تسمية أولاد الأئمة بأسماء الخلفاء، الشبهة الواهية

تسمية أولاد الأئمة بأسماء الخلفاء، الشبهة الواهية

تـاليف

السيد علي الشهرستاني

تلخيص

سمير الكرماني

فهرس المحتويات

 

كلمة الملخص

بسم الله الرحمن الرحيم

على أثر التساؤلات المتكررة على الفضائيات وشبكات الانترنت حول سبب تسمية بعض أولاد أئمة أهل البيت بأسماء الخلفاء، كتب سماحة العلامة المحقق السيد علي الشهرستاني كتاباً باسم «التسميات بين التسامح العلوي والتوظيف الأموي» أجاب فيه عن الشبهات المطروحة حول التسميات، وقد لاقى كتابه هذا استقبالاً حسناً من قبل المؤمنين، وطبع مرات عدّة في مدة عامين؛ وذلك لافتقار المكتبة الإسلامية لمثله من البحوث العلمية التحليلية.

منوّهين الى أنّ الدراسات العلمية، وخصوصاً الخلافية منها تستوجب الشمولية والاستقراء والبسط والتحليل في البحث وهذا مما يتعب المطالع ومما لايستسيغه إلا المتخصص.

فأردت بتلخيصي هذا أن أخدم المجتمع الإسلامي وخاصة الشباب منهم، وأن أُعِمَّ الفائدة للقارئ، فتركت بعض المواضيع غير الرئيسية في الكتاب وفهرس المصادر محيلاً القارئ العزيز إلى أصل الكتاب إن أرادها، وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم.

سمير الكرماني

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وبعد:

الدافع الذي بعثني لتصنيف هذا الكتاب هو سؤال وردني، مفاده: هل حقّاً أنّ الإمام علي والأئمة(ع) من بعده سمّوا بعض أبنائهم بأسماء الخلفاء: أبي بكر، وعمر، وعثمان؟ أم إنّ الآخرين ـ كأُمهات الأولاد والأجداد الأميين أو أحد الخلفاء والحكام ـ قد وضعوا تلك الأسماء عليهم، والإمام أقرّها لسبب وآخر؟ أو أنّها كانت كنى لأولاد الأئمة ثمّ حرفت إلى أسماء لهم من قبل المؤرخين والنسّابين.

وإذا ثبتت التسمية بهذه الأسماء، فهل أنّهم عنوا حين التسمية أحداً من الناس، أم أنّهم سمّوا بها بوصفها أسماء عربية رائجة؟

بل ما مدى دلالة وضع هذه الأسماء على العلاقة والارتباط بين أهل البيت والصحابة؟ وهل أنّها تدل على عدالة المسمى بهم أم لا؟ وما هي دوافع التسميات ومبرراتها؟

بل كيف وضعت أسماء أولاد الإمام علي(ع)؟ هل كانت بترتيب وتدرج الخلفاء؟ أم إنّ ترتيب الأسماء كان من أغلاط المؤرخين؟

هذه الأسئلة وغيرها طرحت وقد أجبت عليها إجمالاً بالقول: إنّ بعض تلك الأسماء وضعت من قبل الإمام علي بن أبي طالب حقيقة وواقعاً، نظير وضع اسم عثمان لابنه من أم البنين بنت حزام الكلابية، لمكانة الصحابي الجليل عثمان بن مظعون عنده.

وبعضها الآخر كانت من وضع الآخرين، كوضع عمر بن الخطاب اسمه لأحد ولد علي(ع) بعد أن طلب من الإمام أن يهب له تسميته فاستجاب لطلبه( ).

وهناك قسم ثالث هو من تحريفات وتصحيفات الحكّام والمؤرّخين. كما هو في ما قالوه من وجود اسم «أبي بكر» بين ولـد الإمام علي (ع) وهو أمر لا صحة له، فقد يكون هو كنية لمن سمّي بمحمد أو عبدالله من أولاد علي بن أبي طالب وليلى النهشلية، فأبدلوا الإسم بالكنية فقالوا: أبو بكر بن علي بن أبي طالب.

أو هو كنية لابن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب فسقط اسم الحسن ـ أو أُسقط ـ وقالوا أبوبكر بن علي.

إنّ جميع هذه الاحتمالات واردة في تسمية أولاد المعصومين ولا يمكن حصـرها في مفردة واحدة. ومما يُؤْسَف له أن نجد التهريج حول موضوع التسمية يأخذ مساحات واسعة على شبكات الإنترنت والفضائيات ويستغل استغلالاً سيئاً بتصور أنّ إثارة هكذا شبهات تربك الشيعي وتؤثر على عقيدته سلباً، فألَّف أحدهم كراساً سمّاه (أسئلة قادت شباب الشيعة إلى الحقّ) جاء فيه:

أما من سمّى ابنه باسم عمر، فمنهم علي(ع) سمّى ابنه عمر الأكبر، وأمّه: أم حبيب بنت ربيعة، وقد قتل بالطف مع أخيه الحسين(ع)، والآخر عمر الأصغر وأمّه الصهباء التغلبية، وهذا الأخير عُمِّرَ بعد إخوته فورثهم.

وكذلك الحسن بن علي سمى ابنيه أبابكر وعمر.

وكذلك علي بن الحسين بن علي.

وكذلك علي زين العابدين.

وكذلك موسى الكاظم، وكذلك...( ).

فشبهات كهذه لا تؤثر على صبيان الشيعة فضلاً عن شبابهم ومثقفيهم لأنهم يعلمون جميعاً بأنّ عقب الإمام الحسين بن علي الشهيد منحصر في الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، المعروف بالإمام علي زين العابدين السجاد، فهذان الاسمان ليسا لشخصين ـ كما تصوّره الجامع والمعدّ لهذه الرسالة ـ بل هما لشخص واحد.

وكذا ما ذكره عن عمر بن علي وأنّ هناك عُمَران:

 1 ـ عمر الأكبر وأمّه أم حبيب بنت ربيعة.

 2 ـ عمر الأصغر وأمّه الصهباء التغلبية، وهذا الأخير عمّر بعد إخوته فورثهم..

فكلا الاسمين والأمّين هما لشخص واحد ولامرأة واحدة وهي الصهباء التغلبية المكنّاة بأم حبيب بنت ربيعة لا غير.

ولو أراد بعض المؤرّخين والنسابة الذهاب إلى التعدّد لقال: إنّ عمر الأصغر هو الذي قتل في كربلاء لا الأكبر، وذلك لعدم وجود خلاف في حياة عمر الأكبر بعد واقعة الطف واختلافه مع أبناء إخوته. أما الأصغر فهو الموجود فقط في زيادات شيخ الشرف في الذكور: «عبدالرحمن، عمر الأصغر، عثمان الأصغر، عون، جعفر الأصغر، محسن»، في حين أنّ شيخ الشرف لم يذكر من هي أم عمر الأصغر.

ولا أدري كيف وَفَّقَ وعدَّ ابن الصهباء التغلبية هو عمر الأصغر ـ لا الأكبر ـ في حين أطبق النسّابة على أنّها كانت من سبي اليمامة أو عين التمر.

وإذا كان عمر بن الخطاب سمّى ابن الإمام علي من الصهباء التغلبية باسمه في أوائل خلافته، فهو يعني ولادته بعد السنة الثانية عشر للهجرة، فكيف يكون من كان عمره 35 سنة يوم الطف ـ أي سنة 61 للهجرة ـ أكبر من الذي ولد في أوائل خلافة عمر بن الخطاب؟!

في حين أنّ صبيان الشيعة يعلمون بأنّ من وُلِدَ في السنة الثانية أو الثالثة عشر للهجرة مثلاً يكون عمره عند واقعة الطف 48 سنة، أي إنّه أكبر من الذي استشهد بالطف وعمره 35 سنة حسب الأخبار.

فكيف يكون المستشهد بكربلاء هو الأكبر حسب زعم جامع الرسالة؟

هذا وقد أخطأ الجامع أيضاً فيما قاله في تلك الرسالة عن زوجات الإمام علي(ع) وما لهن من ولد، إذ قال:

لقد تزوج علي (رض) بعد وفاة فاطمة نساء عدّة، أنجبن له عدداً من الأبناء، منهم: عباس بن علي بن أبي طالب، عبدالله بن علي بن أبي طالب، جعفر بن علي بن أبي طالب، عثمان بن علي بن أبي طالب.

أمهم هي: «أم البنين بنت حزام( ) بن دارم».

وأيضاً: عبيدالله بن علي بن أبي طالب، أبو بكر بن علي بن أبي طالب. أمهما هي: «ليلى بنت مسعود الدارمية».

وأيضاً: يحيى بن علي بن أبي طالب، محمّد الأصغر بن علي بن أبي طالب، عون بن علي بن أبي طالب. أمهم هي: «أسماء بنت عميس».

وأيضاً: رقية بنت علي بن أبي طالب، عمر بن علي بن أبي طالب ـ الذي توفّي في الخامسة والثلاثين من عمره ـ . وأمّهما هي: «أم حبيب بنت ربيعة».

وأيضاً: أم الحسن بنت علي بن أبي طالب، رملة الكبرى بنت علي بن أبي طالب. وأمهما هي: «أم مسعود بنت عروة بن مسعود الثقفي»( ).

وقد أحال ـ الجامع ـ في جميع هذه الأُمور إلى كتاب «كشف الغمة في معرفة الأئمة» للإربلي، في حين أنّ الإربلي براء من كل هذه المعلومات الخاطئة.

فهو  لم يعدّ محمّداً الأصغر ابناً لأسماء بنت عميس ـ كما قال الجامع والـمُعِدّ ـ بل نقل عن الشيخ المفيد قوله: (ومحمّد الأصغر المكنّى أبا بكر وعبيدالله الشهيدان مع أخيهما الحسين بالطف، أمهما: ليلى بنت مسعود الدارمية [النهشلية]  ويحيى وعون أمهما أسماء بنت عميس الخثعمية رضي الله عنها)( ).

وعليه، فمثل هذه المعلومات الخاطئة لا يمكنها التأثير على شبابنا الواعي؛ إذ إنّ العقل الإنساني اليوم في نموّ وتطوّر، والمثقّف لا يتأثّر بمثل هذه التحريفات، لأنّه ينظر إلى الأُمور بواقعية وتعقّل لا بعاطفة وانفعال.

و إنّي وإن كنت لا أرى قيمة لهكذا إثارات ولا أراها تستحقّ الجواب والردّ، وبنظري أنّ ترك علمائنا لها يرجع لسخفها وضحالة قيمتها العلمية، ولكونها أسئلة ركيكة غير مدروسة.

لكن ماذا نفعل لو نزل الأمر بنا للإجابة على مثلها، فهم يريدون أن يثيروا العواطف ويهيّجوا الأحاسيس لكي يضفوا طابع المحبة بين الخلفاء والآل، وأن يقولوا بأنّ هذه التسميات والمصاهرات بين الآل والصحابة لها الدلالة الكاملة على المحبة ـ أو قل على عدم وجود الخلاف بينهم ـ في حين أنّ الخلاف بين الآل والخلفاء عميق بعمق التاريخ الإسلامي.

وكفى مدعي المحبّة أن يراجع (باب قول النبي(ص)): «لا نورّث ما تركناه صدقة» من صحيح مسلم( ) ليرى قول الإمام عليّ في أبي بكر وعمر مع التأكيد، بأنّ أئمة أهل البيت(ع) على الرغم من خلافهم الجوهري مع أبي بكر وعمر وعثمان لم يكونوا حسّاسين بهذا القدر مع التسمية بأسمائهم، حتّى أثار معاوية، ومروان، والحجّاج روح الضغينة والمضادة والمعاندة مع التسمية بعليّ.

فتركت التسمية بعمر ـ بعد الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين ـ في أولاد المعصومين، بعد أن كانت قد تركت التسمية بعثمان من بعد الإمام علي وحتى في ولده من غير المعصومين.

وهكذا كان حال شيعة علي(ع) ـ إلى القرن السادس الهجري، وحتّى قليل من بعده ـ فهم كانوا يسمّون بتلك الأسماء على الرغم من وقوفهم على إجحاف الآخرين بأسماء أئمّتهم وطمسها، وقتلهم لمن تسمّوا بها ولو راجعت كتب الرجال والتراجم لوقفت على وجود أسماء الثلاثة في رجال الشيعة حتّى ترى أسماءَهم في مشايخ النجاشي والصدوق رحمهما الله تعالى وفي أسماء غيرهما من أساطين المذهب.

فالإمام المعصوم لم ينهَ أصحابه أو أولاده أو أحفاده عن التسمية بأبي بكر أو عمر أو عثمان؟ مع معرفة الناس بأنّ أئمّة أهل البيت كانوا على خلاف مع الخلفاء ومع عائشة على وجه الخصوص؟ فلا تدعوهم هذه المخالفة لمحاربة هذه الأسماء بما هي أسماء ؛ لأنّهم كانوا ينظرون إلى المواقف والأعمال لا الأسماء، وعلى المؤمن أن يتبرأ من الأعمال لا الأسماء؟

إذن أئمّة أهل البيت هم أسمى من أن يتأثّروا بالهوى، وأن يؤطّروا مواقفهم بأُطر ضيقة، فلا يسقطون خلافاتهم الجوهريّة على الأسماء الظاهريّة، ولم يحاربوا الأشخاص على الهوية كما فعل معاوية( ) ومروان( ) وعبدالملك بن مروان( )والحجاج( ) مع محبّي الإمام علي، وقتل من تسمّى به( ) أو قطع لسانه( ) أو حذف اسمه من الديوان( ) ؛ لأن¬ّ فعل النبي والإمام جاء لتحقيق الأمر الإلهي وليس اتّباعاً للهوى.

وفي اعتقادي أنّ ما قاله رسول الله(ص) في خالد بن الوليد يوم فتح مكّة: «اللهم إني أبرأُ إليك ممّا صنع خالد »( )، فيه إشارة إلى لزوم التبرّي من أفعال الناس الخبيثة لا أسمائهم، وأنّ سيرة النبيّ(ص)  جاءت لتكون قاعدة في التسميات.

إذن المعادلة أخذت تتغيّر شيئاً فشيئاً بعد معاوية ويزيد حتّى انقلبت منذ أواسط القرن السادس الهجري من التسمية إلى عدم التسمية، فأخذت العامّة تسمّي أبناءها بعليّ والحسن والحسين ـ بعد طول الإجحاف ومداراة للحكام ـ والشيعة تركت التسمية بأسماء الثلاثة، وذلك لفتاوى صدرت من فقهاء البلاط كان آخرها ما صدر عن أحد وعّاظ السلاطين في الريّ في عهد بركيارق بن ملك شاه بن ألب أرسلان السلجوقي( ) أساء فيها إلى الصدّيقة البتول فاطمة الزهراء(ع)، واتّهم الشيعة بسوء النيّة في التسميات، ممّا أثار سخطهم، وهو اتّهام يشبه ما صدر عن معاوية في حقّ الإمام عليّ( ).

أجل إنّ الشيعة أخذت تحدّ من التسمية بأسماء الخلفاء الثلاثة جرّاء سياسات الأمويين، والمروانيين، والعباسيين، والسلجوقيين، والعثمانيين، وما فعله صلاح الدين الأيّوبي بهم.

وقبل ذلك لاحق معاوية والحجّاج واضطهد كلّ من تسمّى باسم الإمام علي، كلّ هذه الأُمور مجتمعة دعت الشيعة إلى أن تقلّل من التسمية بأسماء الثلاثة.

وعليه فقد ظهرت المضادة مع هذه الأسماء علناً في أواسط القرن السادس الهجري وأوائل السابع ممّا أغضب ابن تيمية ودعاه أن يتّهم الشيعة مدّعياً بأنّ أهل السنة والجماعة يسمّون بأسماء أئمّة أهل البيت، فلماذا لا تسمّون أنتم بأسـماء الثلاثـة( ) ؟! في حين هـو يعـلم بأنّ الخـلفـاء والحكّـام ـ الأمويين منهم والعباسيين ـ كانوا يتحسّسون من التسمية بهذه الأسماء، وكان الرواة في العصور التي سبقته لا يمكنهم الرواية عن «عليّ» فكيف التسمية باسمه؟! وأنّهم كانوا لا يمكنهم الرواية عنه إلا بالكناية فيقولون: «عن أبي زينب»( ).

وعليه، فالتسمية بأسماء الثلاثة مرّت بمراحل وتطوّرت بتطوّر الزمن حتّى وصل الأمر إلى ما نحن فيه، وإنّ ترك الشيعة في العصور الأخيرة لأسماء الثلاثة لم يكن تعصّباً واعتباطاً كما يقال. بل كان نتيجة طبيعية للممارسات غير الصحيحة من قبل الآخرين.

هذه الإثارات المتكرِّرة جعلتنا نهتمّ بهذا الأمر ونجعله ضمن برنامجنا العلمي، مفردين لذلك رسالة مستقلّة، وخصوصاً حينما لم نجد رسالة مستقلة توضّح هذه الإشكالية بشكل يلائم عقلية الشباب المسلم اليوم وإن كان علماؤنا الأجلاّء قد تعرّضوا لهذه الشبهة في كتبهم الكلامية على نحو الاستطراد لا الاستقراء والشمولية، وسيكون كلامنا معقوداً في ضمن بحثين أساسيين:

الأوّل: التسمية بين منهج أهل البيت وسياسة الخلفاء.

الثاني: في التكنية بأبي بكر.

وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم