البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

أهل البيت (عليهم ‏السلام) في أشعار الإمام الشافعي

الباحث :  جواد غلام علي زاده
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  63
السنة :  السنة السادسة عشر خريف 1432 هجـ 2011 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 21 / 2015
عدد زيارات البحث :  780
أهل البيت (عليهم ‏السلام)
في أشعار الإمام الشافعي

جواد غلام علي زاده (*)

تمهيد
عُرف الإمام أبو عبد الله محمّد بن إدريس الشافعيّ كإمام من أئمّة الفقه الأربعة لدي أهل السنة. لكنَّ الكثيرين قد لا يعرفون عنه أنَّه كان شاعراً أيضاً. فقد كان الشعر يَصدر عنه تلقائيّاً معبِّراً عمَّا يدور في ذهنه؛ لذلك انتشر شعره بين الناس، وأصبح الكثير منه من الأمثال السائرة التي يتداولونها، ولا يعرف معظمهم أنَّها من شعره. هذا ومن جهةٍ أُخري كانت له علاقة مودّة بأهل البيت(عليهم ‏السلام) ويصرّح في کثيرٍ من الأحيان بهذا الحبّ، وهذا الولاء حيث عُرف بين الناس بمحبّته لأهل البيت (عليهم ‏السلام).
والغرض من هذه الدراسة معرفة مکانة أهل البيت (عليهم ‏السلام) في شعر الإمام الشافعيّ أولا، وأسلوبه البيانيّ في هذا الموضوع ثانياً وكلّ ذلك لأن الإمام الشافعي من کبار العلماء والفقهاء الذين استفادوا من الشعر کوسيلة لإظهار ما في ضمائرهم.
الحبُّ والولاء لآل البيت (عليهم ‏السلام) لا يختصّ بالشيعة دون غيرهم بل هو أمر
________________________________________
(*) عضو الهيئة العلمية بجامعة زابل، بإشراف السيد باقر الحسيني، من إيران.

[الصفحة - 197]


عالميّ يشترک فيه حتّي غير المسلمين؛ لأنّ حبَّ أهل البيت (عليهم ‏السلام) يرتبط بحبِّ الکمال والقِيَم الإنسانيّة العليا، والمسلمون وغير المسلمين مشترکون في هذا الحبّ. وقد أکّد القرآن الکريم هذه المسألة حيث يقول: {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} (الشورى، 23). فطبقاً لهذه الآية الکريمة، حبُّ أهل البيت(عليهم ‏السلام) من الواجب المفروض. قال الزمخشري في تفسير هذه الآية الشريفة: «إنّها لمَّا نزلت قيل: يا رسول الله! من قرابتک هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: علي وفاطمة وابناهما» (1). ثم يذکر حديث رسول الله (عليه ‏السلام) قائلاً: «من مات علي حبِّ آل محمّد مات شهيداً، ألا ومن مات علي حبِّ آل محمّد مات مغفوراً له، ألا ومن مات علي حبِّ آل محمد مات تائباً، ألا ومن مات علي حبِّ آل محمد مات مؤمناً مستکمل الإيمان»(2).
بناءاً علي هذه الآية الشريفة وهذا الحديث الشريف، جاهر الإمام الشافعي بحبِّ أهل البيت (عليهم ‏السلام) الذين هم موئل الإيمان وموطن الإسلام حتّى رُمي بالتشيّع وهو علَم من أعلام أهل السنة وإمام من أئمتهم (3).
من هذا المنطلق تسعي المقالة الحاضرة لتبيين مکانة أهل البيت (عليهم ‏السلام) في أشعار الإمام الشافعي أولاً، وأسلوبه البيانيّ في هذا الموضوع ثانياً، وذلک من خلال المواضيع التالية:
1ـ التعريف بأهل البيت (عليهم ‏السلام).
2ـ نبذة عن الإمام الشافعي (حياته وشخصيّته الأدبيّة).
3ـ أهل البيت (عليهم ‏السلام) في أشعاره:
أ ـ محبّة الإمام الشافعي لأهل البيت (عليهم ‏السلام).
ب ـ استنکاره طمس ذكر أهل البيت وإخفاء فضائلهم (عليهم ‏السلام).
ج ـ العنصر الاستدلالي في محبّته لأهل البيت (عليهم ‏السلام).
د ـ الإمام الحسين (عليه ‏السلام) في شعره.
________________________________________
(1)- الزمخشري، محمود بن عمر، الکشاف، ج 4، ص 220، قم، نشر أدب الحوزة.
(2)- م. ن.
(3)- أحمد أمين، ضحي الإسلام، الجزء الثاني، ص420، بيروت، دار الکتاب العربي، 1429هـ .

[الصفحة - 198]


1ـ التعريف بأهل البيت (عليهم ‏السلام):
جاء في القرآن الكريم {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} (الأحزاب، 33). وعن أنس بن مالك قال: «كان رسول الله(عليه ‏السلام) يمرّ ببيت فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلي صلاة الفجر يقول: الصلاة يا أهل البيت {إنّمَا يُرِيدُ الله ُلِيُذهِبَ عَنکُم الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَکُم تَطهِيراً}» (4).
وحدث العوام بن حوشب قال: حدثني ابن عمي مجمع، قال: «دخلت علي عائشة فسألتها عن مسيرها يوم الجمل، فقالت: كان قدراً من الله، فسألتها عن علي بن أبي طالب (عليه ‏السلام) فقالت: تسألني عن أحبّ الناس كان إلي رسول الله (عليه ‏السلام) وزوج أحبّ الناس إلي رسول الله (عليه ‏السلام)، لقد رأيت علياً وحسناً وحسيناً وجمع رسول الله عليهم ثوبه، فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً» (5).
كما روي عن أم سلمة رضي الله عنها أنّه (عليه ‏السلام) أدخل علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً (عليهم ‏السلام) في كسائه وقال: «اللهم إن هؤلاء أهلي أو أهل بيتي، فقالت أم سلمة: وأنا منكم ؟ قال: أنت بخير أو علي خير» (6).
وقد جاء في القرآن الكريم مخاطباً الرسول (عليه ‏السلام): {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} (آل عمران، 61)، فأتي الرسول (عليه ‏السلام) يوم المباهلة بالحسنين عليهما السلام كأبناء الإسلام وبفاطمة كنساء الإسلام وبعلي كأنفس الإسلام. وهذا الأمر يدلُّ علي أنّ هذا العدد القليل في الحقيقة كلّ الإسلام ويكفي الإسلام انتصاراً في مباهلة النصاري بدل كلِّ الأمّة الإسلاميّة ولذلك قال الإمام علي (عليه ‏السلام): «لايقاس بآل محمد (عليه ‏السلام) من هذه الأمّة أحد، ولايسوّي بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً؛ هم أساس الدين وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي وبهم يلحق التالي ولهم خصائص حقّ الولاية وفيهم الوصية والوراثة» (7).
________________________________________
(4)- الحسكاني، الحاكم، شواهد التنزيل، ج 2، ص 21، تحقيق محمد باقر المحمودي، ايران، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية،1411هـ .
(5)- الأربلي، أبو الحسن علي بن عيسي بن أبي الفتح، كشف الغمة في معرفة الأئمة، ج 1، ص 48، بيروت، دار الأضواء، 1990م.
(6)- م. ن، ص 46.
(7)- الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة، 2، ص 35، تحقيق الشيخ فارس تبريزيان، تعليق و فهرسة صبحي صالح، الطبعة الثانية، قم، مؤسسة دارالهجرة ، 2002م .

[الصفحة - 199]


2ـ نبذة عن الإمام الشافعي (150-204هـ):
هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي الهاشمي المکي. والشافعي من هاشمين: هاشم بن المطلب وهاشم بن عبد مناف إذ تزوج الأخير من الشفاء بنت هاشم بن عبد مناف، فولدت له عبد يزيد جد الشافعي. والراجح في ولادته أنّها کانت سنة 150هـ بغزّة، وتوفّي أبوه وهو ابن سنتين، فعادت به أمه إلي مکة مستقرّ قرابته (8)، ثمّ دفعته إلي الکتّاب، فما بلغ السابعة حتّي حفظ القرآن الکريم، وأخذ الحديث النبويّ. يقول عن نفسه: «حفظت القرآن وأنا ابن سبع وقرأت الموطأ وأنا ابن عشر سنين وأقمت في بطون العرب عشرين سنة آخذ أشعارها ولغاتها» (9).
وقد خرج الشافعي في فتوّته إلي بوادي هذيل وأمّهات القبائل، فشافَه الأعراب وأقام بين ظهرانيهم سنين. لازمهم فيها حلاً وترحالاً، وأخذ عنهم اللغة والشعر، وأتي علي شعر هذيل حفظاً، واستوعب کثيراً من الأخبار والأشعار والأنساب وأيَّام العرب. اجتمع إلي قرشيّة الشافعي ذکاؤه، وقدرته الفائقة علي الحفظ، وحدبه ودأبه علي طلب العلم، فأوتي خيراً کثيراً في عربيّته وفصاحته ولغته. يقول الربيع بن سليمان: «کان الشافعي عربي النفس عربي اللسان» (10) ويقول: «لو رأيت الشافعي وحسن بيانه وفصاحته لتعجّبت منه، ولو أنَّه ألَّف هذه الکتب علي عربيّته التي کان يتکلّم بها، لم يقدر علي قراءة کتبه» (11).
ويشهد له الزعفراني بمثل ذلک حيث يقول: «ما رأيت أحداً قطّ أفصح ولا أعلم من الشافعي، کان أعلم الناس وأفصح الناس. . . ما کان إلا بحراً» (12).
ويقول الدکتور محمود البستاني: «بالرغم من أنّ الشافعي يُعدّ فقيهاً، إلا أنّه شعرياً يظلّ في تصوّرنا من الطبقة الأولي، بحيث يُضارع المتنبي في موقعه الرياديّ. ويبدو أنّ مؤرِّخي الأدب قد تعمّدوا عدم إعطائه المنزلة التي يستحقّها
________________________________________
(8)- الشافعي، محمد بن إدريس، ديوان الشافعي، ص 10، تحقيق ودراسة الدکتور مجاهد مصطفي بهجت، الطبعة الأولي، دمشق، دار القلم، 1999م.
(9)- م. ن، ص 11.
(10)- م. ن، ص 13.
(11)- م. ن.
(12)- م. ن.

[الصفحة - 200]


بسبب من محبّته لأهل البيت (عليهم ‏السلام)، وإلا فإنَّ المنصف في حالة کونه يمتلک خبرة أدبيّة يتعيّن عليه أن يضعه في صفّ الشعراء الذين يحتلّون ذروة الطبقة الأولي؛ کالمتنبيّ والمعريّ ونحوهما» (13).
والمهم أنّ الشاعر ملتزم بمحـبّة أهل البيت (عليهم ‏السلام) ـ بالرغم من عدم کونه شيعياً في الاعتقاد ـ مضافاً إلي عدم انحداره إلي الشعر المنحرف الذي طبع نتاج الکثير من الأدباء، بل شحن شعره بالحکمة وبالظواهر الأخلاقيّة، وبمحبَّة أهل البيت(عليهم ‏السلام).
3ـ أهل البيت (عليهم ‏السلام) في شعره:
من المواضيع الشعريّة التي تطرَّق إليها الإمام الشافعي موضوع أهل البيت(عليهم ‏السلام) حيث يحتلّ هذا الموضوع مکانةً واسعةً مرموقة بين أشعاره، ونتناوله من خلال الموارد التالية:
الف ـ محبّة الإمام الشافعي لأهل البيت (عليهم ‏السلام):
عُرِفَ الإمام الشافعي بمحبّته لأهل البيت (عليهم ‏السلام) وكانت تربطه بهم علاقة محبّة ومودّة حتّي اتّهم بالتشيّع (14). وقال عنه ابن نديم: «وکان الشافعي شديداً في التشيّع» (15). کما کان لا يتحدّث في مجلس يحضره أحد العلويين، ويقول: «لا أتكلّم في مجلِس يحضره أحدهم هم أحقّ بالكلام» (16). واشتهر الإمام الشافعي بمحبّته لأهل البيت (عليهم ‏السلام) عند قوله (17):
يـا آل بـيت رسـول الله حبّكم فرضٌ من الله في القــرآن أنزلـه
يـكفيكم من عظيم الذكر أنّكم مـن لـم يصلِّ عليكم لا صلاة له
وهو يشير في هذين البيتين إلى الآية الشريفة: {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}(الشورى، 23). ويعلن الشافعيّ فريضة الحبّ والولاء لآل البيت ومعطيات هذا الولاء في الدنيا والآخرة فيقول (18):
________________________________________
(13)- البستاني، محمود، مختصر تاريخ الأدب العربي في ضوء المنهج الإسلامي، ص 232ـ 233، الطبعة الأولي، طهران، منظمة السمت، 1381هـ.ش.
(14)- أحمد أمين، ضحي الإسلام، الجزء الثاني، ص420
(15)- ابن النديم، أبو الفرج محمد بن أبي يعقوب إسحاق، الفهرست، ص، 352، ضبطه و شرحه الدکتور يوسف علي طويل، الطبعة الثانية، بيروت، دار الکتب العلمية، 2002م
(16)- م. ن. ص 353.
(17)- ديوان الشافعي، ص87.
(18)- ديوان الشافعي، ص51.

[الصفحة - 201]


آل النبـيّ ذريــعـتي وهُمُ إليـه وسـيلتي
أرجو بأن أعـطى غـدا بيدي اليمـين صحيفتي
کما يتوسّل بأهل البيت (عليهم ‏السلام) في يومٍ لا ينفع فيه أي رصيد مخزون أو شيء مذخور قائلا(19):
هم شُفعائي يوم حشري وموقفي إذا ما بدت للنــاظرين خطوبُ
ويرى الشافعي أيضاً وجوب الاعتقاد بآل البيت وحبهم والتعلّق بمودّتهم إذ يرى فيهم ما يراه في بقية أصول الدين من الأهميّة كتوحيد الله سبحانه وتعالى والعدل الإلهي, وهكذا يجب الاعتقاد والتديّن؛ لأنّ حبّهم دين وإيمان وعقيدة، يقول (20):
لو فتشوا قلبي لألفوا به سطرين قد خطا بلا كاتب
العدل والتوحيد في جانب وحبّ أهل البيت في جانب
لكنّ هذه المحبّة وهذه الموالاة لم تصل إلى مرحلة العمل من أجل إيصالهم إلى السلطة أو العمل على جعل الحكم في سلطانهم؛ لأنّنا لا نجد صلةً حقيقيّة بينه وبين الشيعة ولا اتِّصالاَ مع الأئمة في عصره (21). ويوضح في الأبيات الآتية عن سبب اتِّهامه بالرفض أو التشيع (22):
قالوا ترفّـضت قلت كـلا ما الرفـض ديني واعتقـادي
لكن تولــيت دون شـك خير إمــام وخـير هـادي
إن كان حـبّ الوصي رفضاً فإنـني أرفــض العـبـاد
ب ـ استنکاره طمس ذكر أهل البيت وإخفاء فضائلهم (عليهم ‏السلام):
ممّا تجدر الإشارة إليه هو صمود الإمام الشافعي أمام الذين کانوا ينکرون فضائل أهل البيت (عليهم ‏السلام). جاء في أخباره أنَّه خرج من مکّة إلي مني، فلم ينزل وادياً ولم يصعد شعباً إلا و هو يقول (23):
________________________________________
(19)- الشافعي، محمد بن إدريس، ديوان الإمام الشافعي، ص 48، تحقيق إميل بديع يعقوب؛ الطبعة الثالثة، بيروت، دار الکتاب العربي، 1996م.
(20)- القندوزي الحنفي، الشيخ سليمان، ينابيع المودة، ج3، ص 532، الطبعة الأولي، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1997م.
(21)- حيدر، أسد، الإمام الصادق و المذاهب الأربعة، الجزء الرابع، ص 417، الطبعة الأولي، منشورات کلمة الحق، مطبعة ستاره 2007م،
(22)- ديوان الشافعي، ص 117.
(23)- ديوان الشافعي، ص74.

[الصفحة - 202]


يا راكباً قـف بالمحصـّب من منى واهتف بقائـد خيفها والناهض
سَحَراً إذا فـاض الحجيج إلى منى فيضاً كملـتطم الفرات الفائض
إنـّي أحبّ بني نـبي المصطـفى وأعـدّه من واجبات فـرائضي
إن كان رفضـاً حبّ آل محـمد فليشهد الثقلان أنّي رافضــي
فهو لا يعبّر عن رأيه الشخصيّ فقط، بل يُطالب جميع الحجّاج أن يهتفوا بذلك وأن يعلنوه؛ لأنّ هذا الأمر مهم جداً ويستحقّ الإفصاح عنه وإذاعته لينتشر في أوساط حجاج البيت الحرام. ويكرّر الشافعي هذا المعنى في أبيات أخرى حيث نجده في شعره لا يسكت عن النطق ضدّ بعض السلوكيّات المنحرفة ويوسِّع نقده لهذه الظواهر الاجتماعيّة الدينية؛ فقد كثر في عصر الشافعي أساليب طمس ذكر أهل البيت وإخفاء فضائلهم، بحيث إنّ قوماً لا يصبرون على سماع فضيلة من فضائل سبطي رسول الله(عليه ‏السلام) (الحسن والحسين) وأبيهما وأمهما(عليهم ‏السلام)، وقيل: إنّ أحداً إذا أراد ذكر فضائلهم يقولون: هذا رافضي، فكان الشافعي يستنكر ذلك ويقول (24):
إذا في مجلـسٍ ذکـروا عليـاً وسبطيـه وفاطمـة الزکيـه
فأجـری بعضهم ذکری سـواه فأيـقـن أنـّـه سلقـلقيـه
اذا ذکـروا عليــاً أو بنيـه تشاغـل بالروايـات العليّـه
يُقـال تجـاوزوا يـا قوم هذا فهـذا من حديث الرافضيـه
برئت الی المهيـمن مـن أناس يـرون الرفض حبَّ الفاطميـه
علی آل الرسول صلاة ربــي ولعنتــه لتلک الجاهليّــه
نرى الشافعي في هذه الأبيات يكشف عن عودة الجاهليّة المنهمكة بنشاطها، فيلعنها ويحذِّر منها. إنّها الجاهليّة الملعونة بعينها تعود بلبوس جديد، فتُطمس بها فضائل أبناء الرسول وتُظلم عترته وتُقتل ذريته. وهكذا يرى الشافعي الواقع القائم آنذاك بعين الاستغراب والعجب والارتياب.
________________________________________
(24)- الشيخ سليمان الحنفي القندوزي، ينابيع المودة، ج2، صص323ـ324.

[الصفحة - 203]


ج ـ العنصر الاستدلالي في محبّته لأهل البيت (عليهم ‏السلام):
مما يُلفت النظر في أشعار الإمام الشافعي حول أهل البيت (عليهم ‏السلام)، احتشاد بعض هذه الأشعار بالعنصر الاستدلالي المنطقي، وهذا نحو قوله (25):
ولـما رأيـت الناس قد ذهبت بهم مـذاهبهم فـي أبحر الغي والجهل
ركـبت على اسم الله في سفن النجا وهم آل بيت المصطفى خاتم الرسل
وأمـسكت حبل الله وهو ولاؤهم كما قـد أمرنا بـالتمسك بالحبل
إذا افـترقت في الدين سبعون فرقة ونـيفاً كما قد صحّ في محكم النقل
ولـم يـك نـاج مـنهم غير فرقة فـقل لي بها يا ذا الرجاحة والعقل
أفـي فـرق الـهلاك آل مـحمد أم الـفرقة اللاتي نجت منهم قل لي
فـإن قلت في الناجين فالقول واحد وإن قلت في الهلاك حِفْتَ عن العدل
إذا كـان مـولى الـقوم منهم فإنني رضـيت بهم ما زال في طلهم طلي
فـخل عـلياً لـي إمـاماً ونـسله وأنـت مـن الباقين في سائر الحل
فالملاحظ في هذه الأبيات أنّها مقتبسة من الحديث المعروف عن النبي(عليه ‏السلام) عن افتراق الأمّة إلي ثلاث أو اثنين وسبعين، تنجو واحدة منها (26). والشاعر هنا يقدّم استدلالا منطقياً يقول فيه: هل إنّ آل البيت (عليهم ‏السلام) من الناجين أم الهلّاک؟ فإذا قلنا إنهم من الناجين، فالأمر بهم يختص بوضوح، وإن قال القائل إنّهم من الهالکين، فهذا ما لا يتعقّله إنسان. والمهم، أنّ هذه اللغة المنطقية قد وشّحها الشاعر بأدوات لفظيّة ودلاليّة ليعوّض بها عن منطقيتها، حيث جاء: الحوار، والتقابل، والتکرار، والتجانس، أدوات لها جماليّتها کما هو ملاحظ.
د ـ الإمام الحسين (عليه ‏السلام) في شعره:
ممّا أشار الإمام الشافعي إليه في قصيدة له، مصيبة الحسين (عليه ‏السلام) في كربلاء حيث يرثيه ويتأوّه قلبه له، ويصب في هذه القصيدة ما کان في قلبه من حزن
________________________________________
(25)- شبر، السيد جواد، أدب الطف أو شعراء الحسين عليه ‏السلام، ص 218ـ 219، بيروت.
(26)- الأمير الصنعاني، محمد بن إسماعيل ، افتراق الأمة إلى نيف وسبعين فرقة، ص 49، تحقيق سعد بن عبد الله بن سعد السعدان الطبعة الأولى، الرياض، دار العاصمة، 1415هـ .

[الصفحة - 204]


عميق وعاطفة کئيبةٍ لمصرع سيّد شباب أهل الجنة الحسين بن علي عليهما السلام. وتُعتبر هذه القصيدة ذروة المعاناة والآهات فمنعته من لذّة السهاد، وذلك لتذكّره مصاب الحسين (عليه ‏السلام) بكربلاء حيث‏ يتخيّل بعض جوانب واقعة الطف ويبدأ قصيدته (تأوّه قلبي)‏ فيقول (27):
تـأوّه قلـبي والفـؤاد كئيـب وأرّق نـومي فالسهـاد عجيـب
ومما نفـى نومـي وشيب لومـتي تصـاريف أيـّام لهـن خطـوب
فمـن مبلـغ عني الحسين رسالـة وإن كرهتـها أنفـس وقلـوب
ذبيـح بلا جـرم كـأنّ قميصـه صبيـغ بمـاء الأرجوان خضيـب
فللسيـف إعـوال وللـرمح رنّة وللخيـل من بعد الصهيل نحيـب
تزلـزلت الدنيـا على آل محـمد وكـادت لهم صمم الجبال تذوب
وغـارت نجوم واقشعرت كواكب وهتـك أستـار وشـق جيوب
يصلـّي على المبعوث من آل هاشم ويغـزى بنـوه إنّ ذا لعجيــب
لئن كـان ذنبي حـبّ آل محمـد فذلك ذنـب لسـت عنه أتـوب
هم شفعـائي يوم حشري وموقفي إذا مـا بـدت للناظـرين خطوب
يمتاز هذا الشعر عن بقيّة ما نَظَمَه الشافعي في أهل البيت (عليهم ‏السلام) عليهم بعدة جوانب منها:أولاً: تجلّي حالة الجزع والحزن بصورةٍ واضحة قلَّما نجد نظيراً لها في باقي ما نظمه الشافعي حيث يمكن لمس حرارة اللوعة والأسى وهي مشتعلةٌ في قلبه لمصاب الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه ‏السلام).
ثانياً: ليس في شعر الشافعي قصيدة بهذا الطول كرَّس فيها اهتمامه لشخص معيّن على الرغم من وجود الشخصيات الكثيرة ذات الشهرة الواسعة، شخصيّات متباينة الجدارة والكفاءة في الحياة الرساليّة باستثناء شخصية الرسول الأعظم وأهل
________________________________________
(27)- ديوان الإمام الشافعي، ص48؛ ابن شهر آشوب، مشير الدين، مناقب آل أبي طالب، ص 1026، الطبعة الأولي، بيروت، دار المرتضي، 2007م.

[الصفحة - 205]


بيته التي كرّر فيها الشاعر أنشودته بشكلٍ متميّز، فالشخصيّة الوحيدة التي قال فيها الشافعيّ قصيدة خاصّة ومستقلّة هي شخصية الإمام الحسين (عليه ‏السلام).
ثالثاً: عند قراءة أشعار الشافعي لا يظهر في ما قاله أو كتبه ما يتعبّد به لله تبارك وتعالى أكثر ظهوراً ممّا أنشده بحقّ الإمام الحسين (عليه ‏السلام) وأهل البيت (عليهم ‏السلام) باستثناء أبيات فيها ذكرُ الله عزّ وجل والتزلّف إليه وتوحيده، فهو حينما ينظم شعراً عن الإمام الحسين (عليه ‏السلام) يمكن تلمّس دافعه التعبديّ بشكلٍ واضح جداً, وليس بدافع الفنّ الأدبيّ, إنّه يُعلن وبإصرار تعبديّ عن حبّه لآل محمد (عليه ‏السلام), ويؤكِّد بشكل عميق أنّهم أصحاب الشفاعة يوم لا يستغني عنها من يتغابى عن تناولها بواسطة أعماله بدار الدنيا.
4ـ حصيلة البحث
نصل من کلِّ ما تقدَّم إلى أنّ الإمام الشافعي کان ملتزماً ومعروفاً بمحبَّة أهل البيت(عليهم ‏السلام) ولذلک تطرّق إلي هذه المسألة في شعره کثيراً حيث نري لها مکانةً واسعةً مرموقةً بين أشعاره. غير أنَّ هذه المحبّة وهذه الموالاة لم تصل إلى مرحلة العمل في سبيل استرجاع حقهم في الخلافة أو العمل على جعل الحكم في سلطانهم. ومن جانب آخر کان الشافعي يستنکر ما شاع في عصره من طمس ذكر أهل البيت (عليهم ‏السلام) وإخفاء فضائلهم ويصرّح بحبّه لأهل البيت (عليهم ‏السلام) علناً، کما کان يستفيد في هذا العمل أحياناً من العنصر الاستدلاليّ المنطقيّ. وأمّا النقطة الهامّة الأخري التي يجدر الإشارة إليها في شعره بهذا الصدد، فهي تناوله موضوع الطفّ والإمام الحسين (عليه ‏السلام) کشخصية وحيدة قال فيها الشافعي قصيدة.
________________________________________

[الصفحة - 206]