البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الاعلام واثره في الهوية الثقافية ونظام القيم

الباحث :  الشيخ علي خازم الأستاذ محمود حيدر الباحث والصحفي الدكتور طلال عتريسي , تقديم وادارة الأستاذ محمَّد حسين
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  15
السنة :  السنة الرابعة خريف 1420 هجـ 1999 م
تاريخ إضافة البحث :  January / 29 / 2015
عدد زيارات البحث :  343

«الإعلام وأثره في الهُويَّة الثَّقافيَّة ونظام القيم»

تقديم وادارة الأستاذ محمَّد حسين
الشيخ علي خازم
الأستاذ محمود حيدر
الباحث والصحفي
الدكتور طلال عتريسي

وقد تمَّ اختيار «الإعلام...» موضوعاً لهذه النَّدوة إدراكاً من هيئة تحرير المجلَّة لأهميَّة هذا الموضوع. فقد شهدت نهايات القرن العشرين تحوُّلات كبرى في أنظمة القيم. وكانت «ثورة الاتّصالات» في مقدّمة هذه التَّحوُّلات. وهناك من رأى أنَّها السبب الرئيسيّ والحاسم في إحداث التبدُّلات الهائلة في ميزان القوى الدَّولي وانهيار معادلة الحرب الباردة وتوازناتها.
وساد اعتقاد مفاده أنّ الدَّولة الأقوى هي التي تقود ثورة الإعلام. وهي التي تمتلك أدواتها المرئيَّة والمسموعة والمقروءة. وليس غريباً، في هذا المجال، أن يمضي الفكر الاستراتيجي الأميركي والغربي عموماً إلى تعميم مثل هذا الاعتقاد. فهو يرمي من وراء ذلك إلى تحويل السَّيطرة الإعلاميَّة على العالم إلى قناعات تفضي بشعوب العالم الثالث إلى الاستسلام والقنوط والامتثال.
كأنَّما يراد لف«أمبراطوريَّة الصَّوت والصُّورة» أن تعيد إنتاج «الاستعمار من بُعد»؛ حيث لا يؤدِّي استلاب الشعوب، أو تخليع سيادات الدُّول، وتفكيك الهُويَّة الوطنيَّة والحضاريَّة، إلى ثورات لنزع الوجود الاستعماري، كما حصل خلال القرون المنصرمة.
ماذا فعلت ثورة الإعلام بأنظمة القيم؟ وما أثرها في التحوُّلات التي عصفت بالمجتمعات؟ وكيف يستعدُّ العالم لدخول القرن المقبل، وهو ينوء تحت ظلال «الايديولوجيا الفضائيَّة؟»
هذه النَّدوة ستقارب الإعلام بوصفه الآليَّة الأشدّ قسوة في سيرورة العَوْلَمة الجديدة. وهي تتناول ثلاثة محاور على الشكل التالي:
1 - الإعلام الدِّيني وآليَّات التَّبليغ في مواجهة العَوْلَمة.
________________________________________

[الصفحة - 256]


2 - أثر الإعلام الفضائي على الهويَّة الوطنيَّة وسيادة الدَّولة.
3 - ثورة الاتّصالات وآثارها على أنظمة القيم وإعادة إنتاج الأخلاق العامَّة.
رحَّب الأستاذ محمّد حسين، بدايةً، بالمشاركين والحضور، وقدَّم للندوة فقال:
للوهلة الأولى، قد يفهم أنّنا بصدد الحديث عن توصيفات لأدوار الإعلام ومهمّاته وتأثيره على الجوانب المختلفة في حياة الإنسان والمجتمعات. ولكنَّ المقصود غيرُ ذلك؛ المقصود بالتَّحديد هو إعلام العولمة. ذلك السلاح الخطير الذي يهاجمنا بكلِّ عنف وشراسة من دون أن نستشعر بالألم. ونحن مبهورون بجماله وجاذبيَّته وسحره. إنَّه الأداة الجديدة للغزو الجديد القادم إلينا تحت شعار العولمة.
ولعلَّ الثورة الهائلة التي حدثت، في العقد الأخير من هذا القرن، في الاتّصالات والمعلومات، كانت مقدِّمة ضروريّة لهذا الغزو.
لقد أحدثت هذه الثورة تحوُّلات كبيرة في جميع النظم والمعادلات والتوازنات التي كانت سائدة في العالم. فتغيَّرت وسائل الصراع وطرقه، وتبدّلت موازين القوى الدولية، وظهرت مراكز نفوذ جديدة تتحكَّم بالعالم بخيوط سحرية غير مرئية تستطيع أن تدمِّر بلداً بلحظات من دون قرقعة سلاح أو قرع طبول. لكنّك تعرف ذلك، فوراً، عبر أثير إذاعة، أو على شاشة تلفاز، أو من خلال عنوان جريدة. هذه الثورة في المعلومات والاتّصالات توظّف اليوم في خدمة العولمة التي يتّفق معظم المراقبين والمفكّرين على أنّها عملية أَمْرَكة للعالم.
إنَّها ليست عملية تفاعل، بل عملية ذات قطب واحد تقوم على أساس إخضاع المجتمعات الأخرى لهيمنة المركز الأميركي؛ باستخدام وسيلة السلاح الاقتصادي عبر أسواق المال ومكاتب المراقبة الاقتصادية وتقييم الاقتصادات، أو باستخدام هذه الوسائل مع السلاح العسكري التقليدي كما حدث في العراق، ومؤخّراً في يوغوسلافيا. ولكن، قبل ذلك، وأثناءه، وبعده، تحتاج العملية إلى إعلامٍ قويٍّ ومركَّزٍ يسيطر على الرأي العام الدَّولي وعلى الرأي العام في
________________________________________

[الصفحة - 257]


المجتمعات المستهدفة ليتمَّ الإسقاط من خلال تبعية الرأي العام، وليس من خلال الاستيلاء على الأراضي.
إنَّ أميركا تقوم بعملية غزو ثقافي لنشر الثقافة الأميركية، أو ثقافة العولمة عبر وسائل الإعلام الجبَّارة التي تمتلكها هي وحلفاؤها الغربيّون. ويتّخذ الغزو، نتيجة التأثير الإعلاميّ، أنماطاً أخرى غير مباشرة، كأن يحدث عبر الاستدعاء الذي تقوم به البيروقراطية في مجتمع ما، والمؤسَّسات الثقافية وطبقات اجتماعية تأثَّرت بالثقافة الأميركية التي تبثّ عبر وسائل الإعلام المدعومة من أسواق المال. فيحصل عندها تدهور لمكانة المثقَّف الوطني المستقلّ وانخفاض لمستوى معيشته، ويتراجع مستوى الثقافة في الأولويَّات الدَّاخلية ويتمّ التسليم لدى النخبة بهيمنة أفكار اقتصاد السوق.
إنَّ التَّحدِّيات الجديدة التي فرضتها المستجدَّات تتمثَّل في احتكار أميركا وحلفائها لتكنولوجيا الاتّصالات، وسيطرة الشركات متعدِّدة الجنسية على السوق العالميَّة، في مجال تسويق السِّلع الثقافية والإعلامية والوكالات الدولية للإعلانات. وعبر ذلك تتمّ عملية تدمير القيم الأخلاقية والاجتماعية، وتذويب الهُويات الثقافية الوطنية والقومية، والترويج لثقافات جديدة غير إنسانية تبرمج الناس ليكونوا أتباعاً للنمط العالمي الجديد.
هل سيتحوَّل العالم إلى قرية صغيرة تحكمها «السلطانة أميركا»، أو ستتمكَّن الدول من الاحتفاظ بهوياتها وقومياتها وثقافاتها المتعدِّدة والمتنوِّعة؟ هل سيشهد القرن القادم انتهاء مقولة الأمم المتّحدة وتحالف الأمم وحلول مقولة أمَّة البشر تحت ظلِّ حاكم واحد؟ وكيف سيؤثّر إعلام العولمة في إحداث هذه التغييرات الكبيرة؟
هذه النَّدوة ستحاول إلقاء الضَّوء على دور الإعلام في إحداث هذه التغييرات، ونبدأ بالمحور الأوَّل؛ وهو: الإعلام الدِّيني وآليَّات التَّبليغ في مواجهة العولمة، مع فضيلة الشيخ علي خازم.
الشَّيخ علي خازم:
يفترض العنوان وجود مواجهة بين العولمة وبين الدِّين، ويطرح مهمَّةً على الإعلام الدِّيني في التّعامل مع واقعه. إنَّ العولمة ليست ديناً جديداً،
________________________________________

[الصفحة - 258]


ولا ايديولوجيا جديدة، وإن كنَّا نتوقّع أن تصحبها وتتبعها نظريات اقتصادية وسياسية وأفكار. وإذا رأينا أن الدِّين هو الأساس في ثقافة مجتمعاتنا الإسلامية، فإنّ هذا يجعل للإعلام الدِّيني، بوصفنا أفراداً، مهمَّة أساسية في حفظ الهوية الثقافية ونظام القيم الاجتماعي الإسلامي، لكن هل يمكن لنا أن نتحدّث عن دور للإعلام الدِّيني وللتبليغ في مواجهة ظاهرة كونية كظاهرة العولمة، أظنُّ أنّ المجازفة ستكون كبيرة إن حاول أحدنا منفرداً، أو إن حاولنا منفردين القيام بهذه المهمَّة. ذلك أنّ «منظّمة المؤتمر الإسلامي» التي تضمّ دول العالم الإسلامي جميعها، في ما أعرف، لم تنشى مؤسَّسة لرعاية شأن الإعلام الدِّيني أو الإسلامي إلا في صورةٍ مجتَزَأة، كمنظّمة إذاعات الدول الإسلامية ووكالة الأنباء الإسلامية الدولية ولجنة الدعوة والتربية والمركز العالمي للتربية والتعليم الإسلامي، وأظنّ أن أحداً منكم لم يلمس دور هذه الهيئات فعلياً إلاّ في يوم عرفة؛ حيث يجتمع المذيعون لنقل وقائع وقوف المسلمين في هذا المشعر المقدَّس.
إنَّ الإعلام الدِّيني والتبليغ الإسلامي موجودان فعلاً رسميَّاً وشعبيَّاً، وإنّ طبيعة الإسلام تعطي الحرِّية للمسلمين بالتبليغ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي من مصاديق الإعلام، لكنّنا نتحدّث فهناف عن شأن يفوق قدرات الأفراد في كثير من المجالات.
ليس هذا اعتذاراً عن الدُّخول في الموضوع، لكنَّه مقدِّمة للانحراف عنه إلى ما يقاربه، ويسعنا الحديث فيه بما يؤدِّي إلى نتائج قد تكون عمليَّة وملموسة.
الهُويَّة الثَّقافيَّة ومخاطر العَوْلَمة
الهُويَّة الثقافية ونظام القيم، في أيّ مجتمع من المجتمعات، يخضعان عادةً لثبات العقيدة التي يمثّلانها، وإن كانت الثقافة نفسها تقبل التغيير عبر التجديد والتكامل لأداء ما يساعد على سدِّ الحاجات المستجدَّة. والميزان، في قبول هذا التغيير أو رفضه، كونه متوافقاً مع نظام القيم المعتمد، أو مناقضاً له، وعلى مستوى آخر كون الحاجات المستجدَّة ممَّا يصحُّ اعتبارها كذلك فعلاً، أو أنَّها مدفوعة قسراً لتكون بمثابة الحاجة.
________________________________________

[الصفحة - 259]


ومن نافل القول إنّ الغزو الثقافي استهدف، ولا يزال، ضرب نظام القيم عبر خلق «حاجات» لا يمكن إشباعها إلاَّ بالتخلِّي عنه؛ لأنَّها فعلاً وليدة مجتمع يختلف نظام القيم فيه، وعملية خلق «الحاجات» هذه تتمُّ عبر التأثير الإعلامي بشكل أساسي وبطريقة غير مباشرة في أغلب الأحيان.
وإذا كان مصطلح «الغزو الثقافي» قد أثار، في ما مضى، إشكالات ونقاشات، وشهد رفضاً ممَّن يدَّعون التنوير والتجدُّد، فإنَّ «العولمة» قد أثبتت حصوله، ويتمُّ اليوم العمل على القفز عن الاعتراف بذلك وإعادة العراك من جديد حول قبولها بوصفها قدراً، والجريان معها، وحذف كلّ مخاطرها التي يستشعرها المفكّرون في فرنسا والمانيا وغيرها من دول العالم، فيما انخرط فيها عدد من المسؤولين والمفكّرين العرب والمسلمين مبهورين من دون أدنى تحفُّظ، ويسعى آخرون في إيجاد تيارات مقاومة لها.
العَوْلَمَة وأبرز مخاطرها
يقول الدكتور إسماعيل صبري عبداللَّه: «إنّ أقرب التعريفات لمصطلح «العَوْلَمة» هو التداخل الواضح للأمور الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والسلوكية، من دون حدود تُذْكر، ومن دون انتماء لدولة أو وطن، ومن دون الحاجة إلى حكومات، فالظاهرة إذن اجتماعية، وبالتالي فإنّ هناك قوّة اجتماعية موضوعية تحرّكها آليات اقتصادية، وأزعم أنّ هذه الآليات هي الشركات متعدِّدة الجنسية التي تنتزع بوضعيّتها مفهوم الدولة القومية».
ولعلَّ أهمّ مسارب العولمة ومداخلها الإعلام وعالم الاتّصالات، وهذه المسارب نفسها أدوات الغزو الثقافي الحديثة بحداثة وسائلها ووسائطها، والتي سيكون أهمّها التّلفاز الكوني الذي ستطلقه أمريكا سنة 2003م.
هل من جديد يستدعي هذا الهلع الذي يسود العالم اليوم؟ نعم، إنّه الاندفاع الأعمى الذي سيطيح حتى بما اعتبر عناوين ختام القرن العشرين: المجتمع المدني ـ المشاركة ـ المساواة ـ حرّية الإنسان وحقوقه ـ حفظ البيئة؛ إذ لن يتبقَّى من هذه الأمور إلاّ ما ينفع 20% من سكَّان العالم الذين يستطيعون الصمود وإدارة أموالهم عبر أجهزة الكمبيوتر في القرن
________________________________________

[الصفحة - 260]


القادم. والمشكلة الكبيرة أنّه يراد لنا، عبر الإعلام والثَّقافة، أن نقبل هذا الواقع، لنكون الطَّرف المكمل والمساعد على إنجاح هذه الظاهرة، وتالياً لنكون في خدمتها نافين لكلّ هوية ثقافية وقيم دينية أو اجتماعية، وخاضعين لذهنية السُّوق وما تفترضه، متجرِّدين من أدنى إحساس بهُوية وطنية أو كرامة إنسانية.
ولسنا هنا أمام تداخل حضاري يعطيك وقتاً لرفض سلوك معيَّن وقبوله وفق المعطيات الثقافية، بل نحن أمام حالة يفرض فيها عليك السلوك بسيف الاقتصاد والبنك الدولي. قد لا يرى بعضهم قيمة لشراب البيبسي أو أكل الهامبرغر، لكنّ هذا، في روسيا والصين واليابان، يأتي ليدمِّر منظومة من السلوك الاجتماعي التي تقع، في النهاية، تحت عنوان قيمة من القيم الاجتماعية كالتَّكامل الأسري.
إنَّ الدعاية لتحديد النَّسل لا تنظر إلى تأمين مستقبل أفضل، بل تنظر إلى تخفيف مساعدات العالم القويّ الغنيّ للعالم الفقير، واختلاف الهدف يؤثر في اختلاف الأداة والأسلوب. وكان فرض دعاية تحديد النسل من أهم شروط البنك الدولي على إيران، وعلى السُّودان.
العلاقة بين الإعلام والثقافة
باختصار شديد: «إنّ وسائل الإعلام هي أدوات ثقافية تساعد على دعم المواقف أو التأثير فيها، وعلى توحيد مناهج السلوك وتحقيق التكامل الاجتماعي»؛ وحيث أنّ وسائل الإعلام، أو بالأحرى أدواته، محايدة في نفسها، لكن مضمونها، وما تطلقه، هو الأساس في الحكم عليها، فإنّنا أمام دور خطير وهامّ جدّاً تستدعيه مواجهة التدفُّق الإعلامي ووسائل الاتصال والإعلام المواكبة للعولمة التي تؤسِّس لذهنية تقبُّل الاستعمار الجديد، وتتحوَّل عن هويّتها وأنظمتها وقيمها.
إنَّ العولمة الثقافية قائمة بالفعل عبر الفضاء المفتوح، وفي ظلِّ ثورة الاتّصالات، وهي لا تكتفي بأجهزتها المباشرة، بل إنَّ عالمنا الإسلامي، خصوصاً، يعطيها عبر شركات القنوات الفضائية الهائلة فرصة بثّ برامجها ثانية وإيصالها إلى أفراده المقيمين وإلى الأقلّيات التي يتوجّه إليها في الغرب نفسه وغيره.
________________________________________

[الصفحة - 261]


الإعلام أداة ثقافية بالكامل، فهو يحتاج إلى هدف وإلى معلومة وإلى أسلوب في عرضها، وهو شأن نحتاجه في فهمنا لدور الإعلام الإسلامي والإعلام الدِّيني.
العلاقة بين الإعلام والدَّعوة أو التَّبليغ

هذه المفردات تتداخل في ما بينها، وبالتالي تتداخل عملية التقويم لأداء كلٍّ منها، ونقوم مرَّات بتسجيل حالات من الفشل، أو الضعف، للإعلام الدِّيني أو الإسلامي، فيما نحن نناقش مسألة من المسائل الدعوية وليس من المسائل الإعلامية. ولذلك من الضروري أن نفصل في ما بينها.
إذا كان الإعلام يعني، اصطلاحاً، إيصال معلومة معيَّنة إلى المتلقِّي بهدف معيَّن وبأسلوب يخدم ذلك الهدف، ويتوقّع منه أن يؤثّر في المتلقِّي، ويغيِّر من ردود فعله، فإنّ الدعوة أو تبليغ الرسالة الإسلامية تلتقي معه، لكنّها تختلف في المتلقّي وفي أدوات الخطاب، فإنّ لغة الدعوة خاصَّة بمخاطبة الأفراد لتوعيتهم بالإسلام بينما لغة الإعلام تخاطب الأمّة دفعاً لنموّها وتقدّمها، وعلى هذا يصحّ أن يقال: إنّ هناك نظرتين لفهم الإعلام الإسلامي:
الأولى: «إنّه إعلام بالقرآن والسنّة وأعمال السلف الصالح وأقوالهم بهدف إنماء الوعي الدِّيني وتعزيز روح الانتماء إلى أمّة الإسلام لدى المسلمين».
والثانية: «إنّه إعلام على ضوء الكتاب والسنّة وأعمال السلف الصالح بهدف إنماء الوجود الإسلامي العام إنماءً مستقبلياً بما يحقّق أهداف أمّتنا وتطلّعاتها النهضوية والحضارية».
والفارق بينهما أنَّ الأوَّل يكون مطابقاً لمفهوم الدعوة الذي يتّصف بالفردية في العرض والتلقّي والمباشرة في الطرح والأداء، بينما يكون الثاني موجّهاً للجماعة ويتحرّر من المباشرة وإن صبَّ في دائرة الالتزام، وهذا ما يُصطلح عليه بالتفرقة بين الإعلام الدِّيني الإسلامي والإعلام الإسلامي، ومن الناس من لا يفرق بين الدعوة والإعلام أساساً، والواقع أنّ غرض التفريق هنا هو تحديد المهام وتوصيفها وعدم الخلط بينها، منعاً لعدم التأثير الإيجابي أصلاً، أو منعاً للتأثير السلبي فيما لو تداخلت أساليب كلٍّ من الفهمين أو النظريّتين.
________________________________________

[الصفحة - 262]


أدوات الإعلام ووسائله ووسائطه‏
إذا قبلنا التفريق بين الإعلام الإسلامي والإعلام الديني الإسلامي والدعوة، فإنّه ستكون لدينا مجالات متعدّدة للاستفادة منها، وقد يكون بعضها وعاء لبعض، بمعنى أن تستوعب أدوات الإعلام الإسلامي الإعلام الديني الإسلامي، وهكذا فإنّه تكون لدينا قابلية الاستفادة من الأشياء والأدوات والتقنيات على اختلافها على هدي الإسلام وضمن الضوابط الإسلامية، وكذلك الاستفادة من المواسم والأمكنة، فإذا كان المسجد الذي تؤدّى فيه صلاة الجمعة مكاناً للعبادة المخصوصة، بوصفها دعوةً وإعلاماً دينيّاً، فإنَّ في خطبة صلاة الجمعة العامَّة إعلاماً إسلامياً.
وهناك سبب آخر للاستفادة من المجالات المختلفة هو أنّ الإعلام نفسه لم يعد محصوراً بالوسائط التقليدية.
أساس التَّفريق بين الإعلام الإسلامي والإعلام الدِّيني الإسلامي، أو الدعوة، وثمرته‏
نرى أنّ الأساس، في قسمة الإعلام إلى إعلام إسلامي وإعلام ديني إسلامي، هو في المضمون والأداء، فحيث يكون المضمون دينيّاً والأداء مباشراً، كما في تفسير القرآن أو بيان الأحكام الشرعية، فهو إعلام ديني إسلامي، وعندما يكون المضمون يخدم الدِّين ويحفظ الالتزام والدِّين فهو إعلام إسلامي.
وثمرة التَّفريق أنّه لا يجوز تحميل الإعلام الدِّيني، بلغته المباشرة وتوجُّهه الفردي، أعباء الإعلام الإسلامي ووظائفه التي منها الترفيه والأخبار والثقافة العامّة والتقنية وأحوال الطقس... إلخ.
مهمَّات الإعلام الإسلامي والدِّيني عامَّة في مواجهة العولمة
إذا لم يمكننا الاعتماد على الإعلام الرسمي لأنّه سائر في طريق العولمة، تبقى المهمَّات على المسلمين، وهي نفسها مهمَّات الرسالة الإسلامية التي صدع بها رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، لأنّنا أمام ظاهرة العولمة، بوصفها مظهراً من مظاهر «عمل الشيطان وكيده المستمرَّين» وما يفرزه في المجالات المختلفة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وفكرياً، وبالتالي
________________________________________

[الصفحة - 263]


فإنّ علينا عب‏ء عرض الدعوة وعب‏ء الدفاع عن الإسلام والمسلمين، ولهذين أساليبهما وطرائقهما وضوابطهما التي تتكفَّل بها أبحاث خاصَّة.
وبالتالي فنحن مدعوّون لاستخدام جميع مفاهيم الإعلام وأدواته والدعوة على ضوء المعطيات العلمية والشرعية الثابتة.
ولكن لا تنحصر المواجهة في المجال الإعلامي فقط، لأنّه، كما قلنا، أداة ثقافية، وهو ناقل ووسيط، فعلى العلماء في المجالات المختلفة أن يتصدَّوا ليتمكَّن الإعلام من نقل إبداعهم ونتاجهم، وإيصاله.
لكن لو نظرنا إلى الإعلام، بخاصّة، فإنّنا نرى أنّ على الحركات والأفراد، رغم ضآلة مواردهم، أن يتعاونوا في ما بينهم، ومع الجمهورية الإسلامية الإيرانية للعمل بصورة تبادلية تطوّعية لأخبارهم وأفكارهم، وبذلك يشكّلون ممانعةً وتأسيساً إعلامياً مهمّاً مستقبلياً.
أ. محمَّد حسين:
ويتحدَّث الأستاذ محمود حيدر في المحور الثاني؛ وهو «أثر الإعلام الفضائي على الهويَّة الوطنيَّة وسيادة الدَّولة».
أ. محمود حيدر:
(1)
يرى كثير من المفكِّرين، وفي غير دولة، أنّ العولمة هي من المنعة والقوّة بحيث استطاعت أن تجتاح جانباً كبيراً ومهمّاً جدّاً من المفهوم التقليدي للسيادة الوطنية والسيادة القومية. وواقع الأمر أنّ التلفاز الكوني، الذي تحدّث عنه سماحة الشيخ علي خازم قبل قليل، سيضاعف من مأساة المفهوم التقليدي للسيادة الوطنية؛ بحيث يستطيع هذا التلفاز أن يحلَّ ضيفاً على أيّ بيت، وفي أيّ مكان من هذا العالم. هنا، في اعتقادي، تبدأ المواجهة الحقيقية والحضارية. ولا ينبغي أن نستهون الأمر، ولا ينبغي أن نخشاه إلى حدّ الاعتقاد باستحالة مواجهته، كأنّ العولمة حُوْتٌ يريد أن يبتلع قيم هذا العالم جميعها. يبدو لي أنّ العولمة هي طور تاريخي متقدِّم من أطوار تطوُّر البشرية، وينبغي التعامل مع هذا الطور بكثير من الواقعية ومن الممانعة اللتين ينبغي أن تسيرا على خطَّين متوازيين، بحيث تكتمل أدوات المواجهة على نحو فعّال.
________________________________________

[الصفحة - 264]


لم تظهر العولمة، بأحيازها المختلفة، إلاَّ على صهوة الإعلام الفضائي، ما يعني أنَّ العولمة على مستوى الإعلام، ستكون معادلة للإعلام الفضائي. هذه الحقيقة بات الكلام عليها من قبيل المسلّمات. لا يتعلّق الأمر بالصعود الضاري للطفرة التكنولوجية الاقتصادية، ولا بانهيار خارطة التكتّلات الدولية التي عاشها نظام التوازن إبان الحرب الباردة فحسب، وإنّما أيضاً، وأساساً، بالحرب التي خاضتها الولايات المتّحدة الأميركية في الخليج، وختمت فيها الفصل الأخير من التوازن العالمي. لقد كان العامل الإعلامي في مقدّمة الأسلحة الحاسمة التي نقلت العالم إلى طور جديد تبدَّلت معه أنظمة القيم على جميع المستويات، في الجانب المعرفي الفلسفي الذي سعت الولايات المتّحدة إلى توظيفهِ ليرسخ انتصارها العسكري والسياسي كان الإعلام عامله المؤسّس. ولا ينسى الكثيرون، من الذين انخرطوا في مساجلة نظريات الأَمْرَكَة، الدور الذي لعبته مؤسّسة «أولن» في التسويق الواسع لمقولة «نهاية التاريخ» التي أطلقها الكاتب الأميركي من أصل ياباني «فرانسيس كوكويان فوكوياما»، ومن بعدها مقولة «صراع الحضارات» لف«صموئيل هنتغتون»، لقد ظهرت العولمة بوصفها معادلاً ثقافياً ايديولوجياً لثورة المعلومات، وفي الأساس منها ثورة الإعلام. ولم تكن فرضية المجتمع الإعلامي العالمي سوى المرتكز النظري لهذا المعادل الثقافي الايديولوجي، وهذان اثنان من أبرز دعاة الأمركة؛ وهما: «جوزيف فتي»، عميد كلّية كنيدي في هارفرد حالياً، و «وليم أونز»، النائب السابق لرئيس لجنة رئاسة الأركان في الجيش الأميركي، يفصحان عن ذلك بوضوح فيقولان: «القرن الحادي والعشرون، وليس القرن العشرون، الذي يمثّل عصر التفوُّق الأميركي». يعني هذا أنَّ المنطق الايديولوجي هو الذي يتكلَّم، وليس المنطق الواقعي. إنّما تستطيع الأَمْرَكة، إذا امتلكت القوى، أن تحوِّل الايديولوجية إلى حال واقعية؛ ذلك أنّ المعلومات والنقد الجديد والاقتصاد العالمي في الولايات المتّحدة في وضع أفضل من أيّة دولة أخرى للاستفادة من إمكانيات مواردها المادّية وبرامجها. إضافةً إلى ذلك، يضيف المسؤولان
________________________________________

[الصفحة - 265]


الأميركيان أنّ البلد الأكثر قدرة على قيادة ثورة المعلومات هو الذي سيصبح البلد الأقوى. وفي المستقبل المنظور، فإنّ ذلك البلد هو الولايات المتّحدة التي تتمتّع بحنكة وذكاء أفضل مقارنة بغيرها. هذا، وإنّ قدرتها على جميع المعلومات ومعالجتها والتحكّم فيها وتوزيعها سوف تزداد من دون شكّ أكثر فأكثر في القرن المقبل، ولا ينفكّ منظِّرو الفرادة الأميركية عن ابتعاث مروحة من الأفكار، القصد منها منح السيطرة مشروعية الاستمرار والتراكم لتأخذ صعيدها المعرفي والثقافي، ويتحدَّث معظم هؤلاء بلغة اليقين، ودائماً عبر آليات الإعلام، بهدف خلق اعتقادات في المجتمعات الدولية، وخصوصاً الأوروبية، فضلاً عن مجتمعات الأطراف، التي نحن منها، مؤدَّاها التسليم بنمط الحياة الأميركية، بوصفه قدراً لا مناص منه، وها هو «دانييل برتون»، أحد البارزين في قطاع الاتّصالات، يقول: «إنّ الولايات المتّحدة، بوصفها رائدة في اقتصاد الشبكات، سوف ترسم تطوُّر هذا الاقتصاد، ذلك أنّه ليس هناك أيّة دولة في العالم سواها، تملك المؤهّلات اللاّزمة لتوجّه التطوّرات». ويضيف برتون: «إنّنا، في النهاية، نتّجه نحو عالم للشبكات يتكوّن من مجتمعات الكترونية تجارياً وثقافياً، ويعمل على تدعيم مكانة الولايات المتّحدة الأميركية من بين الأمم، لكنّها في الوقت نفسه، وعلى النقيض من ذلك، أمّة تعمل على تفكيك نظام الأمّة الأخرى‏ر الدولة». يكشف هذا الكلام عن أحد الوجوه الأكثر أهمّية؛ فالخطاب الثقافي الأميركي يسعى إلى تخليع منظومة القيم التي نشأ عليها مبدأ الدولة/ الأمّة. تريد الطليعة السياسية الحاكمة في الولايات المتّحدة، أن تقيم عالماً يشبهها في الغرب وفي العالم أجمع، أي دولة عالمية سمّاها أحد الخبراء الأميركيين؛ وهو «جيمس كور»، بالمؤسّسة الأميركية، التي ذهبت ابتداءً من نصف القرن الأخير، إلى جعل مصلحة الدولر الأمم، مثل: بريطانيا وفرنسا والمانيا وإيطاليا واليابان، تتّفق مع تجاوز مفهوم الدولة/ الأمّة عن طريق العضوية في عدّة منظّمات دولية، كالأمم المتّحدة ومنظّمة الدول الأميركية وحلف الأطلسي والغات وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وسواها.
________________________________________

[الصفحة - 266]


وخلاصة القول إنّ الدولة الأميركية، مثلها مثل تلك الدولة التي قامت في أوروبا واليابان، نفَّذت مشروعات كبرى في الأبعاد الثقافية والأمنية والاقتصادية للحياة الاجتماعية، لكن على خلاف الدول الأخرى، فإنّها فعلت ذلك على نطاق قاري هائل الحجم حقّاً، بل إنّها، وهي تفعل ذلك، كانت تنشى أيضاً عالم ما بعد العالم الحديث. وبذلك مهّدت الطريق لزوالها، بوصفها دولة/ أمّة.
كانت بداية التسعينيات ذروة ما وصلت إليه التجربة الأميركية لنزع القيم التي يقوم عليها مبدأ الدولة/ الأمّة. ثمّ لتنتقل فبعدئذٍف إلى زمن الهيمنة على العالم، وهو زمن يتَّصف أميركياً بتخطّي الاتّكاء على جيوش تقليدية أميركية تقوم على التجنيد الإجباري الجماهيري وتوفير الدفاع القومي؛ وذلك باتّجاه تشييد ما يسمَّى بمجتمع ما بعد العصر الحديث الذي يقوم أساساً على وجود الأسلحة النووية التي توفّر الردع الموسّع للأحلاف الدولية مثلما حدث مع حلف الأطلسي. وهناك حرب ماثلة أمامنا وهي: حرب الخليج الثانية التي لم تستخدم فيها الجيوش الجرّارة، وإنّما الأسلحة الذكية، وبأقلّ عدد ممكن من الجنود. وهناك عدد كبير من الخبراء الأميركيين يخطِّطون لاستراتيجية أن تتمّ الحروب بلا بشر، أي تتمّ فقط بالليزر والأزرار الالكترونية.
(2)
يجري ما يُعرف، في الغرب اليوم، بـ «مجتمع الإعلام العالمي» على خطٍّ موازٍ مع «العولمة»، حتى ليكاد يتثبَّتُ الاعتقاد من حقيقة التواطؤ المتبادل بين المفهومين الشائعين الآن بزخم لافت.
ولئن قيل في «العولمة»، من التعاريف، ما يجعلها ظاهرة الظَّواهر التي تترجم علاقات قوى السَّيطرة في نهاية الألف الثاني، فالذي يقال في الإعلام وثورته الجديدة يعادل وجه الظاهرة الآخر، إن لم يؤلِّف حقيقة وجودها وتكوينها.
بين «العولمة» إذن، (العولمة التكنو ـ اقتصادية على الخصوص) والإعلام، علاقة إنتاج. ولقد صار أكيداً ما بلغته ثورة الاتّصال من قدرة هائلة على غزو كلِّ ما يتعلَّق بميادين النشاط البشري الحديث، وعلى الأخصِّ القطاعات الرئيسية للاقتصاد العالمي. فعن طريق أربعة مجالات تكنولوجية
________________________________________

[الصفحة - 267]