البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : إشكاليَّة حوار الأديان والحضارات دراسة في المنهج التفكيكي، ما بعد الحداثي

الباحث : أ.د. محمد البشير الهاشمي مغلي

اسم المجلة : مجلة المنهاج

العدد : 33

السنة : السنة التاسعة ربيع 1425هجـ 2004 م

تاريخ إضافة البحث : February / 25 / 2015

عدد زيارات البحث : 201

حجم ملف البحث : 83.765 KB

 تحميل


إشكاليَّة حوار الأديان والحضارات دراسة في المنهج التفكيكي، ما بعد الحداثي

أ.د. محمد البشير الهاشمي مغلي (*)

تمهيــــــد
عن تقرير إحصائي، لحصيلة القرن الماضي، تكون الإنسانية قد تطوّرت خلال المئة سنة الماضية بمعدّل ألف مرّة في ميدان استغلال الطّبيعة وتهيئة البيئة، ومليون مرّة في حقل تطوير الأسلحة! وكذلك مليون مرّة في نطاق العمليَّات الحسابية.
أمّا في مجال التحكّم في الأمراض، فلا يعدو التطوّر معدّل مئة مرّة فقط! ولا غرو، بعد ذلك، إذا كنّا لا ندري كم مرّة حصل هذا التطوّر في مجالات العلوم الإنسانية بعامَّة والعلوم الاجتماعية بخاصَّة؛ الأمر الذي حمل هـ.ب. ريكمن على القول: «إنَّنا لا نزال ننتظر نيوتن العلوم الإنسانية»(1)، في إشارة بليغة إلى مدى تخلّفها عن العلوم الطبيعية.
لكن كم مرّة، يا ترى، تكون ميادين الحوار، في محاورها الإنسانيَّة الكبرى، قد لامسها التطوّر، وارتقت في أساليبها مراقي حضارية تذكر؛ وتلك كما ألمحنا منذ برهة وضعية العلوم الإنسانية التي تقتاد هذا الحوار، وتلك هي القنوات المعرفية المتواشجة بأدواتها التعبيرية التي تتساوقه؟
جميع المؤشّرات المستمدّة من الأحداث العالمية المتسارعة، في غضون العقد الأخير من القرن الرّاهن، وما أعقبها من تداعيات منذ 11/سبتمبر/ 2001م، تؤكّد
________________________________________
(*)باحث من الجزائر
(1)انظر: هـ.ب. ريكمان: منهج جديد للدّراسات الإنسانية. محاولة فلسفية، ترجمة وتحقيق د. علي عبد المعطي محمد وآخرين. مكتبة مكاوي، بيروت: لبنان 1979، ص 314.

[الصفحة - 48]


أنَّ الحوار هو ما حظي بالحدّ الأدنى من التطوّر، بل هو أحد أسوأ مظاهر التخبّط والتخلّف الإنساني في هذا العصر «وأكلح» وجه للحضارة المعاصرة.
منشأ الحوار في العالم
في البدء كان الحوار...، وجاء الأنبياء ليعلّموا الإنسان طبيعة الكلمة، ليتعلّم كيف يعالج بها مشكلاته، لأنها تمثّل النافذة التي يطلّ منها على ما في داخل الآخرين...، وكانت القضية أن يتحرّك في الدّاخل، ليخرج من جمود الصّمت المتحجّر فيه... . وبدأ الإنسان يحاور الأنبياء حواراً عنيفاً يسوِّغ تمرّده منذ أن قتل قابيل هابيل لتأكيد ذاتيته والتنفيس عن عقدته النفسية بالأسلوب الذي كان يفهمه، وهو القتل من دون استخدام الكلمة الهادفة، أو الصّاخبة، التي تأخذ تارة وتعطي أخرى.
وينطلق الحوار، في الحياة، تيّاراً يهدر وينبوعاً يتفجّر وحركة تحرّك الفكر والعاطفة والوجدان، ومنهجاً للسّير بالحياة إلى أهدافها الكبيرة.
وجاء الإسلام ليكون دين الحوار الذي يطلق للفكر أن يفكّر في كلّ شيء، وللإنسان أن يتحدَّث عن الجميع، وليحاور الآخرين على أساس الحجّة والبرهان بالكلمة الحلوة والأسلوب الطيّب والموعظة الحسنة والجدال الأحسن (2).
وليس أوخم على الوجود الكلّي للإنسان من آفات هذا العصر المبيد الذي يدشّن من جديد، بجهالة الضمير وأمية الخلق وطيش السياسات والأحلاف، الشّوط الثّاني لما قبل التّاريخ (La nouvelle prَehistoire).
ولعلّ الشّوط الأوّل، على براءته وبدائيّته، أكثر سلماً وإنسانيَّةً وأخلاقاً! وإلّا ففيما التباهي والتّهديد بحجم القدرة التدميرية للمعمورة؟ ربّما ساغ ذلك في منطق النقائض!! لتسويغ زعم الرّيادة في الدفاع عن حقوق الإنسان؟ بدءاً بحقّ الإبادة!؟
لقد كانت المعارك تدور، في القرون الأولى، حول المعتقدات تحرّراً؛ ثمّ أصبحت موجّهة نحو أسرار الطّبيعة تذليلًا وتسخيراً، فكان أن أثمرت الثورات الصّناعية وموسوم التقدّم العلمي. وكان ينبغي مسايرة التطوّر فتيمّم المعارك نحو
________________________________________
(2)محمد حسين فضل الله، الحوار في القرآن. الدار الإسلامية، بيروت: 1399هـ/1973م، ص أ ـ ج بتصرف.

[الصفحة - 49]


القضاء الحضاري على معوِّقات السّعادة البشرية إلّا أنّ ردّة «الغرائزية المتوحّشة» أبت إلّا أن تحترف «علمياً» القهقرى، فتوقَّف التسلسل الطّبيعي لهذه المناضلة الهادفة، فانتقل الاهتمام التاريخي من «محور العلاقة بين الله والإنسان» الذي تساوقته هدايات الرّسل والأنبياء ومطارحات الفلاسفة والعلماء إلى «محور العلاقة بين الإنسان والإنسان» الذي قنّنته الشّرائع وسطّرته الدّساتير وفنّنته الإنسانيات (3)(4).
هذا، ولم يعهد عن حضارة القلم رغم الاستعلاء بيقينيات الدّين القيّم إلى منابذة الحوار مع أهل الكتاب، أو مدافعة الجدال مع الأمم أو الملل الأخرى، حتّى قال في ذلك الجرجاني: «لقد نازعت الحقّ بالحقّ للحقّ»، فلا مانع إذن من توظيف الكلمة الرّصينة معهم، وإن عدّوا بنحو أو آخر من أهل الباطل، لما في ذلك من تنكّر لروح الآية الكريمة: {وجادلهم بالتي هي أحسن} (5).
نقيض عنصرية الإغلاق الذي اصطنعه أرنست رينان، وأعاد صياغة عدائيّته الحديثة صموئيل هنتغتون في الإيهام بالزَّعم بصدام الحضارات هو وقبيله لأغراض لا تخفى..
وفي تقييم أوّلي، يلاحظ أركون أن الحوار اليهودي المسيحي استطاع أن يحقّق تقدّماً أكثر محسوسية من الحوارالإسلامي المسيحي، في حين ظلّ الأخير سجين ما يأتي:
أ ـ إطار المماحكات الجدليَّة للأدبيَّات البدعية القديمة...
ب ـ واللّغة الامتثالية المتخشّبة التي تكتفي بعبارات الاحترام المتبادل.
ج ـ والاجتماع الوهمي على القيم والإيمان المشترك بالله...
ذلك كلّه في غياب تعاليم للتاريخ المقارن للاهوت الأديان الثلاثة في جميع الجامعات. وهو أكبر مساعد في الزَّمن الرّاهن على حصول الاعتراف المتبادل بين الثقافات والأديان، لا سيّما المتعايشة في أوروبا، شريطة أن ينسج على منوال جهود الفلاسفة النّقديّين وجهود علماء الأنثروبولوجيا، باعتبارها نقداً لجميع الثقافات البشرية (6).
________________________________________
(3)انظر: د. محمد البشير الهاشمي مغلي: وازعية التغيير الاجتماعي في الإسلام، مخطوط 1998، ص.ت.
(4)المقصود بالإنسانيات العلوم الإنسانية جميعها.
(5)النحل: 125.
(6)محمد أركون: الفكر الأصولي واستحالة التأصيل. نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، بيروت: 1999م، ص 250 ـ 253.

[الصفحة - 50]


في المنعطف التَّاريخي الملغَّم، هذه الأيّام، ما هي الرّهانات المترتّبة على تنشيط الحوار بين الأديان والحضارات والثقافات بدلًا من عسكرة التفكير والفضاء؟
ولعلّه يحسن بنا، قبل ذلك، أن نتصدّى، ولو في عجالة، لتحديد المقصود بالحوار وتعريف ما رادفه من المناظرة والجدال، لنكون على بيّنة بالمضامين، حتّى إذا عمدنا إلى تأصيلها من دون مجازفة أو ادّعاء، انتصب تراثنا العربي الإسلامي سنداً حضارياً قوياً لقولنا، بما انطوى عليه من آدابها وأساليبها النَّوعية المختلفة، وما تحلّى به من خلقية متميّزة في محاورة الغير، وما عرفه من تقاليد الإصغاء إلى الآخر، ما جعله يعرف برائد الحقّ ومبتغى وجه الحقيقة بعيداً عن كلّ مناورة أو إكراه، بالتعبير القرآني الملزم.
أنماط الحوار وهدفيّته في الإسلام
أ ـ المناظرة مشتقَّة من النّظر على معنى الإبصار، والمراد هو النّظر بالبصيرة بغرض استجلاء الصّواب وإحقاق الحقّ، طبقاً لقواعد منطقية، تفضي إليه بين النظراء. ولمّا كانت المناظرة هذه تهدف إلى إدراك الحقيقة، وكان بلوغها يحتّم الالتزام بها، فإنّ ذلك يبوّئها درجة أشرف من الجدل(7).
ب ـ أما الجدل فلا يتقصّد المجادلون منه استقطاب الحقّ واستصوابه أو ترجيح ما يقوم به دليل من عقل، أو نقل، أو منهما معاً لاعتباره أو الأخذ به وإنّما يثيرونه جدالة (8) وعلى سبيل المنازعة والمبالغة بل من أجل دحض الحقّ، كما قال تعالى: {ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحقّ}(9).
والرَّبط، في الآية الآنفة، بين الكفر والجدال ربط واقعي حكيم لاتّفاقهما في معنى الجحود والتغطية والطّمس لمعالم الحق وحجبها عن النظار، ولو استبان دليلها وقامت آياتها.
وعلى هذا، يكون الجدل مذموماً منبوذاً في الشّرع، لانطوائه على إصرار على الباطل وارتكازه على الهوى؛ أو بتعبير آخر، لقيامه على الذاتية المفرطة والتعصّب المقيت بهدف الطّعن والمثالبةوالمخاصمة لا غير.
________________________________________
(7)د. عبد الحميد الهرامة. مقال «آداب المناظرة» أسبوعية الدّعوة الإسلامية، عدد 701. بتاريخ 20 صفر/8 الصيف 1430م، ر ليبيا، ص 30.
(8)جدالة: من جدله أي ألقاه على الجدالة، أي الأرض الصّلبة. انظر: الزمخشري، أساس البلاغة، ص 85.
(9)الكهف: 50، ولقد وردت لفظة الجدل في سبعة وعشرين موضعاً من القرآن الكريم.

[الصفحة - 51]


لذلك ما عاب القرآن الكريم على الجدليين إلّا جدالهم الفجّ بغير علم، وإعراضهم بغير سلطان، وعزوفهم عن طلب الحقّ مكابرة وإمعاناً في الصّلف والضّلال والمغالطة. وإلى ذلك تشير الآية الكريمة:
{إنّ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلّا كبر} (10).
وفضلًا عن أن الجدل منزع طبيعي في الإنسان إلّا أنّه قد يشتطّ به إذا كان مقصوداً لذاته، أو كان يبتغى من ورائه مجرّد النّقض والمخالفة أو المحاددة والمشاققة: {وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا}(11).
فالجدل، هنا، نقيض للإيمان وانحياز للباطل؛ بل هو موقف نقيض يتعارض مع اليقين الاعتقادي... إنّه الشكّ الناظر في النقائض والحقائق (12)، وقد يتحوّل إلى أداة في الصّراع الفكري والعقدي إذا كانت تحرّكه نوازع الخصومة المفتقرة إلى العقل والرصانة والحكمة والتدبّر: {وما ضربوه لك إلّا جدلًا بل هم قوم خصمون} (13).
وهو، بهذا المعنى، لا يتعلّق إذن باستظهار الأدلّة المقنعة أو هو يستند إلى الشواهد في الاحتجاج، بل هو قدرة أو ملكة في المفاتلة (14) وإلزام الخصم ما لا يلزم، وهو «نزاع ومراء وعناء وعناد وإثارة شبهة وإشاعة مغالطات وإعراض وتملّص باستعمال أساليب لا يقرّها منهج ولا يرتضيها منطق...» (15).
ولمّا كان الجدال من طبيعة الإنسان ـ وما جاء الإسلام ليناقض الفطرة، وإنّما جاء لترشيدها وتوجيهها ـ لم يتركه القرآن الكريم ينشأ عن ترف ذهنيّ طلباً للغرور الذّاتيّ والزّهو بالتبكيت والإفحام إبرازاً للطاقات الكلامية وإخضاعاً للفكرة إلى متاهات فلسفية محضة، أو تدريباً على صناعة اللّف والدّوران، من قبيل الجدل السّفسطائي الذي يعدّ المحاورة مجرّد موضوع للدّراسة ودربة على فنّ الجدل، من غير أن يكون الغرض منها التوصّل إلى نتيجة أو الحصول على معرفة(16)، أو أن ينقلب التحاور إلى مناقشات بيزنطية لا طائل من ورائها سوى الهروب من مجابهة الحقّ بعدما انبلجت ملامحه؛ ولك أن تقرأ فحوى ذلك في قوله تعالى: {يجادلونك في الحقّ بعدما تبيّن كأنّما يساقون إلى الموت وهم ينظرون} (17).
________________________________________
(10)غافر: 56.
(11)الكهف: 55.
(12)د. خليل أحمد خليل: جدلية القرآن. ط2، دار الطليعة، بيروت: 1891، ص 22.
(13)الزخرف: 58.
(14)المفاتلة: من فتله عن حاجته: صرفه فانفتل. انظر: الزمخشري، أساس البلاغة، ص 463.
(15)محمد التومي: الجدل في القرآن الكريم.
(16)انظر: محمد حسين فضل الله: الحوار في القرآن، ص 110 و23.
(17)الأنفال: 5 و6.

[الصفحة - 52]


بل إنّ القرآن الكريم يحذّرنا من الانحراف بالجدل إلى غير وظيفته الحقيقية، بحيث يصبح من إملاء الباطل ووحي الشيطان (18)، أو قد ينتهي به العدول عن الحقّ إلى ركوب متن الخيانة: {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إنّ الله لا يحبّ من كان خوّاناً أثيماً} (19).
في مقابل ذلك، نجد مميزات الجدل القرآني، وهي تمنهج للمجادلة بالتي هي أحسن (20)في ضوء من مسلك الأنبياء، وعلى أساس من الحوار الهادى المثمر، وفي إطار من الأدب الإسلامي الجمّ في غير ما انفعال أو توتّر أو مغاضبة أو عنف، لأنّ ذلك يخدم الدّعوة ويوصل إلى الهدف المنشود:
{ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} (20).
وحين يختار لنا القرآن الكريم أسلوب الحوار المتّسم باللّين والكلمة الطيّبة والجدال المرن المتفتّح، فإنّه لا محالة «يشير إلى النّتائج العلمية التي تجنيها الرّسالة من خلال هذا الأسلوب، وهو أن تحوّل أعداءك إلى أصدقاء ينطلقون معك في ما تفكّر فيه وفي ما تعمل له» (21). وإليه توجيه الآية الكريمة بهذا الحثّ المنهجي والأدبيّ: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه وليّ حميم}(22).
وواضح أن الجدال البنّاء، بهذه الصّورة المشرقة، علمي في مبناه، سلميّ في منتهاه، لا تلفيق فيه ولا تزوير، ولا تحامل ولا تناور، ولا قذف فيه ولا تبييت، ولا تهويل ولا افتراء... (23). وبهذه المرتكزات يتاح لنا مدخل إلى تقصّي ماهية الحوار تحديداً، وإن نحن عمدنا إلى الإيجاز.
ج ـ الحوار مناظرة حسنة وجدل إيجابي بنّاء خال من عنصر التّحدي وإرادة الصّراع أو التّيه. تفضي آدابه إلى التجاوب كما في الأصل اللّغوي للتّحاور (24)، سيّما إذا كان كلّ طرف محاور بعيد الغور أي عاقلًا (25)
فهو، إذن، بهذه المثابة تفتّح على الآخر، وليس بحال إلغاء للغير، ما دامت مجتنباته تلك محذورة.
ثمّ إنّه، بائتلاف التجاوب، أي التلاقي لا التنافر، وبحصول التعقّل في ابتناء
________________________________________
(18)وفي ذلك ما يشير إليه الآية الكريمة: إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم...[ الأنعام: 121].
(19)النساء: 107.
(20)وجادلهم بالتي هي أحسن[ النحل: 125].
(20)وجادلهم بالتي هي أحسن[ النحل: 125].
(21)محمد حسين فضل الله: الحوار في القرآن، ص 53.
(22)فصّلت: 34.
(23)د. محمد البشير الهاشمي مغلي: مناهج البحث في الإسلاميات لدى المستشرقين وعلماء الغرب. إصدار مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية الرياض، 1422هـ، ص 286 ـ 288.
(24)انظر: مختار القاموس للزاوي مادة حور، ص 160.
(25)بعيد الحور: أي عاقل، المرجع نفسه.

[الصفحة - 53]


موضوعات الحوار، أي بتفادي نقائضه المتعلِّقة بالهويَّة المختلفة ومعوّقاته. سوف تؤول نتائجه إلى التّقارب والتّواصل في حيلولة من دون أن ينقلب مشروع اختلاف التنوّع إلى رهج الخلاف، أو أن تصبح منازع الرؤى والمشارب ذريعة لنزاعات عدائية قاتلة.
وبهذا يتأكّد أن الحوار أوسع مدلولًا من الجدل في طرح الفكرة أو المبدأ، سيّما ما تعلّق منهما بقضايا الإسلام واتخاذ الموقف العلمي منها على جبهتين أساساً:
الأولى: جبهة الدِّفاع ضد الفهم السيِّى للإسلام نتيجة للممارسات الفكرية الخاطئة أو العرض الخاطى القلق.
الثانية: جبهة الدّفاع ضدّ التحدِّيات التي يثيرها الآخرون عن نظرة الإسلام وحلوله... (26) في غمار مستجدّات العصر ومعكّراته أيضاً!!
ولعلّ أنجح حوار مع الخصوم ما توخّاه مرشد الدّين الأوّل (صلي الله عليه و آله و سلم) في سيرته الدّعويَّة، وهو يستلهم أسلوبين عمليّين في إجراء الحوار الإيجابي الحرّ الواعي من ضياء الآية الكريمة: {وإنّا أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} (27).
وإذ يُلْفِتُنا، بإكبار عظيم، لطف النبوّة اللّامتناهي والهدوء الرّسالي الوديع في مدافعة احتكار الهدى، وإن كانت بحقّ ينبوعه اليقينيّ الثرّار والالتزام الحذر في سياق الحوار من رمي الخصم بالضلال ابتداء، نرى أن الآية تملي الأسلوب العلمي الأول الذي يعتمد على تفريغ الموقف من الأفكار المسبّقة التي تحوّله إلى عقدة أو إلى حاجز قد يحول دون الشّعور بحرّية الحركة الحوارية، بحيث تستوي الأطراف في اعتبار الشكّ في الفكرة أو القضية المطروحة موقفاً مشتركاً بينها يستدعي محاولة المواجهة من جديد (28)
أمّا الإشعاع النّوراني الآخر فتسلّطه الآية الكريمة: {قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين} (29).
فهي تملي الأسلوب العلميّ الثاني الذي يجرّد الموقف من حالات التّعصّب والتزمّت التي تحجّر الفكرة، فلا يسمح لها بالتحرُّك الذي تخوض معه قصّة الصّراع
________________________________________
(26)فضل الله: الحوار في القرآن، ص 18 و19، بتصرف قليل.
(27)سبأ: 24.
(28)المرجع السابق، ص 55.
(29)القصص: 49.

[الصفحة - 54]


من جديد كلّما لاحت أدلّة جديدة للفكرة المضادّة من دون أن تصبح مع ذلك القناعات الذّاتية سدّاً منيعاً يحتّم الإغلاق.
والرّوعة الحوارية ، في الأسلوبين، بادية في التقائهما على إفساح المجال للحوار أن يتحرّك بكلّ حرّية. ففي حين تتمثّل «ديناميكية» الأوّل في الانطلاق من موقع الشكّ الذي يطرح جميع القناعات جانباً ليبدأ القضية من جديد سواء بسواء؛ تجيء ديناميكية الأسلوب الثاني مدعّمة لموقف متحرّك يتيح للقناعات المضادّة مجال الطّرح من جديد في ظلّ إمكانية فكرية ونفسية مخصبة (30).
عراقة الحوار الحضاري الإسلامي
هذا، وإذا كان الحوار، بعامة، في التصوّر الإسلامي، على هذا الأساس الحضاري الرّاقي الذي سمح بالتعايش السلمي بين الحضارة الإسلامية الزاهرة والحضارات الأخرى طوال عدّة قرون؛ فهذا يعني أنّ أمة الإسلام لا تبدأ الحوار الآن، ولا هي تتلقّى دروساً في تعاطيه هذه الأيّام، كما قد يروّج له في ظنّ غير الواعين بأمجادنا التاريخية التّليدة، وإنّما نحن نستأنفه سيراً على المنهج القرآني العريق المرتسم، والذي كنّا قد أشرنا إلى بعض معالمه الرئيسية من قبل. وسواء أكان الاستئناف الحواري عن مبادرة منّا في حمل الآخرين على التحاور، أم كان ذلك بدعوة منهم وإلحاح رغبة معاصرة، فليس من شأننا الصدود أو التأبّي لدوافع شرعيّة وحضاريّة تاريخية وأخرى منطقية وواقعية يفرضها الظرف الدّوليّ العصيب والوضع العالمي الجائر.
خلفيَّات التَّنادي الغربي للحوار الظرفي
في هذا السِّياق، تبرز ضرورة سؤال لا بدّ من إثارته للأهمية القصوى التي يكتسبها، وهو: لماذا تزدحم يا ترى في السّاحات الإعلامية والثقافية، بل وفي الأوساط السياسية، نداءات متكرّرة، في الآونة الأخيرة، لرفع شعار الحوار بهذه الاختزالية، بين الإسلام والغرب ، قبل حوادث مانهتن وبعدها؟ وما هي خلفيات هذه الدّعوات من كل جانب بعدما صكّت الأسماع بصراع الحضارات الذي نظّر له هنتغتن
________________________________________
(30)المرجع السابق، انظر: ص 56 و57.

[الصفحة - 55]


في نبوءة خاطئة تعدّ المسلمين، من بقايا منظور استشراقي مبتذل، أكثر الشّعوب إثارة للحروب؟ أو بحتمية الصّدام الحضاري الذي آلت إليه تشاؤمية فوكوياما بخصوص نهاية التاريخ «الغربي»؟ وإن كان هو لم يورده بهذا التّعيين، وهو في التحليل الأخير، صحيح على غير صعيد بالنسبة إلى مسار الهيمنة الغربية؛ واتّجه في عشوّ ذاتيّ يعنيهم بالدّرجة الأولى، إلى التعميم وكأنّه بهذا الإفضاء اليائس يدعو إلى التخفيف من مآسي الأرض واختصار تعاسة الكوكب بتطبيق صيغة الاغتيال الرحيم لتاريخ البشرية، أو ما قد يسمّى بـ:« euthanasie de histoire» !
وحين يزعم أن الإسلام ضدّ الديمقراطية، فما قيمة ادّعاء قانط يدعو الآخرين إلى الانتحار كلية؟ وأي حوار يفيد مع قسّ أمريكي يحمله هذيانه الصّليبي الحاقد على اعتبار العالم الإسلامي مرتعاً لعمل الشيطان؟ ومن هذا القبيل تصريح الرئيس الأمريكي الحالي نفسه بانطلاق الحملة الصّليبية الجديدة، وإن تراجع بتأثير الاستشارات المتخصّصة عن استخدام متسرّع للوصف الإيحائي الخطير!؟
وكذا تهجّم رئيس وزراء إيطاليا بيرلسكوني الذي أثار موجة عالمية من السّخط والنّقد لمحاولته الاستعلائية في المفاضلة بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية! وإن هو قد اضطرّ إلى تقديم الاعتذار إلى المسلمين على أعتاب مسجد روما؟ والإقرار بخطأ القول بالتفوّق الحضاري الغربي على المسلمين، ذريعة الاستعمار القديم!! وما قصّة ربط الإرهاب بالإسلام، هذا الربط التعسفي الطارى إلّا قناع زائف يخفي وراءه الأهداف الحقيقية لسيطرة أمريكا على العالم بعد انتهاء الحرب الباردة. ومع ذلك، فقد استطاعت وسائل الإعلام الأمريكية تشويه صورة الإسلام زوراً وبهتاناً بخلط مقصود بين تصرّفات بعض المسلمين وبين قيم الدّين الحنيف. وإلّا فهل يعقل حقّاً الزعم بالقصور عن التمييز لمن كرّس النبوغ والعبقرية في مخابر التّحليل بحيث يقوى على عزل الذّرة ويحكم اقتياد مركبة فضائية على سطح المرّيخ انطلاقاً من الأرض بدقّة علمية مذهلة ويعجز عجزاً مدرسيّاً ذريعاً عن التَّمييز بين ما هو سلوك بعض الأتباع وبين ما هو من صميم مبادى الدّين الحضاري؟ وجحافل مراكز الدراسات الإسلامية والشّرق الأوسط وظاهرة من يسمّون بـ «خبراء الإسلام» بعد ذلك ظهير؟!
________________________________________

[الصفحة - 56]


حقيقة الصِّراع المتلفّع بالحوار الغربي
والحقيقة التي لا مراء فيها أن الصراع إنّما هو كامن أصلًا في التّكالب على المصالح الاقتصادية والمكاسب السياسية، من خلال استغلال الشعوب المستضعفة، جرياً على مبدأ الاستغلال الاستعماري، منذ الاستعمار التّجاري في عصر الكشوف الجغرافية مروراً بالاستعمار الاستيطاني في أثر الثّورة الصّناعية، وانتهاء بالاستعمار الاقتصادي والثقافي بل والسّياسي في عصر العولمة(31).
وهو ليس صراعاً حضارياً ولا دينياً كما يُرَوَّج له؛ إذ إنَّ الحضارات تتحاور وتتكامل، والأديان تلتقي. وتنتهي، مهما اختلفت الطرق وتباينت الأساليب، عند غاية سامية مشتركة... ولذلك، وعوداً على بدء، السؤال المثار آنفاً، وانزلاقاً وراء مقولات الغرب، ودفعاً لتهمهم الزائفة، وتغطية على حقيقة الصراع، يرفع شعار الحوار بين الإسلام والغرب وتكثر الأسئلة، وتزداد الاتهامات، وتتفاقم في محاولة خبيثة لوصم الدين الحنيف بالعنف والإرهاب، وتمرير مقولة الصراع الحضاري وتسويغ مختلف التهجمات الطائشة.
وخير تفنيد لمدَّعى الصِّراع أن الإسلام الذي برع في التعامل والتفاعل مع جميع الحضارات الإنسانية، في عصره الأوّل، من فارسية إلى هندية ومصرية ويونانية، لم يأل جهداً في ترجمة آثار تلك الحضارات الإسلامية واستيعابها، وإنمائها بما أضافه إليها حتى كانت الحضارة الإسلامية الزّاهرة تظلّل العالم طوال سبعة قرون ذهبيّة، كانت خلالها تلقّن أوروبا العلم والتقدم والازدهار والتعايش السلمي بما لا نظير له في ما بعد. وفي ذلك فليتنافس المتحضّرون، وبذلك فلتتباه الحضارات.
ولعلّ أحسن مثال يساق، في الواقع الراهن، على تعايش الأديان، هو الأنموذج المصري . «فقد عاش المصريون شعباً واحداً، يجمعهم تراث مشترك وعادات وتقاليد واحدة وثقافة مصرية روافدها ومرجعيّتها الإسلام والمسيحية. فتاريخهم وشخصيّتهم الحضارية مزيج من الحضارات الفرعونية القبطيّة والإسلامية؛ تلك الحضارات التي صنعت الشخصية المصرية الأصلية. فذلك المزيج من
________________________________________
(31)جمال أسعد: الإسلام الحضاري.. «تعايش الأديان» مقال بجريدة الأخبار المصرية، عدد 14/2/2002، ص 7.

[الصفحة - 57]


الحضارات والذي انتهى بالحضارة الإسلامية هو الذي يجمع المصريين، مسلمين ومسيحيين، تحت مسمّى الإسلام الحضاري الذي يجعل المسيحي المصري، غير المسيحي في أيّ مكان في العالم، خاصّة المسيحيين الغربيّين حيث تأثّروا بمصالحهم الاستعمارية، وجبلوا على تاريخهم التصادمي مع الشّرق الإسلامي، ولذلك فهم ينظرون إلى الإسلام كعدوّ. أمّا المسيحي المصريّ فالإسلام بالنسبة إليه جزء من تكوينه الحضاري خاصة الثقافة والتاريخ والتراث والعادات والتقاليد...
ولذلك يخطى من يتصوّر أنّ الصراع الغربي الإسلامي يعني أن يكون المسيحيون العرب في خندق واحد مع الغرب لكونهم مسيحيين؛ مع العلم أنّ هذا التصوّر الخاطى ما زال يداخل بعض المسيحيين والمسلمين المنغلقين على أنفسهم...» (32).
ومن قبل، حمّل دانييل نورمان المسيحيين اللّاتين، تحديداً، تبعة التوتّر والعداوة والقطيعة الطارئة على علاقات كان يسودها الوئام والتسامح في الأوساط المسيحية الشرقية الإسلامية (33).
وليس دون ذلك إنصاف أحد الأكاديميين، الحائزين على جائزة نوبل في الأدب (1921م)، في قول بليغ يعتصر حسرة على رزيّة انحصار المدّ الحضاري الإسلامي عن أوروبا، وما كان يمثّله من جملة تلك القيم الرّفيعة التي تفتقر إليها حضارة الغرب المعاصرة، حين اعتبر أنّ أشأم يوم في تاريخ فرنسا هو معركة بواتييه، عندما تراجع العلم العربي والفنّ العربي والحضارة العربية سنة 732م أمام همجيّة الفرنجة (34).
الحوار بين الرّواسب والمعطيات الجديدة
منذ مهبط الوحي بالآية الحوارية الكريمة:
{قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألّا نعبد إلّا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتّخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله} (35)، يعسر استشفاف تطوّر ملحوظ في منهجيات الحوار بين المسلمين وغيرهم. لا سيّما منهم أهل الكتاب ولم
________________________________________
(32)نفسه.
(33)انظر كتابه الذي ألّفه بالإنجليزية عن (الإسلام والغرب).
(34)وهو أناتول فرانس انظر: د. محمد عبد الرحمن مرحبا: أصالة الفكر العربي، ط2، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر: 1983م، ص 223.
(35)آل عمران: 64.

[الصفحة - 58]


يطرأ تغيير منطقي أو واقعي يذكر على الخريطة الإدراكية التي رسمتها ظروف الشريعة السّمحة لهم باصطلاحات واقع التّنزيل آنذاك. من ذلك مثلًا تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار كفر... وليس الغرض إيعازاً بانقلاب على وضع لغويّ مقنّن، أو دعوة إلى تعديل في مفهومات أرسى الشّرع العظيم أساسياتها، بقدر ما هو إشارة إلى ملحظ انعدام مواكبة في فكرة الدعاة ووعيهم، وثقافة المتحاورين لجغرافية العالم الحضارية ومختلف التطوّرات الهائلة التي أحدثت تحوّلات كبرى في مسارات التّفكير الإنساني، وأساليب الرؤية والتّصوّر نجمت عنها ثورات عميقة في مناهج التّحليل والتّناول والتعبير أدّت إلى إنشاء أضراب نوعيّة من السّلوك البشري وطرائق الفهم وسلاسل العلاقات الفردية والاجتماعية والدّولية بين الناس، بتعاقب الأجيال والمدنيات والحضارات مذّاك. فهل واكب الحوار روح العصر؟ وهل ساير طبيعة المرحلة أو ما انفكّ يراوح مكانه في انغلاق دون أدواته التعبيرية والمفهوميَّة الخاصّة؟ أليس المسلم الحديث لا يفتأ يرعبه لفظ الشّرك وكذا المسيحي المتورّع لا يلبث يتسمّر ويتخندق حول حرفيات التثليث، ويتّهم المحاور المسلم بأنّه لا يتابع، بل ولا يطّلع على ما طرأ من أساليب على فنّ الحوار؟ وأنه آحادي الثقافة يجهل ما عند الآخرين وتقتصر معرفته على شؤون دينه هو؟ وموقفه من غير المسلمين محدّد مسبّقاً بمعياري دار الكفر ودار الإيمان؟ فهل يدرك أن أغلب المسيحيين يرفضون بل جلّهم يأبى الرّمي بالكفر وكثير منهم يسلّمون بروايات القرآن الكريم في خلق عيسى (عليه السلام) ، خصوصاً بعد الإصلاحات التي أدخلها كالفان ولوثر على الكنيسة (36)!
ولا غمط، ففي المقابل نجد أيضاً من جملة الانسدادات التي تعوِّق حركة الحوار الحديث الرّواسب النّمطية المتكلّسة، عبر القرون، بفعل مؤثّرات الاستشراق المبتذل وإرساليات التّنصير المضادّة، وعوامل الصّراع الفكري والسّياسي وبقايا الايديولوجية الاستعمارية المشوبة بالرّوح الصّليبية المبطّنة التي تسيطر، متضافرة أو منفردة، في لا وعي المسيحي الغربي على ذهنيّته وأحكامه تجاه المسلم. ناهيك عن عمليّات التعتيم المبرمج والتّسميم المخطّط لوسائل الإعلام الغربي، في إطار تنمية «الإسلاموفوبيا» الملفّقة بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) عام 2001م.
________________________________________
(36)عمر لطفي العالم: مقال: «نحن والحوار» أسبوعية الدّعوة الإسلامية، عدد 796 بتاريخ 20 محرم 1370 ور. طرابلس، ص 10.

[الصفحة - 59]


ثقافة الحوار في عصر العولمة
في مقابلة مع الدكتور حنّا كلداني، مستشار المجمع البابوي للحوار مع الأديان، على هامش انعقاد ندوة «ثقافة الحوار في عصر العولمة»، في كلّية الدّعوة الإسلامية بليبيا، يعتزّ، وهو مسيحيُّ العقيدة، بانتمائه إلى النّسيج الثقافي العربي وإلى الحضارة الإسلامية، ويؤكّد أن الحوار الإسلامي المسيحي ليس جديداً، بل هو عريق في التاريخ. ولا أدلّ عليه، على سبيل المثال، من الأدبيات العربية والإسلامية الكلاسيكية التي تحدّثنا عن الحوار المشهور بين البطريرك طيموثاوس والخليفة المهدي، وكذلك الحوار الشهير بين الرّاهب الطّبراني وأمير القدس في القرن العاشر، ثمّ يردف قائلًا: «فنحن نملك إذن تراثاً غنيّاً من التّواصل والتّحاور، واليوم تواجهنا ثقافة طارئة يطلق عليها ثقافة العولمة بهيمنة أمريكية (37). والعولمة منهج اقتصادي بحت تحرّكه افتراسيّة رأس المال بهدف تحقيق التراكم وقوّته. وتسخّر لهذا الغرض ضروب المعرفة والثقافة في العالم. وما الهيمنة إلّا تحويل القيم إلى معايير كونية. وإذا كانت أمريكا هي المستحوذة والمتربّعة على القطبيّة الآحادية، فالخشية من أن تترادف العولمة بالأمركة حتماً!».
ويستأنف مستشار الفاتيكان للحوار مع الأديان قوله: «إذا كانت العولمة بعيدة عن روح الدّين فهي حركة متوحّشة ورأسمال متوحّش... علينا كمسلمين ومسيحيين أن نوحّد خطابنا وموقفنا منها، وعلى وسائل الإعلام أن تقدّم باستمرار نظرة إيجابية نحو الآخر من الجانبين أي أن تقدّم صورة الآخر كما هي، وخاصّة الجانب الإيجابي وألّا تتحدّث نيابة عن الآخر». كما انتقد قنوات فضائية غربية تمتلكها شركات رأسمالية تجارية لا علاقة لها بالمسيح والمسيحية، قدَّمت صورة مشوّهة وغير حقيقية عن الإسلام والمسلمين؛ في حين عرضت محطّة تابعة للفاتيكان برامج معتبرة عن الإسلام كان لها أثر إيجابي في الجمهور المتلقّي (38).
وبهذا يتجلّى، بشهادات ذوي الاختصاص واليقين الدّيني، والتاريخ بعد ذلك ظهير، أنّ دعاة العولمة الملغزة، لمّا وجدوا المقاومة الشّديدة ضدّها من قبل الدّول التي تبيَّنت أهدافها الابتزازية، عمدوا إلى تفسير هذه المقاومة في أمريكا، ثمّ في
________________________________________
(37)محمد جحا: حوار مع د. حنا كلداني، الصحيفة نفسها، ص 7.
(38)نفسه.

[الصفحة - 60]


أوروبا، على أنها وليدة صراع الحضارات، في مصادرة كلّية للحوار. والتأويل الأشنع قولهم: إنّ الحضارة الشرقية، لما كانت متخلّفة، فهي ترفض الحضارة الغربية المتطوّرة، وإنّ العولمة هي مصدر سعادة الأمم حين تكون تحت سيطرة الجنس الأبيض. وبهذه الخدعة، يتبارون في إظهار العولمة بلبوس أخّاذ، ليتحدّثوا عن مزعوم هو صراع الحضارات، تعمية عن الدّوافع الاقتصادية والاستغلالية المتستّر عليها وتضليلًا للنَّاس؛ وذلك خدمة لترويج المنتجات الأمريكية في أسواقنا(39).
فهذه الدَّعوى، في التحليل الأخير، دعوى باطلة أريد بها باطل؛ مع أنها ليست حديثة عهد بما دعا إليه هنتنغتون كما أكّد السّياسي الاقتصادي الأمريكي ليندون لاروش بقوله: «إنّ الفلسفة الفاشية لنظريّة صراع الحضارات ليست جديدة، ولم تأت مع نشر مقال هنتنغتون حول صراع الحضارات في التسعينيّات، بل تعود إلى الخمسينيات وبمسمّيات مختلفة» (40).
والمستخلص هو أن الحوار العلمي البنّاء بعيد عن تفاهات السّاسة في الغرب، وليس من صلاحياتهم، بل هو من اختصاص العلماء: وفي تعليل ذلك يقول الشيخ محمود عاشور، وكيل الأزهر الشّريف، في ردّه على هجوم وزير داخلية ألمانيا على الإسلام: «... مهمّة رجل السياسة: أن يصنع قراراً. وصناعة القرار تقوم على المنفعة التي تعود عليه وعلى بلده...
أما تقييم الحضارات والأديان، فيحتاج إلى أدوات ورجال، ومقوّمات الرجال العلم والمعرفة والعقل... فإذا جاء رجل السياسة ليقيّم حضارة من الحضارات يكون قد فارق اختصاصه وجانب مهمّته...» (41).
فما أحوج الحوار الموضوعي الرصين إلى الثقافة ومعرفة الآخرين، وإلى حدّ أدنى من التّوافق، أو فلنقل: لكي يسير الحوار سيره الطّبيعي المثمر، دونما إكراه أو حيف أو هيمنة، لا بدّ من تحقّق التّكافؤ بين المتحاورين، لا سيّما في موازين القوى. وإلّا فأنواع الحوار ثلاثة كما يحلّلها د. إبراهيم المسيري:
أ ـ حوار الأنداد من منطلق واحد، يعني أنّه يحقّق النّدية في إجرائه بتعادل الأطراف المتحاورة وتساويهم.
________________________________________
(39)فوزي فاضل الزفزاف: مقال: «العولمة ودعوة صراع الحضارات» العدد نفسه من الصحيفة نفسها، ص 9.
(40)د. عبد العاطي محمد عبد الجليل: مقال: «صراع الحضارات»: دعوى باطلة أريد بها باطل!! صحيفة الدعوة الإسلامية، عدد 788 بتاريخ 6 شهر النوار 1370 ور. ليبيا، ص 12.
(41)انظر: فريد إبراهيم: مقال «وزير داخلية ألمانيا.. يحكم على الإسلام بدون فهم»، الجمهورية الأسبوعي، مصر، عدد الخميس 7 مارس 2002م، ص 11 بتصرف قليل.

[الصفحة - 61]


ب ـ الحوار النّقدي الذي يبرز خطأ الآخر والعكس، في تجاذب متبادل على الأحسن.
ج ـ الحوار المسلّح كأن يحاورك الخصم، وبيده مسدّس، فلا بدّ من أن يكون ردّ فعل حواري أيضاً يحمل رسائل مسلّحة (42).
وهذا الشكل المضغوط هو أخطر، بل وأفسد أشكال الحوار لأنه يفضي إلى مسار مسدود ينتفي معه مفهوم الحوار، ويُلغي كل من الخصمين الآخر في أيلولة حتميّة إلى الانبتات والمأزق والاحتكام إلى منطق القوّة والغلبة.
ممهّدات الحوار الحضاري في الألفية الثالثة
لا جرم أنّ أقدر معول على نسف الحوار الحضاري، في عالم ما برح ينشد التّناغم الديموقراطي، ويحلم باحترام حقوق الإنسان، هو الاغترار بالقوة المادية المتغطرسة التي تعبّر في المجال السّياسي عن عقدة فرعون حين قال: {أنا ربّكم الأعلى} ، والتي تتّخذ اليوم بعدها الدّولي الخطير في ما يعرف بالقطبية الآحادية، وهي أفدح أطوار تفاقم دعوى المركزية الغربية التي تستند في الأساس إلى النّظرية العنصريَّة التي طالما شكّلت إطاراً شاملًا لرؤية الذّات والحضارة والسّلوك(43)، بحيث إنّ الغرب كما يلاحظ روجيه غارودي يعتقد بأنَّه مباح له تحديد مكانة الآخرين والحكم عليهم لصالح تاريخه وغاياته وقيمه (44).
وقد استتبع هذا الأمر أن يتعامل الغرب بمنطق النّفي مع الحضارات الأخرى، ولم يكن من قيمه أن يعمل من أجل استنهاضها، أو الاعتراف بها، بدءاً بالجحود الإجرامي القاتل للشعوب الأصلية من الهنود في الأمريكتين الشّمالية والجنوبية والتي ما فتئت تطالب بالاعتراف التّاريخي بحضاراتها، ولا تنفكّ تعترض بشدّة على استعمال مصطلح «اكتشاف» القارة الجديدة، وعلى الاحتفالات التي تقام بهذه المناسبة. وهم يعتقدون بأنَّ الذي حصل مع كولومبس سنة 1492م ليس اكتشافاً، بل هو تدمير مروّع لأمّة وحضارة، ويساندهم في هذا الموقف كثير من المفكّرين والأدباء في تلك الدّول (45).
ومهدّد آخر لا يقلّ خطورة، وهو ما يمليه الشّعار السرّي: «إذا لم تأكل تؤكل»
________________________________________
(42)د. إبراهيم المسيري صاحب الموسوعة الشهيرة عن إسرائيل والصهيونية، في لقاء خاص بقناة أبو ظبي، ماي 2002م.
(43)انظر له: الحياة (لندن) العدد 11508، الأحد 21 أغسطس، 1994م.
(44)انظر: الإسلام دين المستقبل. ترجمة عبد المجيد بارودي، دار الإيمان، بيروت: 1983م، ص 175.
(45)زكي الميلاد: مقال «صدام الحضارات أم حوارها؟» المنهاج، العدد 11، خريف 1419هـ/1998م، بيروت: ص 125.

[الصفحة - 62]


الذي اتّخذه مؤتمر الحيتان الكبيرة للشّركات العملاقة الخمسمئة. وهل يعقل أن يتمّ تحاورٌ بخلفيّة افتراسيّة تسخّر المعرفة والحكام والأجهزة والجامعات والعلماء ومراكز البحث والإعلام من أجل تحقيق تراكم المال والتبشير بالهيمنة العولمية الجديدة (46).
بيد أنّه ينبغي التّمييز، في البحث عن جذور العداء الحائل دون الحوار الإسلامي الغربي، بين موقف لأوروبا وموقف لأمريكا في تفكيك تاريخي وسياسيّ ضروري لتركيبة الغرب؛ وذلك استجلاء لحقيقة المواقف. ولعلّ أحد الخبراء الفرنسيين في تاريخ العلاقات العربية الغربية وهو فرنسيس لامون الذي يرأس، منذ 22 سنة، «منظّمة الإسلام والغرب»، في فرنسا، أقدر على تفسير الفوارق وتعليلها، حين يرى أن مقاربة أوروبا للعالم الإسلامي عموماً قائمة، لدواع كثيرة، على ثنائية المصالح المشتركة وتبادل المعرفة. ولذلك، لم تكن ردود الفعل، في العواصم الأوروبية، بتلك الضّراوة العدائية «new phobie» التي أضرمتها تداعيات أحداث 11 أيلول (سبتمبر) عام 2001م بتحريض من مجموعات الضّغط وفرق التأثير في أمريكا. وذلك لأنّ الولايات المتّحدة الأمريكية تعتمد في علاقاتها مع العالم الإسلامي، ومع غيره أيضاً، على مصالحها هي فقط. فهي إذ تقيم كلّ تعاملها مع الآخرين بناء على المصالح، ولا تملك الأسس التّاريخية نفسها ولا التّوجه الأوروبي نفسه الذي حدا بالجنرال ديغول إلى القول، في أواخر حياته:«إنَّ الإسلام يملك أن يعلّم الغرب الكثير» ، وهي مقولة مهمَّة للغاية ولطالما أخفيت! وها أنذا أعلنها اليوم من جديد بقوّة (47).
ويبدي لامون، في ردّه على سؤال متعلّق بمستقبل العلاقات بين الشّرق والغرب، تفاؤلًا في استشراف علاقات تكاملية مبنيّة على أساس الاقتصاد، لأنّ أخلاقيات الإسلام الاقتصادية لا تجعله يقوم على الرّبح المحض، وفي هذا التصوّر الإنساني الرّفيع غير مجال مخصب لتضميد الجراح وأبلغ ضمانة لتكميل الرّوابط بين الإسلام والغرب وتطويرها (48).
وهناك بالتأكيد مهدّدات أخرى تفصيلية للحوار الجدّي ليس ههنا محلّها، وقد تشكّل موضوعاً للمناقشات الثّرية الهادفة.
________________________________________
(46)د. علي حسين الجابري: مقال «ميراث السّعادة الآفلة... وعبودية العصر التقني». صحيفة الدّعوة الإسلامية، العدد 744، الأربعاء 11 محرم 1369 ور. ليبيا، ص 7.
(47)راجع فضائية المنار بتاريخ 30/5/2002م مقابلة مع فرنسيس لامون حول العلاقة بين الغرب والعرب بعد 11 أيلول.
(48)نفسه.

[الصفحة - 63]


البدائل والقراءة الجديدة للكوكب
لعلّه يتسنّى، بالطّرح الإشكالي لحوار الأديان والحضارات، وبما ألمعنا إليه في عجالة من المعوّقات والعقبات، وبالنّظر إلى جملة من الرّواسب والمعطيات الجديدة لكوكبنا تكون مغايرة لمناهج التأزيم العالمي، وعلى النّقيض من تشاؤمية ذوي النّبوءات الكاذبة والموهمين بالصّدام الحضاري وفرية الصّراع الحتميّ؛ إذ الحضارات لا تتصارع بل تتكامل كما يؤكّد ذلك المطران باخوميوس، لأنّ الأديان تسعى إلى إسعاد الإنسان (49). لكن قبل أن نعرض لقراءة مثقّفة بالمدلول العربي الأصيل للثقافة، يستوقفنا تأمّل عميق في مسألة ما إذا كان الصّراع يصحّ فيه وصف الحضاري؟ لأنّ الصّراع في الواقع فعل المتصارعين، وهم حملة بقايا حضارة ماضية ودعاة أو صنّاع حضارة قائمة، أي بين محافظين ومعاصرين مع شيء من التّحفظ على الاصطلاحين. فمصبّ الصّراع على النّظرة الطّارئة للقيم في ظلّ مستجدّات الواقع والدّوافع المتطوّرة؟
وينهض السّؤال: لماذا الصّراع؟ فإذا كانت الحضارة جملة قيم إنسانية عليا وتاريخاً ومنجزات، فكيف يتأتّى حضارياً إلغاء قيم إنسانية عليا لإحلال قيم إنسانية عليا أخرى؟ هل غاية الحضارة هدم أو بناء؟ هل من التحضّر الصّراع والتّنازع أو التّواصل والتآلف والتعارف والتكامل، تحقيقاً لمزيد من القيم الإنسانية العالمية؟ هل في العنصرية حضارة؟ هل الحروب، وإن أطلق عليها وصف النّظيفة والجراحية، سمة في التّحضّر أو هي نقيضه الاستئصالي والمدمّر الأوّل للوجود؟
وإذا عدنا إلى مشروع قراءة ما بعد حداثية، باعتبار الحداثة مفهوماً مفخّخاً؛ إذ يفهم غالباً في الغرب، ويستخدم من أجل تسفيه الثّقافات والأفكار «التّقليدية» أو العتيقة البالية أو «البدائية»(50).
وفي مجال تصحيح المفاهيم، يجدر الاهتمام بملاحظة محمّد أركون لوجاهتها في رفض إقامة التّضاد بين الإسلام/ والغرب هكذا، لأنّ الإسلام دين. أمّا الغرب فهو مفهوم يدلّ على فضاء جيوـ سياسي وثقافي محدّد. ويمكن القول بالتضادّ بين العالم العربي مثلًا والغرب (51).
________________________________________
(49)انظر: الدّعوة الإسلامية، العدد 786. الأربعاء 23 أي النار 1370 ور. ص 5.
(50)محمد أركون: أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟ ترجمة هاشم صالح، ط2، دار الساقي. بيروت ـ لبنان: 1995م، ص 65.
(51)نفسه، ص 26 و27.

[الصفحة - 64]


وإذا تفادينا الإجماع «السّطحي» على التّسامح والتفاهم، من قبيل ما توصّل إليه منتدى الحوار الأوروبي الإسلامي المنعقد في استنبول، في بيانه الختامي، من دون التمكّن من تجسيد الحوار في صيغة مؤسّساتية، وحتّى لا نخوض بدورنا في أدبيات حوارية فوق تخوم أكاديمية متخصّصة، كالشأن في المؤتمرات والنّدوات التي تظلّ حبيسة الإطار النّظري والمجاملات، وربّما أحياناً أفضت إلى الإعلان عن وجوه الشّبه والتّطابق، دونما نزول إلى أعماق الشّارع، أو جنوح إلى واقع النّاس، ما يجعلها عمليّاً عديمة الجدوى. وإلّا فما هي الوظيفة المرتجاة من حوار لا يشدّد على ضرورة توجيه المضامين الحوارية إلى الاهتمام بالموضوعات التي تشغل الإنسانية وتؤرق ضميرها، وإلى حلول وتسويات مستلهمة من روح الأديان والحضارات والثقافات، بحيث يستهدف الحوار في المقام الأوّل دعم حقوق الشّعوب في تقرير مصيرها والدّفاع عن أراضيها ومقدّساتها ومناهضة الهيمنة ونظام العولمة القهرية، وأن يكون عاملًا فعّالًا في التوعية بأهمية القضايا الإنمائية والتّحرّريّة ونشر قيم العدل والمساواة والتّعايش السّلمي بين شعوب العالم (52).
وبناءً عليه، فإذا نحّينا جانباً هذه المجتنبات التّقليدية للحوارات الصّالونية، أمكن استبصار عناصر الحوار الجاد في هذه الثّلاثية المقتضبة:
أ ـ تحديد المفاهيم، وفي مقدّمتها مفهوم الإرهاب الذي يتصدّر المتشدّقات الطّارئة بعد أحداث مانهاتن وضرورة التمييز بينه وبين الدّفاع المشروع عن النّفس والأرض والعرض، وهي مقرّرات مقدّسة في الأعراف والمواثيق الدّولية ولدى الأديان جميعها.
ب ـ طيّ صفحة الماضي واستشراف آفاق واعدة، ليس من دون تسوية عادلة للمظالم التي شوّهت الماضي، فتعويض الدّول التي كابدت الاستعمار والتعاون معها، لمحو آثاره الوحشية وإعادة كنوزها الثقافية والتاريخية، والاعتذار الرّسمي عن جرائم القتل والتّعذيب والنّهب والاحتلال، أمور أساسية للموافقة على استئناف حوار نزيه للمستقبل.
ج ـ الحلّ العادل للصراعات ذات التأثير السّلبي المباشر على الحوار
________________________________________
(52)عن بيان النّدوة الدّولية المنعقدة في دمشق من 18 إلى 20 ماي 2002 بعنوان: «الحوار بين الحضارات من أجل التّعايش»، تحت إشراف منظّمة الإسيسكو وبالتعاون مع وزارة التربية السّورية.

[الصفحة - 65]


الحضاري: وعلى رأسها الصّراع الإسلامي الصّهيوني حول فلسطين؛ فالقدس الشّريف رمز الحضارة العربية الإسلامية، وما لم يحلّ الصّراع عليها بما يكفل الحقوق الكاملة للشّعب الفلسطيني، بمسلميه ومسيحيّيه، وعودة المشرّدين واللّاجئين إلى ديارهم، فإنّ أيّ حوار مع الحضارة الغربية في أنموذجها الأمريكي الذي يدعّم الكيان الصّهيوني المغتصب، سيظلّ هرطقات بيزنطية عديمة الجدوى، أو رماداً رسمياً يغطّي جمراً جماهيرياً (53).
هذا عن إجلاء الرّواسب في جوانبها التاريخية والسّياسية. وهناك «آفاق أخرى بيد الأديان أن تصنع فجرها الصّادق بائتلاف القواسم المشتركة، من أجل توثيق الروابط والتحام الشّعوب، لا سيّما أنّ الإسلام ما جاء ليناقضها في الأسس العامّة، بل ليكمّلها ويضع صيغتها العالمية النّهائية للنّاس كافّة» (54).
أمّا على صعيد التَّناول والمناهج العلمية فلا محيص من المرور «بالمراجعة النقديّة للمكانة المعرفية للأديان وللتّشكيل الاجتماعي لكلّ اعتقاد، وللانحراف الإيديولوجي للمخيال المسيّر من قبل قوى تأميم الدّين أو مصادرته من قبل الدّولة» (55).
ومن المنظور الابستمولوجي، يجب العدول عن التّكتم على إدانات لاهوتية متبادلة لدى الأطراف المتفاوضة في الحوار الإسلامي ـ المسيحي، ولا أحد يجرؤ على الاقتراب منها. وهي أحكام مسبّقة موروثة عن العصور الوسطى، وبالتّالي راسخة في العقليات والحلّ الوحيد يكمن صراحة، كما يرى محمد أركون، في فتح الأضابير لا في إغلاقها وفي الخروج من السياج الدوغمائي المغلق من أجل بلورة عقليات ذات طابع كوني (56).
كما يتعيّن، إذا ما كنّا نروم إنجاح عملية الاعتراف المتبادل بين الثقافات، وبالتالي بين الأديان التي تغذّيها، أن نطبّق «قواعد التّواصل بين الذوات»، بتعبير فرانسوادوس أي مبادى الحوار الجاري بين ذوي ثقافات ومشارب مختلفة، بعيداً عن إكراهات أنظمة التّصور والقيم الخاصّة بكلّ نطاق جغرافيّ ـ تاريخي أي حضاري (57)! ولن يجدي هذا الفعل التّواصلي، بتعبير الفيلسوف الألماني يورغين
________________________________________
(53)انظر: إبراهيم علي الربو: مقال «رأي في الحوار» الدعوة الإسلامية. العدد 802 الأربعاء 23 ماي 1370 ور. ليبيا، ص 12.
(54)د. محمد البشير الهاشمي مغلي: مقال «الرؤية المستقبلية للعلاقات العربية الأمريكية في القرن 21: الدلالات والضوابط» ضمن العلاقات العربية ـ الأمريكية. نحو مستقبل مشرق، نشر الجامعة الأردنية، عمان 2001م، ص 239.
(55)محمد أركون: الفكر الأصولي واستحالة التأصيل. نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي، ترجمة وتعليق هاشم صالح، دار الساقي، بيروت: 1999م، ص 268.
(56)نفسه، انظر هامش، ص 268.
(57)نفسه، ص 259.

[الصفحة - 66]


هابرماس، إلّا إذا كان حقّاً يستوعب العامل الذّاتي في عملية الفهم والتحليل والتأويل، بدلًا من أن يستبعده أو يتجاهله على الطّريقة الموضوعية الباردة والجافة، نظير الطّريقة الاستشراقية في دراسة التّراث الإسلامي والمجتمعات الإسلامية (58).
وبذلك، يكون الحوار العلميّ النزيه قمينا بوصف النّاقد الفرنسي الشّهير رولان بارت بأنّه عمل من أعمال التّضامن التاريخي.
بهذه المحصّلة النَّاتجة عن دراسة ، وبمعنى جعل هذا الحوار إشكالية، بنزع طابع البداهة عنه وإخضاعه للدّراسة والتّحليل كأيّ ظاهرة؛ وانتهاجاً للعقلانية الحديثة، لكن بحذر، سيّما إذا كانت ترفض الوصاية والأحكام المسبّقة؛ وفي ظلّ الأوضاع العالمية والأجواء السّياسية والثقافية التي تحتضنها، خصوصاً بعد تداعيات أحداث مانهتن؛ ووقوفاً عند أمَّهات القضايا الحوارية بغرض محاولة المساعدة في تحقيق النّقلة المطلوبة في معرفة الآخر واحترامه والكفّ عن التّحدّث نيابة عنه؛ فإنّه يحدونا أمل وطيد، ما التزمت الأطراف المتحاورة بأدبيات الحوار الحضاري والدّيني الجادّ وقواعده التواصليّة الفعلية، في انبثاق فجر جديد واعد بالتّعايش السّلمي بين الأديان في مستهلّ الألفية الثالثة.
هذا، ولنا في الإسلام، وهو أنجح أنموذج بعد إخفاق الحداثة، خير أسوة عبر تاريخ الأديان والحضارات؛ وخير ضمانة لمستقبل إنساني أكثر رغداً.
________________________________________
(58)نفسه، ص 260.

[الصفحة - 67]