآن الكريم بكثير من التفاصيل، لكي يضع البديل العادل، وهكذا احتلت قضية المرأة وحقوقها وواجباتها جانباً هاماً من آياته.
وقد رسم القرآن والتاريخ صورة وضع المرأة الاجتماعي؛ فهي باختصار لا ترث مطلقاً في ظل ما عرف عن وأد البنات في بعض القبائل ـ كما عرف عند بني
________________________________________

[ الصفحة - 157]


تميم في قصتهم الشهيرة مع النعمان بن المنذر ـ وسيادة نظام تعدد الزوجات من دون تحديد. واعتبرت ولادة البنت في الأسرة نذير شؤم، كما ورد في نص الآية الكريمة. لهذا انتشر نظام ادعاء الولد الذكر وإلحاقه بالأسرة حتى ولو كان ابناً عن طريق علاقات غير شرعية بحيث يلحقه بنسبه الرَّجل الأقوى والأكثر نفوذاً، عندما يتم الخلاف على الأب الحقيقي في علاقة متعددة مع امرأة عاهر. لم يكن للمرأة أية استقلالية، وهو الأمر السائد في الأغلبيَّة العظمى، علماً أن الطبقة الأرستقراطية العربية، والمدينية خاصة، منحت نساءها نوعاً من هذه الاستقلالية، كما نقرأ في سيرة خديجة بنت خويلدف(رض) زوجة رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم).
لقد عبّر القرآن الكريم عن حالات مشابهة للتي أشرنا إليها في أمم سالفة من ناحية استخدام المرأة في البغاء والإقراض للاستمتاع، أو الحمل غير الشرعي برضى الزوج من الطبقة الدنيا لكي تلد له ابناً من علاقة غير شرعية من أحد السادة من الطبقات الأرستقراطية القبلية. لقد عرف عن العرب انتفاء وجود القانون الذي يحكم العلاقات الاجتماعية، هذه العلاقات ظلت تستند إلى الأعراف القبلية من جهة، وإلى ما تم اقتباسه من تقاليد الأمم المتمدنة المحيطة بهم كالفرس والروم والأحباش من جهة أخرى‏ (8) . فهي من العناصر الخارجة عن هيكل المجتمع المركب غير داخلة فيه، مجرد حاجة لا بد منها ولا غنى عنها. لكل ذلك فقد جاء الإسلام بتشريعاته التي سنتطرق إليها من خلال نصوص السيد طباطبائي ثورة حقيقية في سبيل تغيير واقع المرأة، ونقل قضيتها إلى حيز جديد كل الجدة متسماً بالعدالة وخاضعاً للتغيير نحو الأفضل في المستقبل، تبعاً لتطور الظروف الاجتماعية والاجتهاد في تأويل نصوص القرآن والسنة النبوية.
نظرة إلى التشريعات الإسلامية حول المرأة
ينطلق المؤلِّف، في تكثيفه للتَّشريعات القرآنية، من مبدأ الفطرة التي عرّف الإسلام بها، بمعنى انسجامه وعدم تناقضه مع طبيعة تكوين الإنسان نفسه. فقد كان الإسلام نقلة نوعية حادة لوضع المرأة يختلف جذرياً عما كانت عليه حالها قبله في بنائه على الفطرية التي تأسس عليها والتي تقر بأن فطرة المرأة والرجل متشابهتان
________________________________________
(8)السيد محمد حسين طباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، مؤسسة مطبوعاتي إسماعيليان، قم، ط3، بيروت 1973، ص 267.

[ الصفحة - 158]


جذرياً، معاكساً النظرة العامة للمجتمعات الإنسانية برمتها. وهو بهذا الرأي يطلق حكم قيمة منسجماً مع ما عرضه بتكثيف عن وضع المرأة في العالم حتى ظهور الإسلام.
والحقيقة أن توصيف مسألة الفطرة خاضع كلياً للعلم بمختلف فروعه، ولأن الإسلام أقرّ مبدأ قوامة الرجل على المرأة وزيادته عليها درجة، تبعاً لمنطوق الآيتين القرآنيتين، فقد بدا ذلك مثيراً للجدل في العصر الحديث حول مسألة المساواة بين الجنسين، ودافعاً للبحث المعمَّق حول مشروعية تشريع كهذا في انسجامه مع مبدأ الاستقلالية. ويمكن تلخيص البنود الهامة في قضية المرأة في الإسلام، لدى المؤلِّف، على الشكل التالي، بادئين من جدلية القوامة ومدى مشروعيتها:
1 ـ القوامة والفوارق الفطرية بين الجنسين.
2 ـ هوية المرأة.
3 ـ الوزن الاجتماعي للمرأة وأحكام المساواة بين الجنسين.
4 ـ جدلية التَّربية والنَّظرية في التَّطبيق.
1 - القوامة والفوارق‏
ينطلق السيد طباطبائي من مسألة الفطرة في تفسير الآيتين الكريمتين: الأولى { الرِّجالُ قَوَّامون على النِّساء بما فضَّل اللَّه بعضَهم على بعض وبما أَنْفَقُوا من أموالِهِم } {النساء/34] ، والثانية { ولَهُنَّ مثلُ الذي عليهنّ بالمعروف وللرِّجال عليهن دَرَجةٌ } {البقرة/288] .
هناك اتفاق إسلامي بالنسبة للآية الأولى على أنها تتعلق بمسألة الأسرة تحديداً، لكن الآية الثانية أشد وضوحاً في مسألة رفع الرجل درجة فوق المرأة بناء على الاتفاق ذاك، وهو بالتأكيد يسهم في إعطاء الرجل قيمة أكثر من المرأة في الحياة الإنسانية ما دام التحديد ينص على الدرجات في سلم القيمة، فما هو المقصود بذلك لدى المؤلِّف؟
الفطرة، هنا، من وجهة نظره، كما يقول: «إن الوظائف الاجتماعية والتكاليف الاعتبارية المتفرِّعة عنها يجب انتهازها بالآخرة إلى الطبيعة، فخصوصية
________________________________________

[ الصفحة - 159]


البنية الطبيعية الإنسانية هي التي حدت لهذا الاجتماع النوعي الذي لا يكاد يوجد النوع خالياً عنه في زمان. وإن أمكن أن يعرض لهذا الاجتماع المستند إلى اقتضاء الطبيعة ما يخرجه عن مجرى الصحة إلى مجرى الفساد كما يمكن أن يعرض للبدن الطبيعي ما يخرجه عن تمامه الطبيعي إلى نقص الخلقة..».
فالمنطلق التفاضلي، إذاً، هو طبيعة تركيب كل من الذكر والأنثى الذي بني على أساسه الوضع الاجتماعي الذي أتاح للرجل أن يكون القائد في المجتمع ورب الأسرة. لكن المؤلِّف يكون أكثر تحديداً عندما يقرر أن المرأة لا تتولى الحكومة والقضاء ولا تتولى القتال، وعليها أن تطيع زوجها في ما يرجع إلى التمتع بها. أما لماذا لا تصلح المرأة للحكومة والقضاء فإنه يرجع فحسب وجهة النظرف إلى مسألتي التعقل والإحساس ليقول: «فخصّ مثل الولاية والقضاء والقتال بالرجال لاحتياجها المبرم إلى التعقل، والحياة التعقلية إنما هي للرجل دون المرأة (...) فالتدبير الغالب إنما هو للرجال لغلبة تعقلهم..».
فهل أيّد ذلك العلم في أبحاثه المستفيضة عبر التأريخ، والأبحاث الحديثة منها تخصيصاً؟ قبل أن نقدم أمثلة من أبحاث علمية ..... استقصائية، لا بد من إكمال وجهة نظر المؤلف كما عرضها بإيجاز: يقول «فالأشياء، ومن جملتها الإنسان، إنّما تهتدى في وجودها وحياتها إلى ما خلقت له وجهزت بما يكفيه ويصلح له من الخلقة، والحياة القيمة بسعادة الإنسان هي التي تنطبق أعمالها على الخلقة والفطرة انطباقاً تاماً كما قال تعالى { فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللَّه ذلك الدين القيم } {الروم/30} .
وفي هذا المجال، يناقش المساواة في الفطرة بين الناس «أن العدل الاجتماعي لا يعني أن يبذل كل مقام اجتماعي لكل فرد من أفراد المجتمع، فيتقلّد الصبي مثلاً والسفيه ما يتقلده الإنسان العاقل المجرب (...) بل الذي يقتضيه العدل الاجتماعي ويفسر به معنى التسوية أن يعطى كل ذي حق حقه وينزل منزلته». ثم يسقط ذلك على تفسير الآية الكريمة مباشرة { مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة } مقرراً أن الآية تصرح بالتساوي في عين تقرير الاختلاف.
________________________________________

[ الصفحة - 160]


ماذا تقول الاستقصاءات العلميّة؟
يقصد بالنَّمط الجنسي، أو الدِّور الجنسي في السلوك (Sexrolebehavior) ، مجموعة السلوكات التي تميِّز الإنسان بيولوجياً (الذكر والأنثى) في مجتمع معين، إضافة إلى تلك السلوكات التي تعزى إلى النموذج المجرد (stereotype) (9) لكل منهما.
«ابريقيّاً» تم تحديد مجموعة من الصفات التي تختص بالذكورة والأنوثة بشكل عام وغالب، نذكر منها أن الذكر عدواني، متغطرس، حازم، مستبد، مغرور، واثق، شكاك، متأن، مهيمن، فعّال، حكيم (Foresighted) واضح، وسيم، عنيد، عملي، عبقري، مخترع، ذكر، انتهازي، صريح، واثق بنفسه، قوي، شرس، الخ..
أما الأنثى فقد اختصت بصفات كالتالي: متعاونة، عاطفية، خوّافة، شامخة، صدوقة مساعدة، حساسة، مخلصة، حنونة، لطيفة، دافئة، حذرة، متَّكلة، قابلة للإثارة، طائشة، محبة للغناء، سطحية، مذعنة.. الخ.
هذه الصفات أخذت عبر استقصاءات للسلوك في المجتمع الأمريكي من قبل «ويليامز وبست 1977» (10) لعينات عشوائية من المجتمع، علماً أن هناك حالة من المساواة بين الجنسين من قوانين الولايات المتحدة الأمريكية تعدّ نموذجاً عالمياً لذلك.
إن نسبية أحكام القيمة التي تطلق على كل من الجنسين كالتي قرأنا تدفع إلى البحث عن دراسات أكثر دقة، وهو ما قامت به الباحثة ماري باكر (Baker 7891) (11) في دراسة هامة حول مجمل الفوارق بين الجنسين في مختلف جوانب الحياة وراثياً، وطائفياً، ثقافياً، أداءً عملياً الخ.. وقد وجدت فوارق بيولوجية حاسمة بين الجنسين في مختلف المجالات، وبخاصة في الإحساسات والمجالات المعرفية والذاكرة. وهي تحدد أيضاً فوارق في أداء المجموعات الذكورية والأنثوية تماماً كالاختلافات في الحيض والنفاس والطمث مع تأثيراتها الهامة على اتجاهات الأنثى.. ومن تلك الاختلافات أن الأنثى أكثر اندماجاً وطرحاً لحياتها الخاصة على الذين تعرفهم أو لا تعرفهم من البشر، بعكس الرجل الذي يعدّ حياته الخاصة قلعة
________________________________________
(9)Heilburn Alfred B. Jr. (1891) Human sex-role Behavior, Pergman General Psychology series, Newyork, USA, P.2.
(10)المرجع نفسه، ص 7.
(11)Baker Marya (7891) Sex deffernces in Human performanc, John Willy and Sons, Newyork, USA, P15.

[ الصفحة - 161]


سرية يمتلكها وحده‏ (12) ، ثم إن هناك فروقاً في التكيُّف الاجتماعي، فالمرأة أكثر اجتماعية بينما يميل الرجل إلى الفردية، ومثل ذلك أن ردود أفعال الرجل تختلف عن الأنثى بالنسبة للمثير نفسه المثير، ناهيك عن الاختلافات الظَّاهرة في الجسد وفي الإفرازات الهرمونية والمقدرة العضليَّة ونمو الشخصية والأنا والحكم الأخلاقي وتقييم الأشياء والأفعال والطموحات والآمال والأحلام‏(13) وغيرها.
هذا في مجال الفطرة التي أهَّلت الرجل لكي يكون القائد، لكن الإشارة إلى اختلاف اجتهاد الفقهاء في العصر الحديث حول ولاية المرأة للحكم شي‏ء لا بد منه، فقد أجاز بعضهم لها أن تتولى السلطة في ديار الإسلام، ومنهم مرجعيات في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) (14) . ومع ذلك فإن هذا لا يمنع السيد طباطبائي، في متابعته الواقع التاريخي للمرأة، من أن يشير إلى أن الرجل ظل تاريخياً هو القائد، بما يمنح النص الإسلامي مصداقية انسجامه والفطرة التي فطر اللَّه الناس عليها، وهو ما أكدته استقصاءات تربوية غربيَّة حول تطور المرأة في الوظائف العامة وصولاً إلى القمة، والتي أعطت اتجاهات سلبيَّة تؤكِّد تراجع مساهمة المرأة في الحياة السياسية كلما تقدمنا في السلّم الوظيفي‏ (15) ، وهي تعزو ذلك إلى أسباب عديدة، منها الفزيولوجي ومنها الاجتماعي، ولكنها تتضافر كلها على أية حال لتترك المجال فسيحاً أمام الرجل على صعيد الواقع، وهو كما يبدو ما تعامل معه الإسلام في نظريته الاجتماعية التي تبلورت في كتاب الميزان.
على أية حال، لا بدَّ من الإشارة هنا إلى تأثيرات اجتماعية تشارك العوامل الفيزيولوجية في تعميق النمط الجنسي لا يمكن تجاهلها، حتى تطفو العلاقة الجدلية بين العاملين على سطح السلوك المنمَّط جنسياً.. ما يفرّق الرجل عن المرأة في الدور، أو ما خلق له كل منهما من وظيفة بناء المجتمع الإنساني على الشكل الذي هو عليه.
فالذَّكر غير الأنثى منذ الطفولة (فطرياً) في تأثير خلافات الوالدين عليه، فعلى سبيل المثال رصد أن تأثير الطلاق في الأسرة على الأطفال الذكور أكبر من تأثيره على الإناث، والذكر أكثر استجابة لمشاعر الحزن واليأس من الفتاة، والذكر أشد قابلية للعطب النفسي والجسدي وأكثر هشاشة وأشد حساسية تجاه ما يجري حوله
________________________________________
(12)المرجع نفسه، ص 100.
(13)المرجع نفسه، ص 115 - 165.
(14)راجع فتاوى كل من السيد محمد حسين فضل اللَّه والشيخ محمد مهدي شمس الدين.
(15)فاخر عاقل، علم النفس التربوي، دار العلم للملايين، بيروت، 1984، ص 465.

[ الصفحة - 162]


من أحداث، ومنها وقوعه في الأمراض النفسية، ودليل ذلك أن النساء أطول عمراً من الرجال (دائماً) (16) . علماً أن المعاملة الوالدية تبدي على الدوام انحيازاً للذكر، ما يعمِّق شعوره بالدرجة الأعلى من الأنثى، لذا فهو أشد ميلاً للسيطرة والفوضوية والاتجاه نحو التنافس والصراع.
في عصرنا الراهن؛ حيث تندفع المرأة إلى التجمُّع في تنظيمات مهمتها المساواة الكاملة بالرجل في كل شي‏ء، كم تبدو الحقائق التي عرضنا مثيرة للجدل. وأحياناً للاستنكار من قبل قوى نسائية ورجالية تصر على المساواة التامة واتهام الرجل بدفع المرأة إلى الصفوف الخلقية من دون وجه حق، لكن الواقع الإنساني عموماً عبّر عن الفطرة ـ كما جاءت في التعريف الإسلامي ـ وأعطى المرأة، «باختيارها»، مكانتها في المجتمع، حسب الوظيفة الاجتماعية الواقعية التي تساعد على حفظ النظام الاجتماعي وخليته الأصلية (الأسرة) وليس ما تقدمه النظريات الداعمة للمساواة المطلقة، والتي أثبتت عدم قابليتها للتطبيق في جميع المجتمعات المتقدمة، ذلك أن هناك مؤشرات سلبية في تلك المجتمعات بين المساواة المطلقة والحفاظ على الأسرة والنظام الاجتماعي، وهو ما أشار إليه السيد طباطبائي في بعض أبحاثه في الميزان.
2 - هوية المرأة
الإنسانية تسوّي بين الرجل والمرأة تماماً، وقد أبرز القرآن الكريم ذلك بوضوح، في الآية الكريمة:{ يا أيُّها النَّاس إنَّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند اللَّه أتقاكم }{الحجرات/13} ، التسوية في جلائها تبدو في خاتمة الآية عندما يصنف البشر أفراداً عند اللَّه بدرجة التقوى رجالاً ونساءً، هذا يبين بجلاء أن المرأة المتمتِّعة بالقيم الأخلاقية في معاملتها وعبادتها أفضل من الرجل حكماً، فقد وضع اللَّه سبحانه مقياساً محدَّداً للتفاضل هو التقوى.. إذاً، وبحسب بيان القرآن الكريم، تتم التسوية عند اللَّه تبعاً لذاك المقياس لا لشي‏ء آخر، أو كما يعبر السيد المؤلف: «كلاّ مخلوقاً من كل، فعاد الكل أمثالاً، ولا بيان أتم ولا أبلغ من هذا البيان، ثم جعل الفضل التقوى» (ص 270).
________________________________________
(16)زهير غزاوي، نمو القيم والاتجاهات عند طفل ما قبل المدرسة، دار المبتدأ، بيروت، 1993، ص 174.

[ الصفحة - 163]


يقول تعالى: { إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى بعضكم من بعض } {آل عمران/195} فصرّح بأنَّ السعي غير صائب والعمل غير مضيَّع، وعلَّل ذلك بقوله: «بعضكم من بعض» فعبَّر صريحاً عما هو نتيجة قوله، وهو أن الرجل والمرأة جميعاً من نوع واحد من غير فرق في الأصل والجوهر، فكل نفس بما كسبت رهينة. ثم تأتي الآيات لمزيد من التَّوضيح: { من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } {النحل/97] ثم قوله تعالى:{ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب } {المؤمن/40}أو الآية: { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً }{النساء/124} .
لقد اتسم مجمل الخطاب الموجَّه في القرآن بالذكوريَّة، فالغالبية العظمى من الآيات تبدو ظاهرياً كأنها موجهة للرجل، ويلفت المؤلف في نظريته إلى أن هذا الخطاب يشمل المرأة بالتأكيد فلا مجال للتكرار في توضيح الازدواج ما دامت الآيات التي يعرضها تؤكد على شمولية الطرفين بالمسؤولية وتسوّي بينهما في القيمة عند اللَّه سبحانه، وهذا هو الأهم. في هذا المجال ينتقل إلى مستوى التطبيق مباشرة لكي ينفي علاقة الممارسات الاجتماعية للمسلمين بالنظرية الإسلامية، حين يضرب مثالاً عن مسؤولية الزنا ليقول: «وقد بقي من انحرافات بقايا عند المسلمين ورثوها من أسلافهم ولم يغسل منها من قلوبهم المربون، فتراهم يعدّون الزنا عاراً لازماً على المرأة وبيتها، وإن تابت، دون الزاني، وإن أصرّ مع أن الإسلام قد جمع العار والقبح كله في المعصية والزاني والزانية سواءٌ فيها» (ص 271).
هوية المرأة، إذاً، هي حالة المساواة الكاملة مع الرجل أمام اللَّه، وهذا جوهر الدين في المجال النظري.. السعي إلى رضا اللَّه سبحانه. الفرق، إذاً، بينهما يتموضع في وظيفة كل منهما في الحياة وحجم المسؤولية الملقاة على عاتق كل جنس.
3 - الفرق الاجتماعي للمرأة وأحكام المساواة بين الجنسين‏
إنَّ الوظيفة الاجتماعية المؤهَّل لها كل من الرجل والمرأة هي التي حددت عملياً مكانة الأول قائداً، والثانية تابعة، وهو ما نلمسه على صعيد الواقع الاجتماعي السائد في جميع الأزمنة، فكيف يفسر المؤلِّف ذلك؟
________________________________________

[ الصفحة - 164]


يقول: «الإسلام ساوى بينها وبين الرجل من حيث تدبير شؤون الحياة بالإرادة والعمل، فإنَّهما متساويان من حيث تعلق الإرادة، بما تحتاج إليه البنية الإنسانية في الأكل والشرب وغيرهما من لوازم البقاء، فلها أن تستقل بالإرادة ولها أن تستقل بالعمل وتمتلك نتاجهما كما للرجل ذلك من غير فرق: «لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت فهما سواء في ما يراه الإسلام ويحقه القرآن..».
لكن المؤلِّف يقرر تبعاً لذلك أن اللَّه من أجل تكوّن المجتمع على الصورة التي هو عليها ـ لمصلحة الإنسانية ـ ميز المرأة بخصلتين. الأولى: أنها بمنزلة الحرث في تكوّن النوع ونمائه، فعليها يعتمد النوع في بقائه، فتختص من الأحكام بمثل ما يختص به الحرث، وتمتاز بذلك عن الرجل.
والمؤلِّف يرى أن تكوُّن المرأة كذلك ميزة وليس نقيصة لها بما يؤدي إلى حصول الرجل على درجة في الفوقية.. أما «الميزة» الثانية فهي أن وجود المرأة مبني على لطافة البنية ورقة الشعور، ولهذه الميزة تأثير في أحوالها والوظائف الاجتماعية المحوَّلة إليها.
وهنا يطرح الواقع سؤاله المثير للجدل: هل كان ممكناً للمرأة أن تغري الرجل وتجذبه لكي يتم التزاوج وبقاء النوع الإنساني لو لم يكن فيها هذه الميزة.. اللطف والرقة؟! ومعروف أن الرقة واللطف عملياً هما حالة من حالات الضعف الإنساني في إقرار الفائز في صراع القوى الذي يحدد البقاء للأقوى أحياناً، وأن المرأة عبر التاريخ لم تشارك في القتال والمعارك التي رسمت التاريخ الإنساني بمقدار ثلثي مسيرته الطويلة، بل يتحمل الرجل وحده تلك المسؤولية الجسيمة التي جعلته أقرب أحياناً إلى الوحشية.
لكن السيد طباطبائي يذكِّر بالآية الكريمة البالغة الأهمية في مجال النظرية القرآنية الاجتماعية، وهي خطاب للجنسين على الشكل التالي: { ولا تتمنَّوا ما فضَّل اللَّه بعضكم على بعض، للرجال نصيبٌ مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن، واسألوا اللَّه من فضله إن اللَّه كان بكل شي‏ء عليما } {النساء/32} ثم يفسّرها مجملاً نظريته كما يلي:
________________________________________

[ الصفحة - 165]


«إن الأعمال التي يهديها كل من الفريقين إلى المجتمع هي الملاك لما اختص به من الفضل، وإنه من هذا الفضل ما تعين لحوقه بالبعض دون البعض كفضل الرجل على المرأة في سهم الإرث وفضل المرأة على الرجل في وضع النفقة عنها فلا ينبغي أن يتمناه تمنٍ، ومنه ما لم يتعيّن إلا بعمل العامل كائناً من كان كفضل العلم والإيمان والعقل والتقوى وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء والدليل على ذلك قوله تعالى: { قوّامون على النساء } .
فهل تتساوى الفضائل هذه أمام أفضلية القوامة، وقد أشار إليها المؤلف على أنها فضل من اللَّه لا ينبغي أن تتمناه المرأة لأنه يسي‏ء إلى النظام الاجتماعي؟ واقعياً فشئنا أم أبيناف فإن هناك نظرة دونية من الرجل نحو المرأة، ولم تفلح كل نظريات المساواة في منع حدوثها، بل إن هذه النظرة الدونية تبدو أكثر وضوحاً في المجتمعات المتقدمة في الغرب تبعاً لاستقصاءات علمية أشرنا إليها، وإذا استطاعت امرأة هناك أن تسبق الرجال وتتقدم عليهم اعتبر ذلك حالة فوق الاعتيادي كأنما هي من حالات الفضل الذي يحق لها أن تتفاخر به. والمدهش أن المؤلف في عرضه للنظرية الاجتماعية الإسلامية يعرض ماهية الواجبات التي على المرأة أن تقوم بها، ومنها: العلم بأصول الدين والمعارف، بينما لا يجب عليها «العمل الصناعي المنتج: كنظام العلوم واتخاذ الصناعات والحرف المفيدة للعامة والنافعة في الاجتماعات مع حفظ الحدود الموضوعة، وأنها إذا استطاعت ذلك (وهو ليس محظوراً عليها) كان ذلك فضلاً لها تفاضل به وفخراً لها تتفاخر به، وقد جوّز ذلك الإسلام بل ندب إلى التفاخر به» (ص 273).
والسيد المؤلف يلجأ هنا إلى السنّة النبوية لتعزيز وجهة نظره حول جواز سعي المرأة لكي تحتل مكانة عالية في مجتمعها، مستخدماً السيرة النبوية مثالاً، وبخاصَّة سير النساء حول النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) كخديجة وفاطمة، ونساء النبي، ونساء أهل البيت الشهيرات اللواتي عرفن باستقلالية اجتماعية بارزة، مثل سكينة بنت الحسين وزينب بنت علي بطلة كربلاء وغيرهن.
والمرأة تشارك الرجل في جميع الأحكام العبادية والحقوق الاجتماعية، فلها أن تستقل في جميع ما يستقل به الرجل من غير فرق لا في الإرث ولا في الكسب
________________________________________

[ الصفحة - 166]


ولا في المعاملة ولا في التعليم والتعلّم ولا في اقتناء حق والدفاع عنه، وغير ذلك.. ثم إن نفقتها على الرجل: الأب أو الزوج، وإن عليه أن يدافع عنها منتهى ما يستطيعه، وإن لها حق تربية الولد وحضانته، وهي محمية النفس والعرض حتى عن سوء الذكر، وإن العبادة موضوعة عنها أيام عادتها ونفاسها الخ...» (ص 272).
ولكن لماذا يقل نصيبها في الإرث عن الرجل؟
يرى المؤلِّف ـ تبعاً لتأويل القرآن ـ أن اختصاص الرجل بالنفقة على المرأة الواقعة تحت وصايته (أباً أم زوجاً) وراء التشريع الإلهي هذا، وهذا يعني في الحسابات الواقعية أنهما عملياً يقتسمان الإرث مناصفة، ولكنها تتنازل عن ثلث سهمها للرجل مقابل نفقتها.. أي أنها تعطيه الثلث مقابل أن تأخذ النصف، «فيرجع في الحقيقة ـ كما يعرف المؤلف ـ إلى إن ثلثي المال في الدنيا للرجال ملكاً وعيناً، وثلثيهما للنساء انتفاعاً»، لكنه يستطرد معللاً بشكل أكثر إثارة للجدل حين يقول: إن التدبير الغالب أن وضع غالبية المال في يد الرجل تحديداً وله حرية التصرف فيه يرجع إلى غلبة التعقل على الرجال، والتمتع الغالب للنساء لغلبة الإحساس. ثم يجري السيد طباطبائي بحثاً واسعاً من الجزء الرابع حول جدلية الإرث (من ص 222 إلى 233)، ويعقد مقارنات مفصلة بين الإرث في الأمم التي وضعت تشريعات متقدمة وبين الإرث في الإسلام، معتبراً أن الإرث في الإسلام بني على قاعدة الرحم التي هي من الفطرة الثابتة التي رسمت الدين الإسلامي في كامل تشريعاته، بما في ذلك إخراج الأدعياء (أي الأبناء الذين يلحقون بالنسب إلحاقاً) من أحقيتهم فيه.
فالنساء، في نظريته، يملكن ثلث ثروة الدنيا ويتصرَّفن في ثلثيها عملياً، وهن حرّات مستقلات في ما يملكن، لا يدخلن تحت قيمومة دائمة ولا مؤقتة ولا جناح على الرجال في ما فعلن في أنفسهن بالمعروف (ج‏4 ص 229).
لقد بنيت النظرية الاجتماعية في الإسلام، تبعاً لذلك، على امتلاك الرجل للقيادة العليا، فهو آمر الصرف عمليّاً لأنه الأكثر تعقلاً، لهذا حجبت القيادة عن المرأة لأن توليها القيادة مخالف للفطرة ولا يساهم في بناء المجتمعات الإنسانية على الشكل الأفضل.
________________________________________

[ الصفحة - 167]


فهل من مجال، والحال هذه، للاجتهاد في قضية المرأة، وبخاصَّة في ضوء ما بلغته التشريعات الحديثة من تقدم في مجال حقوق المرأة؟
على صعيد الأمثلة المقارنة، يتقدم المؤلف بمثال واقعي تؤيده كل الاستقصاءات المسحيَّة في علم الاجتماع عن وضع المرأة حديثاً، رغم كل التشريعات في مجالي النظرية والتَّطبيق في المدينة الأوروبية ليقول: «على أن الملل المتمدَّنة من الغربيين لم يألوا جهداً منذ مئات السنين في تربية البنات مع الأبناء في صف واحد، وإخراج ما فيهن من استعداد الكمال من القوة إلى الفعل، وأنت مع ذلك إذا نظرت في فهرس نوابغ السياسة والقضاء والتقنين وزعماء الحروب وقوادها لم تجد شيئاً يعتد به من أسماء النساء ولا عدداً يقبل المقايسة إلى مئات الألوف من الرجال.. وهذا في نفسه أصدق شاهد على أن طباع النساء لا تقبل الرشد.. الخ..».
الجملة الأخيرة، من حكم القيمة الذي استخلصه المؤلف، تعبّر فعلاً عن واقع مرير في نظر النساء في هذا العالم.. ذلك أن حكم الرجال للعالم وتعقلهم لم يمنع من شن الحروب وسفك الدماء ودمار الحضارة الإنسانية الأخلاقي ـ رغم الصعود التقني ـ إذن: ألا يعبّر ذلك عن مشروعية سؤال معاكس: هل لو تسلمت النساء قيادة العالم لكان الوضع الإنساني أفضل من جهة إنسانية، أو أدى إلى تضاؤل الحروب وسيادة الرحمة والأحاسيس اللطفية في العالم؟؟
والحقيقة أن المؤلِّف السيد طباطبائي، في مجال تحليل نظريته، يدين الرجل لأنه لم يلتزم رغم تعقّله بتطبيق النظريات الأخلاقية التي جاءت بها الأديان. فهو يرى أن الأزمنة الحديثة تتسم بسيادة العاطفة وغياب التعقُّل، وهو ما أدى إلى نشوب الحروب الكبرى التي هي من هدايا المدينة الحاضرة كما يقول، فلا تشريعات المساواة بالمرأة أدت إلى حصولها على حقوقها السياسية والوصول إلى القيادة، ولا حكم الرجل البعيد عن الالتزام بالتعقل والدين والقيم الكبرى أدّى إلى تحسين وضع الإنسانية، فما هو الحل لواقع بشري بهذه المرارة؟
بكل تأكيد، ومن منطلق التزامه بالإسلام، فإن المؤلف منحاز إلى الأيديولوجيا الإسلامية كما عبّر عنها من خلال نظريته الاجتماعية في مسألة طرفي المجتمع، (الرجل والمرأة)، «فالمرأة دعيت إلى التحجب وقلة مخالطة الرجال
________________________________________

[ الصفحة - 168]


وتدبر المنزل وتربية الأولاد» (ص 229). ثم دعيت إلى العمل المنتج وحضور الحروب كممرضة ومساعدة، وهو مقرر أخيراً أن مسايرة الفطرة التي قررها اللَّه سبحانه في سبيل مجتمع إنساني أفضل هي المجال الوحيد لسعادة البشرية.
جدلية التربية والنظرية في التطبيق‏
السيد محمد حسين طباطبائي يقدم نظريَّة اجتماعية تتسم بالواقعية والبعد عن الفرضيَّات غير القابلة للتطبيق في مجال التجريب. وإن اختزالها في صفحات معدودة ومناقشتها ونقدها ـ وهي تحتل حيزاً واسعاً في الميزان ـ يمكن أن يؤدي أحياناً إلى رسم صورة جافة ومثيرة للتساؤل وبعض الانطباع السلبي، وبخاصَّةٍ أن اجتهادات حديثة في مدرسة أهل البيت أعطت للمرأة حقوقاً جديدة، رفضها المؤلف، في أحقيتها بالقضاء والحكم.
لكن المؤلف لا يتجاهل مناقشة أثر التربية الاجتماعية في تحقيق عدالة تطبيق التشريعات الإسلامية، وبهذا يستكمل استنتاجاته الهامة أن ما يجري على صعيد الواقع من ظلم تتحمَّله المرأة في المجتمعات الإسلامية يعزِّز النظرية ولا يسي‏ء إليها، ذلك أن هناك مسافة واضحة بين النظرية والتطبق، وأن هناك خللاً واضحاً في التربية الإسلامية، وبخاصَّة ما يتعلَّق منها بالمرأة في الأسرة. الرجل عملياً يسعى جهده إلى حجب المرأة عن نيل حقوقها التي شرَّعها الإسلام. وهو في العوالم المتقدمة لا يزال يتعامل مع المرأة بنظرة دونية إلى أبعد الحدود، ولا زالت النساء يناضلن حتى لا يتعرضن للقسوة في المعاملة ومنعهن من الإرث وإسدال حجاب لباسي قاس وغير شرعي تحت مظلة اجتهادات إسلامية متعسِّفة، وهو يقرر بصرامة «أن الذي أصيب به الإسلام في مدة سيَّرها الماضي هو فقد الأولياء والصالحين والقوّامين المجاهدين، فارتدت بذلك أنفاس الحكام، وتوقفت التربية ثم رجعت القهقرى، ومن أوضح ما أفاده التجارب القطعي: أن مجرّد النظر والاعتقاد لا يثمر أثره ما لم يثبت في النفس بالتبليغ والتربية الصالحين..» (ص 276).
لهذا فهو يحمِّل الحكام ورجال السلطة المسؤولية الكاملة عن ذلك، ولا تتحمَّل النظرية الإسلامية ـ التي يعتبرها قمة الكمال التشريعي ـ أية مسؤولية تذكر،
________________________________________

[ الصفحة - 169]


بل أنّه يعتبر أن المدنيَّة الغربية نهجت طريق الإسلام عندما قررت منح المرأة حقوقها التي لم تحصل عليها في الواقع جوهرياً رغم كل شي‏ء، فالتربية الحديثة ما زالت تقدم المرأة على أنها دون الرجل في جميع الأمم، وهي (أي المرأة) تحتاج إلى أزمنة مديدة في المستقبل حتى يمكن إزالة أثر قرون طويلة سلفت من عصور اضطهاد المرأة.
هذه المسافة، بين النظرية والتطبيق، يمكن تجاوزها بوسيليتن أساسيتين: الأولى تحقيق العدالة على قمة السلطة بوصول أصحاب الحق بالحكم المتوفِّرة فيهم شروط العدالة، والثانية التزام التربية الإسلامية الصحيحة. والمؤلِّف في المجالين يقدم عبر كتابه فلسفة كاملة استقاها من تأويله للقرآن الكريم، لا بد من الرجوع إليهما في مكانهما من كتابه.
لهذا يمكن استخلاص نتيجة رئيسية من مجمل نظريَّته الاجتماعية تتمثَّل في أن تحرُّر المرأة ينبع فعلياً من تحرر المجتمع (رجالاً ونساء)، ولا يمكن تجزئة الحلول لأن لا فائدة على صعيد التطبيق من هذه التجزئة.
إن تحقيق العدالة المطلقة على هذه الأرض يبدو شيئاً مستحيل التحقُّق من خلال دراسة مسار التاريخ، ومع ذلك فإن الاعتراضات العديدة الموجهة للنظرية الاجتماعية الإسلامية تمتلك أحياناً بعض المصداقية، فقد جاء نظام تشريعات الزواج ـ رغم فطريته وواقعيته ـ مجحفاً نفسياً بالمرأة، فهو يقسرها على قبول الشراكة بالزوج مع نساء أخريات، زوجات كن أو ملك يمين، ورغم أن هذا العصر أنهى مرحلة الجواري، مما زالت المرأة تعاني من الاضطهاد النفسي لعلمها أن حل المسألة الجنسية للرجل حتى في جانبها العادل (وأعني الزواج الثاني من أجل الإنجاب أو التفريغ الجنسي أو اتخاذ العشيقات كما في المدنيَّة الغربية أو نظام تعدد الزوجات المشرّع الخ..» كل ذلك يتم على حسابها، مع كل ما فيه من إشعارها بالدونية والعذاب.
والحقيقة أن التشريعات التي يمكن أن تعطي المرأة العصرية كامل ما تطمح إليه من حقوق لم ولن تظهر إلى الوجود، في المستقبل المنظور على الأقل. لهذا يبقى التشريع الإسلامي هو الأفضل والأكثر واقعية وعدالة، مع كل ما في جدلية النظرية والتطبيق، في مجال قضية المرأة، من مرارةٍ وإثارة للجدل والصراع.
________________________________________

[ الصفحة - 170]