البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

تحوُّلات الفكر الإسلامي المعاصر المرجعيات، المناهج، أسئلة التَّجديد

الباحث :  أ. سرمد الطائي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  27
السنة :  السنة السابعة خريف 1423هجـ 2002 م
تاريخ إضافة البحث :  February / 17 / 2015
عدد زيارات البحث :  225

تحوُّلات الفكر الإسلامي المعاصر المرجعيات، المناهج، أسئلة التَّجديد

أ. سرمد الطائي (*)

تحوُّلات مهمَّة
يشهد الفكر العربي الإسلامي تحوُّلات مهمَّة، رغم التفاوت في درجاتها ودوائرها ومداها الزَّمني وطبيعة البنى الجدلية التي أفرزتها، ورغم التيارات السكونية التي ظلت تستعصي على التحوُّل، وتعدّ مظاهره لوناً من الردَّة والانحراف، وهي تيارات لا يستهان بشأنها ونفوذها والمساحات التي تغطِّيها إلى درجة ربما يغيب خلالها أثر التطورات تلك وتكتسب في وجهة نظر بعضهم طابعاً شكلياً لا يلج إلى بنية الخطاب أو استراتيجيته. فمنذ لحظة التكوين الأولى لهذا الفكر، راحت تطرح الأسئلة الكلامية والفلسفية لتتبلور في عصر الترجمة والانفتاح على الميراث الإنساني وازدهار الفلسفة وعلوم الشريعة واللغة والعلوم الطبيعية وغيرها. وفي ظل سياق التردِّي الاجتماعي دخل الفكر حقبة الغزالي، وارتبك الموقف من المعرفة كما تجلَّى في «تهافت الفلاسفة»، وراج لون طافح من التصوُّف فانحسرت الرؤية العقلانية، وبخاصَّة مع صعود تيار المدرسة النصِّيَّة.
مع عصر النهضة و «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» لرفاعة الطهطاوي، وما قام به الأفغاني وغيره من جهود، طرأ تحول جديد اقترن بحالة ذهول حيال وافد فكري رافق الغزاة الشماليين، معبِّراً عن عصر العلم الحديث في الغرب من جهة ومؤذناً بتحديات جديدة سيواجهها العقل المسلم من جهة أخرى. فوجدنا أنفسنا أمام الوضعية العلمية والتيار المادي الماركسي بكل ما في جعبتيهما من تساؤلات وإثارات
________________________________________
(*)باحث من العراق

[الصفحة - 82]


وأنماط لم نألفها من التفكير، وبدأت مرحلة التعرف والاستيعاب لمعطيات الوعي الإنساني الحديث.
وقد أدَّت متغيِّرات عديدة دوراً في صياغة مختلف الصدمات السابقة على شكل جرح نرجسي كبير (حسب التعبير المفضل لدى فرويد)، يستجمع، في نسيجه، سائر جراحنا التاريخية. وهو ما أدى إلى ظهور اتجاه أخذ يعيد النظر بجدية في نظامه الثقافي، ويحاول أن يأخذ الدرس من كبوات العقل في الماضي، فاقترن العقد الماضي بتكوين ملامح لنظام ثقافي جديد ألقى بظلاله على ما ينتجه الفكر العربي والإسلامي. ويمكن القول: إنَّنا ما فتئنا نلمح، في العقدين الأخيرين، نماذج لمرحلة فكرية جديدة تتباين مع سابقاتها، إذ تبلورت جهود عديدة حاولت إعادة النظر في موقفنا الفكري الراهن على مستوى مرجعياته ومناهجه وما تطرحه علينا هموم التجديد من أسئلة.
دوائر التحوُّلات
تتحرك تلك التحوُّلات الفكرية في ثلاث دوائر مترابطة عضوياً هي: المرجعيات والمناهج وأسئلة التجديد أو الحداثة. وهذه المحاور هي بمثابة خارطة، أو بالأحرى قسم محدود من خارطة، تحاول رسم ما يطرأ من تحول وتجدد واستحداث في تلك الدوائر الثلاث.
لا شك في أن المرجعيَّات عامل قسري في تطوُّر المعرفة، إذ إن الفكر حركة من المبادى إلى النتائج، والمبادى معطيات ووعي وقناعات تمثل رؤية الإنسان حيال الأشياء وما يمتلك حولها من انطباعات. وفي ضوء هذا، يظل الفكر رهيناً بمجموعة المبادى التي ينبثق منها. وبقدر ما ينفتح المرء على عالمه ويستوعب ما حوله يتسع نطاق مرجعياته وتتاح له آفاق أوسع في عملية التفكير.
ويقودنا حديث المناهج نحو مجالات غاية في التعقيد تعنى بها فلسفات العلم بما شهدته من تقدم كبير منذ ثلاثة قرون. والمنهج يستوعب ما هو أوسع بكثير من أدوات البحث وآلياته، إذ هنالك أهمية كبير لزاوية الملاحظة والعناصر التي يتكون منها موضوع الدراسة والصلاحية التي يمنحها العقل لنفسه أثناء التوظيف المنهجي.
________________________________________

[الصفحة - 83]


وقد فرضت التحديات التي واجهناها في العصر الحديث أن يعود حديث المنهج ثانية بعد ما غاب منذ توقَّف الجدل في منطق المعرفة عند إشارات ابن سينا وشفائه وبرهانه، واقتصرت الجهود على الشرح والتعليق والتنقيح وتفكيك الأحاجي المنطقية والولع بتعداد ضروب الأشكال المنتجة في القياس الأرسطي.
نعم، عاد حديث المنهج اليوم لا ليستأنف المكرَّر من الأدوات، بل ليبحث عن جديد يمتلك تأهيلًا للتعاطي مع أسئلة العصر. ومع أننا لا نكاد نشاهد بلورة إبداعية متماسكة تخطت الاختبار حتى الآن، سوى ما أسعفتنا الجرأة على استعارته من جوانب تم اقتطاعها من المناهج الحديثة، غير أننا نلمح إشارة هنا ومحاولة هناك ربما ستتمخض عن إسهام منهجي في مجال فلسفة العلم.
ويمثل سؤال التجديد، أو الحداثة، على تشعبه، المنطلق الرئيسي للتحول المنشود، فالسؤال هو التعبير الأكثر منطقية عن الحاجات الحقيقية، ومن المؤكد أن الأمة التي تخفق في صياغة أسئلتها لن تكون قادرة على الحركة، ذلك أنها لن تتمكن حينئذ من معرفة ما تريد بالضبط، كما ستعجز عن رسم طموحاتها. (هل استطعنا، حقاً، حتى الآن، أن نحدِّد طموحاتنا أو أنَّنا لا نزال نستنسخ مقاربة تقليدية للأمل تنطوي على عناصر الأزمة نفسها؟ ولعل هذا ما يفسر الإخفاقات المريعة التي منيت بها محاولاتنا في التغيير وطرح البدائل).
وفي ما يتصل بأسئلة الفكر ثمة سؤال مرجعي يحيلنا إلى التعامل معها بشكل مغاير لما جرت عليه العادة لدينا. ما الذي يدفعنا إلى تكوين إجابة حيال السؤال؟ هل تمثل الإجابات تصوراً نهائياً يعالج ما يتضمنه من إشكالية أو أن الجواب لا يعدو كونه عملية إعادة إنتاج للتساؤل وصياغة متجدِّدة للاستفهامات توسع إطارها وتستوعب أبعاداً أكثر في موضوعها؟ وعلى هذا الأساس ليس من الضروري أن ننتظر إجابات ترضي فينا روح الحسم والنهائية حيال أسئلة التجديد، وهي تتزايد يوماً بعد آخر. كما أنَّه من المفترض أن يحملنا هذا التصوُّر على التعامل بقدر أقل من الحساسية مع الإجابات الجديدة التي ربما لم تكن سوى إعادة بناء للتساؤل نفسه في كثير من الأحيان.
________________________________________

[الصفحة - 84]


خطاب تقليدي
على الصعيد المعرفي سادت، في الخطاب العربي الإسلامي، محددات تقليدية لمفاهيم «الحقيقة والعلم واليقين»، وبالطبع فإنها تجاوزت إطارها الابستمولوجي لتلقي بتأثيراتها على نماذج التحليل والتنظير والولاءات والمواقف. فالحقيقة ليست شيئاً آخر سوى الرؤية التي تحملها الأنا أو تحتكرها، ولا يعبر العلم إلا عن عملية كشف صارمة لقوانين أزلية تربط مفردات الواقع، بينما اليقين ظاهرة يفرزها منهج يحمل طابعاً رياضياً معصوماً نمتلكه بوصفه أداة طيِّعة في إنتاج المعرفة. وفي تكوينه للوعي التاريخي وجدنا الخطاب هذا ـ وفي مستويات ليست بعديمة الأهمية ـ يتشبَّث مصرّاً بعنصر المؤامرة في تكوينه للحقيقة التاريخية، فنراه يعزو سائر مظاهر الخلل التي تكتنف تجربته التاريخية إلى مؤامرات يدبرها الخصوم، ويسرف في اللجوء إلى هذا العنصر ليدير من خلاله مختلف السجالات والمعارك لينتج وعياً دسائسياً للتاريخ. وفي ما يرتبط بالنظام السياسي فما زلنا حتى هذه اللحظة نجد من يرى في الحكم إمارة يكون فيها الناس عبيداً ورعية، وتتمثل مشروعيته بأساس يخوِّل «الأمير» صلاحيات تمنع مساءلته، وتحول دون خطئه أو سهوه، بل يبلغ الأمر ببعضهم إلى القول: إنَّ وجهات نظر «الأمير» تشكل جزءاً من الشريعة الإلهية، ما يعني أن الحديث عن تطابق آرائه ومواقفه أو تنافيها مع الشريعة ومصالح الإنسانية، هو شأن يفتقد أساسه المنطقي.
وحين نتخذ من هذه العيِّنات نقطة لتحديد ما يجري من تحول، فإننا سنلاحظ اتجاهاً حاول استيعاب الراهن الفكري الإنساني كي يبلور من خلاله موقف الوعي بالذات والكون والحياة، رغم أن انفتاح الفكر العربي الإسلامي على المعطيات المعرفية الحديثة، لا يعني أنه قد وظفها على الدوام في اتجاه هادف يتوخى إعادة النظر في القناعات الموروثة واستجلائها نقدياً، وبناء موقف جديد يلبي الحاجات الملحّة، بل كثيراً ما جرى توظيفها بشكل يؤدي إلى انتهاك منطقها الداخلي وآفاقها المنظورة.
خطاب نقدي
وبالرغم من ذلك كله، فقد راح اتجاه التحوُّلات (كما يحلو لي أن أسميه) يدرك مستويات متعددة للوعي بالحقيقة، وينفتح على طيف فكري واسع ومتنوع، فلا
________________________________________

[الصفحة - 85]


يهرطق ما لم يألفه من صور الأشياء، كما يذعن بأن العلم لا يمثل بالضرورة أداة كشف صارمة بقدر ما هو فعل إنساني كثيراً ما يمارس ـ ولو بشكل لا شعوري ـ منح الانحيازات والميول شكلها المنطقي ليقدمها بصورة نتائج مبرهنة. فلا يترشح مفهوم اليقين لدى هذا الاتجاه عن هيكل حديدي من الوثوق لا يقبل الانخرام، بل يحافظ إزاءه على درجات من وعي الحقيقة وإدراك تاريخية المعرفة، وهو ما يترك مسوِّغاً لإمكانية المراجعة والنقد والحوار والاختلاف في وجهات النظر. كما لا تمثل قراءات السلف لديه مرجعية نهائية تجعله يستقيل فكرياً ويسلم عقله ومنطقه إلى اجتهاداتهم، بل يسعى إلى مراجعتها والوقوف عندها لاسترجاعها بحاسة فاحصة نقدية. وليس هذا التصوُّر للمعرفة والحقيقة والمرجعيات العلمية بشاذٍ عن إرثنا الحضاري؛ إذ نجد أن القرآن قد تناول إشكالية المنهج في بناء الإيمان والعقيدة وتكوين الوعي، فجرى في آيات عديدة نقد المنهج الذي ساد قديماً في الواقع العربي وغيره لدى أولئك الذين سوَّغوا بشكل لا منطقي تمسكهم بالإرث العقيدي {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} ، {بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون} . والقرآن يستعرض هذا المنهج بوصفه تقليداً لا عقلانياً ويعيب عليهم التمسُّك بالثابت وما تم الإجماع عليه وما كان محل اتفاق الجمهور! إضافة إلى اتهامهم الأنبياء والمصلحين وتيارات التنوير بتجاوز الثوابت العقيدية التي أجمع عليها الآباء والأجداد وتخطي أصول الديانة التي قرَّرتها أجيال من كهنة المعابد.
في وجه هؤلاء جميعهم، ينادي القرآن برفيع صوته: {إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} ، {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} . ولم يقف القرآن عند ذلك، بل طرح منهجاً بديلًا لبناء العقيدة، فأمر بالتدبُّر في الكون والوجود والنظر فيهما وتعقُّلهما: {قل سيروا في الأرض فانظروا بدء الخلق} ، وأمر نبيَّه بالفهم والوعي والقراءة {إقرأ باسم ربك الذي خلق... إقرأ وربك الأكرم الذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم} . إن القرآن في حقيقة الأمر لا يبتدع هنا منهجاً جديداً في المعرفة، بل ينبه إلى بديهيات المنهج الإنساني القائم على الفكر والتعقل، وهذا شأن العديد من النصوص القرآنية التي جاءت لتظهير حقيقة غيَّبتها مؤثرات متنوعة، وفي
________________________________________

[الصفحة - 86]


ذلك يقول الإمام علي ابن أبي طالب (عليه السلام): إنَّ الهدف من بعثة الأنبياء هو هذا التنبيه نفسه، وإنَّ الله بعث الأنبياء للخلق «ليثيروا لهم دفائن العقول...» (1).
فرقٌ بين الخطابين
وبينما استطاعت هذه الرؤية النقدية المتحررة أن تؤسس لنهضة حضارية وإنسانية عظيمة، نجد أن حقبة التراجع العام في الحضارة الإسلامية سرعان ما استعادت شعار إلغاء العقل، كأن ذلك قدر يلازم حالات التردي والتخلف، فأغلق باب الاجتهاد وراجت سوق التقليد للآباء والأجداد، حتى عاش المسلم قطيعة مع عصره الذهبي أيام كان واصل بن عطاء يقف في مسجد البصرة ليختلف علانية مع الحسن البصري، وهو شيخها الكبير، فيؤسس فرقة «تعتزل» مدرسة الأستاذ، وتمارس حقها في القراءة التي أمر بها الله نبيَّه في أول كلمات أوحيت إليه. لقد كرست هذه القطيعة مختلف مظاهر السقوط الحضاري المؤلم، وراحت تؤدي إلى مشاغلة الفكر الإسلامي عن رهاناته الحقيقية وجرِّه إلى جدل عقيم قوامه رمي الخصوم بالكفر والهرطقة.
لكننا نجد، في المقابل، أن تيار التحوُّل الأخير أخذ يحرص على وعي المعادلة القرآنية وتلبية دعوته سبحانه إلى دين يجري تعقُّله والإيمان به لا ترديده على اللسان أو التعاطف معه بشكل مجرد، كما حاول إنهاء مستويات القطيعة تلك، لا ليستلهم أفق واصل بن عطاء وأمثاله في إطلاق العقل وعدم التقيد بقراءات السلف وحسب، بل ليقرأ تلك التجربة من جديد في ضوء وعي العصر، وبما يناسب مختلف التحولات التي طالت الحياة المدنية والعلمية، ويقيم معها قطيعة من لون آخر قوامها الاسترجاع النقدي. وفي هذا الإطار جرى استيعاب الدلالة العميقة التي يرمي إليها قوله تعالى: {لا إكراه في الدين} ؛ إذ إن هذا النص، من جهة أولى، تقرير إلهي للحرية الإنسانية وكرامة العقل وفقاً للضرورة التي يحتِّمها علينا العصر، وهو من جهة أخرى رد منهجي على طريقة المشركين وجميع أنصار التيار الظلامي في التعاطي مع الفكر والعقيدة، وهو ما يلتقي بالتالي مع مبدأ أسسه علماء الكلام، وانتقل بعد ذلك إلى علم الأصول قبل بضعة قرون ضمن قواعد المستقلات العقلية،
________________________________________
(1)الخطبة الأولى من نهج البلاغة، جمعه الشريف الرضي. تحقيق صبحي الصالح. قم: دار الأسوة، 1415هـ، ص 22.

[الصفحة - 87]


وأعني به قاعدة «استحالة التكليف بغير المقدور». ذلك أن الأفكار والقراءات ظاهرة نفسية وذهنية وعقلية غير خاضعة لاختيار الإنسان وإرادته، إنها بالضبط كدقات القلب وحركة باقي العضلات غير الإرادية، التي لا يمكن للمرء أن يتلقَّى أوامر في ما يتصل بالتحكّم بها لأن ذلك داخل في التكليف بغير المقدور (2).
وعلى مقربة من المحدِّدات التي تسعى إلى إيجاد حالة من التوازن حيال مفاهيم «العقل والحقيقة واليقين»، ثمة شجب للدوغما السياسية، وتوظيف لمعطيات جديدة توفر أشكالًا أخرى لمشروعية الحكم ومرتكزاته وأولوياته، تأخذ فيه موقعها المناسب مفاهيم أصبحت من مفاتيح إنقاذ الموقف الحضاري المتأزم، كسيادة الأمة ومجتمع القانون أو المجتمع المدني والتعددية السياسية وحرية التعبير ورفض الوصايات غير المسوَّغة.. الخ. ليجري اعتماد استراتيجية لطرح الأسئلة الجذرية وممارسة البحث الجريء في عناصر التأزم في الإشكاليات التي ظلت عالقة ومطوية في أدراج الحسم الأيديولوجي والإطلاقيات المتسرعة، لتناول مفهوم خلافة الإنسان في الأرض بوصفها هبةً إلهية وتكريماً ربَّانيَّاً ومسؤولية تقع على عاتق الجميع بشكل متكافى، فينصت بإمعان إلى الدلالات الكثيفة لنصوص القرآن التي أكدت هذا الموضوع {ثم جعلناكم خلائف في الأرض} ، بعد أن تم استهلاك هذا «الخليفة» في دائرة الجدل السياسي والاجتماعي، واختزل عبر أدوات كلامية وفلسفية وسياسية خاصة ليصبح «إضافة إشراقية»، ولا يقع طرفاً في حركة الكون، وهو ما جعله خاضعاً لنماذج الرمز والكاريزما والزعيم الفذ التي صادرت ما جاء به مفهوم الاستخلاف القرآني من حرية، وراحت تجتزى سياسياً الحقيقة القرآنية فلا ترى منها إلا ما وقع في سياق «... أولي الأمر منكم»!
لا غرو في القول: إنَّ هذا يعبر عن سياق التحوُّل المشار إليه في إطار المقارنة بين تيارين رئيسين، إذ يعبر أحدهما عن سعي دؤوب للتطابق مع الذات والتماثل معها بالكامل، وأعني بالذات هنا مجمل الموروث الفكري والثقافي والقيمي إضافة إلى إفرازاته الراهنة نظير قوالب القيم الثورية الراديكالية ومختلف السياقات السلفية التي راجت خلال العقود الماضية. بينما يسعى التيار الآخر إلى الدعوة للاختلاف مع الذات بمعنى استرجاع هذا الحشد كله من الموروثات والإفرازات واستلهامه بشكل نقدي ومحاولة تطويره وتنقيته وتقويمه (3).
________________________________________
(2)لقد تنبَّه العديد من المفسرين إلى هذه الحقيقة، ويقول الطباطبائي، في تفسير هذه الآية: إنَّ «العقيدة بمعنى حصول إدراك تصديقي ينعقد في ذهن الإنسان ليس عملًا اختيارياً حتى يتعلق به منع أو تجويز أو استعباد أو تحرير...». الميزان في تفسير القرآن، بيروت، ج4، ص 117.
(3)استعير مفهوم المطابقة والاختلاف من فكرة المشروع الذي أطلقه الباحث العراقي د. عبد الله ابراهيم منذ بضعة أعوام، وأصدر في إطاره عدة أعمال منها: المركزية الغربية، الصادر عن المركز الثقافي العربي، 1997، والثقافة العربية والمرجعيات المستعارة، صدر عن المركز نفسه، 1999، والمركزية الإسلامية، 2002 عن المركز نفسه أيضاً.

[الصفحة - 88]


صعوبة رصد التَّحوّلات
لكن جزءاً من صعوبة المهمة في محاولة رصد التحوُّلات الجارية في الفكر الإسلامي، يعود إلى ندرة النماذج التي يتجلى فيها التحول، وهذا ما ينشأ عن ظروف الإنتاج الفكري لدينا التي تحرض على إنتاج الجدل (بمعناه المرادف لفن الطوبيقا في المنطق)، وتسعى إلى تغييب البرهان بوصفه محاولة اكتشافية، الأمر الذي أدى إلى تضخم في عدد المكتوب ونقص في أدائه، إذ إن الجدل يرافقه الإطناب، فهو يتطلب الإقناع ولا يتوقَّف إلا حين يحقق هدفه ويتفوق على الخصم، أما البرهان فلا يتوخى سوى عرض دليل معيَّن أو تقديم تفسير محدد واضح. إن أجواءنا تزخر بمسوِّغات الجدل، حيث إن المشتغل في حقل الفكر لدينا هو بمثابة من يتحرك في ساحة معركة تتقاطع فيها الإرادات وتتوزع في ضوئها جغرافيا القوة والهيمنة، فهو في الغالب لا يفكر داخل حلقة نقاشية ولا يجلس على طاولة حوار مستديرة.
________________________________________

[الصفحة - 89]