البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المرأة بين الأمس واليوم وموقف الإسلام

الباحث :  ربيعة بنويس
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  21
السنة :  السنة السادسة ربيع 1422 هجـ 2001 م
تاريخ إضافة البحث :  February / 8 / 2015
عدد زيارات البحث :  276

المرأة بين الأمس واليوم وموقف الإسلام

ربيعة بنويس (*)

موضوع المرأة من الموضوعات التي استأثرت باهتمام الكثير من الباحثين الذين حاولوا مناقشة وضعها على مستوى كثير من الميادين، سواء الاجتماعية منها أم السِّياسية أم الاقتصادية، وقد تضاربت آراؤهم ونتائجهم بسبب اتجاه كل دارس وأفكاره ومبادئه ومواقفه اتجاه هذا الكائن البشري.
ومن جهتي، سأحاول تناول الموضوع مظهرةً مكانة المرأة العربية والتأثير الإسلامي على وضعها، مع مقارنتها بمكانة المرأة عموماً، ثم مناقشة الموقف المتضارب حيال عملها وتعلمها.

مكانة المرأة في القديم
كانت المرأة، في القديم، من الأعباء المفروضة على الرجل، فهي شيء من الأشياء التي تثقل كاهله في الحروب، وتستوجب منه الدِّفاع عن حرمتها، فهي لم تكن تركب الفرس ولا تستنزل الأعداء، ولا تشارك في الحياة السياسية والاقتصادية. وبقيت على هذه الحال (وبخاصَّة المرأة غير المسلمة) إلى عصور متأخِّرة وفي عدد كبير من الدول، بل حتى في العصر الحديث، لم تستطع المرأة الغربية المتقدِّمة أن تحقق شيئاً مما أعطاه الله للمرأة المسلمة من حقوق تضمن كرامتها، وبخاصَّة في ما يتعلق بالميراث والملكية أو النسب. بل إن المرأة كانت دائماً في تبعية مطلقة للرجل من دون قيمة أو أهمية إلا من حيث الانتفاع بها واعتبارها من أمتعته تحقِّق له المتعة وتنجب له الأبناء، لذلك ظلت فاقدة لحقوقها عند الكثير من الشعوب المتحضرة آنذاك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) باحثة من المغرب

[الصفحة - 136]


ففي الصين كانت للمرأة وضعية دونيَّة، وبالتالي وكِّلت لها أحقر الأعمال، وقد ورد في كتاب «حضارة الصين»: «ألا ما أتعس حظَّ المرأة، ليس في العالم كله شيء أقل قيمة منها، إن الأولاد ـ يقصد الذكور ـ يقفون متكئين على الأبواب كأنهم آلهة سقطوا من السماء، أما البنت، فإن أحداً لا يسرُّ بمولدها.. وإذا كبرت اختبأت في حجرتها تخشى أن تنظر في وجه إنسان، ولا يبكيها أحد إذا اختفت من منزلها» (1).
أمَّا في الهند فقد ورد في تشريع مانو: «إن الزوجة الوفية ينبغي أن تخدم سيِّدها ـ زوجها ـ كما لو كان إلهاً، وألَّا تأتي شيئاً من شأنه أن يؤلمه حتى إن خلا من الفضائل.. وكانت المرأة، بناء على ذلك كله، تخاطب زوجها في خشونة قائلة: يا مولاي.. وأحياناً: يا إلهي.. وتمشي خلفه بمسافة، وقلما يوجِّه هو إليها كلمة واحدة.. وكانت لا تأكل معه، بل تأكل ممَّا يتبقى عنه» (2).
أما في اليونان القديمة، فلم يكن للمرأة أي دور حتى في العصر الذهبي؛ حيث كان تقدُّم العلوم والفلسفات، بل إنها كانت تدخل ضمن ممتلكات ولي الأمر قبل الزواج، وممتلكات الزوج بعده، بل هناك من نادى بحبس اسمها كما يحبس جسمها في البيت (3).
أمَّا في الحضارة الرومانية، فكان الرجل هو المتحكِّم الأوَّل والأخير في البيت، في حين كانت المرأة من دون قيمة، لذلك كانت تعامل كالأطفال والمجانين، ومن حقِّ ربِّ الأسرة أن يعذبها أو ينفيها أو يبيعها أو يقتلها حتى وإن كانت ابنته.
أمَّا اليهود، فهناك من وضع البنت في منزلة الخادم، وكانت لا ترث مع إخوتها الذكور، ولأبيها الحق في بيعها طفلة أو دون البلوغ (4). وفي القوانين الحديثة، عند اليهود: «إن المرأة إذا توفي زوجها ولا ذكور له، تصبح زوجة لشقيق زوجها أو لأخيه من أبيه، ولا تحل لغيره إلا إذا تبرَّأ منها»، وهذا الحكم مستمد من سفر الخروج في التوراة التي لحقها الكثير من التحريف، كما أوضح ذلك الإسلام (5).
أمَّا النصارى فغالوا في حكمهم على المرأة، ومن أقوال علماء المسيحية: «إنه أولى لهن أن يخجلن من أنهن نساء، وأن يعشن في ندم متصل جزاء ما جلبن على الأرض من لعنات»، بل إنهم تمادوا لدرجة أن كان من موضوعات دراستهم:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حضارة الصين، لول ديورانت، ترجمة محمد بدران، ص 273.
(2) الإسلام والمرأة المعاصرة، البهي الخولي، ص 11 ـ 14.
(3) مركز المرأة بين الإسلام والقوانين العالمية، أحمد خيرت، دار المعارف، ص 15 ـ 58.
(4) الإسلام والمرأة المعاصرة، البهي الخولي، ص 11 ـ 14.
(5) مركز المرأة بين الإسلام والقوانين العالمية، م.س.، ص 15 ـ 58.

[الصفحة - 137]


هل للمرأة أن تعبد الله كما يعبده الرجل؟
هل تدخل الجنة وملكوت الآخرة؟
هل هي إنسان له روح يسري عليه الخلود أو هي نسمة فانية لا خلود لها؟ (6).
أمَّا المرأة، في المجتمع العربي الجاهلي، فكانت أيضاً شيئاً ومتاعاً من الأمتعة، حيث كانت بعض القبائل تقتل المولودات بوأدهن، فأبطل الله هذه العادة بقوله: {وإذا بُشِّر أحدهم بالأثنى ظل وجهه مسودَّاً وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بُشِّر به، أيمسكه على هون أم يدسُّه في التراب، ألا ساء ما يحكمون} {النحل/59}. وأوضح رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)، هذا المعنى بقوله: «من ولد له أنثى فلم يدفنها ولم يهنها، ولم يؤثر ولده عليها، أدخله الله بها الجنة» (7).
بل إن المرأة في الجاهلية كانت تورث ضمن الأشياء، وفي ذلك قال ابن عبَّاس: «كان الرجل إذا مات أبوه أو أخوه، فهو أحق بامرأته، إن شاء أمسكها أو يحبسها حتى تفتدى بصداقها أو تموت فيذهب بمالها» (8) فحرم الله ذلك بقوله: {يا أيُّها الذين آمنوا، لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً، ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} {النساء/19}.
هذا بصفة عامَّة عن وضع المرأة قبل الإسلام، هذا الوضع الذي تميَّز بالدونية والإهانة، وبتجريدها من إنسانيتها والتشكيك في أهليتها، فلم تكن ترث ولا تملك، ولم يكن لها الحق في بيع أو شراء أو أي تصرف اجتماعي أو اقتصادي، بل حتى ديني من خلال تساؤل المسيحيين: هل للمرأة الحق في عبادة الله، وهل تدخل الجنة وغيرها من الأمور؟
مكانة المرأة في الإسلام
لكن مجيء الإسلام أعاد للمرأة إنسانيتها، وضمن لها كرامتها وحقوقها، كما بيَّن لها واجباتها، فأصبحت إلى جانب الرجل تشارك في إقامة حياة كريمة وتسهم في إصلاح المجتمع ورعاية مثله وعقائده وآدابه، قال الله تعالى في سورة التوبة: {والمُؤْمنون والمؤمناتُ بعضُهم أولياءُ بعض، يأمُرون بالمعرُوف ويَنْهَوْن عن المُنْكَر}
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(6) الإسلام والمرأة المعاصرة، البهي الخولي، ص 11 ـ 14.
(7) رواه أبو داوود وابن حنبل، 1/223.
(8) الإسلام والمرأة المعاصرة، م.س.

[الصفحة - 138]


{ ويُقيمُون الصَّلاة ويُؤْتُون الزَّكاة، ويُطِيْعُون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله، إن الله عزيز حكيم»} {التوبة/71}.
هكذا إذن قرَّر الإسلام للمرأة: «أهليتها الاقتصادية وجعلها صنو الرجل، وقرر لها أهليتها الاجتماعية.. كما قرر أهليتها للعبادة والتكاليف الشرعية.. وأبرز لها وجوداً اجتماعياً عاماً، إذ جعل لها دوراً في إصلاح المجتمع يقوم على حراسة قيمه، وتقويم انحرافاته، وتزكية عقائده ومبادئه للسمو بها إلى أفضل ما يستطاع، لا تتخلف في ذلك عن الرجل، ولا تقل عنه مسؤولية فيه» (9).
فالإسلام، بهذا المعنى، أعطى للمرأة حريتها واستقلاليتها وجعلها كالرجل مسؤولة أمام الله عن أعمالها وما تقوم به من أمور، ومن ذلك القيام بأوامر الله والابتعاد عن نواهيه، فكانت مسؤولة عن نفسها عند الله، ولعل هذا هو السبب في جعل بيعة خاصة للنساء في قوله تعالى: {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئاً} ، إلى أن قال: {فبايعهن واستغفر لهن، إن الله غفور رحيم} {الممتحنة/12}. وقد فسر الشيخ محمد شلتوت كلام الله هذا في رسالة القرآن والمرأة بقوله: {ولعلك تأخذ من مبايعة النبي } (صلي الله عليه و آله و سلم)، للنساء مبايعة مستقلة عن الرجال، أن الإسلام يعتبرهن مسؤولات عن أنفسهن مسؤولية خاصة مستقلة عن مسؤولية الرجل».
من هنا أصبح للمرأة في الإسلام الحقوق نفسها التي للرجل، فأصبحت ترث وتملك الضياع والدور والأموال، وأصبح لها الحق في اختيار زوجها، بل أعطاها الإسلام الحق في أن تجير في الحرب أو السلم من أرادت من غير المسلمين، وفي ذلك جاء قوله (صلي الله عليه و آله و سلم): «يد المسلمين على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، ويجير عليهم أدناهم»، بل من تكريم الإسلام للمرأة أن جعلها تستشار، ومن ذلك استشارته (صلي الله عليه و آله و سلم) لزوجه أم سلمة في أمر الصحابة الذين كانوا يرفضون صلح الحديبية، وعمل (عليه السلام) بما أشارت به (10)، كما أن الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) كان يساعد أزواجه في أعمال البيت، ومن ذلك ما رواه البخاري عن عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها، قالت عن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم): «يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة، خرج إلى الصلاة».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(9) مركز المرأة بين الإسلام والقوانين العالمية، م.س.، ص 15 ـ 58.
(10) م.ن.

[الصفحة - 139]


بالإضافة إلى ما ذكر، كان للمرأة المشاركة في الحروب والغزوات التي خاضها الرسول، عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك ما رواه البخاري عن بنت معوذ الجليلة حيث قالت: «كنا نغزو مع رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)، نسقي القوم ونخدمهم، ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة». وعن أم عطية الأنصارية قالت: «غزوت مع رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)، سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، وأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على الزمنى». بل إن المعركة لما احتاجت إلى المرأة المسلمة لم تتخلف عن المشاركة، يقول د. أحمد الشرباصي: «وهذه أم عمارة الصحابية الجليلة قد شاركت أولًا في غزوة أحد بسقي الماء وخدمة المجاهدين، وحينما اشتد الأمر على المسلمين باشرت القتال بالفعل، ودافعت عن رسول الله، عليه الصلاة والسلام، بالضرب بالسيف والرمي بالقوس، وأصابتها جراح كثيرة بسبب اشتراكها في القتال. وقال رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه يمجدها: «وما التفت يميناً ولا شمالًا إلا وأراها تقاتل دوني» (11).
من خلال ما مرَّ بنا يتبيَّن أن المرأة أصبح لها وجود في جميع الميادين الدينية منها والاقتصادية والاجتماعية بل حتى الحربية. والإسلام دين ودعوة لا يتغير بتغير الزمان والمكان، بل مبادئه وقيمه وأوامره ونواهيه مستمرة إلى يوم البعث، لذلك بقيت المرأة المسلمة إلى وقتنا الحاضر تنعم بحقوقها التي ضمنها لها الإسلام، وتقوم بواجباتها التي حدَّدها لها الشرع، هذا عن المرأة المسلمة التي حافظت على إسلامها الحق، ولم تؤثر فيها مدنية الغرب ما دام: «الإسلام أعطاها من الحقوق والمزايا ما حفظ لها كرامة إنسانيتها وما وحد مسؤوليتها مع مسؤوليات الرجل، وأعطاها من التصرفات المرئية ما لم تعطها القوانين، وأوجب عليها حق التعليم» (12).
مناقشة آراء فيها بعض التَّعسُّف
وإن كان الأمر كذلك، فقد منحها الإسلام، أيضاً، حق العمل وحق التوظيف، شريطة ألا يكون هذا العمل مفسداً لأخلاقها الإسلامية، ومفكِّكاً لأسرتها وحياتها الاجتماعية، بل إن الوقت الراهن بمشاكله وصعوباته أصبح فيه عمل المرأة أمراً مطلوباً إن لم يكن ضرورياً، وإن نظر الكثير من الدارسين إلى أن عمل المرأة أسهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(11) الموسوعة الشرباصية في الخطب المنبرية، أحمد الشرباصي، دار الجيل، بيروت، 1/353 ـ 354.
(12) المرأة كما أرادها الله، محمد متولي الشعراوي، مكتبة القرآن، ص 52.

[الصفحة - 140]


في تردِّي أخلاق المجتمع وتفكُّك الأسر، ومن هؤلاء، محمد منير الغضبان، ود. مصطفى السباعي الذي يقول: «وأهم ما في الأمر من خطورة أن فسح المجال أمام المرأة للعمل خارج البيت سيغريها أوَّل الأمر، إذ تجد فيه حرية أوسع من حريتها في بيتها، ثم ما تلبث أن تجد نفسها متورطة في أعمال لا تستطيع الشكوى منها، وآخر ما ينشأ عن ذلك من أخطاء، تفكك الأسرة وتشرد الأطفال، وهذا من أكبر العوامل في انحلال المجتمع وانهياره» (13).
إلا أن هذا الرأي فيه بعض التعسف في حق المرأة، وبخاصَّة إذا وجدنا في مجتمع إسلامي حقيقي، تسوده مبادى الإسلام وتعاليمه، سواء بين أوساط النساء أو أوساط الرجال، وتنتشر فيه الأخلاق الفاضلة، فكيف تكون المرأة بخروجها إلى العمل سبباً مباشراً في فساد المجتمع إذا كان الرجل نفسه فاسداً لا يحترم القوانين والمبادى الإسلامية وبالتالي لا يحترم المرأة التي دعا الإسلام إلى تكريمها؟ لذلك فعوض مطالبة المرأة بعدم الخروج للعمل، علينا أن نعلِّمها كيف تؤدِّي هذا العمل، وكيف تحترم أنوثتها ومجتمعها، ونعرِّفها بواجباتها ـ بالإضافة إلى عملها ـ اتجاه أسرتها، خصوصاً وأننا في زمن لا يستطيع فيه الزوج القيام بكل ما تتطلبه أسرته وبيته من التزامات ضرورية، بل تحدث أشياء كثيرة لا تكون في الحسبان تجد فيها المرأة نفسها مضطرة إلى العمل لتعول عائلتها وتسهر على متطلبات أبنائها الدراسية والمعيشية، فلماذا لا نعلِّمها عملًا أو نقلدها وظيفة تساعدها على تحقيق ذلك عوض تركها، بعد موت الزوج أو الأب أو مرضهما، أو تخلي أحدهما عن مسؤولياته اتجاهها، تخرج إلى الشارع وتتخبط في متاهات قد تؤدي بها إلى الانحراف، وبالتالي الخروج عن تعاليم الدين ومبادئه، وما أكثر هذه النماذج، خصوصاً في مجتمع تخلى فيه أكثر الناس عن إنسانيتهم وضمائرهم وبالتالي عن هويتهم.
من هنا يجب أن نعلِّم المرأة والرجل، على السواء، كيفية التصرف أثناء أداء واجباتهما العملية والوظيفية، وأن نعلمهما احترام أحدهما للآخر وفق تعاليم الإسلام، ليعمل الكل على خلق مجتمع سليم ومسلم يسوده الإخاء والمساواة والعدل والأخلاق الفاضلة، لا أن نمنع المرأة من العمل، ما دام الإسلام لم يمنعها من هذا الحق كما لم يمنعها من التعلُّم، بل ورسم لجميع الناس حدودهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(13) المرأة بين الفقه والقانون، د. مصطفى السباعي، ط6، ص 175.

[الصفحة - 141]


وواجباتهم، هذا في وقت كانت فيه المرأة الغربية وبقيت إلى زمن متأخر محرومة من حقوقها، أي «إلى قرن ونصف قرن من زمننا هذا ـ العقد الأخير من القرن العشرين ـ ومن ذلك أن الإنجليز كانوا يعتبرون تعليم المرأة سبة تشمئز منها النساء قبل الرجال. فلما كانت اليزابيت بلاكويل، تتعلم في جامعة جنيف سنة 1849م ـ وهي أول طبيبة في العالم ـ كانت النسوة المقيمات معها يقاطعنها ويأبين أن يكلمنها.. وأن الأمريكان عندما اجتهد بعضهم في إقامة معهد يعلم النساء الطب في مدينة «فلادلفيا» الأمريكية، أعلنت الجماعة الطبية بالمدينة أنها تصادر كل طبيب يقبل أن يعلم بهذا المعهد، وتصادر كل من يستشير أولئك الأطباء» (14).
في حين أعطى الإسلام للمرأة الحق في أن تتعلم ما تشاء من العلوم الدينية والدنيوية، فكانت النساء تحضرن في عهد الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، في وقت حدده لهن للتعلم، وكانت بعض نسائه (صلي الله عليه و آله و سلم) يؤخذ عنهن العلم ويروين الأحاديث، وكانت أحاديثهن وأحاديث مجموعة من الصحابيات لا ترد ولا يشك في صحتها، بل إن كثيراً من النساء كن يقمن بدور التعليم، وكان ممن علم الإمام الشافعي وابن خلكان وأبا حيان بعض النساء، كما حكى هؤلاء الأعلام أنفسهم، فابن خلكان أخذ إجازة علمية سنة 610هـ عن أم المؤيد زينب بنت الشعري التي أخذت العلم عن كبار العلماء (15).
«وكان من النساء المسلمات من اشتغلن بالفقه والقضاء، ومنهن من اشتغلن بالطبّ والسياسة والاجتماع، والكثرة الكاثرة منهن اشتغلن بالتدريس، وكان عدد لا بأس به منهن قد انقطعن لتدريس العلوم الدينية، ولم تكن مشاركة النساء في العلم نتيجة مباشرة لاتساع رقعة العالم الإسلامي واختلاطه بأهل الحضارات غير الإسلامية مثل حضارتي الفرس والروم، وإنما كانت تلك المشاركة عملًا أصيلًا عندهن، بدأ هذا العمل منذ عهد النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)» (16).
وعلى هذا تكون المرأة المسلمة قد سبقت المرأة الأوربية والأمريكية إلى العلم والتعلم وبالتالي العمل، لهذا لا يجب أن نحرمها هذا الحق الذي وهبه لها الإسلام. بل الذي يجب أن نشير إليه هو أن المرأة في إنتاجها كانت في كثير من الأحيان أحسن من الرجل، خصوصاً وأنها أرادت أن تنافسه وتظهر تفوقها عليه في مجموعة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(14) المرأة في القرآن الكريم، عباس محمود العقاد، بيروت، ص 169.
(15) المرأة المسلمة وفقه الدعوة إلى الله، علي عبد الحليم محمود، ط3، 1992، ص 179 و339 و340.
(16) م.ن.

[الصفحة - 142]


من الميادين الطبية منها أو التعليمية، وهنا يقول د. صبحي الصالح: «إن المرأة التي تهب نفسها لحب كبير أو عمل عظيم، وتتفانى في ذلك إلى حد المغالاة، ترتفع إلى قمة لا يصل إليها الرجال، إنها تصنع الكرامة الإنسانية بمعناها الموحَّد الشامل» (17).
وعمل المرأة يجب أن يبدأ أولًا بما تقوم به داخل بيتها، بمعنى لا يجب أن يؤثِّر عملها خارج البيت على ما تقوم به من واجبات اتجاه زوجها وأبنائها، وقد أشار بعض الفقهاء إلى هذه المسألة، ومنهم د. عبد الحكيم حسن العيلي الذي يذهب إلى «أن الإسلام يكفل حق العمل للمرأة دون إخلال بواجباتها الأساسية، فإذا تعارضا قدم الأهم على المهم، والأهم هو واجباتها الأساسية من حيث كونها أمّاً تهب الحياة للنَّشء الجديد، فلا يجوز لها أن تعمل خارج البيت على حساب واجباتها نحو الأسرة» (18).
ويقول د. عبد الواحد وافي في كتابه المساواة في الإسلام: «إن الإسلام سوَّى بين الرجل والمرأة في حق العمل، فأباح للمرأة أن تضطلع بالوظائف والأعمال المشروعة التي تحسن أداءها ولا تتنافى مع طبيعتها، ولم يقيد هذا الحق إلا بما يحفظ للمرأة كرامتها ويصونها عن التبذُّل وينأى بها عن كل ما يتنافى مع الخلق الكريم، فاشترط أن تؤدي عملها في وقار وحشمة وفي صورة بعيدة عن مظاهر الفتنة، وألا يكون من شأن هذا العمل أن يؤدي إلى ضرر اجتماعي أو خلقي أو يعوقها عن أداء واجباتها الأخرى نحو زوجها وأولادها وبيتها» (19).
ولعمل المرأة داخل بيتها، على اعتبار أنها مربية النشء، كرمها الإسلام أمّاً في قوله (صلي الله عليه و آله و سلم): «إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتهم، ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب».
فالإسلام كرَّم الأمومة، لذلك على الأم أن تكون في مستوى هذا التكريم، على أن لا يكون عملها خارج بيتها مخجلًا لها ولأبنائها ولجميع أفراد أسرتها. ومن واجباتها أن تعلِّم أبناءها كيف يحافظون على دينهم ويواجهون عدوهم الذي يريد النيل من إسلامهم، وثبّت فيهم روح طاعة الله والرسول وطاعة الوالدين، وذلك من خلال ما تقوم به من أعمال ومن تصرفات داخل بيتها أو خارجه، هذه التصرفات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(17) المرأة والإسلام، د. صبحي الصالح، ط1، 1980، ص 16.
(18) مركز المرأة بين الإسلام والقوانين العالمية، م.س.، ص 15 ـ 58.
(19) م.ن.
[الصفحة - 143]
التي يجب أن تكون مستقاة ممّا تعلمته من قواعد دينها الحنيف، خصوصاً وأن الأبناء ينظرون في تصرفاتهم إلى آبائهم وأمهاتهم بغية الاقتداء بهم، وهنا يقول د. علي عبد الحليم محمود: «القدوة وسيلة ناجحة من وسائل الدعوة إلى الله، إذ هي بمثابة الحجة العملية على الدعوى النظرية، ومن أراد أن يقنع أحداً بممارسة عمل، فعليه هو أن يمارسه أمامه» (20).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(20) المرأة المسلمة وفقه الدعوة إلى الله، م.س. ص 179 ـ 339 ـ 340.

[الصفحة - 144]